غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 31
قديم(ـة) 03-02-2017, 03:11 AM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها Grase مشاهدة المشاركة
رواية رائعة بمعنى كلمة أتمنى انك تكملينها
شكرًا لك.. باذن الله راح تكتمل
اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها Diamonds ..* مشاهدة المشاركة
Great novel l like it and PLEASE DON'T GIVE UP I will be waiting for the next part.
God bless you..
You are very kind, thank you

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 32
قديم(ـة) 03-02-2017, 03:17 AM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


السلام عليكم .. صباح الخير
حقيقةً جدًا محرجة أعتذر لكل عين انتظرتني لأنها المرة الثانية اللي انقطع بسرعة وفجأة وبدون اي إخبار او اعتذار.
دراستي في مسار معاكس بشكل كبير للرواية ومو قادرة أوازن بين الاثنين لأني أفقد تركيزي في واحد منهم إن ركزت في الثاني بشكل كبير ..
فنقول العودة من غير انقطاع ان شاء الله بعد رمضان.
وأعتذر مرة أُخرى

حِرز


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 33
قديم(ـة) 03-02-2017, 03:12 PM
وردةشقى وردةشقى غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


موفقه
و بانتظارج


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 34
قديم(ـة) 05-05-2019, 10:11 AM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رواية : طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ .
بقلم : حِرز.
بسم الله .. أرجوا من الله التوفيق فيما كتبت وفيما سأكتب.

لقد صار أجملْ! (٥)

قبل عشرون سنة
"شبه نائم فوق السرير وهو يحتضن نفسه، ذلك العراك مع أبيه قد أفقده طاقته، شعر بيد تمر فوق عقدة حاجبيه ثم فوق خيط الدم الذي نزف من شفتيه .. فتح عينيه بانزعاج من ضوء الشمس .. وجه طفولي .. عيناه مزرقتان وشعره كخيوط الشمس الذهبية هذه .. وخداه محمران بشكل غريب .. يناديه: بدر ..
نهض على وجل ووضع كفه فوق خد هذا الطفل هاتفا: دخيل!!
تنهد ما ان استشعر حرارة جسده، حمله اليه ووضعه في حجره ليعانقه بشدة وهو يهمس له بلغة والدته حيث كان دخيل لايجيد العربية:"أتريد أن تواسيني وأنت على هذه الحال يا روح أخيك؟"
يبعد وجهه عن صدره وينظر إليه وشفتاه ترتجفان بفعل الحمى .. لينهض خارجا من داره.."
.
.
.
في دار المحاسبة، يقفُ إلى جانب أخيه ويقفُ الأخ أمام العدد الكبير من المجلدات وينظر إليها بهدوء ثم يلتفت لدخيل ويضع مفتاحًا في يده، يعاود النظر للدفاتر ويهمس: الدار عندك ..وثقتي واعتمادي عندك .. انت الأمين من اليوم ..
ينظر لبدر دون تصديق ويكمل الآخر: راجع لي حسابات وقوائم آخر خمس سنوات
يتخلى عن صدمته الأولى ليناقش صدمته الأخرى: تدقيق؟ ليه؟ وش فيه؟
بدر: اختلاس
دخيل ينظر للأرض دون استيعاب ويهمس: امر كبير هذا .. من ١٥٠ سنة وحتى الآن .. اول مرة يتم تفتيش الحسابات
ينظر لبدر ويكمل: أبوي يدري؟
بدر ينظر لدخيل: عن الاختلاس؟ ولا عن التدقيق؟
يصمت، ويدرك للتو أنه ما كان عليه ان يسأل هذا السؤال، فبدر هو من يقوم بمقام والده ولا نقاش في أوامره، دخيل: كنت أسأل عن التدقيق
بدر: أبوي مايدري عن أي شي .. خليه يقوم بتلبية الدعوة على أكمل وجه .. وبعدها يصير خير
ينظر لدخيل ويكمل بجدية: دخيل .. تعرف وش المخيف وغير المعقول في الموضوع ؟ أن المدان في هالموضوع أشخاص من العائلة
ينظر لأخيه دون استيعاب، كلما رافقه وجالسه يصاب بصدمة تجاه هذا العالم، ويكمل بدر: لذلك لا تفكر تخون ثقتي في هالموضوع .. ما أبغى اكسر قلبك
يبتسم بسخرية وهو ينظر للأرض: بدر أخي تحذيرك لي وكأني في معرض للخيانة يكفي لكسر قلبي لكن سمعًا وطاعة
يهز رأسه مرارا بالإيجاب وهو ينظر لأخيه الأصغر، وكأنه يريد ان يقول له: اني مضطر لذلك مع علمي بنقائك مع الأسف، الوليد كان أخًا لأبي أيضًا لكنه خانه، قصرنا هذا بات جحرًا قذرا وأنتَ لا تدري.
يتجهُ للخارج ويلتفت لصوت دخيل الذي استوقفه: بدر ..
ينظر إليه .. ليتجه دخيل بخطوات سريعة نحوه .. يقف أمام بدر مباشرة ويقترب من كتفه ليقبله .. يبتعد وينظر لأخيه هامسًا: غمرتني بلطفك .. ما راح أنسى هالموقف العظيم منك
يربت على كتف أخيه، ويخرجُ بصمت.
.
.
.
في الصباح، تترك فنجان قهوتها وتتجه نحو باب المنزلِ الذي يطرق، تضع شالا حول رأسها وتحدث شقًا في البابَ لتطل بوجهها منه وما ان رأت الطارق غطت فمها بطرف الشال باستحياء؛ وتهمس وهي تنظر للأسفل ولم تتوقع قدومه : أهلًا وسهلًا
يبتسم: تستقبليني بتول؟
تهمس بابتسامة: طبعا
تفتح الباب كاملا: تفضل
ينظر للخلف، للعربة الموجودة وللعمال الواقفين.
بعد عدة دقائق، كانا يجلسان في صالة البيت الصغير وصناديق الهدايا الفاخرة تتوزع في الأرجاء، وفي حضنه مغلف ورقي، بدر وهو ينظر إليها: بتول .. أنتِ عزيزة قلبي بعد اليوم اللي اقترنا فيه
تبتسم دون أن تنظر إليه ويُكمل: أعتذر عن الوضع اللي حطيتك فيه .. يعني .. زواجي منك كان خالي من اي عرف أو تقليد .. أبسط تقالدينا ما قدرت أقدمها لك لكني رلح أتلافى هالأخطاء
يصمت قليلا، بيدٍ مرتجفة يضع أصابعه فوق ذقنها ويرفع رأسها وينظر في عينيها مردفا: مجرد وضع مؤقت
يبعد يده ويكمل: أبغاك تجهزي نفسك في قصر الوالدة .. راح نعيش لمدة قصيرة باذن الله معاها .. كل شي تحتاجيه تطلبيه منها .. وأنا راح ارسلك كل اللازم مابيقصرك شي أبد
يضع الكيس في حجرها ويهمس: افتحيه
تبتسم وتفتح الكيس، تخرج ما بداخله، قماش أسود أو بالأحرى النقاب التقليدي آنذاك، بدر: انا اعلم أن قلة من يلبسه حتى في قصرنا .. لكن أنا أحب أن زوجتي تلبسه .. هذا فرض عليك من الله وطلب مني .. وادري من عاش بنجد مايرد الطلبة
تأخذه بصمت ليهمس: بتلبسيه؟
تبتسم وهي تنظر في عينيه: حاضر من عيوني
يبتسم مبتهجا: جهزي نفسك .. الليلة راح أرسلك مرافقي الخاص حتى تنزلين السوق .. عشان بكرا تنقلين اغراضك كلها لقصر الوالدة وتكملي تجهيزك هناك ..
يضع يده فوق خدها ويهمس: الخميس القادم بيكون حفلنا .. عرسنا
تبتسم برضا وهي تنظر إليه؛ ويكمل: بنوزع الحلوى في كل المدينة .. بنكسي فقراءها .. بمناسبة يومنا السعيد
يصمت قليلا ثم يستطرد: تامرين على شي؟
بتول: سلامتك
يقف: على كل حال صخر بيلازمك وهو محل النفس .. اللي تحتاجيه مني قوليه له
يتجه نحو الباب وهي من خلفه؛ فتح الباب لتهمس: بدر
التفت إليها لتكمل بابتسامة: شكرًا
يبتسم بهدوء: على؟
بتول: على كل شي .. من اول لحظة قابلتك والين الحين
بدر: العفو تستاهلين أكثر ... أخليك الآن .. مع السلامة
بتول: في أمان الله ... وتغلق الباب من خلفه.
.
.
.
تمر بجانب الغرف حاملةً سلة الياسمين بين يديها، تستوقفها إحدى العاملات وتهتف: هي انت صاحبة الورد، إلى أين؟
صاحبة الورد: أُجهز الحمام، هل من خطب؟
الأخرى: لمن؟
تجيب صاحبة الورد: السيد بدر
تقاطعها: هلا تبادلنا الأدوار لمرة؟ نظفي جناح السيد دخيل ودعي لي جميع اعمال الحمام إنني متشوقة جدًا لرؤيته
صاحبة الورد: كلا، كم مرة قلت ل...
سكتت قليلا وهمست: جناح من؟
الأخرى بحديث سريع: جناح السيد دخيل، فقط هذا اليوم أريد زيارة الحمام بشدة ...
تقاطعها وهي تضع سلة الياسمين بين يديها: اذهبي
تتجه نحو جناح دخيل وتدخله، تتأمل الجناح بانبهار، في كل زاوية منه ترى ذلك الشاب الذي رأته في الحديقة قبل أيام، تنظر للسرير .. استيقظ من النوم واتجه نحو دورة المياه دون أن يرتب السرير، بالطبع .. السادة لايرتبون من خلفهم، المهم .. تتجه نحو غرفو الملابس، وتفتح الدولاب .. بعد أن خرج ودخل غرفة الملابس .. راح يبحث في ملابسه الكثيرة بحيرة .. ووقع اختياره على بدلة زرقاء تشبه لونَ عينيه.. ارتداها وارتدى قفطانًا يدل على الطبقة التي ينتمي إليها .. ويُزيدهُ وسامةً أيضًا .. ثم التفت للمرآة المقابلة للدولاب .. وسرّح شعره الأشقر .. وارتدى عمامته المرصعة مقدمتها بأحد الأحجار الكريمة .. لبس أيضًا حذاءه الفاخر وخاتمه الخاص وساعته الثمينة .. وأخفى سلاحا ما في ثيابه .. وخرج من الجناح مسرعًا .. ولم يعد حتى الآن .. لابد أنه قام بهذا.
تتنهد وتخرج، تقوم بالتنظيف .. تهمس: ما أفكر فيه مضحك جدًا .. لكن حتى رؤيته في الخيال جميلة جدًا ولا بأس بها.
تنتهي من تنظيف الغرفة وتعود لغرفة الملابس، ترتب بعض الفوضى الي تسبب بها ذلك السيد المدلل المرفه، ترتب الملابس الساقطة على الأرض في الدواليب مجددا، منذ دخلت لهذا المنزل وهي تتخيل نفسها محل السيدة هيفي .. أو محل السيدة جوداء .. أو حتى محل السيدة زينب أو ابنتها .. الأهم .. ان تكون في ذلك المكان اللطيف .. العقد الجميل في عنق جوداء .. أوالخادمة التي تمسك بيد زينب وهي تنزل من العربة .. أو الحب في عيني سيد أمير لهيفي .. أو الرائحة الجميلة في ثياب فريال .. تتخيل ذلك .. وبعد ان تنتهي غفلتها اللذيذة تقوم بكل رضا .. وتقطف الورد .. لتجهز به الحمام .. أو تنظف غرفةً ما .. او تتلقى أمرً من -سيدةٍ ما-.
كانت على وشك أن تغلق الدولاب لولا أنها رأت شيئا ساقطًا لم تنتبه له، انحنت إليه وحملتهُ في يدها .. خلخال لونه ذهبي .. تأملته بانبهار من شدة جماله، انحنت وارتدته في قدمها .. وهمست بانبهار أشد: لقد صار أجمل!
تلاشت ابتسامتها، خلعت الخلخال ونهضت لتضعه في الدولاب في جيب أحد الثياب، لابد أنه سقط من جيب أحدها، أغلقت الباب .. التفتت .. لتشهق وهي تعود خطوة للوارء .. اصطدمت بالدولاب وهي تنظر إليه بصدمة .. يقف مرتديا زيهُ الأزرق الذي رأته به صباحا .. وهو يحتضن يديه خلف خصره وينظر إليها بهدوء، ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه بخوف، تهتف متلعثمةً: عفوًا سيدي
تلقي التحية أو الانحناءة البسيطة ثم تقف بهدوء : لقد كنت انظف ...
يقاطعها ببرود: تستطيعين الخروج.
تنحني مرة أخرى ثم تخرج مسرعةً وهي تتنفس الصعداء، أتراه رآها؟ أظنها لصة؟.
يتجه هو نحو الدولاب ويفتحه، يبحث عن الخلخال بهدوء حتى وجده في أحد الثياب، يضع يدا خلف خصره بينما يحرك الخلخال بالأخرى وهو ينظر إليه طويلا ... يضعه في الثوب مجددا .. ثم يخرج.
.
.
.
يدخل جناحه، يلقي بجسده المرهق فوق الأريكة، يطلق زفرة ويغمض عينيه ما ان طرق الباب ويهتف: أدخل
يدخل اتشيلي: طويل العمر .. الحمام جاهز
بدر: في شي ثاني؟
اتشيلي وهو يخرج ظرفا من بين ثيابه: الوالد أرسل رسالة
ينهض باهتمام وهو يشير لاتشيلي بالتقدم نحوه، يأخذ منه الرسالة ويشير له بالخروج، يكسر الشمع الذي ختم بخاتم والده، يقرأ السطور الغير مهمة بالنسبة له، ثم يضيق عينيه بتركيز ما إن قرأَ:
"..الباشا يرفض عودتي ويصر على استضافتي بضعة أيام، لاسيما بعد أن علم بتعييني لك نائبا لي، وهو يؤيدك، ويثني عليك، ويرفض كل عذر قدمته له في سبيل العودة.
بني، انت ثقتي في اخوتك، أعينك وكيلي واعطيك خاتمي، اعلم بشرف ما نلت ولا تخن فيما أُوكل إليك ولا تعصي أمرًا مني، وإلا طردتك من جنتي وقلبي، والسلام."
يرفع حاجبيه دون تصديق وهو يأخذ الظرف ليتفحصه، ويخرج منه خاتما لم ينتبه إليه من قبل، نُقش عليه بالخط الفارسي: الوكيل المطلق.
ابتسم بسخرية وهو يرمي الظرف على الأرض .. لم يعطه خاتم الرئاسة .. ولولا تأييد الباشا لما أعطاه شيئا .. ولكن على الاقل .. توسعت دائرة صلاحياته بشكل كبير.
نهض واتجه نحو الحمام..
بعد عدة دقائق، يستلقي في حوض الماء الحار جدًا، ويغمض عينيه .. رغم كل شيء .. رغم أن الليلة هو زواجه من امرأة اختارها .. ورغم أن أباه قد أعطاه فرصة أخرى .. إلا أنه لا يزالُ مجروحًا .. ويدين الجميع في جرحه هذا .. مرت عشرون عاما عاما من عمره أو أكثر .. لم يفرح فيها إلا مرةً واحدة .. يتذكرها جيدًا .. عندما وضعت الطبيبة فريال مدللته بين يديه .. ابتسم دون إدراك وهو مغمض لعينيه ما إن تذكر تلك اللحظة .. كانت محاطة بقماش أبيض .. سقط طرفها فكشف عن رقبتها الجميلة والتي تلمع كالفضةِ تماما .. فهمس وهو ينظر لتلك الرقبة الناعمة: فريال .. ابنتي الجميلة.
ما ان شعر بأناملٍ تَلمِس فمَه المبتسم فتح عينيه بهدوء وزالت ابتسامته .. نظر بحدة لزينب التي تجلس على طرف الحوض ..هم بالتحدث فهمس: مايحتاج تقول شي .. اعرف وش تبغى تقول
بدر: مادام تعرفي ليه للآن أشوفك قدامي؟
تقف وتجلس على طرف الحوض من خلفه، تمسك بالليفة ذات الرغوة لتمررها على صدره وهي تهمس: فاضلة قالت لي اجي .. زوجك في الحمام قالت .. انتي مهملة قالت .. عيب روحي له
ابتسم بسخرية وهو يستغفر، أغمض عينيه وهو يسند رأسه للحوض هاتفا: قولي لها بدر قالي اطلعي!
زينب:ليه؟
بدر: مايبغى أي أثر مني عليه الليله
تصطك أسنانها بغضب وهي تنظر إليها بعدوانية،أناني جدًا ..ليتها استطاعت أن تكون مثله!
تركت القطعة جانبا ووضعت أصابعها المرتجفة اسفل عظام ترقوته .. لتغرس أظافرها في صدره حتى رأت الدم يسيل منه ثم وقفت .. ينهض وهو ينظر اليها دون استيعاب .. ينظر إلى الثلاثة جروح التي أحدثتها في صدره ثم ينظر لجمودها ووقوفها أمامه والدماء والصابون يسيلان من يدها ..يلف المنشفة حول خصره وينهض متجهًا إليها..يأخذ يدها التي جرحته بها ويلفها خلف خصرها لتصرخ بألم: اتركني ياحقير
يهمس في اذنها وتكره هذا الهمس بشدة: ادري تماما وشو في بالك ياخبيثه!
وباستفزاز بينما تتلوى من الألم: ماراح يصير اللي ببالك الحين .. بس انا مستعد أخليه يصير بكرا .. بعد ما أرجع من عند عروستي .. عروستي اللي اخترتها ..
يخفف من شدة امساكه ليدها ويكمل: يمكن ما تغفرين لي هالشي .. بس لو تشوفينها تعذريني ..والأهم ما تشبهك أبدًا!!
يترك يدها لتلتفت اليه، ينظر لشفاهها التي ترتجف، يعلم تمامًا أنها ستخرج الآن لتبكي .. أشار لها بالانصراف والتفت ليصرخ صرخة ارتعد جسدها منها: أوقفي!!!
التفتت فهمس بغضب: مين انتِ حتى تمشين من قدامي بالشكل هذ؟؟؟!!
تبتسم بسخرية .. تتبع تقاليد هذا القصرالسخيف وتنحني اليه ثم تخرج، يجلس على طرف الحوض وهو يأخذ منديلا ليمسح جرحه به، يطلق زفرةً وهو يغطي عينيه بكفه، لا يعلم كيف يتصرف مع تناقضات قلبه أبدا .. لا يعلم ..!
.
.
.
الساعة العاشرة مساءً ..
يتمدد فوق سريره على بطنه، يضع ذراعه أسفل صدره ويمسك بالأخرى كتابًا يقرأه، وبدر الصغير يمشي ذهابا وإيابا فوق جسده المنهك، بينما تتمدد ابنته الصغيرة ريحانة مثله على بطنها وهي تضع كفيها على خديها وتتأمل وجهَ والدها.
تجلس خلف مرآتها زوجتهُ العربية الفاتنة وتسرح شعرها بمشطها الخشبي الخاص وهي تنظر لعائلتها الصغيرة بابتسامة من خلال المرآة.
يبتسمُ أمير لريحانة بهدوء ما ان تنبه لها ثم يكملُ القراءة.
بدر يهتف: بابا
أمير بهدوء: نعم حبيبي
بدر: مين أكبر فيكم .. انت ولا عمي بدر؟
هيفي تنظر لبدر، وأمير يبتسم دون أن يرفع عيناه عن الكتاب: هو
بدر وهو مستمر بتدليك جسد والده: طيب بابا ما ينفع يصير عندي أخو صغير مثل عمي بدر ؟
ينظر لهيفي التي التفتت إليهم بابتسامة ويهمس: اذا قمتوا غرفكم ممكن
تضحك بخجل ثم تنهض مقاطعة سؤال بدر القادم: خلاص نخلي البابا يرتاح اللحين عشان بكرا الصبح عنده شغل
ينزل بدر ويقف بانتظار ريحانة، تنظر هيفي لابنتها التي لم ترفع عيناها عن والدها ولو لحظة وتهمس: وانتِ ياحلوة ما خلصت جلسة تأملك؟ يلا يلا
تقبل خد والدها الذي هتف: شكرا ياروحي
تتجه نحو اخيها ويخرجان من الغرفة باتجاه غرفهما ثم تغلق هيفي الباب من وراءهما ... تتجه نحو السرير وتجلس عند بطنه، تأخذ الكتاب من بين يديه بهدوء وتغلقه لتضعه على الطاولة المجاورة للسرير وهي تتحدث بصوت خافت: كفاية اجهاد لعقلك .. لآخر نفس في اليوم تخليه يشتغل .. حط راسك ونام
ينقلب على ظهره وهو يتنهد، يضع يديه خلف ظهره ويغمضُ عينيه، تخلخل أصابعها في شعره بحنان: بعدك تفكر .. خلاص وقف تفكير .. صفي ذهنك .. تحتاج تنام وترتاح ..
أمير يفتح عينيه: مو قادر
تبتسم إليه: ليه؟
أمير: أحس ماعندي خيار كأن أرتاح أو أنام .. اذا نمت بنسى شي مهم أو راح أخل بوظيفتي
هيفي بهدوء تتوقف عن مداعبة شعره: وش كان توزيع بدر الجديد؟ وين موقعك؟
أمير ينظر إليها: وكيله ..
هيفي تبتسم: حلو .. الآن العمال ما اعتادو على الوضع الجديد .. بدر غير تغيير جذري .. لذلك مُتعب .. كلها أيام معدودات ويرجع كل شي زي أول
أمير: بدر كان ذكي وحكيم أكثر مما تخيلت .. تصرفاته كلها كانت في محلها .. الحراس والعمال طوال اليوم يتكلمون عنه باعجاب شديد
تبتسم ابتسامة صفراء، وأنت أحد المعجبين الواقعين في حبائل بدر هذا .. انه يسلب المرء روحه .. من ينظر إليه ولا يحبه الا من عرف داخله جيدا؟
.
.
.
تجلس والجميع يجلس او يرقص من حولها، تأخذ نفسًا عميقًا وهي تنظر لجميع الوجوه التي تنظرُ إليها، تيا من جانب .. خديجة .. السيدة هاجر والدة بدر .. وشقيقته جوداء .. وباقي عاملات القصر والوصيفات .. الكلّ ينظر إليها .. لربما باعجاب .. لربما بشفقة! لربما بعدم الاعجاب .. لربما باللاشيء أيضًا .. الكل ينظر .. تبتسمُ بهدوء وثقة وهي تنظرُ للجميع .. حتى اقتربت جوداء منها وهمست شيئا في أذنها فهزت رأسها بالايجاب ..
تنهض .. تقترب تيا منها وتعانقها وهي تمطرها بتمنياتها لها .. تمشي وجوداء والسيدة هاجر ترافقانها حتى وصلت لباب الجناح .. تعانقها هاجر وتقبل خدها .. تنظر إليها بابتسامة وتهمس: ربي يحفظك .. ما أوصيك على وليدي
تقبل راسها وتكتفي بابتسامة .. تفتح العاملات الباب .. فتدخل ليغلقن الباب من خلفها .. تنظر إليه .. وهو يقف عند النافذة .. لقد بدى هذا الرجل بهيًا الليلة .. كما لم يبدو من قبل .. وبدت ابتسامته جميلة للغاية وهو يقترب منها ويرفع غطاء وجهها الشفاف ليقبل راسها بتلك الشفاه المبتسمة ..
يضع يده فوق خدها وينظر إليها، اللون الأبيض زينها .. وشريطٌ أحمر ضُيق على خصرها .. يبتسم وهو ينظر للشريط الذي زاد خصرها جمالا .. يخرج كيسًا من جيب معطفه ليربطه في الشريط .. ابتسمت .. وهي التي ظنت أن بدر لايصله بنجد سوى اسمه .. الا انه ملتزم ببعض عادتها .. تهمس: شكرا
بدر بابتسامة: تتهني
يمسك بيدها ليجلسها على الأريكة، يحتضن يدها في احدى يديه ويلمسُ وجهها بالأخرى، يعقد حاجبيه وهو ينظر لعينيها وكأنه تذكر شيئا ما .. يقترب منها أكثر ويقبل عينها .. يضع أنفه فوق خدها وهو يعقد حاجبيه مرارا .. يهمس وهو مغمض لعينيه: أنا راح أبدا أهم مرحلة في حياتي العملية .. من بكرا
يرفع أنفه وينظر في عينيها هامسًا: يعني وجودك صار في الوقت المناسب تمامًا ..
تبتسم إليه وتكتفي بالصمت، يهمس بخفوت وهو ينظر لفمها: لازم توقفي جمبي ..
يعيد نظره لعينيها: لازم ولاءك يكون لي بس أنا .. لا لأحد غيري من عائلتنا .. ولا لأحد من برا عائلتنا
يبتسم: صح؟
تتذكر فاضلة التي تظنها الآن لم تعد زوجةً لبدر، تصمت قليلا ثم تجيب وهي تفهم مايشير إليه بدقة: أكيد .. بدون شك
.
.
.
تتمدد فوق سريرها الفاخر بثوب نوبها الذي طرزت اطرافها بالذهب ..تضع يدها أسفل خدها وهي تفكر .. تنظر لأطراف ثوبها الذهبية وهي تبتسم بسخرية .. يا لهذا الثراء الفاحش .. يا لهذا السخف يا فاضلة .. أكسيتي ما يكسيك بالذهب بعد أن كنتِ توشكين على الموت جوعًا فيما مضى؟ يا إلهي كم أن سنينا طويلة مرّت تجعل تلك الأيام مجرد ذكرى بائسة قد اضحك عليها الآن .. يا إلهي كم حالي هذه مضحكة .. كنت مجرد خادمة تخاف سيدتها على زوجها من فتنتها .. مجرد فتاة مهانة وذليلة .. ليست بذات نسب رفيع ولا أصل شريف مثل النسوة الثلاث الاتي حللت عليهم ضرة في أحدِ الأيام .. قبل ان أصبح سديتهن جميعا بعد ان انجبت للنجدي ثلاثة رجال وفتاة .. وقد عجزنَ جميعهن عن انجاب رجلٍ واحد ونجحن فقط في انجاب العديد من البنات .. وها هنّ يمكثن الآن في قصرٍ وضعه ابني لمن كرهته وحلّت عليه لعنتي وغضبي .. لقد رأيت ما يذيب الجلد وهو على وشك أن يسقط فوق وجهي من يد إحداهن .. استحقن هذه المعاملة .. هنّ وهاجر تلك الخائنة .. وزوجة هاشم خفيفة العقل أيضًا ..
واخشى ما أخشاه أن اقع في ذلك المكان الذي شيدته بيدي لمن اكره .. وأعود ذليلة كما كنت ..
يا لسوء حظك ان لم تكن من المنتسبين لعائلة النجدي وأمسيت احد افراد عائلتهم .. مثلي تماما ..
أيعقل أني من وضعت معظم آداب هذا القصر أن أغادره بتلك السهولة؟ لايعقل بالطبع ..
.
.
.
تستلقي اسفل الغطاء على جنبها الأيسر .. ويستلقي هو مقابلًا لها على جنبه الأيمن .. يكاد وجهه يلتصق بوجهها من شدة ما تقاربا .. يمدُّ يده نحو يدها ليمسك بها .. يشبك أصابع يده بأصابعها .. ويكتفي بالنظر إليها بهذا القرب الدافئ ..
تضع كفها الأخرى فوق صدره العاري ..تحديدا على الجروح الثلاثة التي أحدثتها زينب .. تشعر بحرارة خديها وعنقها وأذنيها وتتكهن انه يرى تفاصيلَ وجهٍ يتفجرّ خجلًا .. ترفع عينيها إلى عينيه الناعستين الناظرتين إليها .. يخجلُ مثلها .. تنظر لفمه الصغير الذي يكادُّ أن يذوب بحمرته .. ولخديه المشتعلين ولنحره المحمر المتعرق والصاعد الهابط بأنفاسٍ متسارعة ومضطربة .. إنه لا يشبه رجال هذا العالم في شيءٍ اطلاقا .. وبالتحديد أولئك الرجال الشرقيون المتحجرون .. انه يريد ان يتأملّ عينيّ هاتين الا انه يهرب عيناه ما ان انظر فيهما بخجلٍ يُخفيه.. ينظر إلي بلهفة وكأنه كان ينتظرني وحُرم مني لسنين طوال .. إنه لم يتتبع دليل عذريتي بمنديل أبيض .. انه فعل ما فعل حبًا لا شهوةً .. انه يحتضنني بجسده الدافئ وبعينيه العسليتين بكل عذوبة ... يا إلهي .. من يريد ان يتأمل عيني من؟ من يريد أن يذوب في من؟ إنها أنا يا سادة .. إنها أنا التي انصهرت بين يدي هذا الرجل ويخيل إليّ عكس ذلك، تلتقي أهدابه ويسلّم روحه للنوم بكل سلام .. كم يبدوا بريئًا .. لا يشبه في شيء ذلك الرجل الأخاذ بسطوته والمهيب في الخارج..
.
.
.
بالقرب من بوابة القصر ..
يستيقظُ من غفوته القصيرة على صوت اتشيلي الذي يهتف: شيخ .. ياشيخ صخر .. قم
ينهض على عجالة وهو ينظر الى حيث يشير اتشيلي وهو يهمس: صفاء وصيفة السيدة فاضلة ..
ينظر إليها وهي تصعد العربة ثم تنطلق باتجاه ما، وينهضا هم الاثنان .. يمتطيان الأحصنه ويلحقان بها ..
.
.
.
يجلس فوق الأريكة .. والنافذة من خلفه تسمح لأشعة الشمس بالولوج والتسلط على كل ما تلمسه بأطرافها الذهبية ..
ينظر إليها والشمس تلمسها .. تلمس شعرها فتجعله ذهبيا أكثر .. تلمس عروق جفنيها البارزة فتجعلها اكثر زرقةً .. انفرجت تلك الجفون ..
نظر اليها وابتسم ابتسامة صفراء إليها، نهض واتجه نحوها .. يجلس بجانب بطنها لتعتدل في جلوسها أيضًا .. يهمِس: صباح الخير
بتول تنظر إليه: صباح النور
يحول أنظاره لظهرها الواضح بسبب ثوبها المكشوف، يمرر يده فوق الندوب التي ملأته ثم ينظر إليها بتساؤل لتهمس بضيق: في السفينة .. كان
يقاطعها بابتسامة حزينة: فهمت
ينظر لشعرها الذهبي، لعروق جفنيها المزرقة، للنمش المتناثر فوق وجنتيها .. لشفتيها الممتلئتين ولعدستيها العسليتين .. إنها لوحة فنية عظيمة من صنع الرب .
يهمس: الأمس كان اجمل حلم .. اليوم نرجع للواقع
تنظر له دون فهم ليردف: جايني ضيف .. عندنا اجتماع .. راح استقبله في صالة الجناح .. لا تطلعي من الغرفة ..
كانت نظراتها ملؤها عدم التصديق ليهمس: أنتِ الآن زوجة بدر النجدي .. يعني راح تكوني أكثر شخص منحرم مني وانا اكثر شخص منحرم منك .. لأني محتاج أثبت نفسي .. ماعندي خيار ثاني
يبتسم لعقدة حاجبيها قبل أن ينهض: بتفهمي كل شي بعدين.
بعد دقائق طويلة ..
ترفع المعطف بيديها من فوق السرير لتساعده في ارتداءه، ينظر إليها وهو يهمس على عجلة: لا تطلعين
تهز رأسها بالايجاب ليخرج وليغلق باب الغرفة، اتجهت نحو دورة المياه ودخلت، تخلع ثوبها ، تستدير لتنظر في المرآة للندوب التي ترسم نفسها فوق جسدها الهزيل ..تغمض عينيها .. وبتردد تعود لتنظر للمرآة بعينٍ كسيرة،أنا مُشوهةَ!.. عيني من دون تلك الجفون المزرقة بعروقها مشوهة .. أنا من دون آثار غضب عبد العزيز مشوهة .. بجسدي النحيل مشوهة .. وقلبي هذا أيضًا مشوه!
تجلس على الأرض .. تجمع ساقيها إلى صدرها وتغلق أذنيها بكفيها .. ثم ماذا؟ لاشيء .. لاشيء أبدًا سوى الطهر الذي تناثر فوق جسد بدر .. لا شيء سوى الصدق .. لا شيء سوى النجاة من تهمةٍ دامتْ لعشرِ سنوات ...
"في حجرةٍ صغيرة وبسيطة .. تحتوي على سريرين متجاورين .. ومرآة تقابلهما .. تجلس هي خلفها بثوب النوم الأبيض .. وتسرح شعرها الطويل والجميل بفرشاتها .. لقد صنعها لها عبد العزيز خصيصًا من موادٍ رقيقة تناسب رقتها .. تكمل اليوم عامها التاسع عشر .. يالها من سعادة أن تكبر .. كلما كبرت ازدادت جمالا .. امتلئ جسدها بعد أن كان نحيلا وصار أجمل .. وطال شعرها أكثر ..
استمرت بالتفكير ببعضِ أحلامها الوردية .. بالتفكير العميق الذي يجعلها لا تلتفت للأصوات التي خلف الباب .. إلى أن دُفع الباب .. سقطت الفرشاة من يدها على الأرض وهي ترى خديجة وهي تمنع والدها من التقدم نحوها .. تيبست أقدامها وعجزت عن النهوض ما إن وقعت عيناها في عين والدها .. يا لها من عينين مخذولتين عيني هذا الأب .. يالها من عينين غاضبتين ومحتقرتين .. وآسفتينِ جدا ..
يدفع زوجته على الجدار ويقترب منها .. يُنهضها بامساكه لها من كتفيها .. وتشعر أنهما يذوبان بين قبضته ..تتسع عيناها ذهولًا وهي تنظر لكف والدها مرتفعًا .. قبل أن يقع فوق وجهها .. طنين أصاب أذنيها .. رمى بها فوق الأرض بقسوة .. لمست بألم مصدر الألم الأكبر .. ظهرها .. وهي عاجزةٌ عن ان تشهق حتى .. ظل فمها مفتوحا هكذا ..
يتموه صوت خديجة نحو أذنها التي أُصيبت بالصمم: بو عبد العزيز ..
يتقطع .. وينساب إلى أذنها: لا لا .. لا تخليني ألوم نفسي اني قلت لك ..
ترفع رأسه .. تنظر للسلاح الذي رفع والدها .. تعجز عن الذهول .. مالذي جرى؟ أحلمٌ هو؟ يبدو أنه حلم .. الأصوات متقطعة كما في الأحلام .. الرؤية ليست واضحة كما في الأحلام أيضًا .. ووالدها الحنون يضربها .. هذا حلم بعينه أيضًا ..
يقترب منها السلاح .. لولا يد امتدت وأمسكت بيد والدها .. تتراجع زحفا للوراء وهي ترفع نظرها للذي أمسك بيد والدها .. وتسمع صوتا يناديه: عبد العزيز ...
توزع نظرها في الأرجاء .. خديجة تقف في احد زوايا الغرفة مرتعبةً .. أمها وتيا وأخواها موسى وجلال يقفون خلف الباب مذعورين .. ووالدها وأخاها الأكبر عبد العزيز يقفان أمامها ..
تسمع صوتًا: أختك يا عبد العزيز!! سودت وجهي .. سودت وجهي سود الله وجهها بين خلايقه .. الله أكبر!!! الله أكبر .. زنا في بيتي انا .. يارب لاتخسف بي وبذريتي!!
تفغر فاها وهي تنظر لعبد العزيز .. ينظر اليها كما نظر والدها قبل قليل .. لكنه ينظر بحقد أكثر .. بغضب أكثر .. الموتُ في عيني عبد العزيز ..
أغمضتْ عينيها .. ظنت انها ماتت .. أو انها ستستيقظ من حلمها .. إلا أنها كانت إغماءة .. استيقظت منها في مكان غريب .. لا تعرفه .. وبطشت ماء سكب فوق وجهها ....."
ترفع رأسها .. تنظر للسقف الأبيض .. تبكي بحسرة .. كأن فقداني لكم كان وسيلة لاثبات طهارتي .. يا لغفلتي حين رُميت بذلك .. يالغفلتي!
تخرج من دورة المياه .. ترتدي ثيابها في غرفة الملابس ثم تخرج لتجلس خلف التسريحة وتسرح شعرها القصير، سرى صوت بدر لأذنها: " أنت تعلم كم أعزك واجلك يا أخي وكم انك مقرب مني وهاهي داري تشهد بذلك حيث استقبلتك في جناحي الخاص .. وأنا لا افعل هذا مع أحد عادي! .. فمالذي يحملك على التردد؟"
تعقد حاجبيها، هل عاد لتلك الأمور السياسية؟ تصغي لصوته: "كم تريد؟ ماهو السعر؟ ان كان عشرين وهو لأقل فأنا أعطيك خمسا وعشرين، ما قولك؟"
تسمع صوتا غريبا:"أتمزح؟"
بدر:"لا والله!"
ساد الصمت قليلا قبل أن يهتف الآخر:"قبلت، لكن لدي شروط"
جاء صوت بدر مبتهجًا:" لك ما أردت"
وابتعدت أصواتهما تدريجيا حتى اختفت .
.
.
.
تتوقف عربة صفاء أمام منزلٍ ما ليتوقفا، تترجل وهيت حمل الصندوق معها .. تدخل .. وتعود بعد دقائق طويلة لتركب العربة وتنطلق ....
.
.
.



