غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 21
قديم(ـة) 14-12-2017, 07:53 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: عكس الرحيل/بقلمي


[17]

أتاها صوت مالك يقول بغيظ مكتوم خلال السماعة: توني عرفت إن كان عندك صفوف خطاب فجدة.

قطبت طيف حاجبيها: أي صفوف؟ كلهم عشرة..

رد عليها بحدة: وعشرة مو كثيرة؟

ارتسمت على شفتيها ابتسامة، لم تظن أبدا أنها سترى مالك مغتاظا هكذا. أكانت هذه غيرة؟: ما جو ورى بعض، وأصلا يا إما أمهاتهم أو أخواتهم اللي كانوا يسألوا، ولا أنا مافي أحد يدري عني..

أكانت تتوهم أم سمعته يتمتم "في واحد منهم كان يدري عنك.."؟: وذولي ما لقوا يخطبوا لعيالهم غيرك؟

هزت كتفيها، كأنها تراه: صارت كذا.. ما أعطيتهم بال بأية حال، كنت أرفضهم قبل لا يتكلموا..

سألها عندها بصوت لم يخالطه الغيظ، بل فضول مترقب مستدرج: وليه ترفضين؟ ليه ما شفتي نصيبك وإنتي مو دارية حتى ويني فيه؟

احمرت بخجل، كان يجب عليها توقع مسار هذه المحادثة. لم تجد شيئا تجيب به سوى: متطلباتي كانت عالية..

لم يبد في صوته التصديق، لكنه في نفس الوقت ظهر في صوته الرضا الغامر: متطلبات عالية، هاه..؟

فاجأها عندها تركه للموضوع وخوضه معها في موضوع آخر مختلف بالكلية.

:

لم تكن هديل فظة حانقة عادة، لكن رغما عنها وجدت قلبها يقسو للقيا تلك التي ذكرتها بمرارة فقد ولدها البكر. لن تسمح لها بأن تكون سببا بفقدان حفيدها، أثر ولدها الغالي، أيضا.

لكن رغما عنها، لاحظت أشياء كثيرة عن تلك الطيف مع مضي الأيام.

لاحظت اهتمامها بمالك. لا تتركه يخرج دون إفطار، حال مغاير لما كان عليه قبل مجيئها، فقد كان مالك يفطر معهم في الأوقات القليلة التي يكون فيها جده حاضرا البيت. كانت تغسل ملابسه بنفسها، مستغنية عن الخدم. كانت تحرص على راحته، على عدم إغراق نفسه في العمل كعادته.

لاحظت إنعزالها، لا تخرج من جناحها إلا لضرورة. في بادئ الأمر ظنت هديل أنه كان تكبرا منها، ترفعا عن الاختلاط بهم. لكن بعد زياراتها لها، لم تعد تظن ذلك. أصبحت ترجح أن السبب كان عدم تقبلهم لها، وفي هذا.. لا تلومها على إنطوائيتها.

لاحظت طبعها الهادئ المريح الذي جعل هديل تكمل زيارتها، تتطلع لها حتى، الذي جعلها تنطق مصارحة لها، تنخرط في أحاديث متنوعة. عرفت ما علق حفيدها بها.. هادئة صامتة تلك الشابة، لكن عندما تنساب في الكلام، فكلامها يسحر.

لاحظت مدى عمق مشاعر تلك الطيف لمالك وهي تحكي عنه، تعطيها قصة مختصرة عن زواجهما. ليست تلك بنظرة من تزوجت عن طمع. ذكرتها بنفسها في صغرها، ليس بطبعها وتصرفاتها، بل الحب الصارخ في عيونها.

لاحظت تعاملها اللطيف مع أطفال العائلة عند زياراتهم، حنانها معهم رغم شغب بعضهم.

لاحظت الضياء الذي بعثته في روح حفيدها بعودتها له.

رغما عنها، وجدت هديل نفسها تتقبلها، تكف عن السؤال عن مرشحات أخريات لحفيدها، أمر قد أثار عجب أفراد متفرقين من العائلة.

تذكر ما قالته لمزنة عندما مدحت لها ابنة أحدث صديقاتها: خلاص، مادام مالك ورط نفسه بهالزواج، خليه لقراره. أنا رفعت يدي منه.

رمشت عندها مزنة بعدم تصديق من تغير موقفها المفاجئ.

:

لكونها ابنة الزوجة الثالثة لأبيها، فلم تختبر سعاد زواج أبيها مرة أخرى كأخيها محمد. لذا حتى بعد طلاق أبيها من أمها، لم تحب فكرة أن يتزوج الرابعة، لم تحثه على ذلك قط كما يفعل محمد.

لكن.. ما إن خُطبت ودنى أجل زواجها، أدركت أن أباها سيعيش وحيدا في بيتهم دون اهتمام أنثى. كرهت تلك الفكرة أكثر من فكرة الرابعة.

عندما أفصح لها أبوها عن رغبته بالزواج، تنهدت بارتياح وسألته بابتسامة وفضول: ومين سعيدة الحظ؟

فاجأها اختياره، خالة حفيد جاسر السامي.

لم يفصح أبوها عن كثير، لذا بطبعها الفضولي، قررت استقصاء القصة والتعرف على من ستنضم إلى عائلتهم. ومن كان أفضل من زوجة ذلك الحفيد، تلك التي عاشت مع من طلب أبوها يدها.

لم تكن طيف بتلك التي تفكر بالاختلاط معها عادة، تستطيع ملاحظة طبعها الانطوائي من بعيد، لكن الآن ستربط بينهما صلة أقوى. لا ضير من التعرف، أليس كذلك؟

زارتها في جناحها، تبتسم لتعابير وجهها المتفاجئة بحضورها الغير متوقع. عرفت عن نفسها بعد احتساءها لرشفة من الشاي الذي صادف تحضيره حضورها: أبوي اسمه ناصر النجم، ومن اللي انقال لي، فهو طلب قربكم.

قد كان ذاك ما كسر حاجز البعد بينهما، لينخرطا بالحديث.. أو بالأحرى، انخراطها هي بالحديث، واستماع طيف المنصت لها.

عرفت تفاصيل كثيرة عن تلك الرابعة. اسمها ثريا. كانت في أواسط الأربعينيات، ومن الصورة الوحيدة التي عرضتها لها طيف في حفل تخرجها من الجامعة، فإنها كانت حسناء بجمال بدوي ساحر، لا يظهر عليها عمرها أبدا. الحق يقال، انبهرت.

