اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات روائية > روايات - طويلة
الإشعارات
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 11
قديم(ـة) 06-09-2017, 07:07 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



8

مر أسبوعان منذ زواجها بليث.. أسبوعان كانا من أكثر أوقاتها إثارة للاهتمام، كافيان لقلب موازين العالم الذي كانت تعيش فيه سابقا.

لم تعتد هذا الدلال. لطالما اعتادت زينة الكفاح، تناسي احتياجاتها والتركيز بالأهم. لم تعتد هذه الراحة، هذا الكرم من زوج.

لكن ليث كان كريما بماله، باهتمامه، وبكلامه المنمق الرائع، الذي دائما ما نجح في إخجالها حد الصمت. أظهر بكلماته ونظراته ومعاملته لها الأنثى فيها، الأنثى التي لم تدرك أنها كانت مدفونة منذ الأزل، تحت أكوام وأكوام من الجحود.

بدأت تخشى على نفسها، كيف أنها بدأت تتعلق بليث في أيام قليلة، تنبئ لها بامتداد كاسح بعد أيام وشهور وسنين أطول..

وإذا حدث وأتى خذلان.. فإن الضربة ستكون أشد وأكثر فتكا..

دار ما أجابت به جود عن سؤال نوف هذا اليوم في بالها، عن سبب طلاق والدها المتكرر..

(أمي ميريام كانت زميلة أبوي في دراسته برا، وماتت هي وأنا عمري سنتين. كان يمدحها كثير، ويقول إني ورثت كثير عنها.
لما رجع أبوي للبلد معاي، ألحت عليه عمتي منيرة يتزوج، ولما وافق، كانت اللي تبغاها له سماهر، بنت صديقتها. من ناحية حب، سماهر حبته، لكن من اللي سمعته من جدتي، فمشكلتها إنها كانت مهملتني بشكل فظيع. أبوي طلقها بعد ما تكررت لي حوادث بسبة إهمالها.

مرت كم سنة وأبوي متجنب طاري الزواج ومشغل نفسه فيني.. إلى أن ترجته عمتي منيرة يجرب مرة ثانية. إقناعه ذيك المرة ما كان سهل، بس في النهاية وافق. كانت اللي اختارتها ليان، أخت صديقة ثانية لها. ليان كانت أهون من سماهر من ناحية الاهتمام فيني، لكن مشكلتها إنها كانت غيورة بزيادة. حتى وأنا صغيرة لاحظت إنها كانت تخنق أبوي بأسئلتها، وأبوي ما ساعد بطبيعته المفتوحة مع الكل. كانت شهرة أبوي مزدادة ذيك الأيام، وبالنسبة لليان كان ذاك الواقع كابوس. في النهاية ما استحملت ذيك العيشة وطلبت من أبوي يطلقها.

بعدين جت هيفاء. ذي المرة عمتي العنود هي اللي طرحت فكرة الزواج مرة ثانية لأبوي، وترجته لشهور لين رضخ. يمكن كان عنده أمل إن بيكون فيه تغيير إيجابي لأنها ذي المرة جت من مصدر ثاني. هيفاء كانت في نفس الحلقة الاجتماعية مع عمتي. ويا سبحان الله، جمعت الإهمال مع الغيرة مع الدلع الزايد. حتى لما بغى أبوي يطلقها سوت سالفة وطولتها بكذب وتهديدات.

من بعد ما طلقها، أبوي عاف طاري الزواج كله..)

تساءلت زينة إذا كانت هناك لحظة كان ليث مثلها، يحاول المضي وإصلاح زيجة فاشلة منذ بداياتها. تساءلت أكثر عن وجهة نظره، عن جانبه من القصة.

:

أسبوعان مع زينة، وشعر ليث أن الدلال أفسده.

لم يعتد اهتمام أنثى كما تفعل زينة معه. لم يعتد هذه المداراة. لم يعتد زوجة توقظه للصلاة، تجهز له ما يلبس، تهتم بما يأكل، تسأل عن أخباره وتبدو حقا مهتمة لها. لم يعتد أنثى تتعامل معه دون أن يكون الغنج المصطنع مكتسيا لكل أفعالها، دون أن تشتبه كل حركاته.

كيف كان يعيش من دونها؟ لا يدري، لكن زينة صارت إدمانا له لا يتخيل تركه للحظة.