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 35
قديم(ـة) 05-05-2019, 10:13 AM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


توقفت عربته الخاصة عند بوابة المغازل، ترجل منها ورفع رأسه لينظر للوحة .. "النجدي" .. ابتسم وهو ينظر إليها طويلا .. قبل أن يشير لسائق العربة بالابتعاد ويقترب من البوابة .. يضرب فوق البوابة ثلاث مرات .. يفتح الحارس النافذة الصغير في البوابة وما ان يرى بدر يفتح البوابة .. يدخل بدر لتُغلق من خلفه .. يرفع رأسه لينظر لأقسام المكان .. ما ان لمح أمير وهو يخاطب أحد العمال في الأعلى هتف بصوته الجهوري: يا أمير!!
نظر لأخيه ليشير الآخر اليه بالنزول، اتجه نحو دار المحاسبة ودخل .. ألقى نظرة .. دخيل يجلس خلف المكتب وتوجد عدة مجلدات ودفاتر قديمة وجديدة .. انه منظم جدا .. ومتعمق في عمله حتى انه لم يلحظ وجود أخيه .. تنحنح ودخل ليقف دخيل مباشرةً .. بدر: السلام عليكم
دخيل: وعليكم السلام .. أهلا أخي ..
يبتعد عن الكرسي ويهتف مشيرا اليه : تفضل
يجلس بدر خلف المكتب، يدفع دخيل بالدفتر الجديد إليه ويهتف: اليوم راح اسكر مراجعة السنة الأولى في الخمس سنوات الأخيرة ..
يبتسم بدر وهو ينظر للدفتر: اسرع مما توقعت .. ماتنام في البيت انت؟
دخيل: أنام هنا .. قلت لي ان الموضوع حساس وعاجل ..
بدر بهدوء واتزان: نعم
ينظر لدخيل: وش اللي طلع معك؟
دخيل: ما أقدر احدد للآن قدامي حسابات طويلة .. لكن
يتنهد ثم يكمل بأسف: يبدو في تلاعب ..
بدر يبتسم بسخرية: فارغين من هالموضوع اساسا ..
أمير يدخل ويلقي السلام ليردوه، يشير بدر إليه بالجلوس إلى أحد الكراسي الموجودة ليجلس، يهتف بدر: أمير .. بلغ العمال .. بس ينتهو من الدفعة اللي في يدهم .. راح نبدأ في حياكة قماش خاص بالحرس والعاملين .. في القصر وفي المغازل الأساسي والفرعية .. للعاملين والعاملات على حد سواء .. لذلك راح نحتاج عمال أكثر
امير بقلق: بدر .. باتفاقياتك الجديدة مع التجار اخذنا عمل اضافي للعمل السابق .. انتاج زي خاص مو وقته .. راح يرهق العمال .. ويرهق الخزينة .. اساسا هي متهالكة حتى مع دفعات التجار .. بالعافية شايلين الشغل وندفع الرواتب ونوظف عمال بعد؟
بدر: وقته يا أمير .. أنت أعطي خبر ما عليك .. راح اصمم الزي بنفسي ..
زفر أمير ليردف: امير .. لا تخاف .. في سيولة .. ما راح اخطي خطوة بدون دراسة ..
بدر وكأنه تذكر شيئا: الأمين ما زال تحت مراقبتك؟
أمير:نعم
بدر يقف: الليل ارتاح .. وانت دخيل ..
اراد دخيل الاعتراض ليقاطعه دون ان ينظر اليه: قلت ترجعون القصر .. بتشتغل وانت مرهق وزود عليها بتغلط في الحساب؟ ارجع ارتاح والصباح انا بنفسي آخذك لراس وظيفتك
يهمس لأمير: راح أصعد فوق عندي ضيوف .. استقبلهم وخذهم لعندي.
يهز راسه بالايجاب والضيق يبدو على وجهه، انه يستمر في الاتفاق مع التجار على العمل معهم، وهذا يقلقه كثيرا، تناهى إلى مسامعه صوت ضوضاء في الخارج .. خرج من خلف بدر .. وخرج دخيل أيضًا ..
نظرا لتجمهر الحراس أمام بدر، نظرَ للجميع بحدة .. رفع يده لتقل ضوضاءهم تدريحيا .. ليهتف: "كيف لي أن افهم كلمة واحدة وحالكم هذه؟ فليتكلم أحدكم بلسان الجميع"
يصرخ أحدهم:" الرواتب في تأخر مستمر .. ان لم تكن أهلًا لأن تكون في المقدمة فتنحى عن منصبك"
يقفا أمير ودخيل الى جانب أخيهما وهما يضعان يديهما على مقبض سيفهما بحركات مدروسة، يهتفُ آخر: " اين والدك ؟ ما أدراك أنت بالعمل؟ كم مرة نزلت إلى هذا المكان حتى جئت وجلست إلى صدره؟"
أمير يهتف:" إلى من تتحدث بهذه الطريقة؟ أغلق فمك!"
أشار بدر إليه بالصمت ليصمت، يقترب أحد الحراس من بدر ليرتفع سيف أمير ودخيل في نفس اللحظة أمام وجه أخيهما .. يتراجع الحارس ويهتف بذهول: أخدعكما؟ أولستما أحق من مبتدئ مثله؟"
بدر يشير اليهما بالابتعاد، يقترب من الرجل.. يضع يده فوق كتفه ويهمس في اذنه:"أمتأكد؟"
الحارس:"بلى"
يطوق عنق الرجل بيد واحدة ويرفعه بها حتى صار شبه معلق في الهواء .. يهتف بغضب وهو ينظر إليهم: " أنا وكيل سيدكم المطلق .. وسيدكم في الأعوام القادمة .. وكل دناءة ترتكب تجاهي فهي لا تُغفر .. أشير بعينيّ ليهيم جمعكم في الطرقات"
يرمي بالرجل ويهتف:"صدقو أو لا تصدقو .. إسألو عن بدر النجدي لتعلموا من هو المبتدئ الذي تتكلمون عنه"
يرمقهم بنظرة غاضبة ويتجاوزهم باتجاه مكتبه، يجلس خلفه وهو يراقبهم من النافذة المطلة على الأسفل وهم يتبعثرون .. بالأمس كانو معجبين .. كلها تحريضات نذلك الوليد الدنيء .. من الواضح ذلك.
.
.
.
الساعة الواحدة ظهرًا ..
وقتُ وجبة الغذاء الذي من الممنوع أن يحضر سيد العائلة وأحد أفرادها ليس متواجد بغيرِ عُذرٍ مُسبق، يقف الجميع ما ان دخل بدر لقاعة الطعام ويجلسون ما ان اشار لهم بذلك وهو يتجه لكرسي والده الكائن في رأس طاولة الطعام، يجلس فيه بهدوء ويلقي نظرةً على الجميع، فاضلة تجلس على يساره، فاطمة على يمينه، ثم يتتابع جلوسهم من الأكبر إلى الأصغر سنا .. أمير .. الوليد .. زينب .. هيفي . دخيل .. جوداء .. فريدة .. حتى وقعت عيناه على فريال التي تنظر بسكون للمقعد المقابل إليها، بدأ في تناول الطعام ليتبعه الجميع في ذلك .. كان ينظر لكل واحد فيهم مع كل كل لقمة .. الجميع هادئ جدًا هذه الفترة .. هناك غرابة ما في هذا البيت .
ينظر للوليد مرارا .. هذا الآخر يبدو مرتاحًا وغير قلق .. فاضلة تهمس لبدر: حفيدي بدر ..
بدر دون ان ينظر إليها: نعم ..
فاضلة بنفس الهمس: أنه وقت مخصصات أفراد عائلتنا .. أردت أن اذكرك
يصمت قليلا ثم يهمس ولا يرفع عينيه عن طبقه: ان شاء الله .. ما نسيت
تبتسم وتكمل طعامها، بينما يترك الطعام لبرهة وينظر للجميع ثم ينهض وهو يشير إليهم بعدم الوقوف له، ثم يخرج من القصر .. يركب عربته ويتحرك سائقها نحو وجهة أخبرها به سابقًا .. تمر الدقائق سريعًا حتى وصل لمقصده .. يترجل أمام منزل شديد التواضع .. يعقد حاجبيه وهو ينظر للحراس الواقعين على الأرض .. يتقدم من باب البيت المكسور ويدفعه ببطء .. حتى نظر في داخله .. أو بالأحرى للجثة الملقاة على الأرض .. زفر وهو ينظر نحو العربة .. تقدم منها وصعد إليها هاتفا: فلنعد للقصر
تحرك السائق وماهي إلا دقائق وتوقفت العربة أمام باب القصر، ترجل منها ودخل نحو غرفة الطعام مسرعا باتجاه الوليد .. يقف عنده ويدفع كتف الوليد باصبعيه هاتفا: انت .. قم معي
ينظ الوليد لبدر من الأسفل للأعلى ثم يهمس: ايش فيه؟
بدر: قم والا نشرت غسيلك قدام اهل البيت
الوليد بعينين مستغربتين: طيب .. روح وجايك انا
بدر ينظر بطرف عينيه لأنظار الجميع المستغربة المتعلقةِ به .. ثم يمسك بالوليد من كتفه ويوقفه وهو يهتف بحدة: لا قلت لك تقوم تفز وتجيني يالوليد!!
يرمقه بحدة ثم يخرج ليلحق به على مضض، يقفان خارج غرفة الطعام .. يهمس بدر وهو ينظر في عينيه بحدة: الأمين وينه ؟
الوليد:وينه؟ مدري عنه مو انت حاجزه في بيته؟
بدر: انت وش تبغى بالضبط؟ تتحداني انت؟
الوليد: ما ابغى شي ابغى ارجع على وظيفتي!
بدر ينظر اليه دون استيعاب: ولهذا تقتل الأمين .. الوحيد اللي يعرف فضايحكم وأماكن سرقاتكم .. يا دناءتك!! تظن هذا يغطي جرائمك وخيانتك لاخوك وولي نعمتم ياحقير ؟
الوليد ببرود: ما قتلت أحد .. انت جاي تقولي هالكلام نسيت نفسك!!
بدر: كل شي واضح لي يالوليد .. راح افضحك انت وهاللي قاعدة داخل .. الأمين كان جزء من فضيحتكم وفعلتكم الشينة بحق ابوي!!
خرج وترك الوليد، متجهًا نحو قصر والدته.
.
.
.
يُغلق الدفتر ويغلفه بورق وبخيطٍ أنيق ويصنع للخيط عقدة .. ثم يذيب شمعًا أحمرًا ويسكبه فوق المغلف .. ثم يختم بختم نقشت عليه كلمة "الأمين" .. يبلل رأس القصبة بالحبر .. ثم يكتب أسفل الختم :"اختلاس".
.
.
.
يستلقي على السرير إلى جانبها تمتد يديه اليها لتعانقها من الخلف .. ابتسمت وهي التي لم تنتبه لدخوله .. يقبل راسها ويمرر أنفه بين خصلات شعرها المموج ...
" استيقظت وهي تشهق مرارا بسبب الماء الذي سُكِب فوق وجهها، رفعت شعرها المبتل عن عينيها ونظرت للمكان الغريب المظلم من حولها ثم نظرت لعبد العزيز الذي يقف بجمود أمامها وينظرُ إليها ولخدها المتورم .. ارتعشت أطرافها ما ان اقترب بخطواتٍ بطيئة منها .. انحنى وجلس القرفصاء أمامها .. امسك بيده وجهها وتأمله .. ثم همس: بوجهك هذا لفتي ولد الجراح لك؟
تهز رأسها الذي يحوي عينيها المذعورتين بالرفض وهي تهمس بين شهقاتها: لا لا ..
يضع يده السمراء فوق شعرها الطويل ويشده وهو يهمس: أجل بهذا
تصرخ بألم: لا لا .. ماسويت شي انا .. لا عزيز
يترك شعرها لتنظر اليه وهي تهمس: انا مثل ما طلعت من بطن أمي!! انا ما اطلع من دارنا للمطبخ الا بشوركم واذنكم وتحت عينكم .. متى سويت اللي تقولوه ..
تشير بيديها للأرض بضياع وهي تهتف بصوت مبحوح مختلط ببكاءها: انتم تقذفوني عبد العزيز انتم.. ترموني بشي ماسويته
تصمت ما ان تلقت صفعة منه على وجهها .. تبكي بصمت وهي تخفي وجهها عنه .. وأنفها يسيل دما .. يجلس خلفها ويخرج مقصًا من جيبه .. يجمع شعرها بيده .. تضع هي يديها فوق فمها لتكتم شهقاتها .. تبكي بصمت وهي تسمع صوت المقص يقتلع شعرها ببطء شديد متعمد .. يقف امامها ويرمي شعراتها في حضنها .. تمسح دموعها التي اختلطت بدم انفها وتنظر لشعرها دون تصديق .. تلمس ماتبقى منه فوق رأسها وتنظر لعبد العزيز: ليه؟
عبد العزيز ببرود: ليه؟
نهض باتجاه احد الزوايا وأخذ مرآةً من بين الظلام .. انحنى اليها ووضع المرآة أمام وجهها وهمس: لأن هذا الشكل المناسب ل***** .. انتِ اخترتي تكوني كذا .. كنت ناوي أكوي لك هالوجه القذر .. بس خفت على قلب أمك
تكتم شهقتها بيدها وهي تنظر بعينين محمرتين لوجهها المتورم ولشعرها الذي لايغطي حتى رقبتها دون تصديق .. تتساقط دموعها مرورا بيدها ... "

يمر يده فوق كتفها العاري حتى وصلت لأصابع يدها .. امسك بها وجذبها نحو فمه ليقبلها واحدًا تلو الآخر ..

