منتديات غرام اسلاميات غرام مواضيع إسلامية - فقه - عقيدة شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام ( كتاب الحج ) لفضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان ثبته الله // متجدد
حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






بـاب صفـة الحـج ودخـول مكــة


اعلم أن أشمل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة حجه هو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه منسك كامل في بيان هذا الأمر خصوصاً إذا جمعت رواياته بعضها إلى بعض ، فقد عُني جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حجة النبي صلى الله عليه وسلم فنقل في هذا الحج معظم أفعاله من خروجه إلى رجوعه.

692- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حــج فخرجنا معه ، حتى إذا أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عـميس فقال : « اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ... » الحديث .

هذا الخبر من أفراد مسلم دون البخاري رحمهما الله . قال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله به . ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة .
قوله : [ أن رسول الله حج ] :
تقدم عندنا أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حج قبل الهجرة ولا بعدها إلا حجة الوداع ، وقد كانت حجة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة ، وقد فرض الحج على القول الراجح في السنة التاسعة وفيها بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعلياً في الحج وأمرهما أن يقرءا على الناس سورة براءة وأنه لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .
قوله : [ فخرجنا معه ] :
فيه استحباب صحبة العلماء وأهل الفضل في الأسفار للاستفادة منهم والتخلق بأخلاقهم والتأدب بآدابهم وكسب الخصال الطيبة منهم والتعلم على أيديهم .


قوله : [ حتى إذا أتينا ذا الحليفة ] :
وهو موضع إحرام النبي صلى الله عليه وسلم ، ويسمى بالعقيق ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن العيق بأنه وادي مبارك ، وقد أمر الله نبيه أن يصلى بهذا الوادي وأن يحرم منه قارناً كما جاء هذا في صحيح الإمام البخاري رحمه الله . وذو الحليفة هو أبعد المواقيت عن مكة ، ويليه في البعد الجحفة ، ويليه يلملم ويليه قرن المنازل .

قوله : [ فولدت أسماء بنت عميس ] :

وهي زوجة أبي بكر الصديق وقد ولدت له محمداً ، وكانت من قبل تحت جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين الذي قتل في غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة حين أخذ الراية بيمينه فقطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله ، فأخذ الراية بين ثدييه فقتل رضي الله عنه وأرضاه ، وكان قبل ذلك قد عقر جواده حتى لا ينتفع به المشركون وحتى يقاتــل حتى الموت ، فهو أول رجـل مسلم عقر جواده في سبيل الله . فلما قتل جعفر تزوجت أسماء أبا بكر، وكان يُضرب بها المثل في الجمال حتى قيل فيها أنها من أجمل نساء العرب ، فلما توفي أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه .


وهذا هو أول العهد بأسماء وآخره ، فليس في الحديث ذكر لأسماء بعد هذا ، فلم يذكر لنا جابر بن عبد الله ماذا صنعت فيما بعد هل طهرت قبل طواف الإفاضة فطافت مع الناس ؟ ، أم أنها بقيت على نفاسها ؟ وهل أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تطوف وهي نفساء من باب الحاجة ؟ أم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحد محارمها أن يبقى معها حتى تطهر ؟ . كل هذا مسكوت عنه .

وجميع طرق الحديث لم تتكلم عن هذه القضية مع حاجة الأمة إليها ، فلو جاء خبر عن حال أسماء لكان قاطعاً لتنازع المتنازعين في حكم طواف الحائض للإفاضة إذا خشيت فوات الرفقة ، فقد بحث هذه القضية شيخ الإسلام بن تيمية بالفتاوى ، وبحثها أيضاً تلميذه الإمام العالم ابن القيم رحمه الله وذلك في (إعلام الموقعين) فتوصل كل منهما في بحثه إلى أن الحائض تطوف بعد أن تستثفر بثوب ونحوه من باب المصلحة والحاجة ، فلو أمرناها بالبقاء دون رفقتها لحصل بسبب ذلك فساد كبير ربما من انتهاك الأعراض وما شابه ذلك ، وإذا أمرناهـا أن تذهب بدون طواف فقد أمرناها أن تبقى محرمة أبد الدهر ، ولا يأتي شرع بهذا ، فلا يبقى إلا ان تستثفر بثوب وتطوف حائضاً ، ولكن في زماننا هذا ربما يكون الأمر أسهل فإذا لم يأذن رفقتها بالبقاء تذهب معهم وترجع إن تيسر لها هذا بعد الطهر فتطـوف بالبيت ، وإذا لم يتيسر فليس هناك بُـد من القول بما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى .

قوله : « اغتسلي » :
هذا الأمر للاستحباب ، لأن الغسل لا يطهرها ، وقد نقل الإمام ابن المنذر رحمه الله الإجماع على هذا ، ولكن جاء عن الحسن البصري خلاف في هذا . ورجح الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله وجوب الغسل على النفساء خاصة ، وهذا هو اللائق بظاهريته ، فلو وجب الغسل على النفساء لكان على الطاهرة من باب أولى ، ولكنه رحمه الله أخذ بالظاهر ولم ينظر إلى المعنى الحقيقي ، فوقع بهذا الغلط . وقد تقدم عندنا بحث قضية الغسل وما قيل في ذلك وما جاء فيه من الآثار .

قوله : [ فلما استوت به على البيداء أهل بالتوحيد ] :
وهذا دليل القائلين في مشروعية الإهلال من البيداء ، ولكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل قبل البيــداء ، وتقدم عندنا حديث ابن عمر في الصحيحين أنه قال : بيداؤكم التي تكذبون فيها على رسول الله ، ما أهل رسول الله إلا من عند المسجد . متفق عليه .

وقد تقدم بحث هذه القضية وأن الراجح : مشروعية الإهلال من عند المسجد وهذه هي السنة الثابتة ، وأكثر الآثار تدل على هذا .

قوله : [ أهل بالتوحيد ] :
فيه مشروعية الجهر بالإهلال وأما نية الدخول بالنسك فذلك ركن من أركان الحج أو العمرة .

قوله : [ لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ] :
هـذه التلبية تشتمل على الانقياد لأوامر الله والإذعان لذلك وتشتمل على توحيد الباري ونـفي الشريك عنه ، خلافاً للمشركين الذين يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إلا شريكٌ هو لك تملكه وما ملك . فهذا معنى قول الله جل وعلا : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) } يؤمنون بقولهـم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، ثم يثبتون بأن لـه شريكاً : بقولهم ( إلا شريك هو لك تملكه وماملك ) .
قوله : [ حتى إذا أتينا البيت استلم الركن ] :
فيه مشروعية استلام الركن ، والأفضل تقبيله إن تيسر هذا ، وإن لم يتيسر فالأفضل استلامه ، وإن لم يتيسر فالإشارة إليه ، وأما السجود عليه فقد ورد بذلك حديث عمر ، رواه أحمد وغيره . وفيه اضطراب ولا يصح .

قوله : [ فرمل ثلاثاً ] :
وهو مستحب بالاتفاق ، والرمل هو مقاربة الخطى ، لما هو فوق المشي ودون السعي الشديد ، والمستحب في الرمل أن يكون في الثلاثة الأُول ، ولا يكون إلا في طواف القدوم .

قوله : [ ومشى أربعاً ] :
وهذه هي السنة ، وأما ما يفعله بعض الناس من الرمل في السبعة كلها فهذا غلط وهناك طائفة أخرى ذكروا أنه مطلق وهذا غلط أيضاً ، والسنة في هذه القضية ما دل عليه هذا الخبر .

قوله : [ ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ] :
أي صلى ركعتين ، فقــد جـاء في صحيـح الإمــام مسلم أنه صلى في الأولى بـ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } والثانية بـ { قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، وفي رواية : قرأ في الأولى : { قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } والثانية : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .


ولا يلزم أداء هاتين الركعتين خلف المقام ، فلو صلاهما في أي مكان من الحرم أو خارجه صح هذا ، وقد اختلف العلماء في حكم هاتين الركعتين ، فذهب جماهير العلماء إلى إنها مستحبة ، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى إيجابها ومال إليه العلامة ابن مفلح رحمه الله في ( الفروع ) ، والحكمة بتخصيص هاتين السورتين بهاتين الركعتين ليتذكر الطائف أن الطواف وهذه العبادة ليست لهذه الأحجار إنما هي لله الواحد القهار ، فلو لم يأمرنا ربنا جل وعلا في الطواف بهذا البيت ما طفنا به ولا تعبدنا الله به .

قوله : [ ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ] :
فيه استحباب استلام الركن بعد صلاة ركعتين خلف المقام .
وفيه مشروعية الخروج إلى الصفا من بابه .
قوله : [ فلما دنا من الصفا قرأ : { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } :

استحب بعض أهل العلم قراءة هذه الآية عند الدنو من الصفا ، والذي يظهر والعلم عند الله أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قرأها من أجـل الـتعليم كما قـرأ عند المقام : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } ، فـنلاحـظ عـلى بعـض الناس أنهم يـقرأون : { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ... } الآية . ويعتقـــدون سنية هذا ، ولهم سلف في هذه الـقضية ، ولكنهم لا يقرأون : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } عند المقام وقد جاءت قراءة هاتين الآيتين في حديث واحد ، فإما التزام قراءتهما معاً وإما تركهما معاً إلا عند انعقاد السبب من أجل التعليم ، وهذا هو الذي يظهر دليله. والعلم عند الله .


قوله : « أبدأ بما بدأ الله به » :
هكذا جاء في مسلم بلفظ الخبر ، وقد رواه النسائي رحمه الله بلفظ الأمر ، وهي رواية شاذة ، وقد رجح أكثر الحفاظ رواية الخبر . فقد اتفق حاتم ابن إسماعيل ووهيب ومالك وسفيان على روايته بلفظ الخبر وهو الذي رجحه الإمام ابن التركماني رحمه الله في ( الجوهر النقي ) .