أصبح يتصيد جعل الحمرة تغمرها، أصبح يهدف لحفظ ابتسامتها في قلبه، أصبح يشتاق لقربها وهي على بعد خطوات..

ما الذي كان يحدث له؟

/

/

لم يكن أمر التأقلم مع وضعه الجديد بالصعوبة التي توقعها.

زملاءه في العمل لم يقصروا في إعلامه بكل مشاريعهم القائمة والسابقة. أصدقاءه الجدد الذين اكتسبهم في السنين الأخيرة عرفوا له عن أنفسهم فردا فردا مرة أخرى. وكذلك فعل جيرانه ورفقاء المسجد.

حتى ابنه ساري ساعده بطريقته الخاصة، وسرعان ما وجد ياسر نفسه يشعر بمشاعر الأبوة التي لم يؤثر عليها فقدانه لذاكرته.

قد يكون متيبسا في كبرياءه أحيانا، لكن الآن لم يكن بوسعه رفض المساعدة، ولن يفعل. يريد استعادة ذاكرته اليوم قبل الغد، وسماع أخباره من آخرين كان بديلا أراحه.

النقطة الأكثر غموضا في حياته كانت، وياللعجب، زوجته. فحتى مع دعمها اللامتناهي له، أحس بشيء تخفيه عنه، نقطة معينة تمشي حولها دون الكلام عنها.

لا يريد معرفة شيء بقدر ما يريد معرفة بيان، كشف الغموض المحيط بها.

تذكر عندما رآها للمرة الأولى، بعد استيقاظه على تلمسها الرقيق لملامح وجهه. أبهرته، أبهرته من بحر عيونها ذو اللون الشبيه بالقهوة، إلى غمازتها التي أبرزتها ابتسامتها، أبهرته حتى نسي أنه لم يكن يعرفها، أنه يجب أن يغض بصره. يذكر كيف سأل وقلبه يقرع طبولا عن هويتها، كيف ارتاح ولم يصدق حظه بمعرفة أنها كانت زوجته.

كانت بيان ما خفف عنه حمل واقعه الثقيل، هذا العالم الذي كان فيه شبه ضائع. من اللحظة الأولى ساندته، وفكر كم أحسن الخيار فيها.

تحرق شوقا إلى زياراتها، إلى رؤيتها وسماع ضحكاتها، بطريقة مفضوحة جعلته موضوع الممرضات المفضل.

لكن، على الرغم من عفوية تعاملها معه واهتمامها الواضح به، فإن بيان كانت تبقي حاجزا خفيا بينهما.

لذا، قرر أن يدرس تصرفاتها معه في البيت، مبقيا أسئلته قليلة، ويرسم مخططا يدله لاستنتاجه.

يذكر مرة سألها عن تعامله معها كزوج، لتتجنب السؤال ببراعة مغيظة، كأنها معتادة على تجنب إجابة أسئلة كهذه.

"في شي غريب في حياتي معاها.."

وهو كان لديه الشك أن السبب كان هو.

/

/

رجع طلال من محل التموينات، مقطبا حاجبيه لرؤية مقعد ميساء خاليا: لسى ما رجعت ميساء؟

أجابته عبير باستغراب: لأ، لسى.. ما راحت عندك؟

هز رأسه بالنفي، ليجرب الذهاب عند ابنه. سأله: ميساء عندك؟

رأى التوجس في عيون جواد من سؤاله، مجيبا له بالنفي وهو يتجه إلى محل التموينات ليبحث فيه: لأ، مهيب عندي.

لكن مهما بحثا في محل التموينات، مهما سألوا في المصلات، لم يعثروا عليها. عرضيا سمعا ذعر امرأة تهتف أنها اتصلت بالشرطة لرؤيتها حادثة اختطاف حصلت عند دورة مياه النساء.

لم يكد ينطق طلال بكلمة إلا وجواد يقول: خذ لمى عندك ووصلها البيت..

كان تعبيره قاتما مظلما، ناويا كل الشرور.

يذكر طلال هذا التعبير المرتسم على وجه ابنه، يعرف هذا الجموح الذي لا يظهر إلا عندما كان الأمر متعلقا بميساء.

امتثل لما قال وذهب يكلم ابنة أخيه لتركب معه بدلا من جواد.

:

أفاقت ميساء على تلمس مقرف لوجهها، لترى عيون خاطفها الملثم تبرق بالرضا السافر. رأت نفسها مربوطة إلى عامود معدني بحبل سميك وبإحكام، في أرض فضاء لا روح فيها. "تجهز زين، السافل..!"