"عبد العزيز يرمي بالمرآة على الأرض ويهمس: فهمتي؟
تصمت ليصرخ وهو يرفع يدها عن فمها بقسوة ويكسر احد أصابعها :فهمتتتي؟؟؟
سمعت صوت اصبعها وهو ينكسر .. بدا الألم يسري إليه تدريجيا حتى صرخت .. صرخت ودموعها تعبر خديها .. والذعر يملأُ عينيها الجاحظتين .. ليضع يدها فوق فمها ويكتم شهقاتها .."

يفتحُ الأزارير الخلفية لثوبها وينحيه قليلا ليمرر شفاهه فوق جروح ظهرها التي باتت ندوبًا ..
"يرمي بها على الأرض وتحتضن يدها بيدها السليمة وهي تأن بوجع .. ترفع يدها أمام عينيها المحمرتين وخديها المسودين بكحل عينيها .. تنظر ليدها التي ترتجف ولأصبعها المكسور .. دوى صوتٌ غريب .. لتشهق بألمٍ ما ان لمس ظهرها جسم نحيف خلف فيه حرارة ..وكأنما حديد حامي وضع فوق ظهرها .. يخفت صوت بكاءها تدريجيا لتنظر لعبد العزيز وهو يجهز الصوت ليلوع به ظهرها .. مرارا وتكرارا .. وبشتائم وسباب لاينتهي .. قبل ان يشفي غليله ويهدأ غضبه .. ليغلق فمها بقطعة قماش عقدها حوله .."
يقبل بدر فمها هذا الذي احكم عبد العزيز القماش حوله سابقا لئلا يُسمع صوت الأنين الصادر منه .. يبتسم إليها .. يتأمل وجهها مكتفيًا بالصمت .. والأخرى تنظر لعينيه التي تحوي أشياء كثيرة .. ترى من هذا الرجل؟ من هذا الرجل الذي اتخذ من امرأةٍ مجهولة زوجةً له؟ ولم قام بهذا؟
يهمس: أمي تنتظرنا تحت على العشا
بتول بعفوية: بناكل مع امي؟
بدر يبتسم: امك؟
ضحكت وهي تغطي فمها دون استيعاب قبل أن تهمس: مدري كيف!
بدر بنفس الابتسامة: الله جابها على لسانك .. خلها تظل كذا ..
كانت قد اخبرتها فاضلة من قبل أن هاجر هي الطريق إلى قلب هذا الرجل، لكنها نسيت تمامًا .. ولكن لم؟ ماهذه الأسرار التي يحملها فوق ظهره وتخشى أن تسأله عنها؟
بعد أكثر من نِصف ساعة ..
يجلس إلى طاولة الطعام المنخفضة والبسيطة في جناح والدته .. وتجلس والدته على يمينه .. وتجلس بتول على يساره .. وجوداء تجلس أمامه تمامًا ..
الجميع يتناول الطعام بهدوء .. ويبدو أنهُ يفكر في شيءٍ آخر غير الطعام .. حتى قطعت جوداء هذا الصمت بطلبها: بدر اخوي .. ودي أنتقل عند أمي .. كررت هالطلب على أبوي كثير ورفض .. وأطلبه منك الحين
سمع طلبها ولم ينظر إليها، نظر لوالدته التي تعلقت أنظارها به منتظرةً جوابه .. نظر لشعرها الذي اشتعل شيبًا .. ولعينيها ذات اللون الباهت .. ويتذكرُّ كم كان لها وجهٌ ينبضُ بالحياة ..
قبل عشرون عامًا..
قد استدعاه والده إلى جناحه الخاص .. فأقبل عليه مطيعا لأمره .. قبل رأس والده وأنفه ويده .. ثم جلس على الكرسي المنخفض المقابله له وبأمر منه ..
ينظرُ الآخر لولده بابتسامة .. لشاربه الذي خطّ ولطوله الفارع ..
ينظر بدر للشيب الذي زاد أباه وقارا ويستمع للكلمات الهادئة منه وللصوت الذي أضاف على تلك الكلمات لحنًا عذبًا : بدر حبيبي .. أنت غروري .. بكري وقرة عيني الأولى .. أفتخر فيك
بدا عليه الخجل وان حاول اخفاءه، ويردف أحمد: راح ترافقني للمغازل .. وراح نزوجك باذن الله .. من بنت عمك .. زينب!!
عقد حاجبيه وهو ينظر لأبيه .. ويهمسُ الوالد بصبر: بدر .. ماتنعقد هالحواجب في وجه أبوك وقبال أوامره!! انتظر منك كلمة تامر يبه وعلى هالخشم!
يزفر وهو يسر في نفسه ما كان سيتفوه به .. وكأنّ صخرةً وقعت فوق رأسه .. كسا وجهه اللون الأصفر .. أسيتزوج ابنة زنية؟ أسيتزوج بها وسينجب منها أطفالًا؟ وان كانت الناس لا تدري من هي زينب .. ستعرف لا محالة .. وسيرتبط قدر أطفاله بهذا الإسم المشين!!
يهمس بقوة لا يعلم من أين أتته دون أن ينظر في عيني والده: يبه .. أنا ما راح أتزوج هالبنيه!
ساد الصمت .. فرفع هو عينيه بتردد حتى وقعت في عين أبيه المحمرتين غضبًا .. وقف أحمد ليقف هو على الفور ويتراجع خطوة للخلف .. يهمس أحمد: وش قلت؟
بدر: اللي سمعته يبه! أنا مقدر ..
قبل أن يتم كلامه .. فاجأته صفعة من والده أدمت شفته .. ضم شفتيه بكظم لغيظه بينما أعطاه والده ظهره وهو يهتف باذن الدخول لمن خلف الباب ..
تدخل الخادمة وتتجه نحو أحمد لتعطيه رسالة وهي تهتف:"لقد تركها أحد الحراس"
أخذ الرسالة وهو ينظر لابنه بطرف عينيه الغاضبتين، يقرأ أسطرها بهدوء حتى اتسعت عيناه .. يخفق قلبه دون استيعاب لما قرأ في تلك الرسالة المختومة بختم مجهول! ينهض متخبطًا ويخرج من الجناح ليلحق به بدر مستغربًا .. يتقدم نحو الجناح الذي لا يبعد عنه كثيرا .. ينظر للحارس الذي يقف على بابه .. يدفع الباب ويدخل .. ويدخل من خلفه بدر ..
ينظر لزوجته التي تجلس على الأريكة وعيناها تنطق بالعجب من دخوله هكذا .. يتجه نحو التسريحة ويبحث بعينيه عن شيءٍ ما .. حتى وقعت عيناه على زر توسط احد زواياها.. الزر المفقود في كم الحارس على باب جناح هاجر!
يمسك بالزر ويقترب منها ببطء .. يرفعه أمام وجهها ويهمس: وش هذا؟
تصمت وهي تنظر اليه تارة وللزر تارة أخرى .. دون أن تفهم أي شيء ..
يرميه على الأرض ويخرج من الجناح وهو يدفع بدر بغضب من أمامه .. يمسك بالحارس ويجره لداخل الغرفة ويجعله يركع .. يخرج السلاح من بين ملابسه ويصوب السلاح نحو رأسه لتشهق وهي تنظر لأحمد بصدمة .. يبتسم بسخرية ما ان رأى ردة فعلها .. يتجه نحو بدر ويشده من ياقة ملابسه .. يضع السلاح في يده ويهمس مُشيرا للحارس الذي ينظر لفوهة السلاح بذعر: اطلق ..
ارتجفت يده التي تحمل السلاح وهو ينظر لعيني الحارس المذعورة، تقترب هاجر منهما وهي تهتف دون تصديق: أحمد!! وش انت مخلي ولدي يسوي!!!
يصفعها لتسقط على الأرض وتزحف للوراء .. بدر بخفوت وهو يتجه نحو والدته: يمه!
يمنعه والده من الاقتراب بيده .. ينحني نحو الحارس ويأخذ السلاح المستقر في حزامه ويتجه نحو هاجر الملقاة على الأرض .. يحملها من الخلف ويصوب مسدس الحارس لرأسها ويصرخ في وجه بدر الذي يقف مرتجفا: خلك رجال!! اذبحه نظف شرفنا..والا ذبحتها!!!
ينظر للحارس الذي يجلس بلا حول ولا قوة .. لا يفهم ما الذي يحدث حتى .. يلتفت لصراخ والده: بدررر!!!
يكتفي بالصمت المربك وهو ينظر لوالدته الخائفة .. اغمض عينيه ما ان دوى صوت الرصاص .. فتح عينيه وهو ينظر للسلاح الموجه لساق والدته الدامية .. شهق وهو يحاول الاقتراب الا ان أحمد صرخ : ما كفاك؟
يصرخ في وجه والده: اتركها!!! خلاااص .. ليييه لييه؟
يصوب السلاح لساقها الثانية ويطلق مرة أخرى .. تركع على الأرض .. ينظر لدموع والدته وهو يضع سلاحه بالقرب من كتف الرجل .. يصرخ أحمد: راسه
يرفع يده المترددة نحو رأسه وهو ينظر لأمه، يرفع أحمد السلاح نحو رأسها ليطلق دون شعور منه وهو يهتف: لااا
تتطاير دماء جمجمة الرجل فوق وجهه وثيابه .. يقعُ الرجل على الأرض ليترك أحمد زوجته فتقع هي الأخرى أيضًا .. تصدر أنفاسا مضطربة من بين شفتيه وهو ينظر للحارس يهوي أرضًا .. ينظر ليديه التي امتلأت دما من دم الحارس المتطاير .. انها الدماء يا ربي .. انها الروح التي تفردت بقبضها .. ها أنا ذا أقبضها وأبعثها إليك يا سيدي العظيم .. خذها وأعفوا عنه وعني .. ستضع حسانتي أنا الظالم في دفتر هذا المظلوم .. أو ستلقي بسيئاته في دفتري أنا .. وسترجح كفة سيئاتي المضرجة بالدم على أي حال وستكبني على وجهي في نارك العظيمة .. ها أنا ذا ماثل أمامَك قاتلٌ للنفسِ المحترمة .. ها أنا ذا ملوثٌ مدنسٌ يا ربي .. ها أنا ذا ملطخ بالدم القاني .. كم من الندم عليّ أن أبدي ولن تعفو عن ظالم مثلي؟ كم من الوقت علي أن أسترجع لأعيد ترتيب خياراتي وأتخلى عن أنانيتي؟ ماذا لو ماتت أمي مظلومة ولما مات الحارس مظلومًا على يديّ الظالمة تلك؟ أكنت سأبكي فراقها؟ يا لدلالي .. يا للترف الذي وُلد فيه ولدٌ مثلي ..
يلتفت دون وعي لأمه .. يركض باتجاهها ويرفع جسدها ليضعه في حجره .. يحتضنه وهو يمسح دموعها ويتلمس جرحي ساقيها .. حتى لطخ وجنتيها بالدم .. يهمس اليها وهو يراها تغمض عينيها: يمه حبيبتي .. تسمعيني؟
لا يراها بوضوح .. الدموع ودوار الرأس الذي أصاب راسه فجأة يمنعانه من الرؤية ..
تجمعت الدموع في زوايا عينيه المذعورة، ينظر من حوله بعجز حتى وقعت عيناه على أبيه الذي يجلس بارهاق على الأرض ....
تنبّه من ذكراه المؤلمة لصوت جوداء .. وهمس بانزعاج: لا! مافيه
جوداء باستغراب: ليه؟
بدر ينظر لها بحدة: بدون ليه!
ينهض باتجاه دورة المياه لتهتف هاجر باستغراب: بتول! الحقي رجلك شوفيه!
.
.
.
تتوقف عربتها الفاخرة عند باب القصر .. يترجل من على حصانه أحد الحارسان الواقفان خلف العربة .. ويفتح لها الباب .. ويمد يده اليها .. تمسك بيدها ثوبها القرمزي وترفعه عن ساقها .. تضع رجلها خارج العربة لتنزل وهي تضع يدها السمراء في يد الحارس .. تتقدم نحو باب القصر .. ليهتف حارسه وهو يفتح الباب: "أهلًا وسهلًا سيدة بُشرى .. تفضلي".
.
.
يغسل وجهه بالماء البارد .. شعر بوجودها خلفه الا انه لم يلتفت اليها .. نظر في يديه الخالية .. ثم نظر اليها .. عاد ونظر ليديه .. ممتلئتان بالدم .. دم الحارس .. ربما ...
نفض يديه بذعر وهو يرجع خطوة للوراء .. يرفع يديه لوجهه واذا بها خاليه .. يتقدم خطوة ويغسل يديه جيدا .. كما لو أن الدم مازال ساخنا فوق يديه .. يغلق الماء .. أمام تعجبها من تصرفاته ..
تدخل احدى الخادمات .. وتهتف:"سيد بدر .. السيدة بشرى أرسلت رسالة في طلبك .. لقد حلت ضيفةً على القصر .. وهي بانتظارك في جناح الضيوف".
.
.
.
.
.
.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 36
قديم(ـة) 29-05-2019, 02:30 AM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رواية : طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ .
بقلم : حِرز.
بسم الله .. أرجوا من الله التوفيق فيما كتبت وفيما سأكتب.

السمكةُ التي تُشبِهُ القمر!. (٦)

واقفٌ أمامَ الشُرفة ..
ضوء الشمس مُسلطٌ على عينيه الباهتتين بفعل تقدم سنه .. الشعيرات البيضاء تعاظمت في رأسه ولحيته .. شحوب مستمر يزيد بشرته بياضًا .. يا لهيبتهِ ووقاره .. يا لذكر اسمه من مهابة .. "أحمد" .. ذلك الاسم الذي ما ان ذُكر في قصر النجدي كاد الجمع أن يقف من فرط الاحترام .. شارِبهُ الخالي من شعرةٍ سوداء يغطي شفته العليا ويكسبه صورةً أكبر حتى مِن عُمره ..
حاجباه الرماديان معقودان على الدوام .. نظرته ثاقبة .. تشعر أنه ينظر في جوفك .. تشعر أنه يرى ما بقلبك .. تشعر أنه سيزلزل الأرض من تحتك في أي لحظة .. تشعر أنك لا تقوى على ارتكاب الأخطاء في حضرته ولا على عصيان أوامره ولو كان بالنفور منها سرا .. ذلك الولد العاصي يدهس كل هذا ويرفض له أمرًا .. ينطق كلمة "لا" في وجهه المُهيب قبل عشرين سنة خلت ..
ويقوم بفعلٍ دون رجوع إليه بعد تلك السني العشرون .. ويتزوج دون رضا منه ..
كل هذا يشير ان هذا الولد العاصي ليس الا صورةً من أبيه .. ليس الا رجلا استحق وبجدارة أن يكون آمرًا ناهيًا .. مثلُ أبيهِ تمامًا ..
يغمض عينيه ببطء ووقار .. وتمر تلك اللحظات من أمام عينيه كأنها حدثت الساعة ..
" لقد داهم جناح ابنه الأكبر .. بدر!
حمل بيديه قطعة القماش المشدودة الذي كان بدر هذا يجلس أمامها .. وأخرج خنجره من بين ثيابه .. وهتف: حلوه كثير .. أضيفك لك جمال على هالجمال؟
نظر لنظرات ابنه الباردة .. التي لن تدافع عن نتاج أيام من السهر والليالي والشعور بالانجاز والحب .. ثم رفع الخنجر ومرره في تلك اللوحة ومزقها تمزيقا .. رمى بها في وجهه وأصاب أحد أطرافها الخشبية ذقنه الخالي من الشعر فأدماه .. التفت أحمد .. وجلس بدر على كرسيه ووضع لوحة أخرى أمامه بتحدٍ مباشر ..
كاد أن يخرج لولا أن التفت ورأى ابنه بتلك الصورة المتحدية .. اتجه اليه .. أمسك به من ياقته وأوقفه، يصرخ صرخةً مهيبة في وجهه: ما سمعت أوامري؟؟ ما أبغى هالتفاهة في قصري!
يهرب عينيه من النظر في عيني والده .. ليرفع بيده وجه ابنه ويجبره على النظر في عينيه التي يتطاير الشرر منهما .. ويهتف: لا أمرتك نفذ .. قل سمعًا وطاعة يبه .. قل على راسي يبه .. قل تم يبه .. تفهم ولاماتفهم؟ لاتحط راسك براسي ياولد!
دفع به .. ثبت قدماه بصعوبة في الأرض رافضا أن يسقط او أن يتهاوى بضعف وأمام مرأى من والده ..
يهمس أحمد: عنييد! ولكن عنادك مو على أبوك وولي نعمتك !!! تفهم؟؟
نهض باتجاه أدوات الرسم .. حملها بين يديه كلها واتجه نحو النافذة ليرمي بها أمام نظرات بدر الجامدة .. ثم خرج من الغرفة."
.
.
.
قبل وقت ..
تصل إلى جناح الضيوف .. يفتح لها الباب لتدخل .. تتجه بابتسامة تزين ثغرها نحو النافذة لتفتحها وتسمح للشمس بأن تنشر أشعتها في أطراف الجناح .. تلتفت ما ان سمعت صوت خطوات واذا لها والدتها تدخل تاجناح وهي تهتف:"اهلا وسهلا بابنتنا الجميلة .. مرحبا"
تتجه نحو والدتها بابتسامة وتعانقها بشدة، تجلسان على أحد الأرائك .. وبعد وقت طويل من السؤال عن الأحوال همست بشرى التي لا تجيد العربية إطلاقًا: " مالذي جرى يا أمي؟"
فاضلة:"ومالذي لم يجري؟ لقد دفعت أخاك لتعيين ابنه بدر نائبا له .. وقد امتلك الآن الوكالة المطلقة لأبيه .. لقد بينت له حرصي على استلامه لمنصب والده .. وأيدته كثيرا .. لأني كنت اعلم أنه من سيفوز بهذا عاجلا أم آجلا .. ويبدو انه أظهر لي تصديقه ايايي في البداية .. أما الآن .. فهو ينبش في الماضي! لقد سمعته بأذني! انه يحاول اثبات عمليات الاختلاس التي قمنا بها"
تنظر لوالدتها دون تصديق وتهتف:" أتمزحين؟ وكيف علم بها؟"
فاضلة:"أنا لا أدري تمامًا .. ذكيٌ جدًا .. لم يترك شيئًا على حاله! الجميع مستاء منه .. سيطر على معظم السوق باتفاقه مع أغلبية التجار .. حتى زي العمال والحراس أصدر أمرا بتغييره، وضع أخاه دخيل أمينا وهو يراجع الدفاتر .. يومٌ أو يومين وسيكشف أمرنا"
بشرى دون استيعاب:" كل هذا حدث؟"
فاضلة:"هناك المزيد .. لكن كل شيء حل الا هذا"
بشرى:"الأمين؟"
فاضلة:"لقد تخلص الوليد منه"
بشرى باستياء:"ياله من خطأ!"
فاضلة:"على الأقل تخلصنا من الشخص الوحيد الذي يعرف مكان الخزينة"
تتنفس الصعداء وهي تعلق ناظريها بالخادمة الواقفة على الباب .. تفكر مليًا قبل أن تأمرها:"أخبري السيد بدر أني حللت ضيفة على القصر .. وأني أرجوا لقاءه ها هنا!".
.
.
الآن ..
تتحرك عربته باتجاه مكان ما، ومن خلفه اتشيلي وصخر يمتطيان حصانهما .. حتى توقفوا عند مكانٍ ما ..
نزل من عربته .. ونظر للمنزل المقابل لهمم وعقد حاجبيه مستغربا .. نظر لاتشيلي وهتف: ملجأ أمي فاضلة .. ليه جينا هنا؟
ينظر اتشيلي لصخر الذي هتف بصوته الوقور: منذ أيام من مراقبتنا لوصيفة السيدة فاضلة لاحظنا ترددها على هالمكان بين فترة وفترة .. وهي تحمل صناديق ثقيلة!
بدر باستغراب: كيف عرفتو انها ثقيلة؟
اتشيلي: من طريقة حملها لها .. احنا نشك بوجود الأموال المختلسة هنا .. ملجأها افضل مكان لتخبئة الأموال .. من راح يجي على باله هالمكان؟
ضحك بسخرية وهو ينظر لباب الملجأ .. اقترب منه وطرق الباب ثلاثا .. بالفعل .. الطريقة الأمثل للتستر على قبح أفعالها .. هذا المكان الذي أعدته!
فتحت عائشة الباب وما ان رأت بدر هتفت بارتباك:"سيد بدر! أهلا .. أهلا وسهلا"
رمقها بنظرة وهتف لاتشيلي: اتشيلي .. دخلو فتشو المكان
دخلا وسط توسلات عائشة واخبارها لبدر بأنها مجرد موظفة وأن فاضلة ان علمت بدخول احد دون أذنها سوف تطردها ... بعد عدة دقائق خرج صخر وأشار لبدر بالدخول .. ليدخل وهو يتبع صخر .. نزلا الى أسفل أي القبو .. ونظر للمكان الذي يلمع ذهبا .. نقود ذهبية وبعض النقود التي حولت لتماثيل ذهبية وحلي! اموال طائلة يستحيل لفاضلة ان تدخرها من مخصصاتها ولو عاشت مئة سنة دون أن تصرف منها شيئًا!
لاحت ابتسامة منتصرة فوق شفتيه وهو يتخيل غضب والده .. والده الذي قد يطرد أمه ان خانته .. همس لصخر: وش هي الطريقة الأمثل لنقل هذا كله للخزينة ياشيخ؟
صخر وهو يتحدث بروية ناظرا لاتشيلي الذي كان يتجول بين الذهب: اولًا لازم نحط حراس .. لمنع وصول أي خبر عن الموضوع للقصر .. حتى الفجر .. ننقل الاموال عن طريق عربات الزبالين
ينظر إليه باستحسان لفكرته، ثم يخرج.
.
.
.
يفتح درج مكتبه المغلق باحكام .. يستخرج منه الدفتر ويضعه فوق المكتب .. ولا يطيق بدر صبرًا لأن يغلق دخيل الدرج قم يسلمه اياه فيرفع الدفتر بنفسه من أعلى المكتب .. ينظر لكلمة اختلاس التي زينته .. ويبتسم قبل أن يمزق الغلاف ليقرأ ما بداخله من حسابات .. اغلق الدفتر قبل أن ينهي القراءة ودفعه إلى دخيل هاتفًا: احسنت دخيل .. كمل شغلك
لم يستطع من ابتسامته من الظهور لثناء أخيه .. أخذ الدفتر ووضعه أعلى المكتب .. هتف بدر الجالس خلف المكتب: راح أكتب تقرير للوالد
يمد دخيل ورقةً وحبرا وشمعا أحمر لأخيه .. ثم يخرج ليبدأ بدر في الكتابة:
"بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد
إلى والدي العزيز .. كنتُ أود أن أوافيك بآخر الأخبار السارة فقط ..
حيث استولينا بالتعاقد مع تجار الأقمشة على معظم السوق في اسطنبول، كما انتعشت الخزينة بعد ارهاق دام خمس سنوات، وبدأنا في حياكة زي جديد خاص بالعمال جميعهم، وبدأنا دفع الرواتب بشكل منتظم كما في السابق.
إلا انه وكم يؤسفني أن أعكر صفو مزاجك بخبر كهذا؛ قام أخاكم وعمي الوليد وأمين الخزينة بعملية اختلاس كبيرة، أقلت الأمين من وظيفته وعينت دخيل أخي بدلا عنه وقد قام باثبات ذلك عن طريق تدقيق الحسابات، كما أوقفت جميع صلاحيات عمي الوليد حتى أمر منك.
هذا والسلام ..
ابنك ووكيلك المطلق: بدر."
يضع الرسالة في ظرف، يعود دخيل حاملا شمعة في يده .. يذيب بدر الشمع الأحمر فوق ضوء الشمعة التي يحملها دخيل ثم يلقي الشمع الذائب على الظرف ويختم بختمه..
.
.
تهمس لأخيها الوليد الذي يجلس بجانبها على الأريكة: "كل منا يملك سرًا .. ولهذا كل منا يخاف .. وبدر أيضًا هكذا"
تمد إليه فنجان القهوة التي صبته إليه بنفسها وهي تردف:"لابد لك من معرفة سر هذا الشاب .. علّك تقدر على لوي ذراعه"
تكمل ما ان أخذ الفنجان:" لقد طغى ..! طغى وتجبر .. كما لم يكن من قبل!"
يُطرق الباب ويدخل بدر .. ليقف الاثنان .. يتجه نحو عمته بابتسامة صفراء ويحييها .. يقبل رأسها باحترام رغم أنها لاتكبره كثيرا ثم يجلس إلى الأريكة المجاورة لها بتجاهل تام للوليد .. تصب له فنجان قهوة وتمده له وهي تهتف بابتسامتها الجميلة:" من يريد أن ينظر للقمر فلينظر في وجهك .. ماهذه الابتسامة الجميلة لم أعهدك هكذا"
اكتفى بابتسامة وهو يأخذ الفنجان منها، أرخى كل دفاعاته وهو يجلس أمامها بعد أن كان مشدود الأعصاب لفترةٍ ليست بقصيرة.
ظفرت شعرها الذي كان ينساب بحرية فوق كتفيها وألقت بظفيرتها فوق أحد كتفيها .. تراءى أمام عينيه شكلها وهيأتها في ذلك اليوم .. تنحني وتنحني ظفيرتها معها لأخيها أحمد الذي وقع أرضًا ويبدو أن مكروها أصابه .. ثم تنظر اليه ولوالدته الغارقة بدمائها وهي تهتف بقهر مفتعل:"اللعنة عليك هاجر!! أيتها المشؤومة أنتِ وأولادك!! ان حدث لأخي شيء فستنفين واياهم ايتها الزانية .. عليك اللعنة"
عقد حاجبيه باستياء .. هذه الذكرى تطرق رأسه كثيرًا اليوم .. وضع فنجان القهوة على الطاولة وهم بالنهوض ليقفا .. وتهتف هي باندفاع:"إلى أين ياعزيزي بدر؟ لم تنهي حتى فنجان قهوتك .. لم نتحدث"
بدر وهو يزفر:" لقد أتيت لرؤيتك والترحيب بك .. وأنا مشغول جدًا .. أرجوا أن تعفيني اليوم .. سآتي ما إن أتفرغ"
تعقد حاجبيها باستغراب من انقلاب حاله وهي تهمس: كما تريد.
.
.
.
يقف أمام نافذة الغرفة وهو يحتضن كفيه خلف خصره .. منتظرًا رسالةً من بدر .. أغمض عينيه وهو يطأطأ رأسه .. يتذكرى ذكرى مؤلمة اليوم .. لقد خطط لكل شيء .. الا أن هاجر .. افسدت كل شيء.
" يجلس على طرف السرير وتتسابق أنفاسه في الخروج .. ويقف بحانبه طبيبه الخاص وهو يتفقد نبضه .. وفي الجهة الأخرى تقفن بشرى وفاطمة وفاضلة بقلق إلى جانبه ..
على الأرض .. ينهض بدر ما إن حُملت والدته في نقالة وهو يلحق بها .. عينيه حائرة لاترى شيئا غير جسد والدته المدمى بضبابية غريبة .. يمسك به امير ويمنعه من اللحاق بأمه .. ينظر للأرض وهو يبحث عن الحارس بعينيه .. لا يجده .. وينظر لأبيه الذي نهض ودفع الطبيب عنه متجهًا نحوه ونحو أخيه..
يهمس لإبنه: تصيح؟
ينظر لوالده هذا بحقدٍ عميق استشعره هو نفسه وهو ينظر في عينيه المحمرتين .. اقترب من والده باندفاع .. شد على قبضته ووجهها لوجه والده الذي وقع أرضًا .. !!
صرخن .. بينما أبعد أمير بدر وهو يصرخ باسمه ناهيًا له ..
يقف أحمد .. يضع يده فوق كتف بدر الذي دفعها بنفور وهو يهتف: أنت ولدي!! دمي يجري في دمك .. ان كان ما لاعنت امكم فهو عشانكم! عشان ورثكم .. عشان صيتكم
بدر يصرخ: ليييه؟؟ ليه تصدق؟ اطهر من الطهر ذي !
يدفع أمير ويقترب من والده .. يرفع يده في وجه ابيه ويصرخ بحديث مختلط ببكاءه: تناثر دمه فوق يدي .. يدي كلها دم الرجال .. قتلت انسان .. قبل دقايق كان يتنفس كان عايش .. كان واقف جمب الباب هنا ... انا قتلته انا
يضع كفه فوق فم بدر قاطعا حديثه ..أحمد: بالله ماربيت رياجيل .. اطلع من وجهي .. الحق بأمك ان سلمت واذلفو من وجهي في بيت من طلع من شوري وعصاني .. وان كنت تريد رضاي من جديد الطريق تدله"
تنهد وهو يغلق رسالة بدر، جهز أدواته للرد عليها .. الا أنه عزف عن ذلك وهمس للخادم الواقف بانتظاره: " أخبر الباشا .. هناك امر طارئ .. أنا عائد للمدينة .. هذه الليلة".
.
.
.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 37
قديم(ـة) 29-05-2019, 02:45 AM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