قوله : [ فرقى الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة ، فوحد الله وكبره ] :
فيه استحباب رفع اليدين عند الصعود على الصفا ، وصفة رفعهما كصفة رفعهما عند الدعاء ، ويستحب حينئذٍ التكبير والتحميد كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود ، ويستحب التهليل أيضاً وأن يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده . وذلك في قول الله جل وعلا : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11) } .

ويستحب الدعاء فيما بين ذلك ، والمستحب في الدعاء إخفاؤه ، وأما الذكر فالمستحب الجهر به كما هو مفهوم هذا الخبر ، وصفة فعل هذا أن يذكر الله أولاً ثم يدعو ثم يذكر الله ثانياً ثم يدعو ثم يذكر الله ثالثاً ثم ينزل من الصفا لقوله في الحديث : [ ثم دعا بين ذلك ] فيكون الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين ، وهذا التوضيح يفهم من سياق الأحاديث والعلم عند الله .


قوله : [ ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى ] :
المراد حتى إذا وصل المكان المنخفض وهو ما بين العلمين الآن فقد كان وادياً إلى عهد قريب سعى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوادي ، والسعي هو المشي الشديـد وهو سـنة ، وقيل واجب ، وفيه نظر .


وذكر القاضي عياض وغيره أنه يرمل رملاً ، وقد وقع في بعض طرق الحديث: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل ، وقد جاء في المسند من حديث حبيبة بنت تجزاة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يسعى والناس حوله فرأت ركبته من شدة السعي يدور به إزاره . أي من شدة السعي ، ولكن في هذا الحديث مقال وضعف يسير .


قوله : [ حتى إذا صعدتا مشى ] :
أي حتى إذا صعد الوادي وهو المكان المنخفض مشى حتى أتيى المروة ، وحينئذ فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الذكر والدعاء كما فعل على الصفا .
وقد أجمع العلماء على أن السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط الذهاب سعيه والرجوع سعيه أخرى ، واتفقوا على أن يبدأ من الصفى وينتهي بالمروة .

قوله : [ فلما كان يوم التروية ] :
سمي بهذا الاسم لأن الناس يروون فيه الماء، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة.


قوله : [ توجهوا إلى منى ] :
أي محرمين ، والسنة للحجاج أن يحرموا من أماكنهم ، فإن كانوا نازلين في الأبطح يحرمون قبل الزوال من الأبطح ثم يذهبون إلى منى ، وإن كانوا ساكنين في منى فيحرمون من أماكنهم ، وقد قال بعض الفقهاء كما في ( الروض المربع ) : يحرم من مكة تحت الميزاب ، وهذا غلط وبدعة ، فلم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم من عند الميزاب ولا عُهـد هـذا عن أحد من الصحابة ولا فعله أحدٌ من التابعين ، وقد أحسن القائل :

وخير الأمور السالفات على الهدى *** وشر المحدثات البدائع



قوله : [ وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ] :

أي صلى كل صلاة في وقتها قصراً لا جمعاً ، لأن الجمع للحاجة بخلاف القصر فإنه للسفر ، فلا تلازم بين السفر والجمع ، ولكن هناك تلازم بين القصر والسفر ، فالمسافر يقصر الصلاة ولكن لا يجمع إلا عند الحاجة ، والجمع يشرع مع انعقاد سببه في الحضر والسفر ، فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء للحاجة ، وأما الفجر فلا يجمع معها غيرها بالإجماع .

قوله : [ حتى طلعت الشمس ] :
أي لم يدفع من منى إلى عرفات حتى طلعت الشمس ، وهذه السنة خلافاً لبعض الجهال الذين يذهبون إلى عرفات في ليلتها ، وهذا غلط وخلاف السنة .

قوله : [ فأجاز حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ] :

المراد حتى توجه إلى عرفات ولم يدخلها ، وإنما قصد طريقها لأن النبي صلى الله عليه وسلم وجد القبة قد ضربت له بنمرة ، ونمرة مشعرٌ وليست من الحرم ، وكون القبة ضربت للنبي في نمرة فيه دليل على جواز الاستظلال في الخيام وما كان في معناها ، إلا أن المحرم لا يجعل شيئاً يلاصق رأسه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلـــم قال : « لا يلبس المحرم البرانس ». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر .

فيستحب للحاج أن يجلس في نمرة إلى زوال الشمس إن تيسر له هذا ، فإن لم يتيسر له فلا مانع من الذهاب إلى عرفات قبل الزوال وإلا فالسنة أن لا يذهب إلى عرفات إلا بعد جمع الظهر مع العصر ، فهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل خلفائه معه ، وقد قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .


وقد ذهب الإمام أحمد في إحداى الروايتين إلى أن الوقوف بعرفات لا يبتدئ ولا يصح إلا من بعد الزوال ، فلو أن امرءاً ( عـند الإمـام أحمد ) وقف بعرفات من الفجر إلى قبيل الزوال ثم دفع ما صح حجه حتى يقف ولو قليلاً بعد الزوال . وهذا قول أكثر أهل العلم أبي حنيفة ومالك والشافعي، وذهب أحمد في رواية عنه إلى أن الوقوف يصح قبل الزوال مستدلاً بحديث عروة بن مُضرس . وسوف يأتي إن شاء الله الكلام عن هذه المسألة .

قوله : [ حتى أتى بطن الوادي ] :
أي حتى أتى بطن عرنة يوجد فيها الآن بعض المسجد الذي بعرفات أتى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوادي ليخطب فيه ، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة جامعة ذكرهم فيها بربهم وأوصـاهم فيها بالنساء خيراً وعلمهم ما يحتاجون إليه من المناسك .

فيشرع للخطيب أن يعلم الناس بهذه الخطبة أمور دينهم وما يغلب على ظنه أنهم يجهلونه ، خصوصاً المسائل المتعلقة بالتوحيد فإن حاجة الناس إلى التوحيد فوق حاجتهم إلى تقرير بعض المسائل ، وفي كل خير ولكن التوحيد أعظم . والسنة للخطيب أن يخطب خطبة واحدة ، وقد استحب فقهاء الشافـعية خطبتين ، والقول الأول أصح .


قوله : [ ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ] :
فيه استحباب جمع العصر مـع الظهر في عرفات ، وهذا الجمع مما أجمع عليه المسلمون ، والمستحب في هذه الصلاة مخافتة القراءة فيها ، والحكمة بجمع العصر مع الظهر في هذا المقام ليطول وقت الوقوف ليتضرع العبد لله جل وعلا .


وفي جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات بين هاتين الصلاتين دليل على مشروعية الجمع للحاجة ، وقد زعم أبو حنيفة رحمه الله أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم هنا من أجل النسك لا من أجل السفر فتعقبه شيخ الإسلام في الفتاوى ورجح أن الجمع بين الصلاتين في عرفات من أجل السفر لا من أجل النسك ، وهو قول جماهير العلماء .

وفي الحديث دليل أيضاً على مشروعية أذان واحد لكل الصلاتين .
وفيه مشروعية الإقامة لكل صلاة ، وهذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة كما جاء في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في صحيح مسلم .

قوله : [ ولم يُصلِّ بينهما شيئاً ] :
وهذا هو المشروع للمسافر ، ومن جمع بين الصلاتين لا يحدث تطوعاً بين الفريضتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل هذا .


قوله : [ ثم ركب حتى أتى الموقف .... واستقبل القبلة ولم يزل واقفاً حتى غربت الشمس ] :


أي فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الجبل بعرفات المسمى بجبل الرحمة فاستقبل القبلة ففيه استحباب استقبال القبلة عند الدعاء ، ولا يجب هذا وإنما يستحب ، وأما صعود الجبل فليس بمشروع بل لا أصله ، إنما المشروع الوقوف عنده واستقبال القبلة فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اليوم واقفاً على راحلته ففيه استحباب مثل هذا ، لذلك لم يدفع النبي صلى الله عليه وسلم حتى غاب قرص الشمس ، ولذلك أوجب الإمام أحمد هذا الفعل ، وأما الإمام مالك فجعله شرطاً لصحة الحج ، وفي هذا نظر ، والأقرب التوسط ، فلا نقول بقول المالكية بأن الوقوف ليلاً بعرفات شرط لصحة الحج ، ولا نقول بقول جماعة من أهل الظاهر بأن الوقوف إلى الليل مستحب بل نقول : إن الوقوف إلى غياب القرص واجب ويصح الحج بدونه ، وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله .

قوله : [ حتى أتى المزدلفة ] :
أي ودفـع النبي صلى الله عليـه وسلم من عرفات بتؤدة وسكينة وهو يأمر الناس: « يا أيها الناس السكينة ، السكينة » وذلك لئلا يؤذي بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً ، لا ضرر ولا ضرار . حتى وصل إلى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء ، وهذه هي السنة للقادم إلى مزدلفة ، يبدأ أولاًبصلاة المغرب سواء قدم في أول وقتها أو بوقت العشاء الآخرة أو فيما بين الوقتين ، فإذا صلى المغرب مع العشاء بأذان واحد وإقامتين وهذه هي السنة في هذه المسألة ، وقد قال بعض الفقهاء : يـؤذن أذانين ، ويقيم إقامتين وهذا مذهب عبد الله بن مسعود ، وقالت طائفة ثالثة : يؤذن أذاناً واحداً ويقيم إقامة واحدة .


والصحيح في هذه المسألة أنه يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة ، ووجود الفاصل بين الصلاتين لا يؤثر ولا تشترط نية الجمع على القول الراجح ، وما ذكره بعض الفقهاء من الاشتراط يحتاج إلى دليل والدليل هنا متعذر .

وهنا بعض المسائل المتعلقة بالجمع : -
المسألة الأولى: ما الحكم إذا خشي فوات الوقت هل يصلى في الطريق أم لا؟.
الجواب : أنه لا مانع من صلاته في الطريق حين يخشى فوات الوقت ، وأما مع عدمه فهذا خلاف السنة ، فإن السنة أن يصلي بالمزدلفة .