رأت طرحتها ونقابها مرميان جانبها، لكن عباءتها ما زالت عليها.

شعرت بشعور ذعر بارد يتسلل لاقتراب الخاطف منها، يمسح بعيونه على تقاسيم جسدها المستورة. أخذت تلهج بالدعاء في سرها، تشعر بالدموع تنزل صامتة على خديها لموقفها. حاولت تمثيل الصلابة بقولها، ناوية إضاعة الوقت ولو بدقيقة: لساتنا قريبين من نقطة تفتيش. لو اقتربت مني شبر بلم عليك الناس كلها!

لم يكترث واقترب، لتعض على يده عندما امتدت إليها. صفعها بكل قوة حتى أحسن بطعم الدم في فمها، لكنها لم تكترث أيضا وأخذت تتلوى في مكانها، تعض أي شيء يصلها منه، تصرخ بكل ما أوتيت من قوة. لم تكترث حتى عندما وضع السكين بتهديد على عنقها، بل فضلت الموت على ما يبتغيه: ما بتتهنا فيني وأنا عايشة! ما بتتهنا!

كان هذا كفيلا باستفزازه إلى درجة لكمها بكل غضبه. شعرت كأن فكها ينفصل من محله للحظة. بصقت الدم الذي تجمع في فمها بوهن، لكنها رجعت بالنظر إليه بثبات: اذبحني أفضل لك..

رفع يده ليوجه لها ضربة أخرى، لكن قبل أن تأتي أتى ذاك الصوت الهادئ آمرا: بعد عنها..

رفعت نظرها فإذا هي ترى جواد واقفا والشرر يتطاير من عيونه، غضب قاتم مرتسم على تعابير وجهه الجامدة عادة.

تركها الخاطف لينقض بالهجوم عليه، لتراهما يخوضان في عراك مميت. لمحت الخاطف يطعن فخذ جواد بسكينه قبل أن يقلب عليه جواد الآية وينهال عليه باللكمات التي أودت على الخاطف بالإغماء..

عندما رأت الخاطف يسكن تحت جواد دون حركة، صاحت توقظه من هياج غضبه: خلاص! خلاص، انغمى عليه! تكفى لا تموته وتدخل نفسك في مشاكل مالها نهاية!

كررت وهي تشهق بدموع لم تدرك أنها تذرفها، تراه يتوقف ليلتفت لها، قبضات يديه مضرجة بالدماء: خلاص يا جواد.. راح شره..

وقف بصعوبة عندها، يلتقط السكين الملقى على الأرض، ويجر الخاطف من قدمه. فك أسرها من الحبال ليقيد الخاطف بها، رابطا له بالعامود المعدني. رأت جواد يتهاوى في وقوفه لتقترب منه وتجعله يستند عليها، ماشية معه إلى السيارة.

سمعته يزفر: أقدر أمشي..

لكنها تجاهلته، كان جل همها ذاك الجرح الغائر في فخذه والعواقب التي سيحدثها.

عندما وصلا إلى السيارة، جعلته على الفور يستلقي على المقعد الخلفي. قلبت في السيارة بحثا عن أغراض تنفعها قبل أن يقول كلمة حتى.

تحمد ربها على تذكرها لعادته في وضع عطر في سيارته. أخذت لها علبة المناديل مع زجاجة العطر وقارورة ماء ممتلئة وجدتها ملقاة في أرضية السيارة.

حاولت إيقاف النزيف ثم تنظيف الجرح بقدر ما تستطيع. خلعت عباءتها ثم قطعت أسفل فستانها ذا القماش القابل للتمدد بقدر يكفي للفه فوق المناديل التي وضعتها فوق الجرح.

بقي جواد صامتا يراقبها بنظرة لم تعر لها في هذه اللحظة بالا. وعندما انتهت، قفزت إلى مقعد السائق تشغل السيارة لتتجه إليها إلى أقرب مركز صحي.

سمعت صوته وهو يسأل، يقاوم الألم: من متى.. وإنتي تعرفين تسوقين؟

أجابته محاولة بكل جهدها دفع غضبها القلق: أبوي علمني قبل لا أتزوجك..

سألها: وين؟

كانت ستجيبه بـ"الكويت" لكنها انفجرت: غبي إنت؟! ليش جيت وحدك وما انتظرت الشرطة؟ متى بتطبل تسوي تضحيات عشاني؟!