الساعة الثانية عشرة في منتصف الليل ..
ترجل من عربته، واتجه بترنح نحو باب القصر ودخله متجهًا للطابق الثاني .. حيث جناحه .. استند بيدهِ على الباب لثوانٍ وهو يحاول استعادة توازنه .. فتح باب الجناح ودخل .. جلس بجانب السرير على الأرض .. حيث يقابل وجه بتول النائمة تماما خلع حذاءه البوت ورماه بعيدا .. خلع معطفه ورماه على الأرض بجانبه .. فتح أزارير قميصه بصعوبة ورماه ..يحاول النهوض ثم يقع على الأرض اثر دوار رأسه .. استلقى على ظهره والهواء يعبر صدره العاري .. يتكلم : بتول ..
وضع يده فوق السرير وحاول النهوض دون ان ينجح في محاولته .. كتم أنفاسه في الفراش الي تتغطى به بتول وهو يضع يده فوق كتفها .. يحركها بخفه ويهمس: بتول .. بتول ..
فتحت عينيها لتتصادم مع عينيه الناعستين والذابلتين .. يهمس بخفوت: ساعديني
تنهض وترفع وجهه عن الفراش: بسم الله عليك! وش فيه!
تحمله فوق صدرها وترفع جسده الثقيل بصعوبة .. كانت ستتركه فوق السرير الا انه رفض تماما وهو يخفي وجهه في صدرها .. يهمس: أممم!
عقدت حاجبيها بقلق من انينه .. ما ان شعرت بانفاسه شديدة الحرارة وهي تصطدم بصدرها رفعت وجهه .. وضعت فمها فوق جبينه لتصل حرارة جبينه لشفتيها ..
بتول بهمس قلق: بدر قوم ..
يشد عليها أكثر .. ترفع يديه بصعوبة عنها وهي تنظر لحاله الغريبة بخوف .. تكوم على نفسه .. بينما نهضت لتفتح الباب الذي طُرق .. دخلت هاجر وهي تهمس بقلق: وش فيه بدر تقول الخادمة جاي وفيه شي غريب ..
بتول بقلق وهي تمسك يدها مجتذبة اليها نحو الداخل: مدري شفيه يمه .. حرارته مرتفعه ويأن ..
اقتربت من السرير ونظرت لبقعة الماء الذي خلفها تعرقه فوق الفراش .. جلست إلى جانب رأسه .. تبعد خصلات شعره الملتصقة بوجهه المتعرق ليفتح عينيه وينظر لوجهها القريب منهما .. يصدر لحنا عذبا من فمها: وش فيه حبيبي؟
تشده لصدرها فيغلق عينيه .. يديها الحانية باتت تصل لكل مواضع الألم في جسده .. نظرتها الجميلة اخترقت قلبه المجروح .. يأن مرارا وهو يتلفظ بكلمات غريبة .. يهلوس .. يشد على ثيابها وهو يخفي وجهه في صدرها خوفا من ذهابها .. يالضعف هذا الرجل الآن والذي كان يقف كالجبل في الخارج قبل قليل .. يضم شفتيه ويأنّ في الوقت ذاته .. تلمس خده ذو الشعر الخفيف بيدها ليرفع رأسه وينظر إليها .. يتأوه مرارا وهو يغمص عينيه بوجع .. قبل أن يرفع يديه لوجه والدته الحنونة ذات الحجر الدافئ .. يهمِس بنبرة منهكة: يمه .. الحارس ..
ابتلعت ريقها وهي تنظر لبتول التي تقف بقلق في الخلف .. تهتف: ماي بارد بتول بسرعة
ما ان خرجت بتول .. ترجع شعره للوراء عن وجهه .. بينما يرتجف جسده وترتعش شفاهه وهو يتقلب بألم في حجرها ..
عادت بتول بالماء البارد وبقطع القماش .. بللت هاجر يدها ولمست خديه وجبينه وفمه الملتهب بها .. بللتها مرة أخرى لترشق صدره بقطرات تزيد من ارتعاشه..
أنزلته من حجرها على السرير وهي تبلل قطع القماش لتوزعها فوق جسده ....
.
.
.
تضع ظفيرتها الطويلة والمعتادة على احد كتفيها وهي تغادر مجلس البنات بعد الحاح منهن على البقاء وقتا أطول .. جوداء وفريال وفريدة .. كل مههن تأنس بمجالستها والاستماع لأحاديثها .. لا سيما الأحاديث التي تخص ما بعد أسوار أسطنبول .. حيث المدينة التي تعيش فيها؛ أدرنه ..
تقف بخطوات هادئة امام الجناح وتطرق الباب لتفتحه الخادمات .. تدخل بهدوء وروية لتقف هيفي التي كانت تسرح شعرها امام المرآة .. ابتسمت بشرى وهي تقترب منها .. تقف أمامها تمامًا لتهتف هيفي: " اهلا وسهلا يا سيدة بشرى .. شرفتي الجناح بحضورك"
بشرى بابتسامة صفراء:" أهلا أهلا .."
تنظر لطفلي هيفي اللذان يجلسان على الأرض في زاوية ويلعبان، ثم تعيد نظرها لهيفي وهتمس:"لو كان حضوري مشرفا لهذا الحد لزرتني في جناحي .. انا ضيفتكم اليوم"
تبتسم هيفي بمجاملة وترد:"انا منشغلة اليوم .. كنت سأزورك بعد تنويم الأطفال"
تزول ابتسامتها وهي تنظر لهيفي بنظرة تقييمية، تقترب منها خطوة وهي تهمس إليها بحدة:"أنظري هيفي .. تظنين نفسك ذكية .. نعم أنتِ كذلك .. لكن ذكاءك هذا محصور في سرير أمير وقلب أمير .. تفهمين ما أعنيه جيدًا .. قد تخدعين بعقلك الصغير فاطمة ذات النظر المحدود الضئيل .. لكن لا تستطيعين فعل ماهو أكثر من ذاك أيضًا ..."
ترفع هيفي حاجبها باعتراض مباشر .. وتردف الأخرى:"لذا أوصيك بالاكتفاء بمنزلة امير الحالية .. لا تطمحي للأكثر .. أفهمتِ؟"
تصمت هيفي لتهمس وهي تلتفت مغادرةً:"لابد أنك فهمتِ"
فتح لها الباب وكادت ان تخرج لولا ان استوقفها صوت هيفي:"لم أفهم شيئًا!!"
تلتفت وتنظر لملامح هيفي المتحدية وتبتسم بسخرية وتهتف قبل أن تخرج :"هذا أفضل".
.
.
.
يتباعد الظلام بفتح عينيه .. ويعود ما إن عاود اغماضهما .. يفتحهما مرة أخرى لتصطدما بالوجه النائم وكأنه غفى حين كان ساهرًا فوق رأسه .. يشعر بثقل رأسه .. يزفر وهو يحاول أن يرفعه ليضعه فوق فخذها دون جدوى فاستيقظت اثر حركته .. رفعت رأسه عن الوسادة ووضعته فوق فخذها .. يرى وجهها وهو يطل من الأعلى هامسًا بابتسامة مازحة: صباح الخير يا دلوع ..
يبتسم وهو يغمض عينيه، يفهم ما ترمي إليه تمامًا ويهم برفع رأسه لولا أنها ثبتته برفق في حجرها وهي تهتف بضحكة: أمزح معاك وش فيك!
بدر بهمس واهن: ايوه ارجعي لطبيعتك ..
ابتسمت وهي تضع كفها فوق جبينه لتتحسس حرارته من جديد .. خفتت بعد ان تلقى العلاج المناسب .. تُرجع شعره المبعثر للوراء وهي تفكر في كلماته ليلة البارحة .. قد لا تعدو كونها هلوسات مصاب بالحمى! لكنها تعلم أن وراء هذا الرجل أمرًا أو أمورًا ..
حسب مخطط فاضلة ..
انها الآن بصدد أمرين .. الأمر الأول .. هو أن تستوطن قلب هذا الرجل المسجى أمامها لتلج إلى قصر النجدي ولتصبح أحد سيداته علنًا ..
والأمر الآخر .. أن تكتفي بالاختفاء في ظل رجل لا يظلمها يومًا ولاتخشى شيئًا بجواره ..
تشعرُ أنّها لا تهتم لشيء .. تشعر انها تريد اللجوء والأمان فقط .. تفتقد صراعها مع خديجة وتعلم أن ستحظى بصراعٍ مثله في ذلك القصر .. لكنها لم تعد تأبه بهكذا أمور .. تريد أن تسكن إليه فقط .. وأن تقف بجواره وخلفه وتمده بالقوة سواءً كان على حق أم لا .. سواءً كان ظالما او مظلومًا!
تشعر بعضلاته المحمومة التي عادت للاسترخاء في حجرها .. تنظر لوجهه الأسمر المتفجر بالحمرة وقد أغمض عيناه .. لُتسند ظهرها للسرير هي الأخرى .. وتغط في نومٍ عميق.
.
.
.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 38
قديم(ـة) 29-05-2019, 02:47 AM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