المسألة الثانية : إذا قدم المزدلفة فيما بين الوقتين له أن يبادر بأدائهما معاً ، وقد قال بعض أهل العلم : يُصلي المغرب وينتظر دخول وقت العشاء أو يؤخر المغرب إلى دخول وقت العشاء ، وهذا لا دليل عليه وهو خلاف ظاهر الأحاديث . والحق في هذه القضية أنه يبادر بأداء الصلاتين ، سواء قدم فيما بين الوقتين أو غير ذلك .


المسألة الثالثة : الحديث صريح في عدم التنفل فيما بين الصلاتين ، لقوله : [ ولم يسبح ] أي لم يُصل بينهما شيئاً .


قوله : [ ثم اضطجع حتى طلع الفجر ] :
ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم هذه الليلة للتهجد ، وبهذا قال بعض أهل العلم ، فاستحبوا ترك التهجد ليلة المزدلفة ، ولكن جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الوتر ولا ركعتي الصبح لا حضراً ولا سفراً . ويمكن حمل حديث جابر على أحد أمرين : إما أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ترك ذكر قيامه للعلم به ، فقد استفاض واشتهر بين الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع قيام الليل والوتر فاستغنى جابر بالشهرة عن الذكر .


الأمر الثاني : أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أوتر قبل أن ينام ، وكون جابر بن عبد الله ما ذكر هذا لا يعني أنه لم يقع ، فإن نقل العدم ليس علماً ، وعائشة رضي الله عنها تخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الوتر ولا ركعتي الفجر لا حضراً ولا سفراً .
ولذلك جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم قاموا هذه الليلة كما في حديث أسماء رضي الله عنها في الصحيحين وأنها لم تزل تصلي حتى غاب القمر .


قوله : [ وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ] :
جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم بادر بأداء هذه الصلاة في غير الوقت المعتاد ، وذلك ليستقبل يوماً عظيماً من أعظم الأيام ألا وهو يوم النحر ، فيستفتحه بالوقوف عند المشعر الحرام فيدعو ربه ويهلله ويحمده . ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في بيان قراءته في ركعتي الصبح ، ولا نقل ذلك الصحابة إلينا ، ولم يذكروا هل أطال القراءة أم قصرها ؟ كل هذا لم يذكره جابر بن عبد الله ، فلذلك نستطيع أن نقول : إن عدم ذكر جابر بن عبد الله لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم ولطولها ولقصرها يدل على أن جابراً لم يذكر كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأعماله في الحج ، فمن أخذ من حديث جابر إن ما لم يذكره ليس واجباً ، وليس مستحباً فقد غلط ، وأيضاً من أخذ منه عدم قيام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة مزدلفة فهذا فيه نظر ، لأن جابراً أيضاً لم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم هل صلى ركعتي الفجر أم لا ؟ ولهذا نقول : إن نقل العدم ليس علماً ، فمن نفى تهجد ليلة المزدلفة بحـديث جـابر فـيلـزمه أن يـنـفي ركعتي الفجر ، لأن جابراً لم يـذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى .


ولذلك نقول الحق في هذه القضية : أن المسلم لا يدع الوتر لا حضراً ولا سفراً ولا يدع ركعتي الفجر ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها » . رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها .


قوله : [ ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام ] :

وهو جبـلٌ صغير كان معروفاً عندهم ويسمى بـ ( قـزح ) والآن هدم وأقيم المسجد المعروف مقامه ، فيستحب الوقوف عند المشعر الحرام للدعاء وحمد الله وذكره وتمجيده وتعظيمه ، ويستحب أن يستمر الوقوف إلى الإسفار ، وهل هذا واجب أم مستحب ؟ .

الجمهور عـلى استحباب ذلك ، وذهب ابن حزم إلى الوجوب مستدلاً بقول الله تعالى : { فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } وقال : هذا أمر ، والأمر يفيد الوجـــوب ، ونحن نقول لأبي محمد : أما كون الأمر يفيد الوجوب فهذا صحيح ، ولكن معنا دليل على أن الأمر في الآية للاستحباب لا للإيجاب ، وهذ الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى المزدلفة قال : « وقفت ها هنا ومزدلفة كلها موقف » . رواه مسلم في صحيحه . هذا الدليل الأول .

الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف عند المشعر الحرام لم يقف معه كل الصحابة ، بل كانوا متفرقين ، فهذا دليل صريح على أن الوقوف عند المشعر الحرام للاستحباب لا للإيجاب ، وإلا لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة الذين لم يقفوا عند المشعر الحرام ، وبعض الناس في هذا اليوم ما بين إفراط وتفريط ، ما بين إنسان يدفع بعد صلاة الصبح ليسابق الناس ويصل الأول وهذا غلط وما بين إنسان ينام فلا يستيقظ إلا من حر الشمس وهذا غلط أيضاً وتشبه بالمشركين فإنهم كانوا لا يفيضون كما في حديث عمر عند البخاري رحمه الله حتى تطلع الشمس ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير . فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع حينما أسفر جداً قبل أن تطلع الشمس .


قوله : [ حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ] :
يستحب الإسراع للقادم من المزدلفة إلى منى حين المرور بوادي محسر ، وقد ذكر بعض الفقهاء بأن الحكمة من الإسراع لأنه موطن عذاب وسمي ( محسراً ) لأن الفيل الذي بعثه أبرهة لهدم الكعبة حسر فيه ، وهذا مجرد اجتهاد ، وأما دليل قاطع بالقضية فليس هناك دليل ، بل الحق في هذه المسألة أن الإسراع بودي محسر أمر تعبدي ، والدليل على هذا أنه لا يشرع الإسراع للذاهب ولا يشرع الإسراع لغير القادم من مزدلفة فلو كان على ما ذكروا لشرع الإسراع لكل من مـرَّ به ، وهم لا يقولون بهذا ، فعلم أن الإسراع في وادي محسر أمر تعبدي ، وأما كون الفيل حسر فيه فهذا يحتاج إلى دليل ، والدليل هنا متعذر والإسراع هنا مستحب غير واجب ، وأيضاً الإسراع بالنسبة للمشي وليس المعنى أنه يجري جرياً ، إذ قوله في الحديث : [ فحرك قليلاً ] .



يتبع





























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






ثم إن الفقهاء اختلفوا : هل وادي محـسر من منى أم لا ؟
فذهب جماهير العلماء إلى أن وادي محسر برزخ بين منى ومزدلفة ، وليس من منى فعند الجمهور لا يشرع الجلوس فيه وذلك لوجهين : -
الوجه الأول : أنه موطن عذاب .
الوجه الثاني : أنه ليس من منى .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن وادي محسر من منى جاء هذا مصرحاً به في صحيح الإمام مسلم في حديث الفضل ، وأما كونه محل عذاب فهذا كما سبق لا بد له من دليل صحيح .

قوله : [ حتى أتى الجمرة ] :
أي أتى النبي صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة ، وهي أبعد الجمار عن منى وأقربها إلى مكة ، وجمرة العقبة هي آخر منى ، ولذلك كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يبعث من ينادي بأن العقبة ليست من منى فكان كل من وراء العقبة يؤمر بالدخول ، والنبي في هذا الحال لم يزل يلبي حتى أتى جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات ، وهذه الحصى مثل حصى الخذف ، ليست كبيرة فتوذي الآخرين ، وأيضاً الرمي بالحجار الكبار من الغلو ، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو ، وليست أيضاً صغيرة حيث لا يراها الرامي هل وقعت أم لا ؟ . وكـان رسول الله يكبر مع كل حصاة وهذا التكبير مستحب غير واجب .

ويلاحظ على بعض الناس أنه يقول : باسم الله ، الله أكبر ، وهذا غلط فالمستحب الاقتصار على التكبير دون التسمية . وهنا بعض المسائل في الرمي : -

المسألة الأولى : ما حكم الرمي بحصى قد رمي فيه ؟ .

الجواب : لا مانع من هذا ، وهو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله ، نص عليه كما في ( الأم ) ، وما يرد في بعض الكتب الفقهية خصوصاً كتب الحنابلة بمنع هذا فهذا يحتاج إلى دليل ، علماً بأن فقهاء الحنابلة يقولون معللين بالمنع كالنهي عن الوضوء بالماء الفاضل ـ يعني الذي يفضل ـ فيقال على هذا : إذا بطل الأصل بطل الفرع ، فليس هناك دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم يمنعون الوضوء بما يفضل من المرء ، فهذا الماء طاهر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الماء طهور لا ينجسه شيء » . صححه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .

وأيضاً لو كان الرمي بالحصى الذي رمي فيه ممنوعاً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم فإن الحاجة داعية إلى هذا ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .

المسألة الثانية : يجب الرمي بسبع حصيات فإن نقصن يجب عليه الرجوع لإتمام ما نقص ، وهذا قول الجمهور أيضاً .

وأما الأثر الوارد عند النسائي من حديث مجاهد عن سعد قال : منا من رمى بست ، ومنا من رمى بسبع ، ولم يعب بعضنا على بعض . هذا الأثر منقطع ، فإن مجاهداً لم يسمع من سعد ، وقد أنكره الإمام ابن التركماني في الجوهر النقي ، وبين وجوب الرمي بسبع حصيات ، لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الاقتداء به .

المسألة الثالثة : يستحب حين الرمي أن يجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره، جاء هذا مصرحاً به في الصحيحين من حديث ابن مسعود .

المسألة الرابعة : له رمي جمرة العقبة من أي جهة شاء إذا تأكد وقوع الحصى في موضع الرمي، ولذلك يقال : لو تكاثر الحصى لا مانع من الرمي عليه ، إذ لا يشترط وضعها في نفس الحوض، لأن هذا الحوض لم يكن معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد الصحابة ولا في عهد التابعين ولا في عهد الأئمة الأربعة ، وإنما أحدث أخيراً ، فالمطلوب هو وضع الحصى عند العمود الممتد وهذا ليس خاصاً برمي جمرة العقبة بل بالجمرة الدنيا والوسطى والعقبة أيضاً .