لم يكن زواج أبوها فقط ما تكلما عنه، زواجها أيضا دخل ضمن المواضيع، بطبعها الثرثار، أفصحت لطيف عن توترها من زواجها، لتهدئ تلك من روع ذعرها..: عندي صديقة قعدت تبكي وتصايح إنها بطلت وما تبغى تتزوج قبل ليلة من حفلتها، واللحين تضحك من طاري ذيك الليلة. شعور ويعدي إن شاء الله..

صراحة، لم تتوقعها بتلك الطيبة أو بهذا الطبع.

أمها كانت من النوع المخطط الطامع، دائمة النظر إلى ماعند غيرها. سمعت سعاد في المجالس التي أقامتها الكثير عن عائلة السامي، وعظم حظ من ستتزوج بمالك السامي، فبالإضافة إلى كونه ابن ولد جاسر الأكبر، فإنه الحفيد الذكر الأكثر أهلية لوراثة المجموعة بعد تنحي جاسر عن القيادة، فالحفدة الذكور الآخرون إما كانوا غير مهتمين بمجال عمل العائلة كأبناء شيخة، فولدها الأكبر زياد طبيب والأصغر هادي مهندس.. أو صغارا غير مؤهلين، كأولاد سالم وعبدالله.

رسمت أمها بحسد فكرة عما ستكون عليه زوجة مالك، أنثى متجبرة متكبرة ستلعب في أموال السامي لعبا..

الحقيقة كانت مغايرة إلى درجة تضحك، ويالها من مفاجأة سارة.

:

بعودته قبل يوم من زواج هادي، سيفوز بالتحدي الذي قام بينه وبين زياد، فهو رجح أنه لن يستطيع الرجوع قبل الحفل، ليقع ضحية طبع هادي المعاكس تماما لاسمه.

وجد مالك جدته في استقباله عند دخوله البيت قبل منتصف الليل بنصف ساعة. استغرب من نظرتها الصارمة، عهد منها الحنو والسرور وربما بعض العتاب اللطيف في كل رجعة من سفر. مهما بحث في سجلات ذاكرته، لا يذكر أنه فعل شيئا يغضبها.

بتعابير وجه أكثر صرامة، تكلمت: كان تأخرت أكثر..! أظن يا مالك إنك تقدر تنظم شغلك بطريقة تقلل فيها سفراتك. تراك رجال متزوج إذا ناسي..

تركته منلجم اللسان من عجب ما سمعه..

إذا فهم بشكل صحيح، فإن جدته وبخته على تأخره في سفره.. من أجل طيف..

"أنا بحلم ولا بعلم؟ مين اللي خطف جدتي وبدلها بالإنسانة اللي كلمتني قبل شوي؟"

ظل مستغربا وهو يمشي إلى جناحه، ليتبدل الاستغراب بالشوق لحظة دخوله له.

رأى حبيبته نائمة بوضعيتها المعهودة. عرف أنه لم يكن ليجدها في هذا الحال إذا عرفت بعودته الليلة، ولهذا جعلها مفاجأة لم يعرف أحد بها سوى جده وجدته. لم يرد أن تظل ساهرة تنتظره.

جلس على طرف السرير يتأملها بعشق، يمسح بعيونه على تقاسيم وجهها بحثا عن أي تغير حصل في أيام سفره. أبعد خصلة خلف أذنها، لتفترق شفاهها بهمس اسمه..

للحظة ظن أنه أيقظها، لكنه لاحظ أنها مازالت مغلقة لعيونها، غارقة في النوم.. أربما كانت تتكلم في نومها؟

اقترب منها أكثر، يريد سماع كل ما تقوله، ليسمع اسمه مرة أخرى.. ثم: اشتقت لك..

:

قطبت طيف حاجبيها: كيف يجي الليلة؟ هو قاللي إنه بيرجع بعد يومين..

امتعضت ملامح الجدة بعدم رضا: أكيد يبغاها تكون مفاجأة. ما يدري إن أكره شيء عند الحريم رجعة أزواج من سفر بدون علم ولا تجهيز..

ابتسمت لطرافة حكيها: تتكلمين عن خبرة..؟

تنهدت الجدة: الله يهدي جاسر بس..

حسنا إذا، سيعود ذلك الظالم الليلة. أخيرا اكتفى من قسوة الغياب.

تشكلت في بالها فكرة، تستغل فيها هذه الفرصة: كيف أرد جميلك ذا؟

تظاهرت الجدة بالتفكير للحظة قبل أن تجيب: أبغاكي تحني لي.. من زمان عن نقش زين..

توقعت طيف ذلك الطلب من اللحظة التي رأت الجدة تتفحص النقوش على يديها وتسأل عنها: بسيطة..

تركتها عندها الجدة لتفكر طيف بالفكرة التي خطرت لها حال سماعها بعودة مالك المبكرة. وحينما قرب وقت عودته، استلقت على السرير تتظاهر بالنوم، حرصت على إتخاذ وضعيتها المعهودة، على إبقاء تعابيرها مسترخية ثابتة.

سمعته يدخل، أحسته يجلس جانبها، ثم يمد يده ليبعد خصلة شعر عن وجهها.

عندها همست اسمه، ثم مرة أخرى لتحس به يقترب ليسمع ما تقول. همست كبداية: اشتقت لك..

لم تدري إلا وهو يلثم شفتيها بشغف محموم، يبتعد ليثنر قبلات على كل ما وصله من وجهها ورقبتها ونحرها ليعود إلى نقطة البداية مرة أخرى. خدرها بعاطفة جارفة، ليبتعد ملسوعا قبل أن تشد عليه.

رأته واقفا معطيا ظهره لها، يمرر أصابعه على شعره محاولا تمالك نفسه، يتنفس بلهاث واضح قبل أن يخرج من غرفة النوم. لم يدرك أنها كانت تتنفس بنفس اللهث، تشعر بنفس الضياع..

:

وجدت الجدة تنتظرها في ركن الجلوس عندما خرجت من غرفة النوم في الصباح. ربما ظهرت الخيبة في وجهها بوضوح، فالجدة ابتسمت لها، تعرف من تدور عيناها بحثا عنه: فتح لي الباب وراح لجده لما قلتله إنه يبغى تقرير عن سفرته./ أردفت سائلة: جاهزة تحني لي؟

أومأت لها بنعم، حتى مع خيبتها، لم تحب إخلافها بما وعدته.