اليومُ التالي .. مساءً
تجلس على الجلسة العربية في غرفتها وفي مقابلها تجلس ريحانة ابنة عمها وهي تعبث ببعض الألعاب .. تتنهد .. تعلم جيدًا أن تلك المرأة ما تزال في أحد من بيوت أبيها .. وأن غيابه المستمر والذي يبدو أنه متعلق بالعمل ليس حقيقيا ابدًا .. لابدّ أنه إلى جوارها .. ولا تظنه جوارا عاديّا عابرا فهي تثق أن والدها عفيف جدًا لايقبل بالعلاقات غير الشرعية .. وتكاد أن تجن بسبب برود أمها التي لا تأبه بهذه الزيجة ولا تأبه بأبيها .. بينما تغضب هي .. ولم تغضب؟ نعم .. انها تنسى دائما أنه ليس أباها وحسب .. انه رجل .. انه بحاجة لزوجة كاملة متجهة إليه بكامل روحها وجسدها .. تدعمه بكافة وسائلها .. يستند إليها حتى .. ووالدتها ليست هذه المرأة .. تدرك انهما مجبران على هذا الزواج الذي كان نتاجه هي .. لكنهما لم يحاولا ولو لحظة أن يزرعا المودة بينهما .. استمرا في صد بعضهما على الدوام ..
يقطع حبل أفكارها دخول عمها المفاجئ .. او أنه طرق الباب لكنها لم تتنبه .. يتجه نحو ابنته ويحملها على صدره وهو يهتفُ بملامح مرهقة: حبيبتي فريال .. شكرًا على استضافتك واحنا الآن رايحين ننام
ينظر لريحانة بابتسامة مُجهدة ويهمس: صح ريحانتي؟
ينظر لفريال التي وقفت لتواجده توا .. لا يهتم بتلك التقاليد .. لكنه استغرب من جمودها وكأن خطبًا ما حل بها .. يقترب منها ويضع كفه فوق خدها ليرفع وجهها الناظر بحزن للأسفل .. وبصوتٍ حنون عذب: فريال بابا شفيك؟ متضايقة من شي؟ احد مزعلك؟
ابتسمت إليه، يا لحظ هيفي بهذا الرجل الوقور الحنون، تجيب: لا عمي .. مافيني الا الخير
يبدو ان ارهاقه وتعبه الناتج عن عمله المستمر دفعه الى الرغبة في تصديقها، وقبل ان يفتح فاه بنية التحدث دخل بدر يسبقهُ صوت سعاله .. نظرا اليه فهمس بابتسامة منهكة هو الآخر: مساء الخير .. قاطعت سوالفكم عم وبنته؟
نظر أمير هذا الذي من شأنه أن يهتم بأمر كل كبير وصغير لوجه بدر الأصفر .. يهتف: اخوي .. شفيك انت بعد؟
يقترب من بدر وهو حامل لابنته، بهمس لا تسمعه فريال: نيران عن بعد ميل .. وش مسوية فيك مرة اخونا الجديدة؟
ابتسم لا شعوريا ابتسامة لم يرها أمير على وجه اخيه منذ زمن، همس محرجا وهو يدفع كتف أمير بخفة: وصخ
ضحك ثم هتف بجدية: أتكلم جد شفيك؟
عقد حاجبيه بضيق وهو ينظر لعيني اخيه وتوأمه الأصغر، لطالما شعر أنه هو الأصغر وفي كل مرة يثبت أمير هذا الشعور، ينظر امير لفريال الساكنة ثم ينظر لبدر ويهمس باهتمام رغم إرهاقه الذي لايسمح بغير النوم : أنتظرك في المجلس.
تنهد وهو يقترب ليجلس وتجلس فريال من بعده، تستشعر حرارة جسده واعياءه ما ان جلست إلى جانبه .. لتهتف بقلق: يبه حرارتك مرتفعة .. ليتك ظليت بالجناح وارتحت
بدر بهدوء ينظر إليها: خليك مني .. وش سويتي في الأيام اللي كنتي معاقبة فيها
وبابتسامة اردف: ما طلعتي من هنا ولا هنا ؟
ابتسمت وهي تنزل نظرها للأسفل هامسة: مرة بس .. نزلت انا وعماتي .. جلسنا مع عمتي بشرى
يتكدر وجهه لذكر بشرى، يبعدها عن خاطرها ويضع يده فوق رأس فريال ليجتذبها لصدره .. وضعت رأسها فوق صدر والدها بخجل ..
يهمس: بكرا طالعين مشوار جهزي نفسك .. انتي وأمك
ما إن قبل رأسها زاد احمرار وجنتيها .. أمسك بيدها الصغيرة وقربها نحو فمه وقبلها لتهمس بحرج: يبه ..
ابتسم وهو يعانقها بشدة: بعد امنعيني احب بنيتي
فريال ترفع رأسها وتنظر لوالدها: أستحي تحب ايدي يبه
بدر وهو يغمر رأسها في صدره: ماهو بشغلك عاد
ارتفعت صوت ضحكتها بينما كان مستمرا في بعثرها خصلات شعرها الناعمة .. سكنت للحظة واكتفى هو بالمسح فوق شعرها .. كل منهما راح يفكر في شيء مختلف تماما ..
ينظر إليها بطرف عينيه .. لو تعلم بتول أني أبٌ لفتاة تكاد ان تصل لطولي ويقصدني الجميع طالبا يدها .. لو تعلم أني لستُ مجرد شاب أعزف عن الزواج حتى بلغ من العمر سنيا شارفت على الأربعين .. عقد حاجبيه .. هي أيضًا قد شارف عمرها على الثلاثين .. أيعقل أن امرأة مثلها في أراضي نجد لم تتزوج حتى هذا العمر ولم يطرق أحدًا بابها؟
تُطلق زفرة خافتة وهي تشعر بذقن والدها فوق رأسها وبيده الحانية تعبث بخصلات شعرها، ماذا لو أنها لم تُولد؟ مالذي كان سيجري من أحداث؟ أكانت ستجري بنفس الرتابة؟ أكان من الأفضل لوالدها ألا تولد؟
يقبل رأسها قبلةً أخيرة وينهض لتنهض من خلفه مودعةً له، يتجه نحو مجلس الرجال في الأسفل ويدخل لينظر لأمير الذي وقف باحترام له .. يتجه بخطوات متباطئة حتى وصل للمجلس الذي يجاور أمير، جلس إلى جانبه بتثاقل وهو ينظر بطرف عينه له ولوجهه المرهق .. همس: انت اللي وش فيك؟
أمير بهدوء: ما في شي .. وقت النومه
بدر: الا الشغل اللي كومته فوق راسك هالكنك .. تحتاج مساعد؟
أمير: ما أقول لا
صمت وهو ينظر لحال بدر الغريبة ثم أردف: حر عندك .. قم قم .. رح لمريتك ذوب عندها لا تذوب علينا هنا
ضحك وخديه يحمرّان .. همس بمحاولة لتشتيت خجله: أي وحدة فيهم ؟
وضع كفيه خلف عنقه وأسند ظهره للورا مغمض العينين هاتفا: مدري .. عاد أنت خبر يالنسونجي
رفع حاجبيه بصدمة وهو يضحك من رده .. ابتسم امير وهو يفتح عينيه: عاش من شاف هالضحكة والله
صمت وهو يتمالك نفسه .. اعتدل في جلوسه .. عادت ملامحه الجدية وهو ينظر للأرض هامسا بخفوت: أنت تعرف يابو بدر ...
وينظر لأمير: انا ذابح لي حارس و ..
يقاطعه أمير وهو يقف ويعطيه ظهره هاتفا بنبرة غاضبة: بدر بدر ..
يلتفت وينظر لبدر بضيق .. والذي أكمل: ونايم على ذنبي كل ليلة ..
أمير بنبرة مُنهكة: بدر .. ذكرى فظيعة ومحزنة .. تفاصيل تفجع القلب .. ليه تتذكرها؟
بدر: ومتى نسيتها؟ هي تخفت وترجع تحضر وتاخذ كل قوتي معاها
يرفع حاجبيه وهو يكمل بضياع: أحيانا افكر .. الانسان هذا لاقى كمية من الذعر والخوف وأنا آخذ روحه .. أعرف راح انفجع في يوم من الأيام بفاجعة تساوي عشرين سنة أخذتها من عمره .. دمه متلبسني من عشرين سنة ..
أمير: انت تشوف نفسك مذنب؟
بدر: انا؟ مذنب بلا شك .. ما راح اضحك على نفسي وأقول اني كنت مجبر .. انا كان قدامي خيارين وأنا رجحت اني أنهي عمر هذا الانسان
أمير باعتراض: لا .. أنا فاهم كيف يفكر الانسان لما ينحط تحت ضغط .. ماكنت بتحسب حساب لنتيجة فعلك وانت تشوف أمك تنزف وغارقة بدمها .. كل همك بيكون في انك ماتشوف امك طايحة بالأرض .. كنت تفكرها ضغطة وانتهى .. ماكنت مستوعب تبعاتها
يقوس شفتيه بحزن، ينهض دون أن يقبلّ أي تبرير .. يتجه للأعلى تاركًا أمير خلفه.
.
.
.
فجرًا ..
إنهُ الوقت الأمثل للبحث عن أي شيء ..
ما سرُّ تردد بدر هذا على قصر والدته والمكوث فيه أيامًا بكثرة هكذا؟ غريب جدًا .. لاينكر أحدًا مدى بره بوالدته .. هو لا يراه واجب ديني على ما أظن .. هو يحبها بحق .. ولذلك يزورها كثيرا .. ويوميا .. ولكنه لم يسبق له أن نام في قصرها بهذه الكثرة ..
على أي حال .. رحلة البحث هذه ما كانت الا بصدد التعرف على اسرار بدر هذا ..
حاول الولوج للقصر بشتى الطرق الا من بابه الذي يتمركز الحراس حوله .. ونجح في ذلك ..
راح يمشي في الممرات .. انه لا يشبه في قصرنا ذاك الا حجمه وفخامته .. فهذا القصر لا توجد فيه أي تقاليد أو آداب .. مجردُ قصرٍ للطاعنات في السن والمنبوذات .. حتى ديارهن الصغيرة لا تقف عندها الخادمات .. ولكن لحظة .. ما هذه الغرفة التي يتسلل الضوء من أسفل بابها؟ اتراها عجوزٌ تصلي الليل؟ ام أنها خرفة نسيت الضوء مشتعلا؟ .. يدفع الباب بخفة .. ويا لجراته وفضوله .. ماذا لو ان بدر هو من كان بالداخل وهذا جناح والدته؟ اذن يا للمصيبة .. دخل الجناح .. خطى بعض الخطوات وانتفض ما ان سمع صوتًا يصدر من غرفة الملابس .. نظر في أرجاء الجناح .. اتجه نحو البلكونة ودخلها واختبأ خلف جدارها .. مشى مستندًا على الجدار إلى البلكونة الأخرى المتصلة بهذه البلكونة .. ونظر من خلالها .. واذا بها تطل على غرفة النوم .. مشى قليلا حتى وصل للبلكونة الثالثة ونظر بحذر منها .. هذه هي التي تطل على غرفة الملابس تحديدًا ... الا أنه لا شيء .. هدوءٌ قصير قاطعته هي بدخولها للغرفة وهي تدندن كلمات غير مفهومة ومترابطة .. توارى خلف الجدار للحظة .. ثم أطل بعينيه الواسعتين .. فغر فاه وهو ينظر لها .. المنشفة البيضاء تحيط بجسدها الصغير .. تعطيه ظهرها وهي تبحث عن شيءٍ تلبسه .. تبدو كأميرةٍ مرفهة استحمت في حمام الورد لساعات قبل أن تلج هذه الغرفة لتبحث من بين العديد من الثياب عن ثوب واحد ..
نظر إليها بعقدة حاجبين .. الماء يهطل من شعرها القصير .. الخلخال الذي نسيت ان تنزعه يصدر صوتًا كلما تحركت .. يدها توقع المنشفة عن جسدها .. انزوى خلف الجدار بتلقائية وهو يأخذ هواءً عميقا الى صدره .. قبل أن ينساق خلف رغبته الجامحة في المشاهدة .. يطل مرة أخرى ليراها ..يتأمل انحناءات جسدها وبروزاته .. ويتغافل عن ندوبه وجروحه.. يا إلهي ماهذه اللوحة الفنية؟ ما هذا الجسد الغض ؟ يا إلهي ماذا خلقت؟ يالهذا الحسن! ويالهذا التيه الذي غمرني .. انها كقبلةٍ أولى .. أوككأس نبيذٍ أسكرني وضيعني ..شعر بصفعة على وجهه .. ولكن هذه ليست يد .. انه بعض ما تبقى من مروءتي وحميتي ..
ينظر للأسفل .. كيف سينزل .. أو ليرمي بنفسه ويموت فيتخلص من عار وقبح ما فعل؟ ..
نظر إليها نظرةً خاطفة واتجه نحو البلكونة الأولى .. انها بالطبع لن تنهي ارتداءها وتصل للصالة قبل ان يخرج هو .. دخل الى الصالة واتجه لبابها .. ثم خرج منها.
.
.
.
تستلقي بثوب نومها الحريري على ظهرها فوق السرير .. يقترب منها ويجلس الى جوار بطنها .. ينحني إليها ويقرب وجهه من وجهها .. تنظر لعينيه الباهتتين .. لبشرته البيضاء .. لشاربه الكثيف ولحيته الخفيفة .. تضع كفها فوق خده الخشن .. وتمعن النظر في وجهه .. طويلا طويلا ...
حتى استيقظت فعليًا .. وكان يقابلها السقف الداكن بدلا من وجهه الوسيم .. تنهدت وهي تنقلب للجهة الأخرى لتنتفض بفزع وهي تشاهد بدر ينام على وجهه بجانبها .. تضع يده على كتفه وهي تعقد حاجبيها باستغراب من وضعية نومه الغريبة .. تحركه بخفة وهي تهمس: بدر .. بدر .. قوم .. شفيك
اتسعت عيناه وهو ينظر من حوله بفزع .. يبدو أنه هو الآخر كان يرى حلمًا .. رفع رأسه .. نهض .. قطرات العرق تتساقط من شعره ولحيته وجسده كما المطر الخفيف .. نهض بصعوبة دون أن ينظر إليها بتاتا .. اتجه نحو دورة المياه المصغرة في الغرفة وهو يخلع قميصه ويرميه على الأرض بدون نفس .. هتف وهو يدخل: أطلع من هنا ألاقيك جاهزة ولابسة
نهضت بتأفف وهي تسمع صوت الباب يغلق بعنف، اتجهت لغرفة الملابس .. أخرجت ثوبا ناعمًا زهريًا وارتدته .. اتجهت نحو التسريحة وسرحت شعرها الحريري الطويل ذو اللون الأسود .. ثم أخذت مشبكًا ذهبيًا ورفعت به أحد جوانب شعرها ..
اتجهت لغرفة الملابس لتشعر بخطواته وهو يلج الغرفة .. نظر لثوبها وتأفف .. تدرك تماما أنه يكره هذا اللون ولا يطيق أن يراه فترتديه عمدًا ..
أخذت النقاب والتفتت تنوي الخروج من الدار .. الا انها استدارت فورًا وأعطته ظهرها ما إن رأته يحل منشفته ويوقعها على الأرض .. ضحك بسخرية وهو يرتدي ملابسه الداخلية أولًا قبل أن يهمس: شفتي وشبعتي .. مسوية تستحين!
التفتت وهي تنظر له بحدة: شفيك؟ مرتك لاعبة بأعصابك وجاي تنفس عندي هنا؟
بسخرية وهو يرتدي قميصه: لا! ماهو كل الحريم ماهم بحريم مثلك! ولا عاد هي! ماهي مثلك أبد !
ترمقه بنظرة حاقده قبل أن تخرج وهي ترتدي نقابها .. ينتابها الفضول تجاه تلك تعيسة الحظ .. ولكنها تخشى أن تقدم على فعل يثير غضب بدر.. لولا خشيتها منه .. لقابلتها منذ زمن.
.
.
.
أكانت أحسن ما صنع وشكلّ ربي أم أني أعجبت بأول ما رأيت؟ ومن تكون تلك؟ .. يا إلهي .. أشعر بالغثيان .. ماذا اقترفت؟ متى تحولت لهذا الشخص؟ متى بتُ أسمح لنفسي بارتكاب هذه الدناءة؟ يا لفعلتي المشينة والمعيبة تلك التي فعلت ..! ولكن من تكون؟
استلقى فوق سريره، أهي زوجتهُ التي أمره أحمد ان يطلقها؟أتعود لبدر تلك ؟ أيرسم بدر ذاك من ذلك الجسد لوحة لا نظير لها؟ أيراه ويمعن النظر فيه؟ أيقلبه بين يديه كل ليلة؟ ماذا لو أني وصلتُ إليها قبل أن يصل هو ؟.. ماذا لو أن الأشياء الجميلة لاتحكر نفسها بالاستقرار في يده البشعة؟ ولكني أشعر بالغثيان مجددًا كلما فكرت بها .. كلما تقلبت تذكرت تلك الصورة .. تذكرت الدفء الذي سرى في عروقي وقلبي .. تذكرت برودة أطرافي .. وأني لأشتهيها وحسب .. انا لا عاطفة لي تجاهها .. لاشيء سوى جسدها هو من يشغل عقلي وتفكيري .. لا أستطيع نسيانه بمجرد ان آمر عقلي بهذا أو بمجرد تجاهله .. لقد انحفرت في ذاكرتي تلك اللحظات القصار .. لقد استقرت في جوفي وأشعلت نارًا فيّ لا تُخمد..
.
.
.
يجلس خلف طاولته المجاورة للنافذة في جناحه الخاص .. يدلك جبينه بيده متجاهلا النظر لفريدة الجالسة أمامه وبشرى الجالسة بينهما .. صداعٌ شديد يصيبه بسبب قلة النوم .. يبدو أنه بحاجة للراحة .. يستحق مكافأةً بعد الانتهاء من دفاتر ثلاث سنوات خلال أسبوع واحد .. وبما أن لا مكافأة من أخيه على ما يبدو .. سيكتفي بجائزة بسيطة يهديها نفسه وهي النوم المتواصل في المنزل الليلة .. لحظة .. ومن قالَ أن لا مكافأة من أخيه؟ بعد الوظيفة التي أهداه إياها .. لا مكافأة أفضل من أمره البارحة "عطني خبر بس تخلص شغلك .. باخذك معاي لعثمان آغا".
رفع عينيه للخادمة التي خرجت توًا من الجناح ثم نظر لفريدة التي تشرب فنجان قهوتها بهدوء تام: "فريدة .. أيوجد تنظيم للعاملات أم أنه عشوائي؟"
تنظر بشرى لدخيل باستغراب، وتقوس فريدة شفتيها للأسفل علامة على عدم العلم: "لا أدري"
دخيل: "من هو المسؤول عن هذا الموضوع؟
فريدة ولا تلقي بالا لسبب تلك الأسئلة تجيب دون اهتمام: "سلافة هاتون"
نظر لنافذته المطلة على حديقة المنزل وهو يهز رأسه بشرود وبشرى تعلق أنظارها به، يمسك بفنجان قهوته ويشرب آخر ما تبقى فيها ثم يبتسم وهو يهتف لبشرى: "هيا.."
ابتسمت وأخذت فنجان قهوته لتقلبها وتضعها فوق الطاولة لبعض الدقائق..
ترفع الفنجان وتنظر في داخله ثم تهتف بابتسامة واسعة:" لؤلؤة جميلة! .. أوه ما شاء الله! يالهذا الحسن والجمال! إنها سمكة تشبه القمر أو أجمل!"
ابتسم: بدينا خرط
تضحك فريدة وتهتف بشرى:"ماذا؟"
دخيل:"أقول لقد بدأتِ الكذب بطريقة معبرة أكثر"
ابتسمت وأكملت:"ها هنا سمكة أخرى .. تبدو أنها سمكة بائسة جدًا .. إلا أنها جميلة أيضًا .. يبدو أنها خادمة لدى سمكتنا الأولى"
بدى لها مهتمًا بعض الشيء فأكملت:" يا لكثرة الأسماك لديك! انها سمكة ثالثة! لكن يبدو لي أنها بعيدة جدا عن الأخريات .. تسبح بعيدا وتنظر لجهة بعيدة تماما"
رفعت عينيها ونظرت لدخيل:"السمكة التي تشبه القمر والسمكة الثالثة تنظران في جهات مختلفة .. أما السمكة البائسة فهي تنظر للؤلؤة"
تردف :" السمكة التي تشبه القمر قريبة بجسدها للؤلؤة والسمكة الثالثة بعيدة تماما .. أما السمكة البائسة فهي قريبة من اللؤلؤة بجسدها"
فريدة تبتسم:" يبدو أنهن زوجاتك يا أخي .. ابن ابيك وجدك وأُخ أخيك"
ضحكت بشرى ضحكة طويلة بينما اكتفى دخيل بالابتسامة المحرجة، نظرت بشرى لفريدة وهتفت:"صحيح، ماهي قصة زوجة بدر المسكينة؟"
همت بالتكلم لولا أن طرق الباب، نظرَ الجميع للباب.. دخل أحمد ليقف الجميع بسرعة .. تحاول بشرى اخفاء فناجين القهوة خلفها ثم تلتفت لأخيها وتحييه بانحناءة ..
يقترب دخيل أولا من أبيه ويقبل رأسه وأنفه وظاهر كفه .. وتقوم فريدة بمثل هذا .. ثم تتقدم بشرى أخيرًا وتقبل كتف أخيها ..
يهتف أحمد:"أهلا وسهلًا عزيزتي بشرى .. كيف حالك؟ هل تعبت في السفر؟"
بشرى بابتسامة:"لا ولله الحمد يا أخي .. كانت رحلة سعيدة .. أتت سلافة خاتون بنفسها ورافقتني حتى اسنطبول"
هز رأسه بابتسامة وهتف:"اسبقانني لمجلس العائلة"
خرجتا وهو يتبعهما بناظريه، نظر لدخيل بحدة وهو يتكلم بنبرة هادئة: أنت ما بتصير رجال؟ شنب ع الفاضي اللي فوق وجهك ذا؟
زفر، ان ردّ فهو ابن عاق سيء المنطق .. وان صمت فهو ابن لا يبالي عاق أيضا .. همس: ليه يبه؟ شسويت؟
مد يده لفناجين القهوة التي اخفتها بشرى خلفها ودفعها على الأرض وهو يهتف بغضب مع مع محافظته على اتزان نبرته: هاذي علوم الرجال!
يقترب من ابنه خطوة والذي تراجع للخلف خطوة: قاعد لي مع النسوان على طاولة بالشكل هذا ؟ فنجان وكف!! شيل شنبك وحط لي وردة فوق شعرك عشان تصير مثلهن بعد!
دخيل بحرج: يبه جو واقعدو ورفعت عمتي الفنجان وقرته .. تحصيل حاصل وخربطة يعني ماهو بهرج مخطط له اصلا ..
يمسك به من اذنه كطفل صغير ويهمس بحدة: انزل تحت وانتظرني مع اخوانك .. اقعد بسيدهم عاد كان تعديك المرجلة شوي بدل قعدت الحريم ذي
دفع به نحو الباب الذي دخل منه بدر في نفس الوقت .. اسند دخيل الذي كاد أن يقع وظلل ممسكا بكتفه وهتف: يبه .. يا مرحبا نور البيت .. وراك ما عطيتني خبر اجي استقبلك مع اخواني .. ابو بدر عند الناس جاي من سفر ولا واحد في عياله راح له
أحمد بهدوء وهو ينظر ليد بدر الممسكة بعضد دخيل: هذا اللي صار .. قرب
ترك اخاه واتجه نحو والده .. قبل رأسه وأنفه وكاد أن يقبل كفه لولا أنه وضع تلك الكف على كتف بدر وربت عليه بهدوء هاتفا: المجلس يلا
بدر بحرج: معليش يبه والله واعد فريال هي وأمها وهذا هي تنتظرني تحت .. بيسلمون عليك وبنمشي.
.
.
.
في جناح السيدة هاجر ..
تجلس الكنة المهذبة عن يسارها ويجلس حفيداها في حجرها .. ابتسامات وضحكات .. جو دافئ يراقبه أمير بوقوفه أمام باب الجناح وبابتسامةٍ واسعة .. قبلَ أن يلتفت وينسحب تدريجيا من الجناح هذا لينتقل إلى جناحٍ آخر .. ويطرقُ الباب .. فتخرج صاحبة الجناح وهي تلف جسدها بشال أبيض يحجبها عنه .. وينظر هو للأسفل بأدب واحترام تامين .. بعد حديث قصير من تبادل التحايا همس: أخوي بدر أرسلني .. تدرين به غيابه واجد .. ان احتجتي شي بغيابه لايردك الا لسانك
بتول بهدوء: ما تقصر خيرك سابق .. تطمن انا ان بغيت شي بغيابه ما اولي الا لك يبو بدر
أمير: خير ان شاء الله .. يلا أستأذن أنا ..
دخلت الجناح ونزعت الشال .. بينما كانت هناك أعينٌ أُخرى ترقبهما من خلال جناحٍ مقابل .. هي عينا الوليد الآثمة.
.
.
.
الشمسُ تُكسب اللون الأخضر بريقًا لا مثيل له .. كما تكسب ماء النهر الذي راحا يمشيان فيه دفئا ونقاوة .. تراقبهما هي التي تجلس على فراش يعلو العشب الأخضر .. تتناول تفاحةً من سلةِ التفاح التي استقرت إلى جانبها وتبدأ بقضمها وهي تبتسم كلما لاحت ابتسامة فريال .. حتى ابتسامة بدر تروقها ما دامت في ظل بهجة ابنتها ..
عادا بعد وقت طويل وركضت فريال لحجر والدتها بضحكة صاخبة فارةً من دغدغات أبيها ..الا انه جلس امامها مباشرة واستمر في دغدغتها .. انحنى اليها ووضع فمه فوق خدها ليفعل كما كان يفعل معها وهي طفلة .. يمطر خدها بريقه لتصرخ من بين ضحكاتها: لا يبه يييع
خفتت ضحكتها وعلت ضحكتهما هما الاثنان .. عم السكون للحظة .. هتفت فريال: ارسمنا بابا ..
نظر .. يا لها من لوحة فنية جميلة هذه .. زينب تجلس وتثني ساقيها وتأكل تفاحة .. وتميل فريال على حجرها ... ابتسم.
.
.
.
مساءً ..
في مكتبهِ الكائن في جناحه .. يجلس خلف طاولة المكتب وهو يضم شفتيه .. ينظر آسفا للأرض .. بينما يجلس بدر أمامه على أحدِ الكرسيين .. ويقف أمير بجانب الكرسي الآخر وهو يعقد ساعداه فوق صدره ..
يقطع بدر الصمت المهيب وهو يهتف باتزان: وش حكمك يبو بدر؟
أغمض عينيه محاولا الحفاظ على ثباته .. قبل أن يهتِف: صادر كل ما في الملجأ .. أمي ممنوعة حتى من الخروج من القصر ..
ابتسم بدر بنصر .. يراقب امير ابتسامة بدر بينما أكمل والدهما: الوليد .. الوليد لي حساب ثاني معه ....
.
.
.
تقعُ على كُرسيها بعد أن أبلغها اتشيلي رسالة أحمد لها .. اغماءة تتسلل إليها .. وتنحني بُشرى إلى جانبها هاتفة: " أمي .. مابك؟ أمي ... سوف أسترجع لك حقك كاملا .. سأبكي حفيدك هذا دما .. تمالكي نفسك أرجوكِ!"
.
.
.
يجلسان الى جانب بعضهما في العربة، يهمس هو لدخيل مجيبا عن سؤاله:" الناس أقسام.. أحيانا راح تستقبل الانسان في مجلسك .. وأحيانًا راح تستقبله في جناحك الخاص .. وأحيانا راح تروح له بنفسك ..
يترجلا ما إن وصلا .. يحييهما المسمى بعثمان آغا .. يجلسا في مقابله .. يمر وقت طويل وهم يتحدثون .. قبل أن يهتف عثمان آغا بصوت متزن :"أنظر يا بدر .. أنا لا أشبه أيا من التجار .. اسمي يشبه الجوهرة .."
بسط يده:"ولا أعطيه لأحدٍ الا باستلام جوهرةٍ حقيقية .."
بدر بتعجب :" نحن لها اذا .. ماهي جوهرتك فلأحضرها"
يوجه يدهُ المبسوطة نحو دخيل ويهتف:" أخوك هذا .. أريده زوجًا لابنتي!" ..
.
.
.
الوليد: " بشرى .. لقد عرفت سر بدر ..."
.
.
.
.
.
.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 39
قديم(ـة) 24-06-2019, 05:35 PM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رواية : طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ .
بقلم : حِرز.
بسم الله .. أرجوا من الله التوفيق فيما كتبت وفيما سأكتب.

السمكةُ التي تُشبِهُ القمر!. (٧)
.
.
.
في ورقةٍ راحت تخط :
"بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد ..
من المُحبة بُشرى النجدي .. إلى الحبيب والرفيق ..
قد حان موعد عودتي لديار محبوبي ..
وإن لي غاية لا وسيلة لها سواك، لبدر زوجةٌ جديدة تزوجها سرًا وأريد منك أن تدعوه مع مجموعة من كبار التجار الشباب وزوجاتهم في التاريخ الذي سأذكره لاحقًا..

المُحِبة: بُشرى".

