غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 29-03-2017, 07:13 PM
slaf elaf slaf elaf غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي جامعة الفسطاط .. الجامعة الأولى في مصر الإسلامية




اضغط على الصورة لرؤيتها بحجمها الطبيعي

إنشاء مدينة الفسطاط

دخلت مصر في الإسلام، واستظلت بلوائه، وحملت راية العروبة والإسلام لأوَّل مرَّة منذ فتحها القائد العربي المسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه، وقد بنى عمرو رضي الله عنه عقب الفتح مدينة الفسطاط لتكون العاصمة الإسلامية الأولى عام 21هـ، واتَّخذ الأماكن التي نزل بها جيشه معسكرًا عامًّا، وبنى المسجد، وبنى حوله مدينة الفسطاط، التي توسَّطها المسجد، وأخذ يرفع الظلم عن كاهل المصريين، ويُعاملهم بالعدل والإنصاف والرحمة، وأكبر المصريون شريعة عمرو رضي الله عنه ولغته ودينه، فدخلوا في الإسلام أفواجًا.

وكان عمرو بن العاص مع هذه الدنيا المقبلة، والسعادة الغامرة، والسلطة النافذة -أسبق الناس إلى حق، وأبعدهم عن باطل، لم يُعهد عليه أثناء ولايته عل مصر نقضٌ لعهد، ولا خفرٌ لذمَّة، ولا انتهاكٌ لحرمة، وقد نهض بإدارة شئون مصر إدارةً حازمةً رشيدة، دستورها مبادئ الإسلام، وشعارها الحق والعدل والمساواة والحرية.

وأخذت الفسطاط تتَّسع وتزدهر، وصارت منذ إنشاها عام (21هـ/642م) عاصمة مصر السياسية، ومنارة الدين واللغة العربية والمعرفة والثقافة، ومقر العمران والحضارة والرخاء أجيالًا طوالًا.

مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط

وكان مسجد الفسطاط (أو مسجد عمرو بن العاص، أو تاج الجوامع، أو الجامع العتيق، أو مسجد الراية) هو أول مسجدٍ قام في مصر العربية، وكان هو بعد قليل جامعة الفسطاط الإسلاميَّة الكبرى، وكانت المساجد الكبرى في العواصم الإسلامية، لا تلبث بعد إنشائها بقليل أن تتحوَّل إلى جامعات تغصُّ بالعلماء وحلقات العلم والدارسة والبحث.

ولقد ازدهرت الفسطاط بتوالي الأيام، وصارت العاصمة الحضارية والعلمية والأدبية والاقتصادية لمصر كلِّها خلال أجيالٍ عديدة، وصارت من أكثر الأمصار الإسلامية عمرانًا ورخاءً وعظمة.

وجلس الصحابة والتابعون في مسجد عمرو، يتصدَّرون الحلقات العلمية ومجالس العلم، وشجَّع ولاةُ مصر العلماءَ على نشر الثقافة العربية في كلِّ مكانٍ من أرض مصر، وأُنشئت المساجد وأصبحت حلقاتها دورًا للثقافة، يتصدَّرها المحدِّثون والفقهاء والعلماء.

وكانت مدينة الفسطاط تُؤدِّي دورها الحضاري في تاريخ مصر والعالم الإسلامي ووفد عليها الشعراء من الجزيرة العربية. ويصف الاصطخري في القرن الرابع الهجري الفسطاط بأنَّها مدينة مصر العظمى، وبأنَّها في غاية العمران والخصب، وبأنَّ مبانيها قد تبلغ الواحدة منها ثماني طبقات. ويُنوه كذلك ابن حوقل بأهميَّتها الحضارية، ويقول عنها المقدسي (ت 390هـ): إنَّ الفسطاط هي "عاصمة مصر، ومفخرة الإسلام، ومتجر الأنام، وهي أجلُّ من مدينة دار الإسلام". ويقول: إنَّ حلقات مسجدها الجامع ليس في عواصم الإسلام أكبر منها.

مسجد الفسطاط الجامعة الإسلامية الأولى في مصر

وقام مسجد الفسطاط بدور الجامعة الإسلاميَّة الأولى في مصر أكثر من سبعة قرون، وعاشت هذه الجامعة العلمية الكبرى في ظلِّ ازدهار الفسطاط وعمرانها ورخائها، وكان قيام الحلقات العلميَّة والأدبيَّة في جامع الفسطاط -بعد إنشائه بقليل- رمزًا لحركة البناء والتجديد وطموح العقل الإسلامي المصري المتوثِّب دائبًا.