المسألة الخامسة : لا يجزء وضع الحصى وضعاً في المرمى لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى ، فيجب عليك أن ترمي بما يسمى باللغة أو العرف رمياً ، وأما مجرد وضع الحصى فهذا غلط .

المسألة السادسة : ما الحكم لو رمى السبع بقذفة واحدة ؟ .
الحكم أنها تحتسب له واحدة ، فعليه أن يرمي ستاً أخرى ، يرمي كل حصاة على حدة ، وهناك أيضاً بعض المسائل المتعلقة في الرمي سوف نذكرها إن شاء الله فيما بعد .

قوله : [ ثم انصرف إلى المنحر فنحر ] :

المستحب في يوم النحر أن يبدأ الحاج أولاً بالرمي ثم يثني بالنحر ، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قـال الله تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ثم يُلث بالحلق وهذا لم يذكره جابر بن عبدالله ولكنه ذكره غيره وتواثر عن النبي صلىا لله عليه وسلم أنه حلق بعدما نحر ثم ربع النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف بالبيت ، فلو قدم شيئاً من هذه الأمور على بعض جاز ، سواء كان لعذر أم لغير عذر كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سئل عن شيء قدم أو أخر في هذا اليوم إلا قال افعل ولا حرج .

هذا يدلنــا على أن أعمــال الحــج مبنية على التسامح والتساهل ، قال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، وكلمة (حَرَجٍ ) نكــرة وقعت بعد ( مِنْ ) في سياق النفي ، والنكرة إذا وقعت بعد ( مِنْ ) في سياق النفي تفيد العموم ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا حرج » ربما يقال إن هذا للمعذور ، ومن فعل هذا جهلاً ، ولكن قوله « افعل » تنفي التوهم وتدل على أن التقديم والتأخير يجوز مطلقاً لأنه يشق على الناس الترتيب .

قوله : [ فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ] :
هكذا قال جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في مكة بينما قال ابن اعمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في منى ، وقد جمع بينهما بعض أهل العلم فقال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاتين ، أدركته الصلاة بمكة فصلى بهم ، ورجع إلى منى وهم ينتظرونه فصلى بهم ، وذهبت طائفة إلى ترجيح حديث جابر على غيره ، لأن جابراً رضي الله عنه قد عُني بحجة النبي صلى الله عليه وسلم فكان قوله أرجح من قول غيره ، وذهبت طائفة ثالثة إلى ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر لأن أكثر الأخبار على حديث ابن عمر .

ولذلك نقول : إن أمكن الجمع بينهما بأن يقال : بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاتين وحـدث كل صحابي بما رأى فهذا أمر مطلوب ، فقد قال في (المراقي) :
والجمع مطلوب متى ما أمكنا *** وإلا فللأخير نسخٌ بيناً
وإلا فكون النبي صـلى الله عليه وسلم صلى في منى أرجح لأن الأحاديث في هذا أكثر ، وقد قال في ( المراقي ) :
وكثرة الدليل والرواية *** مرجحٌ لدى ذوي الدراية



693- وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار .


هذا الخبر رواه الإمام الشافعي والبيهقي والدارقطني والبغوي في شرح السنة كلهم من طريق صالح بن محمد عن عمارة بن خزيمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم به .

وصالح بن محمد قال عنه الإمام أحمد : ما أرى به بأساً ، ولكن قال عنه الإمام البخاري رحمه الله : منكر الحديث ، وقال عنه النسائي ضعيف ، وضعفه أيضاً الدارقطني وغيره . وقال أيضاً الإمام أبو محمد بن حزم في عمارة بن خزيمة بأنه مجهول ولا يدرى من هو ، وفي هذا نظر . فقد وثقـه الإمام النسائي ولم يطعن فيه أحد ، وروى عنه جمع من الثقات ، ووثقه العجلي ، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال عنه ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث ، فمثله أقل ما يقال عنه بأنه صدوق .

والخـلاصة : أن الخبر إسناده ضعيف لحال صالح بن محمد ، فإذا ثبت ضعفه فلا يشرع العمل به ، لأن الله جل وعلا إنما تعبدنا بالأحاديث الصحاح دون الضعاف ، ولكن لا ريب أن الله جل وعلا شرع لنا الاستغفار عقب الأعمال الصالحة ، كما في قول الله جـل وعلا : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } . وقد كان رسول الله يستغفر ثلاثاً عقب كل صلاة مفـروضـة . رواه الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها .

694- وعـن جـابـر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : «نحرت ها هنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم ، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف » . رواه مسلم .
قال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي عن جعفر بن محمد قال : حدثني أبي عن جابر بن عبد الله به .
ورواه أبو داود عن الإمام أحمد بن حنبل قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد به ، ورواه ابن ماجه في سننه من طريق وكيع قال : حدثنا أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « منى كلهـا منحـر، وكـل فجـاج مكة طريق ومنحر » .

قوله : « نحرت ها هنا ومنى كلها منحر » :
أي فلا أفضلية لموضع دون موضع ، وقد ذهب جماهير العلماء إلىأن النحر يصح في جميع الحرم ، لقوله في رواية ابن ماجه : « وكل فجاج مكة طريق ومنحر » ولقول الله جل وعلا : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } ، وقال تعالى : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } أي في الحرم ، فليس النحر خاصاً بمنى ، بل قال الحبر عبد الله بن عباس : كان النحر بمكة فنزهت عن الدماء فصار في منى . وهذا إسناده صحيح إلى ابن عباس .


وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم النحر خارج الحرم ، فذهب الجمهور ومنهم الأئمـة الأربعة إلى أنه لا يجزئ ، وذهب الإمام الطبري إلى الإجزاء، وقول الجمهور أحوط ، فلا ينحر المسلم إلا بالحرم ، سواء كان في منى أو مزدلفة أو في مكة ، كل هذا لا مانع منه .

قوله : « ومنى كلها منحر » :
حدود منى من الجهة الغربية العقبة ، ومن الجهة الشرقية وادي محسر عند الجمهور ، وعند طائفة أخرى المزدلفة ، ومن الجهة الشمالية والجنوبية الجبلان المرتفعان .

قوله : « ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف » :
وهذا من سماحة الشريعة ويسرها ، حيث لم يشق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته فيلزمهم بموقف معين ، بل وسع الأمر لهم وأذن لهم بالوقوف بعرفات في كل موضع منها ، والأفضل للمسلم في هذا اليوم أن يقف عند الصخرات لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأن يستقبل القبلة فلا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس فإن هذا اليوم يوم مشهود يباهي الله جل وعلا بعباده الملائكة ، ويكون الشيطان في هذا اليوم حقيراً ذليلاً لما يرى من سعة فضل الله على عباده وإحسانه عليهم ومغفرته لذنوبهم وتكفيره لسيئاتهم ، والوقوف بعرفة من حيث العموم ركن من أركان الحج على خلاف بين الفقهاء في مقدار الوقوف وفي بدايته ، فذهب جمهور العلماء إلى أن الوقوف بعرفة يبتدئ من زوال شمس اليوم التاسع ولا ينتهي إلا بطلوع الفجر من يوم النحر ، وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه يبتدئ من طلوع الفجر ، ومن وقف قبل الزوال فقد صح وقوفه ، وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى ركنية الجمع بين الليل والنهار ، وقد تقدم الإشارة إلى هذه القضية في الكلام على حديث جابر وقد سبق .


قوله : « وقفت ها هنا وجمع كلها موقف » :
المراد ( بجمعٌ ) هنا المزدلفة ، فإن الناس يجتمعون فيها ، ومدة الاجتماع من بعد غروب الشمس إلى غياب القمر للمعذور ولغيره إلى أن يسفر جداً قبل أن تطلع الشمس ، والحديث صريح في عدم وجوب الوقوف عند المشعر الحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « وجمع كلها موقف » فحيثما وقفت صح وقوفك .
والمراد بالوقوف هنا المكث والإقامة .

واختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم المبيت بالمزدلفة ، أما المعذور فقد تواترت فيه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدفع بعد غياب القمر ، ويحدده بعض الفقهاء رحمهم الله بمنتصف الليل ، وأما غير المعذور فالراجح فيه أنه يجب عليه المبيت بالمزدلفة ، وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله ، أما الإمام أبو حنيفة فقال : إن المبيت بمزدلفة سنة وليس بواجب .


وذهب فريق ثالث من العلماء إلى أن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا بــه ، وقد استدل أصحاب هذا القول بحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه قال : قال رسول الله : «من شهد صلاتنا هذه ـ يعني بالمزدلفة ـ فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً ، فقد تم حجه وقضى تفثه». رواه أهل السنة وسيأتي وإسناده صحيح ، وهذا هو اختيار الإمام ابن خزيمة رحمه الله وفيه نظر . والحق أن الوقوف بمزدلفة واجب وليس بسنة ولا بركن ، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة على حديث عروة بن مضرس .





695- وعن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها ، وخرج من أسفلها . متفق عليه .

قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا الحميدي ومحمد بن المثنى قال : حدثنا ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .
وقال الإمام مسلم : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام به.
وجاء في الصحيحين مـن طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله دخل مكة من كداء من الـثنية العليا ، وكان يخرج من الـثنية السفلى .
وقد قال بعض أهل العلم باستحباب هذا ، فيتقصد الدخول من الثنية العليا والخروج من الثنية السفلى .
وذهب بعض العلماء إلى أن هذا لا يستحب لأن هذا الفعل لم يقع تقصداً ، إنما هذا الفعل وقع من غير قصد ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا لأنه أسهل له ، ولذلك ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه عن هشام بن عروة عن أبيه : أنه كان يدخل من كلتيهما . ولعل هذا القول أقرب إلى الصواب ، ولكن لو أن إنساناً أراد أن يتأسى بالنبي فدخل من الثنية العليا أجر على هذا ، فهناك فرق عند المحققين بين التأسي الخاص الذي هو السنة ، وبين التأسي العام .