رجع مالك وهي تبدأ في النقش، ليسلم عليهما. سألته طيف عن وقت رجوعه بتمثيل براءة، لاحظت محاولات الجدة لإخفاء ضحكتها بطرف عينها.

لحسن حظها، لم يكن مالك منتبها لها وهو يجيب: جيت أمس بس كنتي نايمة.. ما بغيت أصحيك ونمت على الكنبة..

"وبس كذا؟ متأكد..؟" تورد وجهها للذكرى وشردت، وسألها: فيك شي؟

هزت رأسها بــلا: حلمت بشي حلو بس..

سأل بصوت بدا كأنه مقطوع الأنفاس: وش كان الشي الحلو ذا؟

ابتسمت له بغموض: سر..

قطع عليهما صوت الجدة الغارق بالضحك، غير قادرة على الاستحمال وهي تراقب بصمت تبادل النظرات بينهما. استأذن مالك باستعجال منحرج، لتعود هي للنقش بنفس الانحراج.

هتفت الجدة لها بابتسامة مشرقة، بفخر: منتيب سهلة والله!

زارتها سعاد كما وعدتها، لتراها في خضم إنهائها نقش يد الجدة اليمنى. نظرت إليها بدهشة: تعرفي تنقشين؟

أومأت لها بنعم: أنا اللي حنيت لنفسي..

هتفت سعاد بحماس، الانبهار يشع في محياها: والله كنت أبغى أسألك عن اللي حنى لك ومن وين، طلعتي إنتي!

زفرت الجدة بضيق: بس خلاص انكتمي! لا تشتتي انتباهها.

لم تلق لها سعاد بالا وهي تصر: الله يعافيك حنيلي بعد! تعبت أدور على وحدة تعرف تنقش زي كذا!

تنهدت طيف بقلة حيلة: طيب طيب، بشتغل عليك بعد ما أخلص..

نظرت سعاد إلى الجدة بغيظ طريف: ما تقدرين تعطيني دورك يا أم زياد؟

نظرت إليها الجدة بازدراء: دورك وتنتظريه.

أصرت سعاد أكثر: بس أنا اللي بعرس بكرة!

ردت عليها الجدة بعدم مبالاة: وإذا؟ مو أول وحدة بتعرس..

ظلت طيف صامتة تحاول منع نفسها من الضحك وهي تستمع لجدالهما، ليهتز هاتفها برسالة ويشتت انتباهها.. كانت من مالك يسألها عن الوقت الذي ستنهي فيه حناء جدته. ردت عليه تخبره بالتطورات التي حصلت منذ لحظات.

#بحني للعروس بعد.

رده كان فوريا.

#جدتي وقلنا أوكي، بس وش دخلها ذي؟ قوليلها تدور وحدة ثانية غيرك.

ردت.

#أصرت وما قدرت أقولها لاء..

سألتها الجدة باهتمام: هذا مالك؟

أجابت منحرجة من القبض عليها بالجرم المشهود: إيه..

بيدها الحرة، أخرجت الجدة هاتفها تجري اتصالا، لتبدأ تتحدث بعد لحظة انتظار: وراك مزعج البنت برسايل وهي تشتغل علي؟.. تحني لحريم العايلة كلها وش دخلك؟.. نعرف إنها زوجتك ما قلت شي جديد.. أهجد وإثقل فشلتني قدام زوجتك!

تساءلت طيف ما قاله مالك لجدته ليتركها تتحلطم بعد إقفالها الخط..

همست لها سعاد بغمز: واضح إنه ميت عليك يا شاطرة..

إحمرت هي لتنهرهما الجدة بحدة، آمرة طيف بالعودة إلى عملها وسعاد بالصمت.

:

قال مالك بيأس: أبد مافي مراعاة للمشاعر هنا.

تنهدت خالته بقلة حيلة: ورى حالتك صارت أردى من قبل؟ أذكرك أثقل في العشرين.

تكلم يفضفض عن نفسه: جيت مسافر ويأخذوها بكل برود. وجدتي! جدتي اللي بتذبحني بحبها اللي الله أعلم من وين ظهر لطيف.

قالت خالته، تنظر إلى الأمر من ناحية إيجابية: على الأقل تقبلوها وصاروا يعتبروها منهم..

تنهد: والله فرحان لهالشيء، بس..

أكملت عنه: بس مشتاق، أعرف..

لم يكن يريد استراق قرب طيف كلص في نومها، لذا كان مواله أن يعيد الكرة في الصباح وفي يقظتها، ليخيب ظنه بشدة.

سأل يغير الموضوع: أخبار النجم؟

أجابته بأريحية: جا وتكلم مع مازن واتفقوا يخلوا السالفة تتم بعد أربع شهور، يقول وراه مشاريع لازم يخلصها بذيك المدة..

تذكر مالك المشروع الضخم الذي بدأ به العم ناصر قبل فتح موضوع خالته بينهم: إن شاء الله خير..

لتكرر وراءه: إن شاء الله.

:

لم تكتشف طيف ما قصدته سعاد برد الجميل إلا يوم حفل زفافها. وجدت نسوة يرتدين زيا موحدا بانتظارها عند فتحها لباب الجناح، يحملن حقائب صغيرة عديدة عرفت لاحقا أنها تحتوي على معدات التجميل. أخبرنها أنهن أُرسلن من طرف سعاد بهدف إعدادها لحضور حفل زفافها.

لم يعطينها فرصة للإعتراض قبل أن يبدأن بالعمل عليها.

:

دخلت شيخة جناح مالك لتعلم طيف بالنزول، لتتوقف الكلمات عند حلقها لرؤية طلعتها..

كانت ترتدي فستانا طويلا أسودا عاري الأكمام، حريري مطرز بنقوش إلى أسفل الصدر، ضيق في الأعلى ومنساب بسلاسة المياه في الأسفل. بشعرها المسرح على طوله، البارز لونه المحمر بفعل سواد الفستان، وبزينة وجهها التي أبرزت تقاسيم وجهها ولون عيونها، و بالأحمر القاني على شفتيها، وبنقوش الحناء الممتدة على طول ذراعيها البيضاء.. كانت صورة للجمال والفتنة.

"رحمة الله عليك ياولد أخوي، ما أظن بتظل عايش بعد ما تشوفها كذا."