ألا يعرف أن قلبها تجمد خوفا عليه من اللحظة التي ظهر فيها لوحده، أنه اختفى جزعا وصدمة عندما طُعن؟

وكأنه يريد إغاظتها أكثر، رد عليها بضعف وبتسلية ساخرة: إذا بتظني إن كلامك هذا بيخليني أندم على جيتي، فإنتي.. غلطانة..

ضربت بيدها على المقود، تهتف بين دموعها: غبي، غبي..!

أخيرا وصلت إلى المركز الصحي، لكن قبل أن تخرج أمرها بغيظ بالكاد كبت: إلبسي عباتك.

عندها تذكرت أنها فقط كانت لابسة لفستان يصل عادة إلى منتصف ساقيها، لكن بعد ما فعلته به وصل الآن إلى فوق ركبتيها بقليل. لبست عباءتها ثم همت بالخروج، ليأمرها بصوت أشبه بالفحيح: تغطي!

تذمرت بذات الغيظ: أنا وين وإنت وين! ما عندي شي اتغطى به. خلينا نطلع وننادي أحد يشوف حالتك!

عندها مد يده ليعطيها طرحتها الملطخة بالرمال: متى أمداك..؟

كرر ولم يجبها: تغطي..

عندما فعلت ساعدته على الخروج، تحاول دفع خوفها عليه بثرثرة "راح يكون بخير.. راح يكون بخير بإذن الله..": كان قلتلي إن طرحتي عندك عشان أربط جرحك فيها وما شقيت فستاني. تدري إنه كان آخر صرعة..؟

وترها قربه. ارتعشت لهمسه العميق الحريري في أذنها عندما أسندته عليها: يمكن كنت أبغى أشوفك تشقين فستانك..

ازدرت ريقها وتنحنت، لتقول بخفوت: شكل فقد الدم بدا يلعب فيك لعب..

:

وقتهم في المركز الصحي كان حافلا، ما بين تقارير شرطة وإجراءات طبية.

أخيرا انتهى الأمر وبقيا ينتظران وصول عمها طلال بصمت قطعه جواد عندما رفع يده، يتلمس اللاصقات الطبية فوق وجهها، معالجة للكدمات المطبوعة عليه من فعل الخاطف. كان جواد مصرا على معالجتها قبل معالجته هو لعجب الأطباء المناوبين.. وكان تلمسه ذا رقة سلبت نفسها للحظة. سألها: إنتي بخير..؟ اللي مريتي فيه..

لا تنكر، شعرت باليأس والدمار للحظة، لكن الله أعانها وأعطاها فرجا تمثل في جواد. شعرت بلمسات أنامله تطهر لوث الخاطف.
ابتسمت له بدفء: إيه.. أنا بخير..

قطع دخول عمها طلال عليهما، ظاهرا عليه الفجع لمرآهما.

قابلتهما العمة عبير بفجع أشد عند رجوعهم إلى الرياض، في أحد المستشفيات التي أصر عمها طلال على زيارتها للتأكد من حالة ابنه.

وأما لمى، فإنها انقضت عليها بالصراخ: كله منك، كله منك! طول عمرك تجيبين له البلى! كان بيموت بسبتك!

ردت عليها ميساء بجمود: أدري.. وبتحمل المسؤولية..

التفتت عندها إلى عمها طلال الواقف معهم خارج الغرفة التي كان يجري جواد فحصه فيها: لما نطلع، ممكن توديه قسمي عشان أعتني فيه؟

بدا على عمها استحسان الفكرة، بينما بدا على لمى الإعتراض القاطع، لكن قبل أن تبديه أيدتها، وياللعجب، العمة عبير: إيه، أفضل له. أصلا لمى ضعيفة حدها وما بتستحمل منظر الدم، فما أظن بتقدر تهتم بجرح كبير زي اللي عند جواد..

وبهذا حُسم الأمر.

انتهى البارت..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 12
قديم(ـة) 07-09-2017, 03:11 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



9

فُتح باب مكتبته، وتلقائيا نظر ليث لجهته يرى من الداخل، متوقعا إما جود أو زينة، ليرفع حاجبا بتفاجؤ عندما تبين أن الداخل كانت نوف.