يتبع





























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






696- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ، ويذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . متفق عليه .

قال البخاري رحمه الله : حدثنا مسدد قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر .
وقال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا أبو الربيع الزهراني قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به .
والخبر يدل على استحباب الغسل عند دخول مكة ، وقد نقل الإمام ابن المنذر رحمه الله الإجماع على استحبابه ، وقد جاء عند الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة ، وهذا الحكم عام بالعمرة والحج ، سواء قدم المعتمر أو الحاج من طريق المدينة أو من غيرها وقد استحب بعض الفقهاء دخول مكة نهاراً ، وذلك لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يبيت بذي طوى حتى يصبح ، ثم يغتسل ويدخل مكة نهاراً .

ولكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ليلاً ، وذلك في عمرة الجعرانة ، وربما يكون دخوله مكة نهاراً من باب الموافقة لا من باب التقصد ، ولعل هذا أرجح ، لأن مجرد دخوله مكة نهاراً لا يدل هذا على الاستحباب ، ويؤيد هذا أنه في عمرة الجعرانة دخل مكة ليلاً ، والحديث دليل على حرص عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على اتباع هدي رسول الله وقد حفظ رضي الله عنه سنية الاغتسال عند دخول مكة ، ولولا حفظ ابن عمر لهذه السنة لاندثرت، فلم يروها غيره ، وقد جاءت هذه السنة عن ابن عمر رضي الله عنهما فعلاً وقولاً فقد كان يغتسل ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل هذا .

وفي رواية الحاكم السابقة : جعل هذا من السنة . يعني سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
وإذا فات الغسل عند دخول مكة أو بذي طوى فلا مانع أن يغتسل فيما بعد ، وإذا شق الغسل أيضاً فلا مانع أن يعتاض عنه بالوضوء لأن المقصود من الغسل النظافة والتعبد لله جل وعلا ، وإذا لم يتيسر قام عنه الوضوء ، وإن لم يأخذ حكمه من كل وجه .
وأما إذا تعذر الوضوء فإنه يسقط حينئذٍ ولا يشرع التيمم .

697- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يُقبل الحجر الأسود ويسجد عليه.

هذا الخبر رواه الحاكم في مستدركه من طريق أبي عاصم النبيل عن جعفر بن عبد الله قال : رأيت محمد بن عباد بن جعفر قَـبَّـل الحجر وسجد عليه وقال : رأيت خالك ابن عباس قبل الحجر وسجد عليه .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وسجد عليه ، ثم قال عمر رضي الله عنه : هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ففعلت .

ولكن هذا الخـبر معلول بعلتين :
العلة الأولى : ذكر الحاكم رحمه الله في مستدركه أن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم ، وهذا وهم منه رحمه الله ، فإن المحفوظ أنه ابن عثمان كما صرح بذلك الدارمي في روايته ، ورجح هذا الحافظ ابن حجر في ( التلخيص ) وقد سبقه إلى هذا الإمام العقيلي رحمه الله .
والخبر رواه الشافعي ومن طريقه الإمام البيهقي عن سعيد عن ابن جريج عن أبي جعفر عن ابن عباس موقوفاً ، ورجـاله كلهم ثـقـات ، وقد صرح ابن جـريـج السماع من أبي جعـفر كـما عـند عـبد الـرزاق في ( المصنف ) .

العلة الثانية : الخبر المرفوع فيه اضطراب ، ذكر ذلك الإمام العقيلي وغيره من الحفاظ ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في السجود على الحجر الأسود ، فجميع الأخبار الواردة في هذا الباب ضعيفة ومضطربة ، وإنما المحفوظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحجر الأسود ، وحفظ عنه أنه استلمه ، وحفظ عنه أيضاً أنه أشار إليه ، وأما الخبر المشهور أيضاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل الحجر الأسود وجعل يبكي فالتفت إلى عمر فإذا هو يبكي فقال : « يا عمر هنا تسكب العبرات » فإنه خبر منكر . رواه ابن ماجه وغيره .

والمحفوظ في السجود على الحجر أنه من فعل الحبر عبد الله بن عباس وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية السجود على الحجر الأسود ، وربما أن أصحاب هذا القول يرون صحة الأحاديث الواردة في هذا الباب. وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن السـجود على الحجر الأسود بدعة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ، وما فعله خلفاؤه الراشدون إنما جاء هذا الفعل اجتهاداً من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .

والأقرب في هذا أنه لا يقال بأنه مستحب كما قاله بعض أهل العلم ، ولا يقال بأنه بدعة ، لأن ابن عباس فعله ، بل يقال بالجواز ، فمن فعله فلا شيء عليه ومن تركه فيقال : هذا أفضل .


698- وعنه رضي الله عنه قال : أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم : أن يرملوا ثلاثة أشواط ، ويمشوا أربعاً ، ما بين الركنين . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به .

وقال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا أبو الربيع الزهراني قال : حدثنا حماد بن زيد به .
والحـديث يدل على مشروعية الرمل ، وبهذا قال جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في ( فتح الباري ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس بسنة ، إن شاء رمل وإن شاء ترك .

وقول الجمهور أصح ، فإن أقل الأمر بقوله : أمرهم رسول الله ، أن يُحمل على الاستحباب ، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : ما لنا وللرمل ، رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ، ثم قال : شيءٌ صنعه رسول الله لا نحب أن نتركه. رواه البخاري رحمه الله في صحيحه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر به .


وقد ثبت أن رسول الله رمل في حجة الوداع ففي صحيح الإمام مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال : حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً . فهذا الخبر يقتضي سنية الرمل وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لإغاظة المشركين وإظهار قوة المسلمين ، وقد أذل الله الشرك وأهله ، فلا يدخل البيت الحرام مشرك أبداً ، فبقي الحكم سنة إلى يوم القيامة وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، إلا أن الرمل وهو المشي السريع مع مقاربة الخطى لا يكون إلا في طواف القدوم ، وأما ما عدا هذا فلا يُشرع فيه الرمل وقد نقل بعض أهل العلم الاتفاق على هذه القضية . والرمل لا يشرع إلا في الثلاثة الأُوَل.

ولم يذكر عن امرأة من الصحابة أنها رملت ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم رغبها بهذا أو جاء هذا عن أحد من الصحابة ، وكل الأحاديث الواردة والأخبار المأثورة تشهد أن هـذا الحكم خاص بالرجال ، وقد نقل بعض الفقهاء الإجماع على هذا ، وهـذا الرمل مستحـب غير واجب ، واما كـونه خـرج بيانـاً لمطلـق الأمـر لـقـول الله جـل وعـلا : { وَلْيَطَّوَّفُوا } فلا يدل هذا على الإيجاب ، كما سبق تقرير هذه القاعدة . والله أعلم .

699- وعـن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان يطوف بالبيت الطواف الأول ، خب ثلاثاً ومشى أربعاً .

وفي رواية : رأيت رسول الله إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة . متفق عليه .
هذا الحديث غير موجود في بعض نسخ البلوغ ، ولكن الراجح إثباته ، وذلك لوجوده في أكثر النسخ ، خصوصاً النسخ القديمة ، ومن ثم شرحه العالم الصنعاني رحـمه الله ودل على وجوده في نسخته ، وهي نسخة قديمة .


وهذا الخبر متفق على صحته ، قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون قال : حدثنا عيسى بن يونس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن نمير قال : حدثنا أبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به .

والحديث دليل على مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأُوَلْ ، وقد تقدم في حديث ابن عباس أنه يمشي بين الركنين ، وهذا في أول الأمر ، ثم نسخ بفعله في حجة الوداع ، وقد خب الثلاثة الأول كما في صحيح الإمام مسلم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ثم أتينا البيت فخب رسول الله ثلاثة أشواط ومشى أربعة .
وقد تقدم أن الرمل مستحب عند الجمهور ، وأما الحبر عبد الله بن عباس فيقول إنه ليس بسنة ، من شاء رمل ، ومن شاء ترك ، والحق ما ذهب إليه الجمهور، وقد كانت بداية مشروعية الرمل بقصد إغاظة المشركين ، فحين قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة قال المشركون : يقدم عليكم محمد واصحابه قد وهنتهم الحمى وكان المشركون عكوفاً عند الحجر ، فأمر الرسول أصحابه أن يرملوا الثلاثة الأُول ليُرُوا المشركين قوتهم وجلدهم وأن يمشوا بين الركنين حين لا يراهم المشركون ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا الفعل سنة إلى يوم القيامة ، وذلك حين رمل في حجة الوداع .
ونأخذ من هذا : مشروعية إغاظة المشركين ولو عن طريق العبادات ، فمثل هذا لا يسمى رياءاً ولا سمعة ، قال تعالى : { وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } .


ونأخذ منه أيضاً : أن الرمل لا يُشرع إلا في طواف القدوم ، لقوله : أول ما يقدم .
ولذلك لم يرمل النبي صلى الله عليه وسلم بطواف الزيارة ، ولكن رمل في القدوم، فلو كان الرمل مشروعـاً لكل طواف لرمل النبي صلى الله عليه وسلم في غير طواف القدوم ، وحد الرمل هو الإسراع مع مقاربة الخطى ، ويسقط الرمل في أوقات الزحام ، ويكتب له الأجر كاملاً إذا كان من نيته الرمل ، والرمل خاص بالرجال ، فليس على النساء رمل كما أنه ليس على النساء جري بالمسعى بين العلمين ، لأن هذا يؤدي إلى انكشاف العورة وإلى غير ذلك من المفاسد .

700- وعنه رضي الله عنه قال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين .

لقد اقتصر المؤلف رحـمه الله في عزو هذا الحديث لمسلم ، وهذا الخبر قد اتفق الشيخان على تخريجه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه به .
وقـال الإمـام مـسلـم رحـمه الله : حـدثنا قـتـيبة بن سعيد قال : حدثـنا الليث بن سعـد به .
وكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يستلم إلا الركنين اليمانيين لأنهما بنيا على قواعد إبراهيم عليه السلام ، وسميا يمانيين تغليباً ، وإلا فالحجر الأسود يسمى الشرقي وقد قال الإمام أحـمد في مسنده : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عمـر أن الـنبي صلى الله عليه وسلم قال : « استلام الركنين يحطان الذنوب » . وهذا إسناده صحيح .
وعطاء ابن السائب قد اخـتلط في آخر عمره ، ولكن رواية سفيان عنه قبل الاختلاط ، فالخبر صحيح .
ولا يقول شيئاً عنـد استلام الركن اليماني كما يفعل بعض الناس من قولهم :بســم اللـه ، أو الله أكبر ، السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستلم الركن اليماني ولا يقول شيئاً .

وأما الحجر الأسود فالسنة أن يقتصر على التكبير دون التسمية ، لأنها لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما جاءت من فعل ابن عمر ، والأحاديث الصحاح لم تذكر شيئاً في هذا عن رسول الله ، وإنما يقتدي المسلمون برسول الله ، قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ، فبـما أن رسول الله اقتصر على التكبير وتواتر الأمر عنه ، فالواجب الاقتصار على فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيضاً التكبير مرة واحدة خلافاً للجهال الذين يكبرون ثلاثاً وعشراً وأيضاً التكبير يكون عند المحاذاة ، وكلٌ بحسبه لا يشترط بلوغ الخط لأن هذا لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة ولا على عهد التاتبعين، إنما هو خط وضع اجتهاداً لا أصل له ، والعبرة بالمحاذاة وكل بحسبه، والتكبير عند الحجر الأسود سنة وليس بواجب ، وقد نقل غير واحد الإجماع على هذا .



يتبع





























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






701- وعن عمر أنه قبل الحجر وقال : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك . متفق عليه .


قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان الثوري عن سليمان الأعمش عن إبراهيـم عن عابس بن ربيعة عن عمر بن الخطاب به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال : حدثنا ابن وهب عن عمرو عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن ابن عمر .
ورواه البخاري رحمه الله من طريق زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر .
ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به .

قوله : [ قـبَّـل الحجر ] :
فيه استحباب تقبيل الحجر ، وأما البكاء عليه والسجود فقد تقدم أن الأخبار في هذا لا تصح ، وأنها كلها معلولة .
والحجر الأسود نزل من الجنة ، ولما نزل كان أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا أهل الإشراك كما جاء هذا عند الترمذي من حديث ابن عباس ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .

قوله : [ إني أعلم أنك حجـرٌ لا تضر ولا تنفع ] :

المعنى أراد أمير المؤمنين بهذا أن يوضح للداخلين في الإسلام وللجهال أن الأحجار لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً ، ونحن لا نُقبل الحجر الأسود لأنه حجر ، وإنما نقبله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قـبَّـلهُ تعبداً لله جل وعلا ، وإلا فتقبيل الأحجار غير مشروع وتعظيمها من الوثنية ، ولذلك قال أمير المؤمنين : ( ولولا ) ولولا حرف امتناع لوجود غيره [ ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ] فلذلك طارت بهذه الكلمة الركبان وسارت مسير الشمس وانتفع بها أممم كبيرة وجموع غفيرة .

وفيه دقة نظر الصحابة رضي الله عنهم بمعرفة التوحيد ومعرفة غاياته ومقاصده.

702- وعن أبي الطفيل قال : رأيت رسول الله يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ، ويقبل المحجن . هذا الخبر رواه الإمام مسلم في صحيحه .

قال مسلم رحـمه الله : حدثنا محمد بن المثنى قال : أخبرنا سليمان بن داود عن معروف بن خرَّبوذ عن أبي الطفيل .

ورواه أحـمد وأبو داود وابـن ماجه وابن خزيمة كلهم من طريق معروف بن خربوذ ، وأبو الطفيل اسمه : عامر بن واثلة من صغار أصحاب رسول الله ، قيل إنه ولد عام أحد ، وأما وفاته فقد قيل إنه آخر الصحابة وفاتاً ، فقد توفي سنة عشر بعد المئة ، وقيل غير ذلك .

وقد جاء في الباب خبر ابن عمر عند الإمام مسلم من طريق أبي خالد الأحمر عن عبيد الله بن عبد الله عن نافع قال : رأيت عبد الله بن عمر يستلم الحجر بيده وقبل الحجر بيده وقال : لو لم أكن رأيت رسول الله يفعله ما فعلته .

والخبر يدل على مشروعية تقبيل ما مس الحجر من محجن أو يدٍ أو غيرها ، وهذا إذا لم يتيسر تقبيل الحجر ، وإلا فالمشروع أولاً تقبيل الحجر فإذا لم يتيسر شرع استلامه إما باليد أو بالعصا ونحو ذلك وشرع حينئذٍ تقبيل ما استلمته به ، فإن لم يتيسر أشير إليه إشارة ولا تقبل ما أشرت به ، ولا يُشرع تقبيل ما لم يمسه وإنما شرع تقبيل ما مسه تعظيماً للحجر الأسود لأنه نزل من الجنة ، وإلا فتقبيل الأحجار والعصي وما شابه ذلك فإنه غير مشروع وإنما المشروع تقبيل الحجر تعظيماً لله ، وتعظيماً لهدي رسول الله .

وقـد جاء عن الإمـام الترمذي رحـمه الله : مـن طـريق عبد الله خثيم عن سعيد بن جبير عـن ابن عباس أن النبي صلى الله عـليه وسـلم قال في الحجر الأسود : « ليبعثنه الله يوم القيامة له لسان ينطق به وعينان يبصربهما ، يشهد على من استلمه بحق » أي : يشهد على من استلمه بحق دون أذية للآخرين ، ويكون أحد الشهداء الذين يستشهدون على أعمال العبد .

فيتلخـص عندنا ثلاث مراتب للحـجـر الأسود :

المرتبة الأولى : مشروعية تقبيله ولم يرد تحديد عدد للتقبيل ، فـالأولى مرة واحدة ، إذا لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أكثر من مرة لنقل إلينا ، والمشروعية تصدق بمرة واحدة ، كما إن الواجب يصدق فعله بمرة واحدة ما لم يـدل دليل على قـصد التكرار ، وأما السجود عليه أو البكاء فلم يثبت في هذا خبر كما تقدم تقريره .

المرتبة الثانية : استلامه باليد أو بالعصا ونحو ذلك ، وذلك إذا شق تقبيله فإنه لا يشرع للمسلم أن يزاحم الناس من أجل تقبيل الحجر ، لأنه ربما ارتكب محرماً بزحامه وأذيته للآخرين ليفعل سنة ، وهذا عين الجهل حيث يفعل المرء سنة ويرتكب محرماً ، فالفقيه كل الفقيه الذي يدع السنة لئلا يقع في المحرم .

أما الـمـرأة فهي أشد من الرجال في هذه القضية فيجب عليها البعد عن مواطن مزاحمة الرجال ، خصوصاً عند استلام الحجر الأسود ، فنقول : إذا تعسر تقبيل الحجر الأسود استلمه بيده أو بعصا وقبّل ما استلمه به .

المرتبة الثالثة : الإشارة إليه بدون استلام ، وحينئذ لا يشرع له ولا يجوز له تقبيل ما أشار به إذا لم يستلمه ويقتصر مع الإشارة على التكبير مرة واحدة كما سبق ذكره ، والمشروع في التكبير عند المحاذاة وكل بحسبه ، فمن كان في نظره أنه حاذاه كبر . والناس يتفاوتون بالرؤية ، وهذا من الحكم التي يستحق عليها ربنا الحمد فإن في تفاوتهم بالرؤية والنظرة للاستقبال مما يعطي متسعاً لدفع الزحام ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، والاستلام والتقبيل والإشارة والتكبير كلها مستحبات فمن شق عليه شيء منها تركها ومضى .


703- وعن يـعلى بن أمـيـة قال : طاف رسول الله مضطبعاً ببـرد أخضـر .

هذا الخبر رواه الإمام أحـمد وأبو داود وابن ماجه من طريق سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه به . ورواه الترمذي في جـامعه من طريق قبيصه عن سفيان عن ابن خريـج عن عبدالحمـيد عن ابن يعلى به .
وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وليس عند الترمذي ذكر (الأخضر).
والخبر يدل على على مشروعية الاضطباع وللخبر شاهد رواه أبو داود في سننه من طريق حماد بن سلمة عن عبد الله بن خُثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرة الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوا بها على عواتقهم اليسرى .

وهذا الخبر إسناده جيد ، وفي عبد الله بن خثيم اختلاف ، فقد وثقه جماعة وضعفه آخرون ، وقد صحح له الترمذي رحـمه الله .

وهذا الخبر يدل على مشروعية الاضطباع في طواف القدوم ، فيجعل طرف إزاره الأيمن تحت إبطه الأيمن ويـقذف به علىعاتفه الأيسر ، وهذا الاضطباع سنة وليس بواجب ، وينتهي الاضطباع بانتهاء الطواف ، فما يفعله بعض الناس من الاضطباع عند الركعتين وفي المسعى هذا خلاف السنة ، وكذلك يقع من بعض الجهال اضطباع عند الإحرام ، وهذا غلط وخلاف السنة ، فالسنة بالاضطباع أن يكون عند الطواف وينتهي بانتهائه .