سألتها هي بفضول منحرج من طول تحديقها: حلو؟

ابتسمت شيخة برضا غامر، تستعجلها للبس عباءتها وتقرأ عليها: حلو كلمة بسيطة بحقك! يلا يلا عجلي والبسي عباتك، والله لو يشوفك مالك ما بيخليك تعتبي خطوة برى ذا الجناح، وأنا مو ناقصة صياح سعاد وهي ملزمة على حضورك..

:

لم تحضر طيف سوى حفل زواج واحد، حفل صديقتها مي الذي لحسن الحظ أقيم في جدة لكون عائلة زوجها ساكنة فيها.

لكن، ذلك الحفل كان بسيطا مقارنة مع الذي تراه أمامها، من القاعة إلى الديكور إلى الحضور إلى الطعام.

تقدمت تسلم على سعاد، مادحة للجمال الذي ظهرت به، لينتهي المطاف بها بتهدئة روعها مع الحاضرات..

تجاهلت النظرات المتفحصة الفضولية التي تلقتها وهي تبحث عن مكان تجلس فيه، الهمس الذي بدأ يصدح كلما مرت عند مجموعة نسوة، الإشاعات والثرثرة التي سمعت أجزاء متفرقة منها، كلها تندمج لتشكل كلمة واحدة..

(دخيلة)

استوقفها صوت الجدة، يسحبها من عتمة أفكارها: لي ساعة أناديك، تعالي إجلسي.

قبل أن تسألها أين، أشارت الجدة إلى المقعد الخالي جنبها، غير مكترثة بنظرات الاستغراب والعجب والاتهام التي وجهت إليها..

ابتسمت طيف بارتياح وفعلت كما طُلب منها: ناوية تقهري سعاد أكثر؟

بدت الجدة بقمة الأناقة بجلابيتها الفخمة وذهبها الرنان. كأنها تريد إغاظة سعاد التي طلبت منها عدم الإسراف في التزين كي لا تسرق الأضواء منها. يكفيها حسرة أن الحناء ظهرت بشكل رائع على يديها.

ردت الجدة بغرور: خليها تنقهر، أنا انولدت على حب الزين وطلب الغيورين ماراح يغير طبعي./ تفحصتها بنظرة قبل أن تردف: كان مفروض تطلب منك نفس الشي، إنت ناوية على حفيدي ولا إيش؟

ضحكت طيف، صحيح أنها شعرت بالرضا عن هيئتها، لكنها تظن أن ما تلقته من كلمات مديح كان فيه مبالغة.

:

في جهة مقابلة وجدت مزنة نفسها تهمس لضرتها سوسن، غير مكترثة للحظة بالتحفظ القائم بينهما: الصراحة تنقال، زوجة مالك عندها جمال يذبح..!

ردت عليها سوسن بنفس الهمس: إيه والله. شوفيها أخذت عقل العجوز حتى جلستها جنبها. عمرها ما سوتها معانا.

تنهدت مزنة بحسرة: والله شكلنا بناكلها، العجوز صارت بصفها خلاص، ماعاد في فايدة ندور على عروس لمالك تنفع مصالحنا..

قطبت سوسن حاجبيها: والله شكله حتى لو كانت العجوز بصفنا مالك ما أظن بيتغير موقفه. فيه رجال عنده مثل هذي ويروح يدور على ثانية؟

هزت مزنة كتفها: يمكن.. الرجال مامنهم أمان..

نظرت لها سوسن بحدة قبل أن تقف تاركة جنبها: تصدقي، أعطيتك وجه..

:

سأل طيف عندما ركبت سيارته نهاية الليلة: كيف كان الحفل؟

أجابته بصدق وشيء من التسلية: حلو، القعدة مع جدتك تونس.

تنفس الصعداء، فقد قلق لما سُتقابل به زوجته في تجمع هائل كهذا: الحمد لله..

طول طريق العودة، ظل يتساءل عن المظهر الذي بدت به طيف، عمته أشعلت فضوله بتلميحاتها وكذلك جدته. تمنى لو استطاع أخذ لمحة قبل بداية الحفل، لكن إصرار هادي على مساعدته له منذ الأمس وحضوره المبكر منعه من ذلك.

عندما عادا إلى الجناح ورأى طيف قد خلعت عباءتها، عرف ما سبب التلميحات التي تلقاها..

أوجعته، أوجعته بحسنها الخاطف للأنفاس..

أعطته ظهرها، تلفت نظره إلى أزرار الفستان الممتدة على طوله: ممكن تفكها؟

بصمت تقدم نحوها ليبدأ بفك الأزرار، ليلثم بشفتيه طول ظهرها المتكشف شيئا فشيئا، سامعا لوقع نفسها المتسارع.

أدارها نحوه ليهمس بحرارة في أذنها: قوليلي أبعد..

للحظة خاف عليها من لهيب ما يشعر به، وفقط تلك الكلمة منها ستردعه، ستوقف هذا الجنون.

رأى اشتعال ذهب عيونها بكل فتنة، بكل ضراوة، وهي ترد لتكتب نهايته: قرب..

تلعب بالنار، فاتنته هذه، تستفز عواطف رجل صائم لسنين..

حسنا، سيريها، سيريها ما فعل عشقها به، سيغرق نفسه حد الثمالة بقربها الذي طال شوقه إليه..

:

حسنا تعترف، كاد الخجل يقتلها عندما استيقظت، وبصمت وتجنب عنيدين، خاضت في روتينها اليومي من إيقاظ مالك لصلاة الفجر لصلاتها لصنع الفطور..

لاحظت أن مالك لم يذهب إلى عمله حتى الآن. مضت نصف ساعة منذ الوقت الذي كان من المفترض أن يخرج فيه. سألته وهي تغسل الصحون، كلماتها الأولى منذ إيقاظها له: ما بتروح الشغل اليوم..؟

احتضنها من الخلف، مسندا ذقنه على كتفها: أخذت إجازة..

سألته بصوت يتهدج من قربه: ما يحتاجوك؟

ليجيب بلا مبالاة واسترخاء: مدري عنهم، قفلت جوال الشغل../ استطرد بهمس محموم، يفك شعرها من ربطته ليلعب فيه: خليني أتهنى فيك اليوم..

[انتهى البارت...]


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 22
قديم(ـة) 14-12-2017, 07:54 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: عكس الرحيل/بقلمي


[الأخير]

كل شيء خطط له، لم يكن يجري كما خطط له.