.
.
.
في جناحه الخاص .. يعطيها ظهره
وتقف هي خلفه ناظرةً للأسفل ..
يعقد حاجبيه ويهمس: قلبي مجروح وخاطري مكسور منك .. أتقبل كل شي من الوليد .. ولد
التفت ونظر إليها بخيبة: لكن انتِ يمه؟ ليه؟ لييه؟ وشوله تحطين نفسك بموقف مثل هذا؟ وشوله تخليني محرج في تبرير تصرفاتك وتحسين صورتك امام أولادي وأحفادي ..
يلتفت ويعطيها ظهره ما ان همت بالمدافعة عن نفسها وهو يهتف: لا يمه لا .. انا على خصام معك .. ارجعي جناحك ولا تطلعي منه الله يخليك!
تنحني وتخرج، يغلق باب الجناح من خلفها ليدخل الوليد من خلفها .. يهمس إليه دون أن يرمقه بنظرة: تعال ..
قالها وهو يتجه نحو البلكونة .. دخلها من خلف أخيه الأكبر ووقف وراءه صامتًا .. يهتف أحمد ببرود: ليه؟
التزم الصمت .. ويكرر أحمد: الوليد .. ليه؟
طال صمته فأشار إليه بالاقتراب دون أن ينظر إليه .. اقترب ووقف خلفه تماما .. مد أحمد يده للوراء وجذب الوليد من عنقه وثبت رأسها على سور البلكونة، اقترب منه .. عينيه تقابل عيني الوليد المترددتين .. يهمس بحدة: اختار يالوليد .. أرميك من هنا؟ ولا أعيش عذاب تتمنى بعده لو اخترت اني أرميك؟ مع العلم .. نظرا لفظاعة فعلك .. كان عليك ترمي بنفسك من لما عرفت ان انفضح أمرك ..
ابتلع ريقه وهمس: اصفح يابو بدر .. اصفح وانا لها
أحمد يهز رأسه نافيًا: مافيه صفح ..
يردف وهو يضيق يده حول عنق الوليد: أما العذاب في جنتي وأما الطرد منها .. أنت من حتى تسمح لنفسك تشاركني ملكي؟أنت من حتى تتصرف بدون علمي؟ أنت من حتى تخون أمانتي عندك؟
يضيق يده أكثر وهو يهمس بحدة: أنت خنتني يالوليد! مثل ماخنتني بدون ما يرف لك رمش .. أنا جاهز أرميك من هنا بدون مايرف لي رمش ولا يوجعني قلب!
يرفع جسده من عنقه وهو يردف: أنا أعرف دواك .. أنا أعرف وش اللي يناسب واحد مثلك ويقطع قلبه
دفع للخارج وهو يصرخ: برا .. برا لا بارك الله فيك من اخو!
.
.
.
كان قد هم بالاعتراض على الفور، فهو لا يرضى أن يكون أخيه في زواج بالاجبار كما حدث له هو، الا أن دخيل سبقه وهتف بصوتٍ واثق: " لنا الشرف".
خرجا من عند عثمان آغا وقد وعداه أن يرجعا إليه مع أبيهما إن أذن بالزواج .. صعدا العربة .. ماهي الا دقائق وكانا قد وصلا القصر ومثلا أمام والديهما .. اتسعت ابتسامته وهتف: أحسنت دخيل .. كفو ياوليدي!
نظر لأبيه بذهول، انها المرة الأولى التي يسمعه فيها يقول كلمته هذه .. إن والده كالحاكم في أسرته .. لا أحد يدري لم يحب أحد ابناءه أكثر من الآخر أو لم يعامل أحدهم باقتضاب بينما يعامل الآخر بكل حب وثناء .. وقد شمله لطف والده هذا للمرةِ الأولى .. يا لسعادته!
نظر أحمد لبدر بطرف عينه، ثم عاد ونظر لدخيل هاتفًا: تصرف حكيم للغاية .. رد في محله .. ولو ما كان لنا تجارة مع عثمان آغا الا أن الارتباط بهم ..
أكمل بصوت هادئ وابتسامة وهو يفرق بين الكلمة والأخرى في نطقه: شرف .. كبير .. لنا .. فهمت؟
هز رأسه بالايجاب ليهتف والده: اذن يا معرسنا خل نفسك جاهز .. اليوم قبل بكرا نروح نطلب بنت الآغا لولدنا ..
مد أحمد يده ليقترب دخيل منه، يقبل كفه ثم يقبل انفه ورأسه .. قبل أن يتراجع متقهقرا ويخرج من الجناح .. اما أحمد فأشار لبدر بيده أن انصرف دون أن ينظر إليه حتى بل كان ينظر للطرف الآخر من الغرفة .. خرج وهو يزفر .. يدرك تماما مغزى هذه التصرفات .. وأنه كان في محل مقارنة ومنافسة مع دخيل وفاز دخيل بها.. لكن لا أحد يحق له أن يضعه ودخيل في نفس الكفة .. لأن زينب ليست ابنة لعثمان آغا .. ولأنه لم يكن في عمر دخيل الذي جعله ناضجا بما يكفي لاختيار هكذا خيار.
.
.
.
تقف في غرفة فريال وهي تتأمل اللوحة الجميلة التي من الواضح جدًا أنها رسمت بأنامل بدر .. صور فريال وهي تميل على حجر والدتها التي تقضم التفاح .. يالهُ من جمالٍ هذا الي أبدعه الخالق في وجه وتفاصيل زينب .. كيف لبدر ان يرتضي بسواها زوجةً له؟!!
دخلت فريال إلى الغرفة واتجهت بسرعة للوحة وأخفتها بارتباك، لتهتف بشرى بابتسامة:"لا تخافي ياعزيزتي، صراعات جدك ووالدك حول هذا الموضوع انتهت منذ زمن .. غير أني لا أفشي سرًا أبدًا"
فريال بهدوء:"أستمحك عذرا عمتي، لم أقصد شيئا مم فهمته، كل مافي الأمر أني اخشى على أبي أن يفقد المكانةَ التي وصلَ إليها .. لا أريد أن يمسه ضرر .. لقد رأيتِ غضب جدي اليوم بعد حادثة عمي الوليد وجدتي"
ابتسمت ابتسامة صفراء وهمست:" نعم .. خوفك في محله".
خرجت من غرفة فريال ووقفت امام بابها قليلا وهي تنظر لجناح زينب المقابل لها تارة وتنظر لغرفة فريال تارة أخرى .. ابتسمت بهدوء .. تجاوزت هذا المكان باتجاه جناح الضيوف واستوقفها أمير الذي خرج من جناحه وهتف:" صباح الخير عمتي"
ابتسمت اليه:"صباح الخير يا روح عمتك"
كم له طلة محببة للقلب وكم تروي القلب ابتسامته المهذبة تلك، ذهب الآخر وبقيت هي تنظر للباب الذي خرج منه، تفكر مليا .. تبتسم .. بالضبط .. بالضبط هكذا ستصيب بدر في مقتل وستشغله عن موضوع الوليد ووالدتها.
.
.
.
"تقف أمامَ شجرةٍ في حديقة القصر، تبتسم بسخرية، نحنُ المغضوب عليهم .. حتى حديقتنا بالية وأشجارها لا تشبه الشجرةَ الخضراء في شيء ..
ترفع ثوبها البسيط وتطويه حول خصرها .. تضع قدماها ويداها أعلى الشجرة وتتسلقها بصعوبة .. حتى وصلت لأحد أغصانها وجلست عليه .. أحاطت الجذع بذراعيها واسندت رأسها إليه .. تنظرُ للسماءِ ..
أنا والنجوم الجميلة نتبادل النظرَ .. هي منبهرة من هذا الوجهِ الجميل وأنا منبهرة من جمالها أيضًا .. تلمعُ وسط الظلام .. أتراها توجد في النهار؟ بالتاكيد انها موجودة .. انها أجمل من الشمس .. لكنّ الشمس افضل منها .. ولهذا فهي لا تُرى إلى جانب الشمس .. مثلي تمامًا .. لا أملك أيّ فضيلة .. ولهذا لستُ مرئية لأحدٍ أبدًا .
لمحت شيئا يتحرك في الظلام .. حتى ظهر لها وجهه .. شابٌ يتسلل للحديقة ويعبر من خلالها باب القصر .. ارتعبت .. الا أنها بقيت مكانها ولم تفعلْ شيئًا .. هو لن يلحظها هنا .. كما أنها لا تهتم ان كان سارقًا .. لا شيء غير المال يُخافُ عليه في هذا القصر .. والمال ليس مهما بالنسبة لها ابدا .. فليُسرَق .. ولكن .. ماذا إن انتبه إليها وحاول إيذائها؟ او حتى حاول ايذاء والدتها النائمة في الداخل؟ لحظة .. لكنها لا تهتم للأمرين أيضًا .. فليفعل اذن ..
تراقبُ مدخلَ القصر بملامح هادئة .. قبل أن تهتز الشجرة .. لتسقط ويُغشى عليها.
استيقظت في مكان غريب وهي تدلك رأسها .. تشعرُ بصداع .. تتفقد الجوار .. غرفة تبدو كمخزن للطعام . نهضت واتجهت نحو أحد الجرات لتنظر في داخلها .. فتحتها وسقط الغطاء من يدها ما إن سمعت صوتَه:" لم كنتِ تراقبيني؟"
التفتت إليه، يقفُ إلى جانب الباب متكتفا، لتهتف بعجب:"عجبًا! اتحاسبني وكأني أنا من سرقت منزلك يا هذا؟ أم اني من أسقطتك من أعلى الشجرة وآذيتك؟ أم أني من اختطفتك واحتجزتك ها هنا؟ ها؟"
عقد حاجبيه باستغراب:" ألا يجدر بك أن تخافي؟"
بسخرية ابتسمت:" مم أخاف؟ من أن تقتلتي؟ أو أن تغتصبني؟ أو ماذا بالضبط؟ لا فرق لدي صدقني"
يصمت وهو ينظر إليها بتعجب، يهتف:"ماهو اسمك؟"
تُجيب: زينب .. زينب هاشم النجدي!
ابتسم: انتِ عربية
تلاشت حدة ملامحها وهي تهمس: نوعا ما .. وش تبغى مني الحين؟ ممكن أرجع؟
اتسعت ابتسامته وهو يهتف: وليه خفتي الحين؟ وش فيك؟ ... انا عبد الله .. ماني مثلك .. لاني ولد النجدي ولا ولد التجار ولا ولد أحد
زينب: منت ولد أحد؟ يعني ولد منهو؟
عبد الله بسخرية: ولد باب المسجد .. شالني مؤذن المسجد ورباني .. يظن اني ما أدري انه مو ابوي .. لكني أدري
زينب بخفوت: ليه تخبرني بهالتفاصيل؟
يجيب بنفس السخرية: مو تفاخرتي بأصلك قدامي؟ انا بعد حبيت اتفاخر
تطيل الصمتَ وهي تنظرُ إليه، قبل أن تهتف: وش كنت تبغى من القصر؟ ليه جيت؟
عبد الله: الشيخ مريض .. وماعنده غيري .. قاعد أسرقكم وأعالجه .. من زمان .. بس اللي آخذه منكم زهيد للحد اللي مايخلي ثروتكم تتأثر ولا يخلي عيونكم تنتبه له
زينب: تعالجه بفلوس حرام؟
ضحكَ ضحكة صاخبة وهو يجلس على الأرض، يرفع عيناه إليها ويهتف: وولد ال***** يفرق معه الحلال والحرام بالله؟
ابتلعت ريقها: ايه .. انا يفرق معي .. واذا كان دوا بيطب بطن مريض انت تحبه لازم يفرق معك .. انا ما احب احد .. يعني مدري .. لكن .. خلقتي الحرام تكفيني .. ما ابغى يطب بطني حرام بعد!
صمت طويلا .. ينظر إليها دون تصديق .. هذا لا يُعقل!
تبتسم: تراك ما تدري .. انت تقول لقوك بباب مسجد .. يعني يمكن ان اهلك موجودين .. يمكن انك انبقت منهم .. احتمالات كثيرة .. ما هو بس الاحتمال الاول ! .. لكن أنا داريه اني ماني ببنت حلال .. ماعندي احتمالات!
عبد الله باستغراب: هم الناس اللي مثلكم يزنون ويحملون بنات الأوادم؟
ابتسمت بسخرية وهي تهتف: تدري؟ نقاش مثل هذا ما يجري بين خاطف وضحية ..
عبد الله وهو ينهض: فعلا
زينب: رجعني وحلال عليك كل اللي اخذته واللي بتاخذه
عبد الله بهدوء: برجعك انا .. كنت ابغى اخوفك بس .. خفت تبلغين عني
زينب: لا .. رجعني.. عبد الله."

تجلس فوق سريرها وتراقب ضوء الشمس عبر النافذةِ البعيدة، لاتصدق انه مرّ ثمانية عشرة سنة على ذلك اليوم وعلى الأيام التي تلته .. ليت الزمان توقف بها عند ذلك اليوم .. أو ليت رأسها كسر عندما وقعت من أعلى الشجرة ولم تعِش حتى اليوم.
أراقت دمعةً فوق خدها .. لابد أنها بسبب حرقة عينها اثر التحديق في ضوء الشمس .. الخافت.
لم تشعر بدخوله، لكنّ رائحته اخترقت أنفاسها فالتفتت إليه، يجلسُ على الأريكة الموازية للسرير وينظر إليها بسكون .. ينظر إليها طويلا قبل أن يهمس: أنا السبب في دمعتك؟
تبتلع ريقها وهي تنظر للأسفل، يا لوجعها .. بمَ تُجيب؟ بم تجيب هذا الذي انتظرها لسبعة عشرة سنة ولم يخُنها ولو بنظرة عين؟ ماذا تجيب هذا الذي كانت تخونه كل لحظة حتى يأسَ من قلبها ولجأ لغيرها؟ أتقول لا؟ أم تقول ابكي رجلا غيرك؟.
نهض واتجه اليها، جلس على السرير مقابلا لها .. يتحدث بنبرة هادئة ومتزنة: زينب .. ما أبغى اشوفك تبكين ..
زينب: تحط على راسي مرة وتقولي لاتبكين؟
ابتسم بضيقٍ على حاله، يهمس: أنا رجل أكتفي بجسد واحد وبروح وحدة .. انتِ ما بغيتي تكفيني .. انتِ بغيتي كذا
تقترب منه بجسدها وتهتف: وأنا وش؟ انت رحت وخذيت لك اللي يكفيك انا ليه بعدي معلقة؟ اتركني .. انا ما ابغاك بعد
تنظر له بحدة وقهر، تضع كفها فوق صدره وتدفعه بخفه مرارا وتهتف بانهيار: ما ابغاك!! ما اطيقك بدر! ما احب أشوفك حتى .. أكره وجهك هذا ما ادانيه .. تفهم تفهم؟ اكره روحي وانا بجنبك حتى!
أمسك بيدها، حاولت أن تسحبها فشد عليها أكثر .. راح يشد عليها بقوة وهو ينظر إليها بررود .. تأوهت فرمى بيدها .. أمسكت يدها بيدها الأخرى فهمس: مافي فايدة!
وقف واتجه نحو النافذة، تنظرُ إليه وهي تغطي فمها بيدها لتمنع شهقاتها من أن تُسمع، اللعنة عليه، وعلى طوله .. وعلى الشمس هذه التي تكسبه مهابةً .. أستغفرك ياربي!
يهتف دون أن يلتفت إليها: تبين الطلاق؟
بهتت ملامحها وهي تنظر إليه، انها كلمةٌ سحرية بالنسبة لها .. تجعلُ عقلها مغيبًا .. تهتف بنبرة مرتجفة: ابيه! ابيه
التفت إليها .. همَس: تروحين عند أبوك .. اليوم! وتنفذين اللي أقولك عليه بالحرف .. وغير كذا طلاق ما فيه!
زينب: تم! تم..اللي تبيه!.
.
.
في منزل الآغا عثمان .. ومجلسه .. العائلتان مجتمعتان ..
الروتين المعتاد في الخطب .. يجلس دخيل على يسار الشيخ ويجلس الآغا على يمينه .. كلمات مطولة من الشيخ .. كلمات من هذا وذاك .. حتى صارت ابنته وبلمح البصر زوجةً له ..
ماذا كان سيقول؟ أمن المروءة أن يرفض ذلك واسم الآغا يضيف قوةً لقوة اسمنا؟ بغض النظر .. لا يستطيع تخييب أمل بدر أبدًا .. في جميع الأحوال كان سيتزوج منها أو من غيرها .. فلم لا يتزوج بها بكل بساطة؟
تمر الدقائق طويلة قبل أن يهتف الآغا:"تفضل دخيل"
عقد حاجبيه ليهمس أمير إليه بابتسامة: سوي نفسك مو فاهم عاد
دخيل:شسالفة؟
أمير: بيخلونك تشوف العروس وانا اخوك .. ما اوصيك ان قمت فشيلة وان قعدت عيب .. الفشيلة اهون .. قم
نهض مع عمه وأبيه ووجهه ينصبغ بالحمرة، من قال أنه يريد رؤيتها .. أليس العرس بعد ٥ أيام؟ لم العجلة؟ يا الهي!
جلسوا في غرفة ما لدقائق .. طُرق الباب ودخلت امرأة .. يهمس أحمد بابتسامة: ما شاء الله .. تعالي يا ابنتي تفضلي
اقتربت .. ممسكةٌ بفناجين القهوة .. تمد لأحمد أولا ثم لأبيها ثم لدخيل .. كادت أن تنصرف لولا أن أباها امرها بالجلوس الى جواره .. طأطأ رأسه .. لايقوى على النظر إليها ولو كانت لوحدها فكيف بحضور الجميع؟ ما هذا الموقف؟ يوشك على الذوبان في ثيابه هذه من شدة احراجه .. لقد صار متزوجًا في يوم وليلة .. أيراها في هذه الليلة أيضًا؟ كل شيء دفعة واحدة؟!.
.
.
.
تراقبُ الغروب عبر وقوفها قرب سور البلكونة، تطيل النظر لابتعاد الشمس، تأخذ نفسًا عميقًا وهي تغمض عينيها .. الريح تتلاعب بشعرها ... ذكرى سيئة تتسلل إلى عقلها .. إلا أنها تُبعدها وتهرب منها ..
تبتسمُ .. يا إلهي .. أهذا عوضٌ مِنك؟ أهو عز منك بعد ذلة دامت لعشر سنوات ؟ أنا أقف في قصر حتى لم تسنح لي الفرصة أن أراه في الأحلام .. كنت أرى الضرب والاهانة في اليقظة والاحلام .. أهو عوض؟ أكنت مظلومة أم ظالمة؟ أنا أسأتُ لخديجة أيضًا .. لكن أعظم إساءاتي لها كانت مشاجراتي الدائمة معها .. وشدي لشعرها باستمرار .. لم أفتري عليها يومًا كما فعلت .. وقد كان عليها ان تتقبل كل ذلك .. فهي بطبيعة الحال زوجةٌ ثانية وقد اختارت ان تكون كذلك .. كان عليها أن تجابهني بما فعلته لها .. ما كان عليها فعل ذلك كله ..
في الحقيقة، حتى اليوم أعجزُ عن وصف مشاعري تجاه ذلك الموضوع .. اشعر بالظلم أحيانا .. وأشعر بالذنب أحيانا أُخر .. ولكن ماهو مؤكدٌ لدي .. أني لن أسامح خديجة إلا إن أعطتني بيتا في الجنة .. ومن أين لها؟
تفتحُ عيناها ما إن وضع الوردة الحمراء في شعرها خلف أذنها .. اكتفت بالابتسامة دون ان تنظر أليه .. على الرغم من كونها في شوقٍ إليه .. لحظة .. مالذي يحدث؟ احدثت نفسها بأنها تشتاقه؟ يا إلهي .. انها احاديث مع النفس تدغدغ القلب والله .. لا تريد أن تفكر بها .. انها أحاديث نفسٍ مُبهجة بشكل لا يُطاق!.
ترى ماذا يرتدي؟ أيرتدي ذلك الطقم الجميل نفسه الذي خرج به؟ كم كان جميلا .. لم تدري من زين الآخر .. لم تجري خلف فضولها ولم تلتفت .. أما الآخر .. فقد شعرت بذراعيه وهما تحيطان بخصرها .. وبذقنه الأسمرَ يستقر إلى جانب أذنها .. لابد أن عيناه الناعستان تنظران لها الآن .. تنظر إليه .. يا الهي .. انه وغدْ! والله وغد! .. كيف ينظر بهذه الطريقة؟ لو كنت حجرًا لذبت.
همس وهو ينظرُ في عينيها: الوردة تشبهك
ابتسمت، ويجيدُ الكلامَ الحلو أيضًا .. إلهي .. أحقا أنت تعوضني؟ أم أنكك قبضت روحي وهذه جنتك؟ أم أني من ذوات الحظ العظيم؟ ان كل شيء مثالي للغاية .. وبشكل مخيف ..!
بتول: بدر
يالهذا الاسم الجميل، أهو اسمي؟ وكأن له لحنا جمله .. هتف بشغف : أبوي ..
بتول: بتقعد معاي اليوم؟
ابتسم بضيق: بقعد معك .. كلي لك .. وبودي لو كل يوم .. بس ماني قادر أحط عيني بعين أمير تارك كل الشغل على راسه لازم ارجع اباشر الشغل بنفسي ..
رفع ذقنه عن كتفها، أمسك بيدها هاتفًا: نصلي تالي نسولف ..

.
.
.
كانت تجلس خلفَ مرآتها، ما إن طرق الباب وقفت على الفور وابتسمت لبشرى التي دخلت، كانت ابتسامة صفراء .. ألا يقر لها قرار؟ ألا تمل؟ ألا تفكر في العودة لبيت زوجها؟
وقفت أمامها وهتفت:"مساء شريف هيفي"
هيفي ببرود وابتسامة:"مساء شريف"
بشرى:"ألا تملي من مجالسة المرآة؟"
هيفي:"ولم أمل ما دمت أرى فيها شيئا يسر الخاطر؟"
بشرى بتأييد همست:"صحيح"
صمتت للحظات وهي تنظر لأرجاء الجناح قبل أن تنظر لهيفي وتهتف:"لقد ذاع كلُ شيءٍ الآن .. بهذه المناسبة لقد سقط الاتفاق الذي أجريته مع والدتي .. لو أن امرها بقي سرًا لما أتيت إليك ... نحن نمتلك سرك أيضا .. "
تكمل بحدة:"أستطيع ان أقلب هذا الجناح والقصر باكمله فوق رأسك .. تخيلي لو يعلم أمير ماذا فعلتي في غيابه؟"
هيفي:" هل أنا من قمت باذاعة الخبر؟ لقد التزمت باتفاقي ولا دخل لي ان كشف بدر ألاعيبكم القذرة .. لا ذنب لي"
بشرى بسخرية:" هيفي صدقيني لا أحد يهتم بأمرك! أتظنين أني أريد أن أكشف ألاعيبك أنتِ الأخرى لأمير؟ لا! كل مافي الأمر أني أريد البلوغ لمكان ما فوق ظهرك!"
هيفي:"ماذا تريدين؟"
بُشرى تبتسم بنصر:"سوف تخبرين ابن أخي بكلمات أمليها عليك .. حرفًا حرفًا .. والا أخبرته بكل ما أعرفه .. سوف يغضب قليلا عليك .. لكن الغضب خير من أن ينفيك من قلبه وعقله وبيته، أوليس كذلك؟"
تردف وهي تنظر لهيفي التي توافق مكرهة:"لا تقلقي .. فقط سوف أهدي بدر هذا أربعة أيامٍ تقسم ظهره"
.
.
.
فرغا من الصلاة .. جلس هو بقرب النافذة وأمسك بكتابٍ ليقرأه .. واقتربت هي بفنجان قهوته لتقدمها له ثم تجلس في مقابله .
قد ارتدى بيجامته، سينام هُنا الليلة اذن .. ان لها ضرة على ما يبدو لها .. وهي ثروته ومكانته .. يعمل جاهدًا ليحافظَ على الاثنين .. يا لهُ من رجل!.
أغلق الكتاب مبتسما وهو يقرأُ اسمها في عقد الزواج المدسوس في الكتاب .. بتول شاهين آل شاهين.
يهتف : الأسبوع هذا اخوي بيتزوج!
نظر إليها وأكمل: كان ودي تكوني بالقصر هناك عندي وحولي .. وتحضرين العرس .. بس الله ما كتب
بتول: ليه سر؟
صمت وهو يزفر، هتف بتغيير للموضوع: خليني أحكي لك عن بيتنا .. عشان اذا دخلتيه ما تتفاجئين!
ابتسمت، وأردف: أبدأ من أبوي؟ أبوي كلنا نهابه مثل ما نهاب السلطان والحاكم .. أبوي ولي نعمتنا .. أبوي مالك رقابنا
ابتسمت بحزن وهي تتذكر أباها، وأكمل هو: عندنا تعاليم معينة في البيت .. أمي فاضلة حطتها .. نلتزم فيها خصوصا مع أبوي
وبدون اهتمام همس: يلتزمون فيها خصوصا معي أيضًا .. انا بكره ووكيله ..
أخذ نفسًا وأكمل: أخوي أمير .. كنا مع بعض بنفس البطن .. توأم يعني .. ما يشبهني بشي أبد! هو النسخة الزينة مني
ضحكت وهي تقاطعه: ما أصدق
اتسعت ابتسامته: ليه؟
صمتت وهي تنظر إليه بابتسامة: ما عندي عقيدة تقول أن زوجي سيء
ابتسم، ستكون عندكِ قريبا جدا هذه العقيدة المتواجدة حتى لدى أمي التي حملتني وربتني، هكذا خلق بدر هذا سيئا غير حسن ..
يهتف: جوداء اختي .. تعرفينها .. جوداء راح تكون عالمة في المستقبل .. أنا واثق من هالشي
بتول: ليه؟
بدر: في البيت كلنا ندرس الشريعة بالقدر اللي نحتاجه .. لكنها شغوفة بدراسته .. ما زالت تدرس حتى الآن
صمت لبرهة ثم همس: دخيل وفريدة .. أخواني من زوجة أبوي ..
بتول بابتسامة: وانتو مثلنا .. فيه زوجة ثانية
بهتت ملامحه للحظة، ابتلع ريقه: ايه
يستكمل حديثه: عندي عمات كثيير .. اللي تزوجت واللي سافرت .. وامهاتهن اللي ماتت واللي عايشه هنا معكم .. فاضلة أخذت الجو منهم كلهم .. جابت ثلاث عيال لجدي من بعد احدعشر بنية .. وتالي جابت بنية بعد
بتول: أزعل يوم اشوف الناس للحين تفضل الذكور على الاناث
بدر يبتسم: زوجك ما عنده هالنظام .. ولا ابوي .. ابوي يعامل البنات أفضل منا بكثير .. قاسي مع الكل الا بناته .. عنده ضعف تجاههم!
بتول: وامي هاجر؟
بدر: شفيها؟
بتول: ليه ماهي معاكم؟
صمت لبرهة ثم همس بضيق: أبوي زعلان عليها
بتول: أجل وانا زعلان علي بعد .. عشان كذا انا هنا
بدر: مايعرفك عشان يزعل عليك .. زعلان علي انا
هزت رأسها بالايجاب وهي تنظر للأرض، وأنا كان لدي أبٌ كنت أخاله نبيا .. كنتُ أقرأ قِصة إبراهيم فأرى أبي .. كنت أسمع عن جمال يوسف فأرى أبي .. كنت أتعلم حلم محمدٍ فأرى أبي .. وأنا كان لي والدٌ اهابه وأحبه وأتفاخر به على الملأ مثلك تماما .. لكنهُ ضاع مني منذ زمن .. ضاع منذ عشر سنوات في بلد غير بلده .. ثم ضاع اليوم في بلد هي بلده، وكان لي أخٌ مثلك .. كان لي مثل اميرك تماما .. كان لي مثل جوداء ودخيل وفريدة .. حتى زوجةُ أبيك كان لي مثلها .. كلهُ ضاع .. وضِعت أنا.
.
.
.
تحمل الخادمة الطبق الذي يحوي القهوة والتمر لتضعه بين هاشم وزينب على الأرض ثمّ تخرج.
ترفع زينب فنجان القهوة وتمده لوالدها الذي هتف: شلون بدر معك ؟
ابتسمت ابتسامة صفراء: مثل عادته ماتغير علي ابد
اتسعت ابتسامته وهو يسمع كلماتها، الا ان ابتسامتها سرعان ما تلاشت عندنا هتفت: يبه أنت عندك على عمي أحمد شي ولاشي؟
هاشم بهدوء: عندي عليه شي وأشياء يبنيتي
يقوس شفته بازدراء وهو يهمس وكأنّ أحدًا يسترق السمع عليه: عمك هذا اللي تشوفينه مسوي لي حاله الشريف النقي اللي كنه طالع من بير زمزم .. مسوي له بلوة يبنيتي
زينب: ها! عمي احمد؟ وشهو مسوي؟
أخرج ورقةً من بين ثيابه، يلوح بها وهو يهتف، هذا هي ما أطلعها من صدري ولا أغفل عنها وتروح معي وين ما أروح .. وعمك سنين وأيام يدور عليها يبي يتلفها مخوفته!
يدفع بالورقةِ إليها، تفتحها وتنظر فيها، ثن ترفع عينيها لأبيها باستغراب: وشهو يبه؟ ختم أبوك وخطه .. يدفع بالبيت الكبير لعمي
هاشم بسخرية: هذا خط أبوي؟ هذا ماهو بخط ابوي يا بنيتي هذا عمك مزور خط ابوي وبايق ختمه .. ابوي مات وما دفع شي لأحد ترك كل شي على ماهو عليه .. وما دامت هالورقة معي قصركم هذا يرجع لعمك بالاسم بس ..
تنظر لوالدها دون تصديق، تقرأ الحجة مرارًا وتكرارا ثم تنظر لأبيها وتهتف: يبه .. شرايك تظل الورقة معي؟ آخر مكان يفكر فيه عمي ان يلاقي الورقة بيته
هاشم: وراه يبنيتي؟ ما أشوف ان له داعي
زينب: له داعي يايبه انا خايفة عليك من شر عمي .. اللي يسوي هالسواة ماهي ببعيدة عنه يأذي أخوه .. وش قولك يايبه؟
.
.
.
تمدُ يداها الجميلتان نحو عُنِقِ أخيها وتغلق أزارير قميصه الأبيض ..
ترفع السترة الأنيقة ذات اللون الكحلي والأزارير الذهبية لتساعده في ارتدائها .. وتغلق ازارير السترةَ لهُ أيضًا .. بهدوءٍ وابتسامة ..
تاخذُ العمامة الكحلية أيضًا لتعطيه اياها وهي تهمس: "يالجمال ما قام برسمه ابن أخيك ذاك .. ما اجمل زيك!"
ارتداها وهو يهتف:" ابتسامتك تُغضبني"
اتسعت ابتسامتها وهي تهتف:" أتدري ايها الوليد .. أنا لا أشبهكم .. انا أحارب سِرًا .. أفضل الحربَ النفسية .. سوف يكون الأسبوع الأسوأ لحياة هذه العائلة .. سوف نضرب عدة عصافير بحجر واحد .. سوف ينسون موضوع الاختلاس تماما"
الوليد:"أوسينسى أخي هذا العقاب المزري أيضًا؟ ليته قتلني وما جعلني في هذه الهيئة .. أنا الوليد النجدي أحرس باب المغازل؟ المارّةُ تراني وانا أقف وقوفَ الحرس الى جانب ما أملك؟"
التزمتْ الصمت للحظات وهي تنظر إليه .. ثم أجابت بخبث: " لكنك تبدو وسيما للغاية يا أخي .. أيمّا إمرأةٍ تراك تُفتتن بك وتقع في حبائلك، ألك محبوبة يا أخي؟ مرّ من أمامها وكأنك لا تراها .. سوف تهيم بك لا محالة"
صمت وهو يتذكر تلكَ .. زوجة بدر الذي وشى بها لأمه وأخته .. عقد حاجبيه بضيق وهو يعطي بشرى ظهره ويذهبُ خارجا من جناحه تاركا لها وحدها .. لقد رآها مرةً وهي تحتضنه وكأنه طفلها ذلك القذر المقرف .. المنساق إلى أحضان جميع النسوة في حياته .. الهزيل الذي لا يستطيع المضي قدمًا دونَ أن تكون إمرأةً ما خلفه .. متجبرٌ يتباهى أمام الجميع برجولته وسطوته وهو يأنُّ ليلًا في حجرها .. انه لا يستحقها أبدًا .. لا يستحقُ أيّ شيء .
.
.
.
يجلس خلف مكتبه المجاور للنافذة وهو يضع كفهُ أسفل خده، لقد حل الصباح ولم ينم، لابدّ أنه سوف يذهب للعمل دون نوم، يطيل النظر بعينيه الداكنتين للسماء الظاهرة له من خلال النافذة، تنهدَ تنهيدةً عميقة وهو يضع رأسه فوق ذراعيه أعلى المكتب .. الا أنه سرعان ما رفع رأسه ما إن شعر بدخولها للغرفة .. همست: حبيبي .. صحيتك اعذرني
ابتسم: لا ياروحي .. صاحي من أول
اتجهت للسرير وجلست .. تمسح جبينها المتعرق بظاهر كفها ما ان اقترب وجلس أمامها .. تأخذ نفسا عميقا .. تهتف مقاطعةً للحديث الذي كأن سيبتدأ به: أمير ..
باستغراب لمقاطعتها أجاب: سمي يا عيونه
ضمت شفتيها وهي تنظر إليه، كيف ستقول كل الذي أملته بُشرى عليها ؟ كيف؟ ستفتح بابًا لا يسدُ ..
وضعت يديها فوق يديه: أمير .. حبيبي .. انا لازم أقولك شي .. من اول وانا ساكته بس ماني قادره بعد .. مقدر أخبي عليك شي
أمير بقلق من خوفها امسك بيدها: قولي حبيبي قولي ..
تصمت وهي تنظر إليه بتردد، يقترب منها ويحتضن وجهها بين كفيه هاتفا: وش فيك خايفه؟ تخافين وانا جمبك؟ اهدي شوي .. قولي لي وش فيك
تاخذ نفسا عميقا وهي تغلق عينيها .. ثم تفتحهما وتهتف بصوت ثابت ونبرة متزنة: يوم اللي عمي احتجز بدر ودخيل .. كانت جايته رسالة هو وعمك هاشم ان بدر متزوج له وحدة .. ودخيل شهد على زواجه .. وعمي عصب واجد .. تدري بكل اللي صار
أمير: ايه ادري به
هيفي: يوم ان عمي طلعهم وبدر طلق مرته الثانية .. بدر ناداني عنده الجناح .. وحط لي دفتر قدامي .. وقالي هذا مخطط بيتك .. لو تنفذين اللي اقوله .. لو تطلعين من بيتي انتِ ورجلك وعيالك بسواد الوجه مالكم عندي غير هالبيت هدية .. قلت له وش تبي .. قالي تكتبين لي تنازل عن حقك .. مايبغى بعد عمر طويل تطلع املاك النجدي لغيرهم من هم مثلي
صمتت وهي تنظر إليه، كان هادئا ينظر إليها وكأنه ينتظر المزيد، الا أنها لم يكن لديها ما تدلي به أيضًا .. تسارعت نبضات قلبها وهي تراه .. عيناه تنظرانها بنظراتٍ تراها للمرةِ الأولى في عينيه .. صدره يصعد ويهبط بنفسه .. يهمس بخفوت: تكذبين
تجيب باندفاع وهي تنظر له بخوف: لا
يهمس: انتِ تكذبين
هيفي: جعلها ....
يقاطعها بصرخة: لا تحلفين .. لا تحلفين داري هالهرج مافيه من الصدق شي أبد!
أغلقت أذنيها بيديها وهي تنكمش حول نفسها، أهي المرة الأولى التي يغضب بها أمير؟ لا .. أهي المرة الأولى التي تسمع فيها صوت صرخته؟ نعم ..
وقفَ وهو يروح ذهابا وايابا في الغرفة .. اقترب منها .. امسك بها من كتفيها وانهضها .. يهزها وهو يشد عليهما بقبضته هاتفا: ليييه؟ ليه هيفي ليه؟
تبتلع ريقها دون أن ترد ليصرخ بغضب: ليييه تكذبين لييه؟
تساقطت دموعها فوق خديها وهي تنظر اليه بفزع، تهمس: ما اكذب .. كله صار وانا صادقة عند ربي إسأل جدتك هي تدري
أمير: لييه توك تقولين؟ ليه ساكته دام انك صادقة ليه؟ ليه قلتي ليه؟
هيفي: خفت
يهتف بعدم تصديق وعينيه المحمرتين تبعث الذعر في صدرها: واللحين؟ واللحييين؟ وش صار اللحين؟
تقوست شفاهها، نكست رأسها ليلقي بها فوق السرير وهو يتراجع خطوات للوراء..
تضع كفها فوق فمها لتكتم به شهقاتها، انها المرةُ الأولى التي يبكيها، يا لفجيعتها، سرعان ما سيكشف كذبتها ويكشف ما فعلته سابقًا بأخيه الذي يحب .. وستخسره تماما .. هذا مايبدو لها.
جلس على الأريكة امام ناظريها، يسند ذراعيه لركبتيه ويخفي وجهه في كفيه، عروقه متضخمة في عنقه تدل على اوشاكه على الانفجار غضبا .. لربما كان سيفعل بها أكثر من هذا من شدة غضبه.
يهمس: انتِ وش سويتي
هيفي: سويت اللي قاله
ينهض لتهتف بخوف: أمير وين
يتجه نحو الباب وهو يهتف: ماهو بشغلك
تهتف وهي تقف: أمير
وقف ونظر إليها لتهمس بانكسار: لا تناظرني كذا
عقد حاجبيه وهو ينظر إليها طويلا وهو ممسك بقبضة الباب، يرفع اصبعه مهددا: ياويلك مني لو يطلع هالحكي كذب .. ياويلك لو تطلعين منجرفة ورا نسوان هالبيت وتسوين مثل ألاعيبهم .. ياويلك!.
.
.
.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 40
قديم(ـة) 24-06-2019, 05:36 PM
صورة حِرز الرمزية
حِرز حِرز غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: طّيفُك يهوِي في الدَياجيرْ