وفي حديث الباب دليـل على جواز الإحرام بالأخضر ، ويصح الإحرام بأي لــون ، من أخضر وأحمر أو أسود ، ولكن الأفضل الإحـرام بإزار ورداء أبيضين ، وقـد تـقـدم عندنـا حـديث ابن خثـيم عـن سعـيد بن جـبير عـن ابن عبـاس أن النبي صلى الله علـيه وسلم قـال : « خير لباسكم البياض وكفنوا فيها موتاكم » ، فخير لباس المرء البياض ، فيشمل هذا الحديث الإزار والرداء والثوب والعمامة وغير ذلك من الملبوسات ، اما الـمـرأة فتلبس ما شاءت من الثياب ، فليس للمرأة ثياب خاصة تحرم بها إلا أن الـمـرأة تـجـتـنب ثياب الزينة التي تفتن الناضرين كما قال تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } . فالواجب على الـمـرأة أن تخفي زينتها الظاهرة كما تخفي زينتها الباطنة .

وقد أجمع العلماء رحـمهم الله إلى أن الاضطباع خاص بالرجال ، واتفقوا على أن الرجل وكذا الـمـرأة يحرمان بـمـا شاءا من الثياب .

704- وعــن أنس رضي الله عنـه قال : " كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ، ويكبر منا لمكبر فلا ينكر عليه " . متفق عليه .

قال البخاري رحمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن محمد بن أبي بكر أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة : ماذا كنتم تفعلون مع رسول الله في هذا اليوم ؟ فقال أنس : كان يُهل ... الحديث .
وقال مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن محمد بن أبي بكر به .
والخبر يدل على مشروعية التلبية والتكبير في يوم عرفات ، وقد ذكر بعض الفقهاء بأن التلبية تنقطع في هذا اليوم وهـذا الحـديث ردٌ عليه .
وفي الحديث دليل على أن التلبية لا تلزمك هذا اليوم فيقوم مقامها التكبير ، فإن المقصود في هذا اليوم تعظيم الله جل وعلا ، وهذا يحصل بالتكبير أو التلبية أو غير ذلك مما يعظم به الله جل جلاله .

قوله : [ فلا ينكر عليه ] :
في هذا دليل على أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يقرون منكراً ، لأن أنساً رضي الله عنه احتج على جواز مشروعية التكبير والتلبية في هذا اليوم بأن الرجل كان يلبي ، وكان يهل ولا ينكر عليه إذ لو كان هذا الفعل غلطاً ومخالفاً للسنة لبادر الصحابة رضوان الله عليهم إلى الإنكار عليه .

فإن قال قائل : لعل الصحابة لم ينكروا رجاء إنكار النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع فعلهم ، فنقول في هذا نظر من وجوه :

الـوجه الأول : لو سلمنا تسليماً جدلياً بأن الرسول الله لم يسمعـهم فربنا يقول : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا(64) } .

الوجه الثاني : لو سلمنا أيضاً في الـمقدمة الأولى فلا بد أن الصحابة رضي الله عنهم ، حصل عندهم أحد الأمرين : إما أنهم تيقنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع فسكتوا ، وإما أنهم تيقنوا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعه فأجمعوا على جواز هذا الفعل إجماعاً سكوتـياً ، وإلا على الأقل لذهب بعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله منا المكبر ، ومنا المهل ، هل هذا جائز ؟ فلما لم يقع هذا الفعل علم اجماع الصحابة رضي الله عنهم بالسنة الإقـرارية مـن رسول الله على جواز ذلك .

الوجه الثالث :
أنه لا يوجد دليل أصلاً في النهي عن فعل أحد الأمرين في هذا اليوم بل كله جائز ، سواء لبى الإنسان أو سبح أو كبر أو هلل أو عظم أو مجد كل هذا جائز .

وفي الحديث دليل على اشتغال الصحابة رضي الله عنهم بالذكر في هذا اليوم فيشرع للمسلم في يوم عرفات أن يشغل نفسه بالذكر ، ولا يضيع لحظة من عمره بقيل وقال ، أو التفرج على الذاهبين كل هذا غلط ، السنة في هذا اليوم الاشتغال بذكر الله جل وعلا ودعائه .



705- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل أو قال : في الضعفة من جمع بليل " . متفق عليه .

قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به .
قال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا سفيان بن عينية ، قـال : أخبرنا عمـرو عن عـطاء عـن ابن عباس به .
وفي الباب حديث ابن عمر في الصحيحين من طريق يونس عن الزهري عن سالم ، قال : كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقدم ضعفة أهله بليل فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة فيذكرون الله ما بدا لـهم ثم يدفعون قبل الإمام ، وقبل أن يدفع الناس فمنهم من يقدم منى قبل الفجر ومنهم من يقدم بعد الفجر ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، قال عبد الله : أرخص في أولئك رسول الله .

وفي الباب حديث أسماء في الصحيحين : " أنها رمت قبل الفجر ، وقالت : أذن رسول الله للظعن " .
وهذه الأخبار تدل على جواز دفع الضعفة من المزدلفة بليل ، وقد حدده بعض الفـقـهاء بمنتصف الليل ، والحـق تـحديـده بغـيـبوبة القمر ، فإن أسماء كانت تقول: " لمولاها هل غاب القمر ، فإذا قال : لا ، قامـت : تصلي فإذا صلت ساعة ، قالت : هل غاب القمر فلما قال : نعم ، دفعت " .

فالذي يظهر أن عند أسماء علماً بأن الدفع لا يجوز إلا بعد غيبوبة القمر ، سواء كان الوقت صيفاً أم شتاءً ، ويدفع مع الضعفة من كان تابعاً لـهم ، وذلك للقاعدة : " يدخل الشيء ضمناً ، وتبعاً ما لم يدخل استقلالاً " .

فربما يكون التابع قوياً فلا مانع حينئذٍ أن يدفع مع الضعفة إذا كان تابعاً لـهم . وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمزدلفة إذا لو لم يكن واجباً ، ما كان للرخصة معنى في حق الضعفاء ، وبوجوب المبيت بمزدلفة قال الإمام أحـمد وإسحاق والشافعي وجماعة من الأئمة بل ذهب الإمام الشعبي إلى ركنية المبيت بمزدلفة ، وهذا اختيار الإمام ابن خزيمة ومال إليه ابن المنذر رحـمه الله .

وذهب بعض العلماء إلى سنية المبيت بمزدلفة ، وفي هذا نظر وأحاديث الباب تدفع هذا القول إذا لو كان المبيت بمزدلفة سنة لما كان لترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفاء قبل الدفع معنى ، فلما رخص النبي صـلى الله عـليه وسلم للضعفاء علم عدم الترخيص للأقوياء .

وفي حديث ابن عمر وأسماء دليل على جواز الرمي لـمن قدم منى قبل أن يطلع الفجر ، وبهذا قال الإمام الشافعي وطائفة من أهل الفقه والنظر ، وذهب الإمام أبو حنيفة رحـمه الله إلى أنـه لا يـرمي حتى تطلع الشمس مستدلاً بحـديث ابن عباس : " لا ترموا حتى تطلع الشمس " . وسيأتي إن شاء الله بيان ضعفه ، وبقوله قال الجمهور : إلا إنهم جوزوا الرمي بعد طلوع الفجر ، ولو لم تطلع الشمس وأما قبل طلوع الفجر فيرون أن الرمي غير مجزي ، بل تجب الإعادة وحديث ابن عمر يدفع قولهم وإذا ضم إليه حديث أسماء وأنها رمت قبل الفجر عُلم حقيقة جواز الرمي قبل طلوع الفجر .




يتبع





























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






706- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " استأذنت سودة رسول الله ليلة مزدلفة : أن تدفع قبله ، وكانت ثبطة ـ يعني ثقيلة ـ فأذن لـها " . متفق عليه.


قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا القعنبي ، قال : أخبرنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة به .
والخبر يدل على ما دل عليه حديث ابن عباس ، من جواز دفع الضعفة ليلاً من المزدلفة فقد استأذنت سودة وهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم بأن تدفع ليلاً من المزدلفة فأذن لـها النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الحاجة ، فإن الحاجة تبيح المحظور ولم يذكر في هذا الخبر هل رمت حين دفعت أم لم ترمِ ، ولكن نأخذ الحكم من أحاديث أخرى كحديثي ابن عمر وأسماء وقد سبق ذكرهما .

والخبر يدل على وجوب المبيت بمزدلفة ليلة المزدلفة ، إذ لو لم يكن واجباً لما كان لاستئذان سودة معنى ، وقد يكون طلب سودة الأذن من النبي صلى الله عليه وسلم من باب استئذان الـزوجة لزوجها ، فـلا يفيد حينئذٍ الخبر وجوب المبيت بمزدلفة .

707- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال لنا رسول الله : « لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس » .
يقول المؤلف رحـمه الله : رواه الخمسة إلا النسائي وصوابه رواه الخمسة بدون استثناء ، فقد خرجه الإمام النسائي رحـمه الله .
وكلهم قد رووه من طريق الحسن العُرني عن ابن عباس ، والعُرني لم يسمع من ابن عباس ، وقد رواه أحـمد في مسنده والترمذي والطحاوي كلهم من طريق الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس به ، ورواته كلهـم ثـقات ، ولـكنه معلول لم يسمع هذا الخبر الحكم من مقسم .


وله طريق أخرى طريق حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس ، وهو معلول بعلتين :
العلة الأولى : الاضطراب . والعلة الثانية : الشذوذ . فقد جاء خبر ابن عباس في الصحيحين من طرق وليس فيه : " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " .

كما أشار إلى هذا الإمام البخاري رحمه الله في التاريخ الصغير ، فقد أعل خبر ابن عباس وضعفه ، ورأى أنه لا تقوم به الحجة وهذا الحق بلا ريب فالخبر فيه اضطراب وفيه شذوذ ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحـمه الله في فتح الباري بأن للحديث طرقاً وحسنة بمجموعها وحمله على الندب ، وحمل الأحاديث الأخرى على الجواز وهذا الجمع صحيح لو صح الخبر ولكن الخبر منكر ، والحق جواز الرمي لـمن دفع ليلاً من المزدلفة ، ولو كان الرمي ليلاً لا يجوز لبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا بياناً عامـاً ، ولقال لـهم : « ادفعوا ولكن لا ترموا » . وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإن هذا الأمر من المهمات التي يجب بيانها وتوضيحها، فلما لم يقع البيان من النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الرخصة في الرمي ليلاً تبعت الرخصة بالدفع ، وهذا هو الذي فهمه عبد الله بن عمر وأسماء ولا يُعلم لهما مخالف .