مضى شهران منذ أن أحضر مالك زوجته إلى بيته، والتغير الوحيد الذي لاحظه جاسر بينهما كان تغيرا إيجابيا. استشاط غضبه، ازدياد تعلق مالك بزوجته بدلا من النفور الذي توقعه. ذكرته نظرته بنظرة زياد قبل أن يترك جانبه. لم يرد لكلمات مالك تلك أن يكون لها وقع قريب من الحقيقة..

(ما بغيره.. رأيي وببقى عليه للممات)

وكنثر الملح على الجرح، لاحظ تعلق آخرين بزوجة مالك.. ابنته شيخة، زوجة حفيده سعاد، ويالغيظه، زوجته..

الحق يُقال، لم ير من طيف الفياض ما يغضبه، ما يستطيع إمساكها عليه. لكنه كمبدأ، للذكريات التي ارتبطت بها ولو من بعيد، لكون حفيده قد تزوجها دون علمه، دون أن يعرف عنه غير وجوده في هذه الدنيا.. جعله غير قادر على تقبلها.

إذا لم يستطع إقناع مالك على تركها، سيُحول انتباهه عليها.

استدعى ابنة الفياض إلى مكتبه بحضور زوجته، أمر فاجأ هديل لكونها أول مرة يفعلها، لكون مكتبه منطقة محظورة للكل عدا عن قلة مقربين. سألته هديل بفضول متوجس: وش تبغى فيها هنا؟

لم يجبها، فقط رد "أدخل" على الطرق الخافت الذي قاطع سكون مكتبه.

دخلت ابنة الفياض بهدوء وسلمت عليهم. أشار إليها بالجلوس وفعلت، ناقلة نظرها بينه وبين هديل بتساؤل، ليقرب إليها الأوراق الموضوعة على طاولة المكتب الفاصلة بينهما.

راقبها بصمت وهي تأخذها لتقرأها. رأى بطرف عينه النظرة التي وجهتها له هديل، يستطيع معرفة معناها بدون أي جهد يذكر، لعُشرة سنين، لأنها كانت نفس النظرة التي وجهتها له قبل أن ينطق بالكلمات التي آلت برحيل زياد عنهم.

"لا تسويها.."

أخيرا، رفعت ابنة الفياض نظرها عن الأوراق، لتسأل بجمود تعابير ونبرة صوت، بعدم تصديق: تبغاني أطلب الإنفصال عن مالك؟

شهقت هديل بصدمة، ليرد هو بذات الجمود: بتستفيدين من قبولك.

ابتسامتها كانت ساخرة، مريرة: شفت المبلغ.. وعندي لك سؤال، بتظن إن المليون ذي بتنفعني؟ بتخليني أنسى اللي في قلبي؟ أنساه؟ ما أظن.. / أردفت وهي تنهض من مكانها، ترتجف غضبا، تمزق كل ورقة ببطء لتلقي أجزاءها على الأرض: لعلمك قلوب الناس ما تنشرى. جربت فراق مالك مرة، يمكن طلبته حتى، ومابعيدها وأنا عايشة، إما افترق عنه بموت أو كلمة طلاق منه. غيره ما يصير..

مشيت مبتعدة عنهم، خارجة من مكتبه، تاركة له مصدوما من ردة فعلها، من غضبها الذي لم يلمح له طبعها الهادىء الذي سمع عنه. كان مصدوما لفشل خططه بما يتعلق بها.

أكل ذلك كان من أجل حفيده..؟


السخط كان واضحا بصوت هديل عندما هتفت باسمه، مستنكرة لفعله: ماتوقعتها منك!

ليهتف صوت آخر.. صوت مالك: ولا أنا..

بعكس زياد، لم يظهر على مالك ذات الغضب الكاسح الهائج، بل الجرح والخيبة.. وربما كان هذا أسوأ: مشكلتك إنك حطيت الذنب على الكل إلا اللي يستاهله.. أبوي. مو ذنب أمي إن أبوي تزوجها، ولا ذنب طيف إني تزوجتها. أبوي هو اللي عصاك، هو اللي كسر كلمتك، هو اللي قطعك زي ما قطعته من حياته.. وأشهد إن كل يوم كان يندم، يمسك سماعة التلفون يتصل عليك بس ما يسويها../ رأى جاسر الحرقة في عيون مالك، عظم الجرح الذي أحدثه في روحه، الجروح التي جددها: كنت أشوف الحسرة فعيونه كل ما سألته عن أهله. كان يغار من أمي لأن أهلها يوصلوها.. إقتص من أبوي، إقتص مني حتى.. بتحمل مسؤولية سواياه.

تركه هو الآخر، لتسأله هديل تمسح دمعه الذي لم يدرك أنه بدأ يسيل. ترجته بخفوت شجن: لا تكرر نفس الغلطة..

:

مضى يومان منذ آخر مرة دخل فيها مالك بيته، لم يتصل ولم يرد على اتصال، وكل من سأل أجابوه بعدم المعرفة..

الماضي تكرر أمام عينيه من جديد.. باختلاف واحد.

وجده جاسر غريبا، كيف كانت ابنة الفياض هي الوحيدة التي لم تنبض قلقا وخوفا من مسارات الماضي.

أجابت جاسر بيقين عندما سألها على مضض: أعطيه وقت.. إذا فيه شي تعلمته عن مالك، هو إنه ما يقطع.

كم تمنى أن تكون كلماتها تلك صحيحة.

في اليوم الرابع، اقتحم مالك مكتبه في مقر المجموعة بوجوم، باديا عليه الإرهاق والسهر، مشيرا إليه أن يتبعه إلى سيارته. بصمت تبعه، يتساءل ماذا يريد حفيده منه رؤيته، هل كان له علاقة بغيابه؟

استغرب جاسر عندما توقف مالك عند وجهته.. مقبرة.

أخذ يدعو بالدعاء المأثور ماشيا جانب حفيده، ليتوقف هو أمام قبر من القبور.

تكلم مالك بهدوء ماثل محيطه: ماعمرك أعطيتني فرصة أتكلم عن أبوي، وش كان يشتغل، وش كان يتكلم عنه، وش كانت أمنياته.. كيف كانت حياته، كيف مات ووين إندفن.. اللحين اسمع لي..

أنصت جاسر لحفيده يحكي عن والده، كل الذكريات التي يحملها عن صاحب هذا القبر أمامه، المؤلم منها والسعيد. لم يدرك جاسر أنه انهار جالسا، موجوعا نازف الجروح من قهره وحزنه، تحكي دموعه عنه.. لطالما عزل نفسه عن واقع موت ابنه، والآن قد أتاه هذا الواقع يذكره بكل ما حاول تناسيه..