بدت متوجسة بعض الشيء وهي تمسح بنظرها على جوانب المكتبة، قبل أن تسأل: جود كانت هنا؟

ذكرت زينة أن ابنتها نوف كانت من النوع المنفتح، الذي يأخذ ويعطي مع الناس بسهولة، لكنها لم تعامله هكذا، بل شابها نوع من التوتر. لم يرد الضغط عليها فتركها براحتها تتعود عليه.

أجابها أخيرا بابتسامة: توها كانت عندي بس راحت لما شمت ريحة الأكل من المطبخ./ أردف بتسلية: طبخ أمك جاب راسها..

ضحكت نوف بخفة: صديقاتي كل أسبوع كانوا يسنترون عندي.. كنت أظن إنهم يبغون خشتي بس تبين أنهم ملهوفات على طبيخ أمي. ما أتعجب من حالة جود..

ضحك هو بدوره من تعليقها، ليبتسم عندما توقف لملاحظته أن نوف كانت تشبه أمها في ضحكها.

استأذنت نوف لتخرج فاستوقفها: تعالي، أبغى أعطيك شي قبل ما تطلعين..

أخرج نسخة موقعة من آخر رواية نزلت له، يعطيها لها عندما اقتربت: أمك قالتلي إنك متابعة لسلسلة رواياتي وما قدرتي تشترين روايتي الأخيرة لأن النسخ كلها انباعت.. عشان كذا..

بدت نوف مذهولة وأكمل: إذا ربي كتب إني أنشر رواية بعدها، أول نسخة بتكون لك.

قالت والفرح ظاهر في نبرة صوتها المرح: يعني صرت في أي بي؟

أومأ بموافقة: في أي بي ونص..!

تذكر ما اعترفت له زينة في ذات أمسية..

(بنتي نوف.. ما عمرها حست إنه كان لها أب..)

قد قال لزينة أنه سيعامل ابنتها بحسبان ابنة له، وهذا ما سيفعل.

:

كانت تعد قهوة لنفسها عندما أحست بأحد يحتضنها من الخلف، بيد دافئة تقيد خصرها، وأخرى تمتد لتنزع ملقط شعرها بعيدا، تاركا لشعرها ينسدل إلى كتفيها بطبيعته المموجة.

سألته بابتسامة: وش العداوة القائمة بينك وبين كليب شعري؟ كل ما تشوفه علي تنزله..

أدارها ليث بخفة جهته، لترى ابتسامته المتسلية، والافتتان الفاضح في عيونه: وش نسوي لو يمنعني أشوف المنظر الجميل هذا؟/ استطرد بتفكير: تدرين إن شكلك يتغير على حسب حالة شعرك..؟

ضحكت برقة، لا تدري ما يهدف إليه لكنها مستمتعة بقربه على أية حال: طيب..؟

أكمل: لما يكون مرفوع لفوق يعطيك صرامة حلوة وهادية..

سألته بفضول: ولما أخليه حر؟

أجابها بهمس حار: يخليك فتنة، ويخليني أنسى عقلي..

وكان سيثبت لها مدى نسيانه لنفسه، وكانت ستتركه ليفعل ما يشاء، لولا أنها سمعت صوت جود ونوف يقترب لجهة المطبخ، لتخطو بعيدا عنه تحاول أن تضبط نفسها.

سمعته يتنهد ثم يتوعد بخفوت معني لها، يجعلها تحمر أكثر: لقاءنا الليلة../ رفع ملقط شعرها وهزه بغمز: وهذا بيكون رهينة عندي..

خرج والفتاتان يدخلان. سمعت جود تتساءل وهي تنظر في أثر والدها: وراه يبتسم كذا لنفسه؟

سمعت نوف تهتف بدورها، توقظ زينة من غفلتها: يا جميل، أدينا وجه!

/

/

انتهى الفيلم الوثائقي الذي كانا يشاهدانه، ولاحظت التفات ياسر لها، كأنه يريد قول شيء..

سألته: وش فيه؟

بدأ يقول وفي ملامحه التفكير: ما لاحظتي إنك أبد ما تتكلمين عن نفسك معاي؟ ما عرفت إلا اللحين إنك مهووسة أفلام وثائقية..

حاولت التخفيف عنه، مستغربة من اهتمامه بهذا الأمر: ما فيها شي..

هز رأسه بــلا، ورد عليها بحزم، بعمق صادق: كيف أعرف عن ناس ثانية، وأكثر وحدة أبغى أعرف عنها ما أعرف عنها إلا قليل؟

سألته بدورها بخفوت مرتبك: وش اللي تحب تعرفه..؟

ابتسم بتشجيع: أي شي تحبين تتكلمي عنه..