وأعتقد أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل رضي الله عنهما، كان المؤسِّس الأوَّل لهذا الصرح الشامخ، ولهذه الجامعة الإسلاميَّة الأولى في مصر، وكان عبد الله من أئمَّة الصحابة والمحدِّثين، ولا بُدَّ أن يكون قد صارت له حلقةٌ علميَّةٌ في جامع الفسطاط، يتصدَّرها ليفيد الناس في دينهم ودنياهم.

من أعلام جامعة الفسطاط الإسلامية

يرى الدكتور علي اليمني دردير أنَّ يزيد بن حبيب الذي بعث به عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي إلى الفسطاط هو مؤسِّس مدرسة الفسطاط العلميَّة. إنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان بمثابة الباني للحلقات العلميَّة الجامعية في جامعة الفسطاط، وقد أخذت هذه الحلقات تكبر وتنمو شيئًا فشيئًا، وتتَّسع دائرتها، وتفيد العقل الإسلامي الجديد فائدةً جليَّة، ويكون يزيد بن حبيب تاليًا لعبد الله بن عمرو بن العاص في ذلك المجال، ويذكر الدكتور دردير نصًّا للسيوطي في كتابه [حسن المحاضرة (1/ 119)] هو أنَّ يزيد بن حبيب كان "أوَّل من أظهر العلم بمصر، وبيَّن المسائل في الحرام والحلال وكان الناس قبله يتحدَّثون في الترغيب والترهيب والملاحم والفتن". وكان الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز قد بعث به إلى مصر، كما بعث كذلك بنافع مولى عبد الله بن عمر (ت عام 120هـ) ليُعلِّم أهلها السنن والقراءات في جامعة الفسطاط، وكان من أعلامها الثقات في القراءات، ثم تلاه عثمان بن سعيد "ورش" الذي يذكر ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" أنَّه كان له مجلسٌ عامر.

مدرسة علماء الحديث والفقه

ومن مدرسة الحديث عطاء بن دينار الهذلي (ت عام 120هـ) وهو بالطبع يُعدُّ امتدادًا لفكر عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن تلاميذ يزيد بن حبيب: ابن لهيعة (96 - 160هـ)، والليث بن سعد (94-175هـ)، وعبد الله بن وهب (124-200هـ) الذي تأثَّر بآراء أستاذه الليث بن سعد بطريقٍ مباشر، وبآراء ابن حبيب بطريقٍ غير مباشر.

وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول عن (ابن لهيعة): "عنده الأصول وعندنا الفروع". كما كان يقول لطلابه في بغداد: "إنَّ بمصر -أي الفسطاط- صحيفةً في التفسير رواها علي ابن طلحة الهاشمي عن ابن عباس، لو رحل واحدٌ منكم إلى مصر ليطَّلع عليها ما كان هذا كثيرًا". ولابن وهب كتاب (الجامع في الحديث)، والليث بن سعد هو أحد المجتهدين الأعلام وصاحب مذهبٍ من المذاهب المشهورة، وكتاب تلميذه ابن وهب (الجامع في الحديث) أقدم كتابٍ مصريٍّ مخطوطٍ بدار الكتب المصرية، وعليه ما يفيد أنَّ الكتاب قُرئ في مدينة أسنا عام 276هـ.

وهكذا ازدهرت حركة جامعة الفسطاط العلميَّة، وزادت فيها مجالس العلم، وحلقات العلماء زيادةً كبيرة، وأمَّ هذا المسجد الجامع أو الجامعي الكثير من العلماء الأعلام، والأئمة المجتهدين، ممَّن أفادوا العالم الإسلامي، وأدُّوا له خدمات صادقة في مجال الثقافة والتعليم، وفي مختلف علوم الشريعة والدين واللغة والأدب والعلوم الأخرى.

وقد قصد الكثير من الشعراء مصر، ووفدوا إلى الفسطاط وجلسوا في حلقات جامعتها الإسلاميَّة الكبرى مثل أبو تمام الطائي (190-231هـ) تعلَّم في هذه الحلقات، وأبو نُوَاس وفد على الخصيب أمير مصر، وجلس في حلقات المسجد وأفاد منها.