هنا يرقد ابنه..

سكت مالك، ووضع يده على كتفه شادا عليه، يقف جانبه إلى أن نهض جاسر يلملم نفسه بعد انكسار. أعطى ظهره لمالك قبل أن يقول: إنت غلطان.. قدر يتصل أبوك علي..

كانت تلك المرة الوحيدة، وكانت قبل أيام من وفاته وفق ما حكى له مالك. يذكر جاسر نبرة ابنه المتألمة التي كان يخفيها، يخبره عن حفيده. لم يطلب منه السماح، وعرف جاسر أنه ظن أنه لا يستحقه.

غبي، ابنه ذاك. ألا يدري أنه رضي عليه من اللحظة التي اتصل فيها؟

بدا على صوت مالك الراحة الغامرة لمعرفة اتصال أبيه: طول عمري.. كنت أتساءل إذا مات وإنت مو راضي عليه.. الحمد لله، الحمد لله..

"الحمد لله.."

:

طريق العودة كان صامتا، إلى أن قطعه جاسر باعتذار، شيء لم يكن عادته، ليرد عليه حفيده بالسماح، شيء لم يتوقع نيله.

(.. هو ما يقطع..)

فكر عندها جاسر أنه ربما، ذاك ما رآه مالك في تلك الشابة، ذاك اليقين.. لأول مرة أخذ طيف الفياض باعتبار أنها زوجة حفيده، قارنها بمن أراد استبدالها بهن، ووجد أنها تفوقت بالكثير. أدرك غلطته في رغبته بالتخلص منها، فشخص مثلها كان أشد ما يحتاجه وريثه في تولي أعمال مجموعة ضخمة كمجموعته.

كم أخطأ في حكمه: زوجتك.. معدنها أصيل..

ابتسم مالك له بفخر: ما ظلت في بالي سنين عبث..

:

عرفت وقع الخطوات المتجه ناحية غرفة النوم، لتضع الكتاب الذي كانت تقرأه على المنضدة. تفقدت أثر غيابه عليه، إرهاقه الواضح من سهر.. تقدمت لتحتضنه بكل القوة التي أوتيت لها، تتكلم بصوت مكتوم من قميصه: كان على الأقل رديت علي مرة..

ضحك وهو يلف ذراعيه حولها: والله الناس قالتلي إنك كنتي ماخذة السالفة ببرود..!

شدت عليه أكثر قبل أن تتركه ليستلقي، فهو بدا عليه الحاجة الماسة إلى الراحة: كنت أعرف إنك بترجع قريب..

ورغما عن ذلك اشتاقت إليه بشجن جارف.

في غيابه فسد جدول نومها، وأصبحت لا تستطيع النوم إلا بعد أن تصلي الفجر. ظلت جالسة على السرير تفكر إلى أن وصلت الساعة إلى الواحدة نصف. عندها أحسته مستيقظا على الرغم من إعطائه لها ظهره. أمرته: إرجع نام.. لساتك هلكان تعب..

ظل صامتا للحظات، ثم قال بهدوء ونبرة حيادية: سمعتك في مكتب جدي، كل الكلام اللي قلتيه.. سمعته.

شكت في ذلك، فهي عندما فتحت باب المكتب لتخرج، وجدته واقفا أمامها.

شعرت براحة غريبة، كونه يعرف عن موقفها، كأن حملا ثقيلا رُفع عنها. لم تفكر أبدا بالإنكار عندما ردت: عارفة../ استطردت بابتسامة عجب من حالها المتغير، فهي لم تعتقد أن لسانها سينطلق بما قالته مردفة: أحبك حب ما ظننت إني بحس فيه لاحد، ولو الود ودي ظليت معك ما بقى لي من عمر..

سأل، يكرر بعدم تصديق: لو الود.. ودك؟ لو الود ودك؟

لم تدري إلا وهي مستلقية على ظهرها ومالك فوقها، ينظر إليها بنظرة مشتعلة حملت عواطف شتى..: ليه؟ فيه إحتمالية فبالك إني بتركك؟

لثم فمها قبل أن ترد بعنفوان جامح خطف أنفاسها. أحاط وجهها بيديه عندما تركها، ليعود يقبلها مع كلمة نطقها بلهث: أحبك، أعشقك، وميت فيك ألف مرة..! سنين وأنا متلهف عن أبسط خبر عنك، سنين وأنا أهذي فيك، وبتظني إني بكل سهولة أتركك كذا؟/ أردف بخبث مسرور مرتاح، يتتبع طول عنقها بشفتيه: إنتي أعطيتني الخيار كل مرة، وكل مرة بقولك إن نجوم السما أقرب لك من كلمة فراق مني.. فاهمة؟

أجابت مذهولة، مبتهجة، ومنتشية من فيضان مشاعره هذا: فاهمة..

:

وبهذا، رسما بداية جديدة، كشفا عن خفايا روحهما لبعضهما، عن كل ما شعرا به في فراقهما، تصارحا.. وما أجمل من شفافية في جٌن الليل؟

سألته وهي تحكم قيد ذراعيها عليه، طامعة بقرب أقرب من النفس: بصراحة، وش سميتني فجوالك؟

ابتسم لها بتسلية: يعني مو مصدقتني لما قلتلك ط.؟/ أردف قبل أن ترد، معطيا لها جواله الشخصي: خذي وشوفي..

فعلت كما قال، لترى أن رقمها كان مدرجا تحت اسم "هوسي طيفك".

سألها بدوره: ها؟ عجبك ولا بغيره؟

ابتسمت له وهزت رأسها بـلا: عاجبني.. يا مالك قلبي..

ظهر في ابتسامته الانتصار المُغتر، لتقترب وتلثم شفتيه تشتته.

همس لها بحرارة راضية: يا خبثك..!

:

كلما عرفت أكثر عن ناصر النجم، كلما شعرت ثريا بالفضول حياله أكثر.

تعرف أنه رجل أعمال مشهور من عائلة مرموقة، تعرف أنه كان صديق زوج أختها في الماضي، لكن تلك التركيبة كان يجدر بها إبعاده عن سبيلها، فما باله تقدم إليها بخطبة؟

عجيب، أمر هذا الرجل..

منذ اتفاقه بموعد عقد قرانهم، وهو يرسل لها النفيس من الهدايا. كلها ذات ذوق رفيع نال إعجابها بجدارة، لامس جانبا مدفونا فيها، جانب أحب التدليل والاهتمام، جانب فقدته بتغير حال أبيها ووفاة أمها ثم لسنين طوال بعدها..