وقد اختلف الفقهاء رحـمهم الله في حكم الرمي ليلاً فذهب إلى جوازه الإمام الشافعي رحـمه الله ، وهو الحق الذي دلت عليه النصوص ، وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى المنع ومن هؤلاء من جوز الرمي بعد الفجر ، ولو لم تطلع الشمس ومنهم من منع مطلقاً وقال : لا يرمي حتى تطلع الشمس لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا صحيح بالنسبة للأقوياء ، أما بالنسبة للضعفاء ومن دفع ليلاً ففيه نظر ، وقد تقدم جواز هذا للضعفاء ومن كان تابعاً لـهم .





708- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت " .


هذا الخبر رواه أبو داود من طريق ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به .
والضحاك بن عثمان : صدوق سيء الحفظ قد خرج له مسلم والأربعة ، وقد خولف في هذا الخبر فرواه الإمام الشافعي من طريق الدراوردي عن هشام بن عـروة عن أبيه مرسلاً .
ورواه أيضاً حماد بن سلمة عن هشام فأرسله ، ذكر ذلك الطحاوي والخبر أنكره الإمام أحـمد رحـمه الله ، وقال : ابن القيم رحـمه الله هذا خبر منكر ، وقال الإمام البيهقي : إسناده ضعيف ، وقال ابن التركماني : ضعيف الإسناد مضطرب المتن . وأما قول الحافظ : بأنه على شرط مسلم فهذا فيه نظر إذ أنه لا يلزم من تخريج الإمام مسلم لـهؤلاء الرواة أن يكون الخبر على شرطه ، لأن الإمام مسلماً رحـمه الله يروي بهذا الإسناد أحاديث مع انتفاء العلة عنها ، أما هذا الخبر فعلته ظاهـرة جداً وترجيح إرساله جيد ، وفي متنه اضطراب وقد أنكره الأئمة فكيف يصح مع هذا أن يقال على شرط مسلم والخبر منكر .
والخبر يدل على جواز دفع الضعفة ليلاً من المزدلفة وقد سبق ما يغني عن هذا. ويدل الخبر أيضاً على جواز الطواف بعد الرمي ليلاً ، وهذا المعنى صحيح فمن أذن له بالدفع ليلاً جاز أن يرمي ويطوف بالبيت ، وذهب بعض أهل العلم رحـمهم الله إلى أنه إنما أذن له بالدفع والرمي دون الطواف ، وفي هذا نظر لأن صاحبه لم يذكر دليلاً ، وهل يجوز النحر ليلاً أم لا ؟ الأظهر المنع لأن النحر مقيدٌ بالنهار ، وهل يجوز التقصير لـمن رمى ؟ الجواب : نعم يجوز له أن يقصِّر ويطوف بالبيت ويجعل النحر للنهار .




709- وعن عروة بن مضرس رضي الله عنه قال : قال رسول الله : « من شهد صلاتنا هذه يعني بالمزدلفة ـ فوقف معنا حتى ندفع ، وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه » .

هذا الخبر رواه الخمسة من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عروة بن مضرس وعند أبي داود ، قال الشعبي : حدثنا عروة بن مضرس ، قال أبو عيسى: هذا حـديث حسن صحيح وصححه الإمام الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم .

وقد احتج به الإمام الشعبي على ركنية المبيت بمزدلفة ، وهو اختيار ابن خزيمة وابن المنذر ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من وقف معنا بالمزدلفة وشهد صلاتنا هذه ( وهذا فعل الشرط ) وجواب الشرط فقد تم حجة فمفهومه أن من لم يقف بالمزدلـفة ويـشهد الـصلاة فليس له حج وفي هذا القول نظر وذلك لوجوه :


الوجه الأول : أن الإمام أحـمد نقل اتفاق الناس على خلاف هذا القول ، وأقره شيخ الإسلام رحـمه الله في شرح العمدة .
الوجه الثاني : أن جـواب الشرط لا يتحقق إلا بتحقق فعلي الشرط ، الأمر الأول : الوقوف بالمزدلفة ، والأمر الثاني : الوقوف بعرفات ، ولا يتحقق جواب الشرط إلا بانتفاء الأمرين معاً فعليه لا حجة في هذا الحديث على جعل الوقوف بالمزدلفة ركناً .

الوجه الثالث : أن الحديث اشتراط شهود الصلاة ، وأهل العلم على خلاف ذلك وأصحاب هذا القول أيضاً لا يقولون بركينة شهود الصلاة ، إنما يشترطون موافات المزدلفة قبيل طلوع الشمس .

الوجه الرابع : أنـه ثبت عن عمر بن الخطاب أنه صحح حج من لم يقف بالمزدلفة ، رواه سعيد بن منصور وصححه شيخ الإسلام ، وذكر شيخ الإسلام في شرح العمدة بأن عمر أيضاً لم يوجب عليه دماً أقول ، وهذا مبني على وجوب الدم لـمن ترك واجباً .

الوجه الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن والضعفة أن يدفعوا ليلاً بالمزدلفة ، وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لـمن كان معهم أن يدفع فلو كان المبيت بمزدلفة ركناً لما جاز لتابع أن يدفع فإن العذر يسقط الركينة عن المعذور ، وأما التابع فلا عذر له بل مال شيخ الإسلام في شرح العمدة إلى أن المبيت بالمزدلفة سنة إلا لـمن وافاها بليل فيكون المبيت عليه واجباً ، وأما من لم يأتها إلا مع الفجر أو أتاها بعد الفجر فليس عليه شيء وذلك للعذر .


قوله : « قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه » :
احتج بهذا الإمام أحـمد رحـمه الله في إحدى الروايتين عنه ، أن الوقوف بعرفة يبتدئ من طلوع اليوم التاسع إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر وخالفه بذلك الجمهور ، فقالوا : لا يبتدي الوقـوف إلا بعد الزوال حتى قال ابن عبد البر : بالإستذكار وهذا بالاجماع .

وقد غفل رحمه الله عن خلاف الإمام أحـمد في هذه القضية ، وعن أحـمد رواية توافق قول الجمهور لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف بعرفات إلا بعد الزوال وهذا أمر متواتر عنه .

ونستفيد من الحديث أن الوقوف بعرفات يصحح الحج ولو كان قليلاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ليل أو نهار ، ولم يشترط مدة معينة والسنة للحاج أن يقف بعرفات حتى تغيب الشمس لفعـل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقـد قال : « لتأخذوا عني مناسككم » . والحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر ، وقد اختلف الفقهاء رحـمهم الله في حكم الوقوف بعرفات إلى غياب الشمس ، فقال الإمام مالك رحـمه الله : هذا ركن من أركان الحج ، لأنه لا بد أن يجمع بين الليل والنهار فلو دفع قبل غروب الشمس لبطل حجه عند الإمام مالك .

وقال الإمام الشافعي رحـمه الله : إنه واجب ولا شيء على من دفع قبل الغروب واختار هذا الإمام النووي والشنقيطي في أضواء البيان ، وعن الشافعي بأنه سنة وليس بواجب .

وأما الإمام أحـمد رحـمه الله فـيرى وجوب الوقوف بعرفات حتى تغرب الشمس ، ومن دفع قبل الغروب أثم وعليه الدم وحجه صحيح .

وأظهر هذه الأقوال أن الوقوف بعرفات إلى غروب الشمس يتراوح ما بين الوجوب والسنية ، وقد تقدم القول في هذا والعلم عند الله .

710- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ، ويقولون : أشرق ثبير وإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس " .


هـذا الخبر رواه البخاري رحمـه الله في صحيحه فـقال : حـدثنا الحجاج بن منهال ، قال : أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي ، قال : سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عمر بن الخطاب به .
ورواه البخاري رحمه الله أيضاً من طريق سفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن عمر بن ميمون به .
ورواه الترمذي وابن ماجه والإسماعيلي والطبراني وصححه ابن خزيمة .

قوله : [ إن المشركين كانوا لا يفيضون ... الحديث ] :
في هذا دليل على أن المشركين كانوا يحجون ، وكانوا على إرث في الحج من إرث أبيهم إبراهيم ، وكلهم غيروا وبدلوا وألحدوا وحرفوا وكانوا لا يدفعون من المزدلفة حتى تطلع الشمس ، ويقولون أشرق ثبير : وهو جبل مرتفع إذا طلعت الشمس على الجبل أفاضوا من المزدلفة إلى منى وخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس لأن هدينا مخالف لهدي المشركين ، ومن ثم ألزم غير واحد من أهل العلم الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفة لهدي المشركين المغيرين لدين إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ، وقد جاء في مسند الإمام أحـمد من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال : حدثنا حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من تشبه بقوم فهو منهم» .

قال شيخ الإسلام رحـمه الله في الاقتضاء إسناده جيد وظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ، وأقل أحواله التحريم .
فهذا الخبر يؤيد تحريم الدفع من المزدلفة بعد طلوع الشمس إلا من كان له عذر فلا حرج عليه وإلا فالواجب على المسلم أن يدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة أجمعين .



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد ...
فقد اطلعت على كتاب الحج من شرح بلوغ المرام وهو من كلامي وإملائي فلا مانع من نشره للاستفادة منه إلا أن هذا الشرح ليس مستوفياً لجميع أحاديث الحج من كتاب بلوغ المرام والعذر في ذلك منع إقامة الدروس فلعل الله أن يأتي بالفرج من عنده فنواصل الشرح فيخرج كاملاً .

كتبه : سليمان بن ناصر العلوان

في 20/12/1417هـ .



تم بحمد الله .






























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






يرفع للفائدة



،





























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1