ولمـَّا وفد الإمام الشافعي إلى مصر عام 198هـ وأملى فيها مذهبه الجديد، كان مسجد عمرو أو جامعة الفسطاط مركز نشاطه العلمي الديني؛ حيث صارت له حلقةٌ فيه، وزاويةٌ منه كان يدرس فيها مذهبه، ويُدوِّن آراءه، وعلى يديه تخرَّج كثيرٌ من العلماء الذين دوَّنوا المذهب، ونشروا علم أستاذهم.

ومن جامع الفسطاط انتشر مذهب الشافعي على أيدي تلاميذه، ومن قبل كانت السيادة للمذهب المالكي الذي كان أوَّل من أعلنه في مصر ونشره فيها عثمان بن الحكم الجذامي، ومن شيوخ المالكيَّة فيها إصبع بن الفرج، كما كانت أول محاولة لنشر المذهب الحنفي فيها على يدي القاضي إسماعيل بن سميع الكندي، الذي ولَّاه العباسيون عام 164هـ قضاء مصر، فعمل على نشر مذهب أبي حنيفة فيها، وكذلك نشر الحنابلة مذهبهم في أرجاء مصر.

ومن علماء مسجد عمرو كذلك إسحاق بن الفرات تلميذ الليث بن سعد (ت عام 204هـ)؛ وقال عنه الشافعي: ما رأيت بمصر أعلم منه باختلاف الناس. وكذلك إسحاق بن بكر (ت 218هـ)؛ وكان يجلس في حلقة الليث ويفتي بقوله، والطحاوي؛ وإليه انتهت رياسة الأحناف في مصر (239-321هـ)، وبكَّار بن قتيبة؛ من قضاة مصر الأحناف (210-270هـ).

مدرسة علماء السيرة والتاريخ

وقامت في جامع عمرو حلقة تاريخيَّة تصدرها محمد بن إسحاق صاحب السيرة (ت 151هـ)، ثم عبد المطلب بن هشام راويته، ومحمد بن أبي الليث، ومن حلقة المؤرخين المصريين: ابن عبد الحكم المصري مؤلف كتاب (فتوح مصر) (169-256هـ)، ووالده عبد الله بن الحكم (150-214هـ)، والكندي، وابن يونس (281-347هـ)، وعمَّار بن وسيعة المصري (ت 289هـ)، وابن زولاق المصري (306-387هـ) الذي وُلِدَ بالفسطاط.

مدرسة اللغويين والنحويين والأدباء

ومن مدرسة اللغويين النحويين الأدباء في جامعة الفسطاط: ابن ولَّاد (ت 232هـ) شيخ العربية في مصر كما يقول السيوطي في كتابه (حسن المحاضرة، 1/228)، وأحمد بن يوسف بن الداية صاحب كتاب (المكافأة) وقد تُوفِّي بعد عام 230هـ، والحسن بن داود بن بابشاذ المصري النحوي المشهور (ت 339هـ)، وأبو جعفر النحاس (ت 338هـ)، والأدفوي النحوي المفسر (ت 338هـ).

ويروى ياقوت في كتابه (معجم الأدباء) أنَّ الطلاب المصريِّين في جامع عمرو سألوا ابن جرير لطبري (ت310هـ) أن يُملي عليهم شعر الطرماح، وكانوا لا يعرفون شيئًا منه، وكان ممَّن سأله في ذلك عبي بن سراج المصري، فأجابهم إلى طلبهم، وأخذ يمليه عليهم ويفسر غريبه (معجم الأدباء، 6/343).

ومن العلماء الأجلَّاء أبو بكر بن الحداد (265-345هـ)، وكان كما يقول السيوطي في كتابه (حسن المحاضرة، 1/126): يُلقَّب بفقيه مصر وفصيحها وعابدها، وكان يدرس في جامع عمرو. وقد وفد على مصر أبو العباس الناشئ الأكبر (ت 293هـ) وألقى آراءه في الشعر والنقد في مسجد عمرو.