سألته في المرة الوحيدة التي كلمته على الهاتف عن سبب تكليفه نفسه. وكم كان صوته ذاك مألوفا عندما سألها بدوره بغموض ودفء، كأنه مرتبط بذكرى قديمة..: الأحلام لها أسعار؟

أجابته مستغربة من سؤاله: لا..

ليرد: مهما حاولت، فهدية مني ما راح تماثل قيمة كلمة القبول منك.

للحظة، لم تستطع إيجاد ما تقول. غريب، وهي من كان لسانها لا يجد صعوبة بالانطلاق برد.

لم تتلقى غزلا صريحا كهذا في فتوها.. أتتلقاه في عمرها هذا؟

شكرته على كرمه وأنهت المكالمة على عجل.. كان لديها الشك بأنه عرف ما سبب عجلتها، فضحكته الخافتة وهو يودعها بسلام دلت على ذلك.

حسنا إذا، صدق مالك عندما قال أن ناصر كان لديه أسلوب لبق ساحر في الكلام..

مضت الأيام والشهور سراعا إلى أن أتى اليوم الموعود، يوم تزف فيه إلى الرجل الذي لم تشعر بمثل هذا الفضول المُلح حياله لاحد قط.

لم تحب التجمعات الضخمة، فسألت إذا كان بالإمكان إقامة حفلة صغيرة بين أفراد العائلة المقربين، وكان لحسن حظها ما أرادته..

من يرى إشراف وحرص مالك وطيف على هذا الحفل سيظن أنهما كانا أبويها. لم يتركا لها تفصيلا إلا وهما يتوليانه. ابنة ناصر اشتكت بمرح لها عن ذلك: ما خلولي شي يا خالة..!

لترد عليها طيف وهي خارجة بعجلة لتنظيم أمر ما: توك جيتي من شهر العسل وتبغين تشتغلين؟

نظرت سعاد إليها بقلة حيلة: شفتي؟

لتؤيدها بابتسامة، تحاول منع دموعها من التشكل من تأثرها.

حتى وإن لم ترتد فستانا أبيضا وتسرف في الزينة، فإن ما كانت عليه من التزين فاق ما بدت عليه منذ دهر. بجلابية فخمة متنوعة النقوش، متدرجة الألوان بين الأحمر والأسود والذهبي.. بطقم ذهبها الرنان.. بشعرها الأسود الطويل المموج حر الانسدل.. بالكحل وحمرة الشفاه المماثلة للدم بحمرتها..

بدت بصورة أرضتها، أرضت غرور الأنثى فيها.

هتفت سعاد بإعجاب: يا إن أبوي بيروح فيها الليلة!

ضربتها طيف بخفة على رأسها: قولي ما شاء الله!/ التفتت إليها لتبتسم بدفء وتبدأ بالقراءة عليها.

:

أخيرا زُفت لتدخل إلى بيت زوجية جديد..

عند انتهائهما من الصلاة والدعاء، جلسا بصمت، ينظر كل واحد منهما للآخر. ربما لاستيعاب فكرة ارتباطهما الجديدة، ربما لتخمين أطباع أحدهما الآخر قبل الكلام.. بمقابلته الآن وجها لوجه، رأت ثريا رجلا لم يبد عليه عمره، بملامح جذابة سمراء، يخالط أبيض الشيب الأسود ليضفي عليه وقارا فخما ساحرا.

نظر ناصر إليها بانبهار سرها للغاية ولكن في نفس الوقت حيرها، فنظرته حملت شيء ماثل الشوق في جموحه، كأنه أخيرا وصل لغاية طال سعيه لها.

سألته السؤال الذي فكرت به من اللحظة التي طلب يدها للزواج: ليش أنا بالضبط؟

ابتسم، وغريب أكثر.. كيف كانت ابتسامته تلك مألوفة لها: توقعت بتسألي ذا السؤال../ استطرد، يحكي عن ذكرى: بدا كل شيء من وحدة هددتني بكلمات عمري ما بنساها.. "إذا ناوي كلام مع أبوي، أبوي ما يستقبل ناس. إذا ناوي تتصدق، فيه بيوت ثانية أولى. إذا ناوي نية شينة فبيتنا، قسم بلم عليك الحارة كلها..!"

اتسعت عيونها، ونطقت بذهول..: إنت..!

تذكرته.. ذلك الشاب الغريب الذي لم تفهم أبدا غايته. لم يفدها أفراد الحارة بشيء عنه، فقط أنه مستثمر يريد تفقد أراض في الجوار.

في بادئ الأمر كان سؤالها عنه تخوفا من أهدافه، ثم غضبا.. فهي قد ضاق الذرع بها بتلك العائلة التي ظلمت أباها في مقتل ولدهم. حتى بعد أن بٌرئ اسمه ورُفعت التهم عنه، ما زالوا يترددون عند بابهم يطلبون الصفح، غير داريين بأن لقياهم تسببت في تجديد الجراح، في تذكير أبيها بكل ما فقده في سعيهم وراءه خطئا على الرغم من وجود متهمين أكثر استحقاقا. ما نفع الاعتذار بعدما دمروه؟

عندما تبين أن ذلك الشاب لم يكن من طرف تلك العائلة، ولم يكن يريد شرا ببيتهم، انزعجت، أيكون من أولئك المشفقين على حالهم..؟

لكن لا.. لم يكن منهم أيضا.. عندها اعتراها الفضول، الفضول والفضول والفضول.. وربما، إعجاب صبية من بعيد. مزحت جارة لها مرة بأنه يمكن لذاك الشاب أن يتقدم لها خاطبا، ولا تنكر.. نالت تلك الفكرة استحسانها في السر.

لكن ذاك الشاب لم يأت لخطبتها، وهي تزوجت في نهاية الأمر بآخر.

نسته وعاشت حياتها قُدما إلى أن طُلقت، لتتلاقى طرقهم من جديد.. لم تمني نفسها بالزواج منه تلك المرة وتزوجت مرة ثانية، ليصبح هو ذكرى دفينة بين طيات الماضي..

قبل هذه اللحظة، على الأقل..

راقب وجهها يضيء باستيعاب لهويته: الدنيا غريبة، تتلاقي بناس بطريقة ما تتوقعيها أبد..