تستيقظُ وسط السرير الوثير .. ينام جسدها على الفرو الناعم ويلتحف بالصوف الدافئ .. والشمسُ تشرق عبر النافذة المُبعدةُ ستائرها على عينيها الخضراوين تزيدهما لمعةً وبريقًا .. وتلمسُ خيوطها الذهبية شعرها الأحمر المتعرج فيزدادُ غرابةً.
إن الشمسَ هي من يتكفل بإيقاظ المترفين والمنعمين والأغنياءَ مالًا على وجهِ هذه الأرض .. أما الفقراء توقظهم أمهاتهم وتودعهم وهم ذاهبون للعمل فجرًا قبل أن يرتفعَ صوتُ المؤذن .
عقدت حاجبها بإنزعاجٍ من الضياء ونهضت وقد ارتفع ثوب النوم الحريري عن ساقيها الناعمين ذوا البشرة البيضاء.
اتجهت نحو الستائر وأغلقتها بعنفٍ وحلتِ العتمة فجأةً، توضأت في دورة المياه الملحقة وعادت للغرفة لتفرش سجادتها ولتؤدي فرضها قضاءً.
انتهت من الصلاة ونهضت لتطوي لباس الصلاة وما إن طُرق الباب هتفت: "أدخل"
دخلت أمها تتبعها الخادمات تحملن العديد والكثير من الصناديق والأكياس والمغلفات الورقية الأنيقة لتضعها تباعًا فوق السرير.
اتجهت نحوها وهي تنظر لها بشيءٍ من الانبهار، تهتف وهي تنظر لأحد الصناديق الفاخرة:" من أين هذا؟"
تجيب والدتها وهي تبتسم:"عائلة النجدي أرسلتها"
تحمل احد المغلفات الورقية والمغلقة بخيط حرير وتهمس بابتسامة:" أنظري لهذه الأناقة؟ يقول والدك أن دخيل ذهب إلى السوق شخصيا .. اختار هداياك من قطع القماش وحتى الصناديق وغلف الهدايا بيديه، أترين كم هم أناسٌ رفيعي الذوق؟"
صمتت وهي تنظر بحاجبين مرتخيين نحو الأغراض، حتى انبهارها بهت وقل.
تشقُ أمها المغلف لتخرج قطعة القماش ذات اللون البنفسجي، تهتف بانبهار:"يا للروعة!! انه لونٌ غالٍ وجميل!!"
تهمس:" وما ادراك لعلها القطع الغير مرغوبة بها في مغازلهم!"
تنظر لابنتها بصدمة وهي تهتف:" أتمزحين؟ أنهم يصنعون أفضلَ وأجمل القطع لزوجات أبنائهم! هذا اللون لا يبيعونه في الأسواق .. من يريده يقصدهم بنفسه"
تتجاهل جمود ابنتها وتفتح صندوقا ضخمًا، تبتسم وهي تشاهد العقود والأساور الجميلة وتهمس:" أترين أترين؟ يا لهم من كرماء، يا لحظك الجميل يا ابنتي"
اغلقت الصندوق ونظرت لابنتها المبتئسة وهتفت:" كما أنهم أرسلو مبلغا آخر خاصًا بكِ للتبضع، وينتظروننا عصرًا في المغازل لاختيار المزيد من قطع القماش، ابتهجي يا ابنتي"
زفرت وهي تغلق الصناديق بطريقة تحدث صخبًا، ومالفرق؟ ألم تكن تشاهد هذا في بيت أبيها؟ بل هي أتعس فتاةٍ على وجهِ الأرض أُعطيت مقابل صفقةٍ رخيصة.
.
.
.
لقد هرب من ساعات عملهِ الطويلة إليها .. طلع الفجر وانتهت نوبة حراسته .. انتهى يومه وبدأ يومها .. هما متباعدان لهذه الدرجة.
يقفُ خلف جدار القصر، ينظر لأميرِ الذي يفتحُ باب العربة لها فتصعدُ ويغلق الباب من خلفها .. لقد عرفها من عينيها .. ذلك الأحمق .. غافل عنها تماما .. أمير يقلها ويهتمّ بأمورها أكثرّ منه ..
غارت عيناهُ في وجهه حُزنًا .. لو أنها تنظرُ لهما لرق قلبها لحالهما.
ابتعدَ عنِ القصر، وعاد لقصره .. دخلَ متجاهلًا قاعة الطعام الذي حان وقت تناول الافطار فيها واتجه لجناحه .. ألقى بنفسهِ على السرير دون ان يخلع لباس العمل .. لايدري لمَ يشعرُ اليوم تحديدًا بحزنٍ لامثيلَ له..
.
.
يقِفُ أمام سور الطابق الثاني .. يستند عليه بذراعيه وينظرُ لجهةٍ ما .. بالتحديد مكتب شقيقه الكائن في الطابق السفلي
من خلفه .. تحدث شقًا في الباب لتنظر إليه خلسة، منذ ذلك الحين وهو يقف هذه الوقفة وينظر لنفس الجهة، أغلقت الباب بضيق خشية ان ينتبه لها، إنه يصبح نسخة مماثلة من حال بدر الطبيعية عندما يغضب.
سمِع الباب وهو يفتح ويغلق، إلا أنه لم يلتفت ولم ينظر إليها، ظل ينظر لباب مكتب بدر الكائن في الطابق السفلي مجاورًا لمجلس الرجال .. وقاعة الطعام.
ومن الجهة الأخرى، خرجت بُشرى من جناح والدتها ونظرت إليه .. اتجهت إليه ووقفت الى جانبه:"صباح الخير"
نظر إليها بطرف عينه:"صباح النور"
بشرى:"ماهذا الجفاء ياعزيزي، انك مكتملٌ اليوم .. إن بدر كل يوم هو بدر .. وانت تصبح بدرًا حين تغضب"
تنظر للجهة الذي ينظر باستمرارٍ إليها ولا يلتفت لغيرها، ابتسمت واقتربت منه، تضع كفها فوق كتفه وتربت عليه .. تهمس:"اعتقد أنك تنظرُ للجهة الصحيحة تمامًا"
رفع حاجباه ولم ينظر إليها.. لم يفهم مالذي عنته بالضبط .. حتى سمع صوت خطواتها يبتعد ويعود لجناح فاضلة..
أخذ نفسًا عميقا واتجه نحو الدرج .. ينزل بخطوات هادئة ومتزنة .. يشعر أن خطواته تتراجعَ بدل ان تتقدم .. يشعرُ أنه يلعب قمارًا لا يدري أي صندوقٍ يختاره سيرى الحقيقة بداخلهِ .. تتوقف خطواته أمام باب المكتب المجاور لغرفة الطعام .. ينظر لقفل الباب بسكون .. يخرج حلقة من جيبه احتوت مفاتيح عدة .. نظر إليها باختلاف أشكالها واختار أحدها .. لقد كان مميزًا .. فتح الباب ودخل وترك الباب مفتوحًا ..
اتجه نحو طاولة المكتب .. تأمل الأوراق العديدة المتناثرة فوقه .. يبدو ان يده لا تتجرأُ بالبحث عمّ جاء لأجلِ أن يراه ..
يفكر قليلًا .. أين من الممكن أن يجد مايبحثُ عنه؟ كيف يفكر بدر؟ يفكر مثله علّه يرى الأشياء التي يخفيها بدر ويعرف مكانها.
بحث في جميع الأدراج .. نظرَ في الأوراق ورقةً ورقة .. حتى حصل على مجلدٍ ما .. فتحهُ .. واذا به يرى مخططًا لقصر متواضع قبال هذا القصر الذي يعيشون فيه .. يرفع حاجباه ببرود وهو يتصفح المجلد .. حتى حصل على ورقةٍ ما بين صفحاته .. رفعها .. كسر الشمع المذاب عليها .. وفتحها ليقرأ ما كتب فيها .. حتى وصل لختم هيفي وبصمتها .. يذيلان الورقة..
يرفع عينيه لباب المكتب ما ان سرت الأصوات القادمة من القاعة الخارجية نحو أذنيه .. اخرج الساعة من جيبه لينظر للوقت .. انها ساعة الإفطار.
أخفى الورقةَ بين ثيابه واعاد المجلد في مكانه، واتجه نحو الباب ووقف أمامه .. ينظر لأفراد العائلة الذين يدخلون تباعا نحو قاعة الطعام .. وينظر لبدر الذي قدم من باب القصر وهو ينظر باستغراب لباب مكتبه المفتوح حتى رآه خارجًا منه ..
بهدوء اغلق الباب من خلفه .. اتجه بدر للمكتب .. يدير أمير المفتاح ثم يضعه في جيبه ويتجه نحو قاعة الطعام مارًا ببدر الذي هتف بصيغةِ الأمر ما إن تجاوزهُ أمير: اوقف!
وقف في مكانه مباشرةً ولم يلتفت، والآخر لم يلتفت أيضاً .. نظر أمير لوالده الذي كان ينزل الدرج .. ثم نظرَ لأفراد العائلة الذين ينظرون إليهما من خلال باب قاعة الطعام .. هتف بهدوء وهو ينظر لبدر بطرف عينه: نعم؟
بدر دون أن يلتفت أشار لأمير بالاقتراب، نظر لوالده الذي أشار له بعينيه نحو بدر وكانه يقولُ له: استمع لأمره، أو كأنه يعرف الآن بالجو المشحون بينهما، رجع خطوتين ووقف أمامه أخاه تمامًا .. يهتف ببرود وهو ينظر له بحدة: سم؟
ينظر لأمير بعينين متفحصتين، ينظر لوالده الذي دخل غرفة الطعام وهو يرمقهما بنظرة، ثم عاود النظر لأمير .. ولعينيه الحادتين .. وهمس: وش فيه؟
أمير: وش فيه؟ مافيه شي
تركهُ ودخل لغرفة الطعام بينما ظلَ بدر واقفا وصامتا لا يجرأُ على النطق بالاستفسار الذي يجول في خاطره عن سبب دخول أمي .. لأن التفوه بهذا السؤال يعني انعدام الثقة .. وهو يريد ان يسير أعمىً مع أمير وان كان خائنا أو ملتفا، تقدم خطوةً نحو المكتب إلا أن صوت والده استوقفه: يلا يابوك
زم شفتيه وهو يلتفت ليتجه نحو الغرفةِ مُطيعًا، يجلس عن يمين والده بينما يجلس أمير عن يساره .. ينظر أحمد للجالسين حول الطعام .. بغض النظر عن الوليد وفاضلة وزينب التي قدمت عذرا مسبقا .. فإن هيفي تنقصهم .. يهمس بهدوء لأمير: وين أم بدر؟
أمير: بغرفتها تعبانة
أحمد: ماتشوف شر بنيتي .. عسى أمرت لها بالفطور يروح لها لعندها
أمير: لا يبه.. الحين أقولهم
أحمد بغضب: اقعد اقعد .. مابكم خير أبد .. أنا اللي آمر فيه لها.
.
.
.
بعد الانتهاء من الافطار تقترب من غرفتها المجاورة لجناح والدتها وجناح والدها .. تسرع في خطواتها وهي تشاهد صفاء خارجةً من غرفتها .. تدخل الغرفة وتتجه نحو ادراج طاولة الزينة لتفتح اولها وتراه فارغًا .. تخرج من الغرفة وتتجه لجناح فاضلة وتدخل دون استئذان .. تلقي نظرة على المكان .. فاضلة تستلقي على السرير في هيئة المريضة .. أما بُشرى وصفاء تقفان متقابلتان وكأنهما كانتا تتحدثان الا أن دخولها قاطعهما .. تأخذ نفسًا عميقًا في محاولةٍ لامتصاص غضبها وتهتف:"عمتي، أعطني اياها من فضلك"
ابتسمت إليها باستغراب:"فريال؟ عم تتحدثين؟"
تقدمت خطوة وهي تهتف بانفعال:"عمتي لقد رأيت صفاء وهي تخرج من غرفتي .. كيف تسمح لنفسها بالدخول دون اذن مني؟ أعلم أن اللوحة موجودة لديك اعطني اياها لو سمحتِ"
اتسعت ابتسامتها وهي تشير لصفاء بالخروج، ما ان خرجت اقتربت بُشرى من فريال ووقفت امامها تماما وهي تهمس:" عزيزتي فريال أأعطيك مادةً تنسيكِ هذه اللوحة؟"
فريال:" لا .. لا اريد شيئًا سوى اللوحة"
بُشرى:"لكنني أريد .."
تمسك بكتاب كان موضوعا فوق الطاولة المجاورة لرأسِ فاضلة وتهتف: أريدُ ان أحكي لكِ قصةً عنوانُها:(القاتل ابن الخائنة، وزوجتهُ إبنة الزنا)"
تنظر في صفحات الكتاب وتُكمل بابتهاج وهي تشاهد وجه فريال متعجبا :" اليوم هو الثاني والعشرون من شهر رجب، لقد رأيتُها وهي تدخل من بابِ قصرنا، تحمل طفلةً فائقة الجمال بين يديها، تتقدم نحو أبي قاسمُ النجدي وتضع الطفلة في حجره قائلةً: هي ذي ابنتكم .. حفديتك .. لقد أنجبتها سفاحا من إبنك .. هاهو يقفُ أمامكَ سله سيجيبك ياسيدي.
لقد إعترف بذلك، وقام والدي بجلده وضربه وطرده، إلا أنه قام مجبرًا بعد مرورِ أيامٍ بتزويجه من تلك المرأة .. خوفًا على مستقبل الحفيدة الجديدة، وخوفا على سمعة العائلة.
بعد مرور عدة سنوات .. توفي أبي قاسم .. وقام أخي الأكبرُ بالحلول محله .. وضع الحفيدة وأمها بأمر من أمي في بيت آخر .. وطردَ هاشم .. إلا أنه وخوفًا على الحفيدة من الزمن وغيره .. أمر ولده بالزواج منها .. الا أن ولدهُ هذا .. لم يطع أمر والده .. وفي نفس الوقت قامَت زوجته الخائنة بخيانته مع أحد الحراس .. فأمر اخي الأكبر ابنه الأكبر بقتل الحارس .. فقتل الحارس .. وطردهما أخي هو وأمه لعصيانهما .. الا ان ابنهُ عاد لرشده بعد سنتين وبعد اصرار من أمه هاجر لقصرنا وتزوج بابنة عمهِ .. زينب، بعد سنة رزقا بابنة أسماها فريال .. وأُمر كل من يعلم بأن زينبُ هذه ابنة زنا .. أن يتكتم على الخبر."
تبتسم، بينما تلون وجه فريال ومال إلى الصفرة، التفتت .. أعطت بُشرى ظهرها وخطت خطوةً نحو الباب وهي تهمس:" كاذبة"
تهتف بشرى:" أنا جاهزة لأثبت لك، هل أنتِ جاهزة للتصديق؟".
.
.
.
يجلس خلف طاولته في مكتبه، يخط في ورقة تارة ويمسك بكوبه تارة ليحتسي الشراب الدافئ، طُرق الباب فهتف دون أن يرفع رأسهُ عن الورقة: أدخل
سمِع صوت الباب يفتح ويغلق، رفع رأسه ليرى بشرى وهي تقف أمامه، عاود النظر لورقته متجاهلًا لها بعينيه ومنصتًا لها بسمعه .. تقترب وتقف أمامه مباشرةً .. تهتِف: " هل أنت على ما يرام؟ لقد سمعت أنك متعب"
بدر:"بخيرٍ الآن ياعمة"
بُشرى:" أتدري يا ابن أخي .. اليوم تطرق ذاكرتي بعض الذكريات المرة"
رفع رأسه ونظرَ إليها، أكملت:"أشعر بالأسف حيالك .. لقد كنت أرى فيكَ رجلًا ناجحا وقائدا .. إلا أنكَ قبل عشرين سنة تحديدا فقدت ذلك .. ضربت في مكان حساس .. لقد أقعدك والدك بذلك القتل وبتلك الزوجة إبنة الزنا"
تعرجّ أثر الحبر على الورقة بانهاءها لجملتها، رفع رأسه .. نظر إليها بحدة وهو يهمس:" بشرى!!"
تهتف:" ان كان سرا فالله يعرف .. وبعض الناس يعرفون .. سيذيعون أسرارك كلها"
بدر بهدوء:" تلك الأسرارُ ليست لي .. إنها عائدة لأبي ولهاشم .. في ذمتهما وأنا بريءٌ منها"
بُشرى:" أتقصد أنها لا تهمك؟ لمَ أخفيتها عن ابنتك اذن؟ صحيح! لقد نسيناها .. يا لبؤسها لكونها ابنةً لرجلٍ قاتل ولامرأةٍ خَبُثَ أصلُها .. لو أنها تعلَّمُ ..."
قاطعها ببرود:" أخرجي .. لن تستطيعي ابتزازي .."
بُشرى:"أعلم أنكَ لن تُرجع المياه إلى مجاريها بخصوص عمك وجدتك مقابل أن لا أخبر ابنتك بكل شيء .. ظنًا منك اني أخاف على علاقتي بأحمد .. لذلك لم أحضر هنا لأبتزك .. لدي بذورٌ طالَ امسكاها وها أنا ذا أنثرها غير آبهةً بما سيجري"
صمت وهو ينظرُ إليها تلتفتُ مبتعدةً، عقد حاجبيه .. ينظر للكوب الذي تتصاعدُ أبخرته .. يا لهذا الحطام الذي حاول أن يرممه .. يا لهذا الوجع الذي كتمهُ لسبعة عشر عامًا فأتت بشرى وحطت بشؤمها على مقربة من وجعه ووكزته ليسقطَ في قلب فريال من بعده، كيف له أن ينظر في عينيها؟ أو عينِ زينب؟ كيف له أن يراهما منكسرتين؟ تنهد .. ابنته هذه حظيظة في كل شيءٍ إلا في أبيها .. او لربما أبويها.
رفع عينهُ لبشرى التي تتقدم بخطواتٍ هادئة نحو الباب .. ثم عاود النظر للكوب .. مد يده نحوه .. وأمسك به ليضع بين شفتيه .. ثم يقفُ .. ويرميه نحوها .. ليعبر بجانبِ أذنها قبل أن يرتطمَ بالجدار المقابل لها فتتناثر قطعه الزجاجية ..
وقفتْ بهدوء وحزم دون أن تنظر إليه .. تجاهلت القطرات الحارقة على عنقها .. وتجاهلتِ صوتَ التكسرِ في أذنها .. ثم التفتت واذا بهِ واقفٌ أمامها .. يرفعُ إصبعه مهددا:"أغلقي فمكِ جيدًا .. لقد طالت ضيافتنا لكِ .. اجمعي أغراضك وأخرجي من قصري"
نظرت إليه بحقد:"ليس بقصرك"
بدر بحدة:"بل أنه قصري .. أنا وكيل أخاكِ مالك هذا القصر .. وأستطيع أن أستولي على املاكه بطرفة عين .. استطيعُ ان أجابه خبثك وألاعيبك بما لا تتصوريه .. لكنني أبر رحمي على خلافك"
بُشرة بحدةٍ أكبر:" هو قصرُ النجدي .. قصر أبي قاسم النجدي .. ليس من املاكه لأحدكم شيء .. أنتم صورة مشوهة منه .. أنت زوج ابنة الزنا واباك زوج الزانية صورة مشوهة عديمة الرجولة لم ترثا من قاسم شيئا لقد اورثنا نحن النساء حمية وغيرة أكثر منكما ..."
أمسك بها من ذراعها، جذبها إليها .. ينظر في عينيها مباشرة بعينيه المحمرتين .. ابتلعت ريقها وهي تمثل الصمودَ أمامه، تهتف في محاولة لتحثه على التحدث: "أتنكر أن زوجتك إبنة غير شرعية؟ أتنكر أنك قتلت الحارس الذي زنا بأمك؟"
سحبها نحو الباب .. فتحه ودفعها خارج المكتب .. لقد كان على وشك أن يهددها ويطردها .. ان يعنفها أو يصرخ في وجهها .. إلا أنه رأى عزيزته وهي تقف على الجدار إلى جوار الباب ..
شعرَ أن انفاسه تتباطئ وهو يرى الدموع تجري فوق خديها؟ ترى ماذا سمعت؟ أن اباها قاتل؟ أم أن جدتها زانية؟ أم أن أمها ابنة غير شرعية؟ أم انها لم تسمع شيئًا.
تهتف بشرى:"تطاولك هذا سيعلم أخي به."
وكأنهُ لم يسمعها .. ينظر لفريال وكأنه لايرى ولايسمع شيئًا إلاها .. اقترب بضع خطواتٍ منها فرجعت خطوة للوراء .. توقف في مكانه وهو ينظر إليها كيف تتراجع .. تهمِس: ليه ما تستنكر؟ ليه ما تتعجب؟ ليه الكلام يبدو مألوف لك؟
يتقدم خطوة لترفع كفها في وجهه وهي تهتف: لا تقرب ..
دون وعي منه اقترب منها .. أدخلت يدها في معطفه واجتذبت الخنجر القابع خلف خصره من غمده ووضعته فوق عنقها بحركةٍ سريعة هاتفة: قلت لك لا تقرب!
ينظرُ لها ببهوت، لاشك أن الأبناء لا يشعرون بما يحصل في قلب الآباء عندما يتألمون، لاشك أنهم لايعرفون مقدار الشعور بالخيبة والتقصير الذي يحتلُ صدورهم عندما يرون أبنائهم سهلٌ عليهم التفريط في حياتهم .. لا شك أنهم لايدركون الذي يجول في خواطر آبائهم عنهم .. لاسيما وحيدته هذه .. لاتعرف عن الذي يكنه قلب أباها لها شيئا .. تحمل روحها الموت هكذا بكل سهولة أمام عينيه وتبتعد خارجةً من القصر ولا حول ولاقوة لديه .. ينظرُ من حوله .. لا وجود لبشرى .. الا أن أباه أطل عليه من مجلس الرجال ..
جلس على الأرض .. وينظر فيها ..
لقد صيرت نفسك بطلا في عيني وصيرتني وحشًا في عين ابنتي، إن عيناها المتألمتين تلسعني، لا صوتَ لي .. والدُنيا تُطبقُ فوق رأسي .. متى ترفعني السماء إليها بيديها الحانيتين فتفرغني من أنيني؟ أو متى تضمني الأرضُ إليها وتمنع حزني من التسرب منها إليّ؟ لا ضير فأنا هاهنا مقبورٌ لا فرق بيني وبين الراحلين .. الدموع ترجِعُ إلى داخلي وتبلل قلبي الملتهب بدفءها فتزيده إلتهابًا .. الكلمات تموت في فمي .. النورَ يبهتُ في عيني .. حزني المسن يتربع فوق قلبي .. وهي تنبذني .. لا ضير.
ينهضُ بتثاقل، يتجهُ نحو باب القصر ويستوقفه والده .. يهمس بخفوت إليه: ان ظلت أختك بعد يوم واحد هنا بتخسرني يبه .. وأنت أبخص بالأعز عليك!
.
.
.
مساءُ ..
تتجهُ نحو جناحها والبسمةُ تُزين وجهها، تفتحُ الباب وتغلقه من خلفها ثم تلتفت لتفاجئ ببشرى وهي تجلس على أحد الأرائك، قطبت جبينها بانزعاج .. لم تصبح على وفاق مع أحدٍ في حياتها أبدًا .. ولاسيما بشرى هذه .. لا تطيقها.
ورغم ذلك هتفت باحترام للضيفة:" عمة .. اهلا وسهلا .. ليتكِ أخبرتني لاستضيفك بالشكل اللائق"
تقف بُشرى وتتجهُ إليها، تهتف وهي تقف أمامها ببرود:" لم آتي هنا للضيافة اتيت لأعطيك خبرًا .. هذا أولا .. اما ثانيا .. أويستضيف الضيف صاحب المنزل يا زينب؟"
تبتسم بسخرية :"عمتي ما عادت نظرات وكلمات الازدراء تحرك بي ساكنًا .. انا لستُ كالسابق"
بشرى:" ماذا لو أنكِ رأيتها من ابنتك؟"
صمتتْ وهي تنظر لعيني بشرى المتشفية، كما تفهم هي هذه النظرات الشامتة وتتكهن بالذي يدور في خلد بشرى .. لابد ان بشرى أيضًا تعلم بالحرارة التي تصيبُ قلبها الآن .. انه شعورٌ لغريب حقًا .. مالذي يحدث في قلبِ الانسان بالضبط عندما يحزن بغتةً؟ مالذي يصير فيجعله يؤلم بهذا القدر الكبير؟
تهمس بُشرى:"ماذا لو علمت من أنت ومن والدها؟"
زينب:"أخبرتها؟"
لم تجب سوى بابتسامة،التفتت وتركتها من خلفها، لقد فهمت جيدًا ما قامت بُشرى بفعله، هي لم تفعل شيئًا لها، الا أنها منذ ولادتها وهي تتلذذ بإيذاءها خاصة.
تتجه نحو الدرج الواسع الطويل وتنزلُ .. ومن خلفها تتبعها وصيفتها بالنقاب الأسود، ترتديه وتتجه نحو باب القصر وتقف قليلا لتحضر عربتها بعد ثوانٍ قصيرة .. لقد اخبرته بوجهتها ثم فتحتِ الستارة التي تغطي شرفة العربة لتنظر للطرقات التي تمرّ بها .. تغلقها ما إن توقفت العربة وتنزل وهي تشير لوصيفتها بعدم اللحاق بها .. لم تدخل من باب القصر .. اتجهت للجهة الخلفية للقصر ودخلت من بين الأشجار التي تحيط به .. اتجهت نحو الشجرة التي لطالما تسلقتها وتربعت على غصنها .. أحلت نقابها وتركتهُ على كتفيها .. وضعت كفها فوق الشجر مستندةً إليها .. إنها تبكي الآن .. لقد انهارت قواها .. سينتهي هذا البكاء وستعود للمنزل وستنظر في عيني فريال لكنها لا تعرف كيف ستنظر إليهما.
في الأعلى، المللُ وجهها أولًا للاطلاع على المكتبة الصغيرة المتواجدة في صالة الجناح، الا أنها لم تجد فيها ماينال على إعجابها، تركتها واتجهت نحو النافذة .. ان كان الوقت مناسبا سوف تنزل إلى الحديقة.
أبعدت جزءًا من الستارة ونظرت للحديقة .. لفت انتباهها سوادا إلى جانب الشجرة .. ونظرت إليه .. إلى ما يغلفه اللون الأسود تحديدا .. إلى زينب التي لا تعرفها أبدًا ..
في الأسفل، شعرت بكف تلمس كتفها .. التفتت وهي تكفكف دموعها .. نظرت إليه .. إنه هو يزورها للمرة الثانية هذا اليوم .. تمعن النظرَ في تقاسيم وجهه، لقد تغيرّ كثيرا .. كبرَ وتناثر الشيب بشكل طفيف في لحيته السوداء .. تعقد حاجبيها وهي تنظر إليه بحزن، أدري أنّ لا فائدة من محاولات الصد والاستشراف، أعلم أنك عائد بقوة .. تتسلل إلى قلبي بكل حرية .. دون حول ولا قوةٍ مني .. لطالما رضيت بقدري أتم الرضا، لم تأتي الآن وتترك نور الأمل في قلبي؟ لم تطل بهذا الوجه الذي يسر روحي؟ لم لا تغيب كما غبت من قبل؟.
الدموع تنساب فوق خدها الأسمر دون توقف، وعيناها المحمرتان بشدة تنظر إليه باضطراب .. تهمس: بشرني .. عرفت بعد هالسنوات أنت كيف جيت على هالدنيا؟
ابتسم بسخرية، تردف وهي تنظر للأسفل: عرفت الجواب .. خليني أنا أقولك وش صار فيني من تركتك
ترفع عيناها إليه: كثير اللي صار بعدده وكمه .. وكثير علي بعد ..
تزفرُ وتكلم: دخلت بحضن غيرك أول .. شميت ريحة رجال على كفوفي بس ما هو انت .. وجبت لي بنية .. وخبينا انا وبدر خطاينا بقلوبنا وسكتنا عنها .. خطاينا اللي ما ارتكبناها واللي انجبرنا فيها .. واليوم بنتي في لحظة وحدة انهارت في عيونها صورة رسمتها ١٧ سنة قدامها
تضع يدها فوق صدرها، تشهق مرارا وهي تسيل الدموع على خديها .. تهمس: أنا كان ودي أموت اليوم..كان المفروض ما أشوفك وترجع لي الرغبة في الحياة
يقترب منها بهدوء، يضع كفيه على كتفيها ويهمس: اهدي شوي
تضع كفاها فوق صدره، تنظر بعينيها الضائعتين في عينيه وتهمس بصوت مبحوح: صوتك يضيعني! .. مقدر أسمعه عبد الله
ابتسم: أنا ضايع لي ١٨ سنة بدونك .. ضيعي في صوتي وعيوني اللحين وضيعيني معك لأني داري فيك .. داري بترجعين بيت ابو بنتك وبتسكرين بابي!
يضع أنفه فوق شعرها ويهمس: أنا أبغاك ولو للحظة .. أنا اللي ابغى أضيع فيك ماهو قلبي وبس ..
انفهُ يقابل جبينها .. أغمضت عينيها .. خضوعٌ تام لصخب أنفاسها .. خشوعٌ تام لعينيه ..وجعٌ كبير لهذا القرب المحرم .. وإنكسار لكرامتها الواقعة تحت أقدامِ كل الرجال في حياتها ..
تضع كفاها فوق صدره وتدفعهُ برفق، تهمِس: مقدر اسويها ببدر .. مقدر اجرحه .. مقدر اكسره .. بدر حساس .. لو يدري بهالموقف طاح من طوله .. مقدر أوجعه أبد ولا اقدر اكرر خطايا اوجدتنا انا وانت.
عبد الله: وهو ما وجعك؟ أنا ماتوجعت عشانك وعشانه؟ أنا ما انهزمت وانكسرت وانجرحت كلما تذكرت أنك حلاله تحلين له وتحرمين علي وأنا والله مانسيت بلحظة حتى أتذكر! ماتحطين كل هذا باعتباراتك؟ ماتحطين زوجته الثانية باعتباراتك؟
نظر بقهر في عينيها وهمس: كذاب .. قال سمعت حكينا لازم آخذها وأسكتها وهو حقير من شافها حطها بقائمة ممتلكاته .. هذا هو اللي خايفه تكسرينه ! هذا هو!.
التفت واعطاها ظهره: أما أنا بنتظر مثل عادتي .. وبنتك مردها تنسى .
.
.
.