وقد تصدَّر حلقات العلم في هذه الجامعة الكبيرة بعض الوزراء، مثل: أحمد بن يحيى الوزير، وابن سليمان التجيبي (171-250هـ) وكان له مجلسٌ عامٌّ بجامع عمرو، وقد صحب الشافعي حين وفد إلى مصر ولازم حلقته العلميَّة في هذه الجامعة -جامعة الفسطاط- ولازمه، وأخذ الكثير عنه، كما يقول السيوطي في كتابه (بغية الوعاء ص174)، متخذًا في ذلك سنن أستاذه الإمام الشافعي الذي كان يجلس في جامع عمرو يلقي فيه دروسه العلميَّة الحافلة حتى استأثرت به رحمه الله.

وكما كان أبو نواس من قبل (145-198هـ) يجلس في حلقةٍ في جامعة الفسطاط، ويتَّخذ له مجلسًا أدبيًّا في المسجد الجامع، ويلتفُّ حوله الشعراء والأدباء والنقَّاد أثناء إقامته في مصر، كان كذلك أبو الطيِّب المتنبي أثناء إقامته في الفسطاط (346-390هـ) ويجلس في حلقةٍ خاصَّةٍ في جامعة الفسطاط، وحوله الشعراء والنقاد والأدباء يُملي ويُنشد شعره لهم، ويستمتع لنقدهم، ويُجاريهم ويُحاجُّونه، وكان ممَّن أخذوا ينقدون شعره: الوزير ابن حنزابة وزير كافور الإخشيدي (ت 257هـ)؛ لأنَّ المتنبي أبى أن يمدحه، وكذلك سيبويه المصري أبو بكر محمد بن موسى الصيرف، وسواهما.

وكان هناك في حلقة مسجد الفسطاط لفيفٌ من الشعراء يُبدون إعجابهم الشديد بالمتنبي وشاعريَّته، ومنهم عبد الله بن محمد بن أبي الجوع، وصالح بن رشدين الكاتب، وابن طباطبا العلوي المصري وسواهم.

وهكذا تعدَّدت الحلقات وتنوَّعت في جامعة الفسطاط وتصدَّرها كبار العلماء والأدباء والمفكرين والنقاد، وخرَّجت هذه الحلقات أجيالًا عظيمةً من الباحثين والمتخصِّصين عامًا بعد عام، ممَّا أمدَّ مصر بهالةٍ من الجلال، وجعلها تتصدَّر أمم العالم الإسلامي في حمل رسالة الدين والثقافة والحضارة، حتى لقد سبقت بغداد في هذا المضمار.

واستمرَّت جامعة الفسطاط تُؤدِّي دورها الحضاري، ولفضل هذه الجامعة أصدر أمير مصر الأموي عبد الله بن عبد الملك أمرًا رسميًّا عام 87هـ بأن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسميَّة للدولة.

جامعة الفسطاط حاملة لواء الثقافة الإسلامية العربية

ولمـَّا انتقلت الدولة في مصر إلى الفاطميين من عام (358هـ/968م) واستمرَّت في أيديهم قرنين كاملين أو يزيد، حتى عام (567هـ/1171م)، شيَّد الفاطميُّون الأزهر الشريف، وافتتح في رمضان من عام 361هـ، ولم يلبث أن أُقيمت الحلقات العلميَّة فيه، وصار جامعةً إسلاميَّةً ثانيةً في مصر، ثم أقام الحاكم الفاطمي دار الحكمة أو دار العلم الشهيرة عام (395هـ/1005م)، التي نافست الأزهر -أيضًا- في رسالته العلمية الجامعة، ومع ذلك كلِّه فقد كانت مكانة الفسطاط وجامعة الفسطاط قويَّة ضخمة لم تتأثر بالعواصف السياسية الهوج، فاستمرَّت جامعة الفسطاط في مسارها العلمي، فالحلقات العلميَّة والطلاب ظلَّت كما هي، وظلَّ التدريس في مسجد عمرو طويلًا.

وظلَّ مسجد الفسطاط الجامعي منتدى لأهل الفضل والأدب، وحمل لواء الثقافة الإسلاميَّة العربيَّة خافقًا عاليًا، كما كانت الفسطاط مدينة حضاريَّة ذات منزلةٍ علميَّةٍ وفكريَّةٍ وأدبيَّةٍ واقتصاديَّةٍ رفيعة.

وإن كان الجامع الأزهر أخذ يُنافس المسجد الجامع الجامعي في الفسطاط في حلقاته العلميَّة ومجالسه الأدبيَّة، كما أخذت دار الحكمة تُنافسهما معًا؛ حيث صارت مثوى للمجالس العلميَّة الكلاميَّة والفلسفيَّة، فإنَّ الفسطاط وقد فقد رعاية الدولة لم تضعف قوَّته، ولم تلن قناته، واحتفظت جامعة الفسطاط بأهميَّتها وبطابعها الديني والأدبي معًا.