همست بالكلمة الوحيدة التي تشكلت في ذهنها: كيف؟

ليخبرها بحكايته، وعن مسار الأحداث من جهته، لتكون هي المستمعة له، تتفاجأ وتتأثر وتنفعل من كلماته..

قالت بهدوء بعد انتهائه من حكاياه، بعد لحظة صمت، تنظر إلى نقوش يديها بتشتت: يمكن ما أكون الإنسانة اللي رسمتها فبالك يا أبو محمد، يمكن يخيب ظنك بالشخص اللي صرت عليه بعد كل ذي السنين..

أدار وجهها برفق ناحيته، ليقول عند التقاء عيناهما: هذي الفرصة نشوف ونعرف../ تناول عندها كفها، ليقبله بعمق، وياللعجب، أخجلها: لكن الصراحة تنقال، اللي سمعته عنك عجبني، واللي أشوفه اللحين يسحر..

ربما هذا ما دلت عليه راحتها بعد استخارتها في أمر هذا الزواج..

هذه الطمأنينة.

:

تنهدت طيف بتعب بعد ركوبها سيارة مالك، ليبتسم لها وهو يشغل المحرك: اشتغلتي كأنك أم العروس الله يهديك..

ابتسمت: تستاهل أكثر، بس هي ما بغت حفل كبير../ سمعته يتنهد لترى ملامحه ممتعضة بضيق. سألته قلقة: وش فيه؟ صار شي..؟

أجابها بصوت اكتساه الغيظ المشجون: أولاد خالتي جو وفي موالهم مصايب عشان يوقفوا الزواج.. تكفلت أنا فيهم وطردتهم. ما راح يقربوا صوبها إلا لو هي طلبت.

أثار الأمر غيظها أيضا: ليه اللحين بعد كل ذي السنين؟ الاثنين تركوها، ما رضوا يكلموها ولا مرة مهما حاولت هي، واللحين ناويين يقطعوا نصيبها؟/ سألته قلقة: قلتلها؟

هز رأسه بــلا: ما بغيت أخرب عليها ذي الليلة، بقولها بعدين..

تنفست طيف الصعداء تؤيده، لتلحظ أخيرا أن الطريق الذي كان يسلكه مالك لا يؤدي إلى البيت: وين رايح..؟

أجابها: بما أن بعض الناس رفضوا حفل زواج ثاني مهما حاولت أقنع فيهم، قررت أسوي شي ثاني..

أوقفهما أمام فندق فخم وأرشدها إلى جناح رائع جميل. أجاب على سؤالها الصامت: بنريح هنا الليلة وبكرة بنروح نسافر لشهر عسلنا./ أكمل غير معطيها الفرصة لتتكلم: كلمت عمتي شيخة ترتب فأغراضك ما عليك..

سحبها قربه، ليبتسم لها بمعنى: زي ما تشوفين، المكان مرتب حده، فما في شي يمنعك تقضي الليلة جنبي..

احمرت بإحراج وخجل من ذكرى ليلة زواجهما الأولى، عندما كانت الفوضى التي أحدثها مالك في الملحق ما استخدمته عذرا لعدم البقاء فيه..

تناول وجهها بين كفيه برقة، ليقول: وعدت نفسي أعوضك بكل شي قصرت فيه في الماضي، وبإذن الله بكون عند ذاك الوعد..

ابتسمت له بحب: ما يحتاج يا مالك، وجودك معانا يكفي..

استغرب وكرر: معانا..؟/ اتسعت عيونه، ليسأل بذهول: إنتي..؟!

ضحكت من تعابير وجهه المنصدمة وهي تومئ له بنعم، استيقاظه من ذهوله ليبدأ بالانتقال ما بين الفرح وشكر الله إلى الصرامة والهلع، تارة يكاد يخنقها حضنا، وتارة أخرى يبتعد لينظر لها باستيعاب: ولك وجه عين تهلكي نفسك في الشغل؟!.. استني، استني.. تقدري تروحين بطيارة ولا هو خطر عليك؟ لا لا، بلغي الحجز أحسن ما بخاطر..

(تذكرت مرة في صغرها كان أبوها يعلمها فيها مضادات الكلمات. أول سؤال سألها في ذلك كان: وش عكس الرحيل؟

لتجيبه بحماس: العودة!)

في هذه اللحظة، شعرت بكل معاني إجابتها تلك.

[تمت بحمد الله..]


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 23
قديم(ـة) 14-12-2017, 08:28 PM
الـــ غ ـــيد الـــ غ ـــيد غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: عكس الرحيل/بقلمي


شكراً كاتبتنا المبدعه
روايه رائعه
ونهايه جميله

اتمنى لك التوفيق دوماً
تحيتي لك
🌹


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 24
قديم(ـة) 03-06-2018, 09:19 PM
صورة ..! Roselle !.. الرمزية
..! Roselle !.. ..! Roselle !.. غير متصل
كَأنَ تِلْكَ الدُموعِ كَقَطْرَةُ نَدَى .. يَقْطُرَ مِنْ النَرجِس عَلى الوَرْدُ
 
الافتراضي رد: عكس الرحيل/بقلمي؛كاملة












رواية مرة ممتعة.

بإنتظار روايتك القادمة.





















الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 25
قديم(ـة) 06-06-2018, 05:58 PM
صورة MiMi-MimooZa الرمزية
MiMi-MimooZa MiMi-MimooZa غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: عكس الرحيل/بقلمي؛كاملة


واااااو يا حلوها حلوااه
جميييلة كثيير .. سلمت يمينك

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 26
قديم(ـة) 23-06-2018, 04:53 PM
صورة رحيق الجنان الرمزية
رحيق الجنان رحيق الجنان غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
11302798202 رد: عكس الرحيل/بقلمي؛كاملة


روايه ممتعه جدا تسلم ايدك
ارجو لكِ التقدم الدائم

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 27
قديم(ـة) 29-09-2019, 11:12 PM
صورة بلبلة الحب 2000 الرمزية
بلبلة الحب 2000 بلبلة الحب 2000 غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
11302798202 رد: عكس الرحيل/بقلمي؛كاملة






جميلة و مختلفة
أحببتها 💗💗






الرد باقتباس
إضافة رد

عكس الرحيل/بقلمي؛كاملة

الوسوم
الرحيل/بقلمي
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
تخلوا عني عندها قررت الرحيل/بقلمي؛كاملة princess doshi روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 158 10-08-2017 01:16 PM

الساعة الآن +3: 04:34 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1