مساءً ..
نور القمر يخترقُ الاعين لشدة قربه .. والهواءُ باردٌ يمر بالأجساد فيصيبُها سكونٌ غريب.
في ظل هذه الليلة .. وقفت هي إلى جانب الباب الخلفي للقصر في انتظار عربتها المذهبّة، وقد وصلت العربة سرًا أخيرًا .. بينما استمرت هي في عناق أخيها وتوصيته على أمهما.
يهتف بهدوء:"الا تظنين أن أمنا تتمارض؟ أنها تسأل أخانا الشفقة على ما أظن"
بُشرى:"لا يهم، ان مكوثها هذا في دارها مريضة يجنبها لوم اللائمين على الأقل"
تاخذ نفسا بارتياح وهي تهمس:" ما تزال في جيبي بعضُ السهام .. وانا بصدد البحث عن غيرها .. الا اني ذاهبة لاطلق سهامي الاخيرة في ادرنة"
هتف وقد جاء في نبرته ضيق شديد:" ومتى اتخلص من ذلي وهواني هذا؟"
تضع كفها فوق ساعده وتهمس:"لا تقلق، انا أبحث عن حلٍ ما"
ركبت العربة بعد أن ودعت اخيها .. وانطلقت.
.
.
.
تجلِس إلى جوار نافذتها وهي ترقب عربة عمتها المغادرة للقصر .. ولاسطنبول.
تهمِس وهي تنظر لوالدتها: جت وخربت الدنيا وراحت ولا كأنها سوت شي!
فاطمة باستغراب هتفت بلهجتها الركيكة: ايش فيه فريدة؟
ابتسمت فريدة: ما أدري .. لكن ادري انها ما طلعت متسحبة الا وراها شي .. هاذي عادتها! كلها يومين وتشوفين حال القصر منقلبه.
زفرت فاطمة وهي تنظرُ للأرض دون اكتراث، لقد استخرجت من اللعبة منذ زمنٍ طويل، كانت مهمتها هي ابعاد هاجر واغواء أحمد أولا .. ثم التخلص من هاجر كليًا، وعندما تمّ هذا .. لم ينفذ أي وعدٍ قد قطع قبلا.
لقد كانت مجردُ خرقاء، لو عاش ابنا هاجر، اكان دخيل سيحل محل أبيه؟ بالطبع لا .. إلا أن فاضلة اشترطت عدم سفك قطرة دم ضئيلة حتى .. لأن غايتها كانت مختلفة عن التي عبرت عنها سابقا .. لقد خُدعت حقا.
تخطر ذكرى في بالها .. لقد كانت تجلس خلفَ مكتبِ أحمد وهي تكتب كلماتٍ في اوراقه الخاصة .. وبحبره .. قبل ان تخرج ختمها المجهول وتختمها وتخفيها بين ثيابها .. لتخرجَ متجهةً نحو جناحها .. وتدخلُ من خلفها خادمتها لتقدم لها زرًا ما على طبقٍ ذهبي .. لتستقر بعد ذلك صرة من الذهب في ايدي الخادمة.

.
.
.
ضوءُ القمرِ الكامل انعكس على سطح الماءِ يحيلهُ براقًا .. وهناك على الطرفِ الآخر للبحيرة الصغيرة انعكست صورةُ بدرٍ آخر .. وقد بدا هو أقرب لسطح الماء .. حيث جلس على مقربة منه وهو ينظر إليه بصمت.
لابد أن احدا في أصقاع الأرض يعاني ضعف ما يعانيه هو، لا بد أن معاناته تبدو لمعاناة شخص ما كحجر ألقي في هذه المياه الراكدة .. الجميع يعانون ويصبرون .. الا أنه يفكرّ أحيانا في انه لو لم يبتلى بكل هذا لكان افضل .. لما آلت الاحداث الى ماهي عليه الآن.
لو أنه لم يتزوج بزينب، لو أنه لن يطع كل رغباته ولو أنه لم يستمت ليصل إلى وكالة ابيه .. لو أن أحلامه كانت صغيرة .. لو أنه لم يبتلى بحب السيادة .. لو انه لم يكن أسير نفسه .. لو انه سمى بروحه .. لرفض ان يكون داخل هذه اللعبة ولعاش فقيرا ومات فقيرا .. ولم يسجل اسمه في صفحات الذين صنعوا مجدًا .. لعاش ومات بسلام تام .. ولربما سجّل إلى جانب المتصوفين أو العباد الزاهدين التائبين من بعض الذنوب وقرأ اسمه نفرٌ قليل ونسيه بتغيير الصفحة أيضًا، لكنه في المقابل كان سيكسبُ عالمًا حقيقيا ..
في ظل معرفته بأنه عند تركه كل شيء والتمسك بربه وحده سوف يتلطف الله عليه بعالمٍ باق غير زائل .. لايدرك حتى الآن سر تمسكه العجيب بحياته هذه.
زفرَ وهو يستمعُ للخطوات التي تتجه نحوه، لقد سأم من التفكير، وسأم من الالتفات في كل مرة ليجد اتشيلي وحيدا، ومع علمه بأن الخطوات تعود لشخصان لا لاتشيلي وحده .. وأن من كان ينتظره يرافق اتشيلي لا محالة .. لم يلتفت أيضًا.
جلست إلى جانبه ولمحها بصورة غير واضحة لأنه لم ينظر إليها ولو نظرة، لكنه ميزها .. انها هي .. تضم ساقيها إلى صدرها .. بعد ان ابتعد بعض الخطوات مرافق أبيها.
قاطع الصمت المهيمن ببرود: وين كنتي
فريال بهدوء وهي تنظر إليه: رحت بيتك الصغير .. نزلت القبو
نظر إليها: وليه تروحين؟ هالمكان خطير من بعد اليوم ماهو مثل أول، لو صار فيك شي وش اسوي انا؟
تصمت وهي تشتت نظرها، يدركُ أنها تود أن تقول الآن: ليتْ!، ابتلع ريقه، ولكنْ أنا من يجب ان يبعد عينيه هاربًا من عينيك، انا من يجب عليه الصمت، لقد اقترفت ذنبا بحقك، لقد قبلت الزواج من إمرأةٍ لم يطب أصلها وزرعتك أنتِ في رحمها .. أعلم أن لا ذنب لها أيضًا .. لكنّ هذا ما كان ينبغي أن يحدث.
فريال: ماراح أسألك اذا الكلام اللي قالته صدق ولا كذب، راح أسالك ليه وكيف؟
صمتَ وهو يسترجع الأحداث التي ما انفكت تلازمه هذه الأيام، لايحتاجُ لجهدٍ لتذكر تلكَ الدماء التي ترافقه مثل ظله، لا يريد ان يتذكر وهو الذي لم ينس أبدًا، هذه الحياة عبارة عن قطرة دم .. نحن ندور في قطرة دم ونحسب أننا نعيش في عالم بديع، نبتدأ بدم وننتهي بدم .. احمر عبيط تخنقنا جزيئاته المتكاثفة ونحن ندور في قطرة الدم التي حسبناها عالمنا البديع.
يتنهد .. يُجيب: انتهى! خلينا نتفق على أن الكلام اللي سمعتيه راح يظل سر بيننا .. عن أمك خصوصا.
فريال: ليه؟ واذا عرفت اني دريت؟ وش يتغير عندك؟
بدر: تظنين أني اخفيت هالموضوع عشانك بس؟ وهي؟ بنظرك ما اخاف على خاطرها أنا؟
فريال تنظر للأرض وتهمس بخوف منتظرةً موجة الغضب مِنه: ما أظنك تخاف عليه، لو تخاف ما تزوجت.
لم تسمع صوته فنظرت إليه ولعينيه الساكنتين، نظر للبحيرة الراكدة وهمسَ ببرود: هالأمر ما يعنيك
ابتسمت بسخرية: أعرف
بدر بهدوء دون أن ينظر إليها: ما راح أفسر ولا شي، أبغاك تعرفي أبوك ما اختار يكون بالشكل اللي سمعتي عنه .. وأمك بعد .. ولو اخترنا؟ انا وهي مو ملائكة .. مو لازم نظل صافيين بعيونك عشان نظل امك وابوك .. اعرفي هذا يكفيك.
فريال برجاء: يبه اكذب علي..أنا محتاجه هالصفاء اللي تقول انه ماهو مهم .. أبغى أشوفكم ملائكة.. اكذب علي اكفى وقولي بشرى تكذب .. او فسر اللي قالته
صمتْ لبرهة، ورغم أن سرد كل ما جرى في تلك السنة البائسة من عمره يحتاج لجهد وقوة لا يتوفران عنده الآن أجاب .. أجاب عن كل تساؤلاتها المؤلمة ..
بعد وقت طويل، نزلت من العربة برفقته وقد تخفت في ملاءته السوداء، دلفا إلى القصر .. وإلى الطابق العلوي .. بالتحديد غرفتها المقابلة لجناحِ والديها، ودعّها وأغلقَ الباب بعد ان دخلت وكان سيغادر الطابق لو لا أن رأى الضوء الخافت يتسلل من جناح زينب، عاد أدراجه باتجاه الجناح ودفع الباب بخفة محدثًا شقا صغيرًا جدًا فيه .. ينظرُ إليها وقد تكومت على نفسها اعلى الأريكة .. انها تبكي بصخب ودموعٍ لا تنضب، زفرَ بألمٍ هو الذي لا يقوى على الاصغاء لبكاء أنثى في ظله.
دخل إلى الجناح دون أن يحدث ضجيجا واتجه بخطوات خافتة إليها، وضع كفه فوقَ رأسها لتمسح دموعها على الفور قبل ان تنظر إليه، يعقد حاجبيه بانزعاج ويهمس: ليه؟ وش فيك؟
صمتتْ وهي تنظر إليه، اخفضت رأسها ونظرت للأرض .. تهمس وهي تخفي يديها بين بطنها وساقيها المثنيان: كنت مع فريال؟
صمت لبرهة وهو ينظر إليها باستغراب قبل أن يجيب: ايه
اخفت رأسها في ركبتيها وسكتت.
يهمس بجدية: شفيك شصاير؟ ليه تبكين؟
لم يصدر منها جوابًا فاتجه نحو النافذة، وقف إلى جوارها وابعد الستارة لينظر للأعلى .. للغيوم المتكاثفة في كبد السماء .. إنها تُنبؤ بمطر غزير.
همس دون أن يبعد عينيه عن السماء: أحيانا اشعر بالتقصير تجاهك، لكن اذا تذكرت أنك اخترتي ان احنا نكون كذا بكامل ارداتك أشعر بارتياح في ضميري، واذا صدرت منك كلمة مسامحتك قبل لا ننفصل بكون مرتاح أكثر.
كان ينتظرُ أن يسمع جوابا إلا أنها استمرت في صمتها الغريب، نظر إليها .. نظر للطاولة التي تقابلها .. عليها ورقتان .. ورقتان ملفوفتان تجاوران زجاجة صغيرة ..
وجه نظراته المرتابة لزينب مرة أخرى ..
اتجه نحوها بخطى ثقيلة .. وضع كفه فوق الزجاجة التي كانت بعيدة وامسكها .. ألقاها أرضا دون أن يشعر واتجه لزينب .. وضع كفه أسفل وجهها ورفع ليشاهد وجهها .. كانت ملامحها تشير إلى أنها تحبس الكلمات والشهقات .. والآلام التي أصابتها ...
ارتجفت يديه ما إن اعتلت شهقاتها المستمرة وسعالها .. انها تموتُ الآن .. تموت لا محالة ...
.
.
.
.
.


الرد باقتباس
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1