وفي فترات ضعف الخلافة الفاطميَّة كانت الفسطاط وحلقاتها العلميَّة تتفوَّق على القاهرة، ممَّا تحدَّث عنه الكثير ممَّن زاروا مصر من العلماء والرحَّالة المسلمين، مثل: أميَّة بن عبد العزيز بن أبي الصلت (ت 459هـ) الذي وفد على مصر ودرس الحركة الأدبيَّة والفكريَّة فيها، وكتب عنها رسالةً بقي منها صفحات قليلة هي التي وصلتنا، تحدَّث فيه ابن أبي الصلت عن بعض أدباء مصر وعلمائها، ومجاليهم الفكريَّة والأدبيَّة، وكانت الفسطاط آنذاك -أيضًا- من أغنى الأمصار الإسلامية، وأكثر رخاء، وقد وصفها القاضي محمد بن سلامة القضاعي (ت 454هـ) في القرن الخامس ووصف عمرانها وازدهارها.

وفي الفسطاط كانت سوق الكتب رائجة، وكانت صناعة النسخ واسعة النطاق يعيش منها مئات من المشتغلين بالعلم، وحلقات العلم تعقد في المسجد، وكان جامع عمرو -الذي يُسمَّى تاج الجوامع- مكان التحديث والتدريس منذ عهد الصحابة.

واستمرَّت هذه الحلقات العلميَّة كلَّ يومٍ بلا انقطاع في جامع عمرو، وكانت لا تقلُّ عن بضع وأربعين حلقةً في عام 749هـ، كما يقول السيوطي في (حسن المحاضرة، 2/136).

وأُحرقت الفسطاط في عهد الحاكم بأمر الله ثم في عهد شاور عام 564هـ، وفي الحريق الثاني مُحيت هذه المدينة الإسلامية بما فيها من ذكريات ومكتبات ومدارس ومعاهد علميَّة، ومع ذلك أخذ الناس يُعمِّرون الفسطاط في عهد صلاح الدين الأيوبي، ويسكنونها، ويُقيمون فيها، وينظمون الحلقات العلمية والأدبية من جديد في مسجدها الجامع.

وفي القرن السابع وفد ابن سعيد الأندلسي إلى الفسطاط عام 637هـ، ووصفها في كتابه (المغرب في حلى المغرب) الذي أفرد منه فصلًا كبيرًا عن الفسطاط بعنوان (الاغتباط في حلى الفسطاط) تحدَّث فيه عن المدينة وأدبائها وشاعرها أبي الحسن الجزار (ت 679ه)، وكانت الفسطاط قد استردَّت الكثير من بهائها السالف، وأهميَّتها الاجتماعية القديمة، وظلَّ مسجد عمرو على الرغم من الأحداث عامرًا بحلقات العلم والدرس، وإن كان لم يعد إلى شموخه القديم.

ولم يتخلَّ المسجد الجامع -جامعة الفسطاط- عن دوره الحضاري والفكري والأدبي حتى بديات القرن الثامن الهجري.. ثُمَّ سَكَتَ الصوت، وخَفَتَ الضوء، وحَمَلَ الأزهر وحده عبء الثقافة الإسلاميَّة في مصر العربيَّة، وهكذا انتهى دور جامعة الفسطاط الإسلاميَّة. والله بيده الأمر، وهو المقدِّر والمدبِّر، وإليه المصير.

__________________

المصدر: موقع إسلامي - منقول من مجلة فكر وإبداع، العدد 2، القاهرة، مايو، 1999م.






الرد باقتباس
إضافة رد

جامعة الفسطاط .. الجامعة الأولى في مصر الإسلامية

الوسوم
الأولى , الجامعة , الفسطاط , الإسلامية , جامعة
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
روايتي الأولى : كم أحببته خفايا انثه روايات - طويلة 11 18-02-2017 11:04 PM
~ودك تشوف الحب بـ اصدق معانيه شوف نادي الاتحاد وحب جمهوره*تغطية المونديالي ~ اميرة الروز كووره عربية 205 27-01-2015 07:55 AM

الساعة الآن +3: 09:33 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1