أخذت عندها تتكلم عن حياتها، عن أبيها المرحوم ذو الصرامة الحنونة، عن أمها عظيمة القلب، عن أخيها الصغير الوحيد المشاكس المحبوب. أخذت تتكلم عن مجال دراستها، عن عملها لفترة في القسم النسائي لأحد البنوك الكبيرة، كيف أنها ضجرت من عملها ذاك واكتسبت شغفا لدراسة التاريخ. أخذت تتكلم عن هواياتها، عن مواد قراءتها ومشاهدتها المفضلة. أخذت تتكلم عن ما تحب وتكره من طعام، ما كانت ضعيفة تجاهه، كيف أن الوحام أفسد عليها الكثير. أخذت تتكلم عن السفر، عن حلمها في زيارة اسطنبول.

أخذت تتكلم وتتكلم وتتكلم.. وياسر كان مستمعا منصتا لها، اهتمامه كله مصوب ناحيتها لا يزل للحظة.

لا تدري متى داهمها النعاس، ومتى استغرقت في النوم. كل ما تعرفه أنها استيقظت على الكنبة، نصف مستلقية على ياسر الذي كان نائما في جلوسه، ضاما لها بين ذراعيه. لم تكن أبدا بالوضعية المريحة، لكنها مع ذلك لم ترد تحريك عضلة، شاعرة بدفء يغمرها.

:

قد شعر أن الدنيا لا تسع مقدار سعادته عندما استغرقت بيان في النوم بين ذراعيه. كان أشبه بالمسكر، التنعم بدفئها ونعومتها وعبير شعرها. فكرة أن ينام وحيدا في تلك الغرفة جعلته يشعر ببرودة قاتلة.

لذا قال لها عندما حل المساء: إنتي وساري ناموا عندي من اللحين ورايح. خلاص.. تعودت.

بدا على ملامح بيان التردد: بس..

ليكمل هو بحزم: أدري إني نسيتك، وأدري إن بيننا نقاط لازم تنحل، لكن هذا مو معناته إني ما أعتبرك زوجتي، وإن هذا الوضع اللي حنا فيه عاجبني. بعد ليلة أمس أحس إني مقدر أنام إلا وإنتي جنبي وفي حضني..

اعتلت الحمرة ملامحها، ماسحة ظهر عنقها بحرج، ووجد ياسر أنه كان يستمتع بجعلها تخجل: طيب، بننام عندك الليلة..

لن يضغط عليها، ولن يطالب بأكثر من هذا، على الأقل حتى يعرف ماهية الحاجز المبني بينهما، وحتى يبدأ بإصلاح ما أفسده.

/

/

رتبت قسمها بحيث أنزلت بمساعدة عمها سريرها الفردي من غرفة نومها في الطابق العلوي، إلى غرفة الجلوس في الطابق السفلي، حتى لا يضطر جواد إلى صعود الدرج. فسرت له لحظة دخوله قسمها: بتظل هنا لين جرحك يتعافى.

بعد ذهاب الكل، بقيا لوحدهما في القسم. وترها وجوده هنا، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، لأنه لم يكن هنا سوى لتعتني به ورد جميله، ليس لأنه عاد إليها.

سألته متجهة إلى المطبخ: وش تحب تاكل؟

سمعته يرد وراءها: مالي نفس فأكل من برا..

سألته هذه المرة وهي تنظر إليه، فهي لم تقصد أن تطلب له وجبة من الخارج: وش تحب أسويلك؟

رأت العجب يرتسم على ملامحه: من متى وإنتي تعرفين تطبخين؟

هزت كتفيها: من فترة، بس مو لذاك الزود..

نظر إليها عندها بنظرة عديدة المعاني لم تفقه أي منها، ليجيبها أخيرا بهدوء: سوي اللي تحبيه..

من ضجرها والحاجة لأن تصنع لنفسها ما تريد دون مساعدة الخدم، أخذت تبحث في اليوتيوب عن طرق تحضير وجباتها المفضلة. لم يكن الطبخ يستهويها وغالبا ما أخفقت فيه.

صنعت له الباستا، أكثر طبق تتقنه، لكن ربما لن يرتقي لذائقة جواد، فهو نشأ على يد أمهر طباخة عرفتها، أمه العمة عبير.

كانت مفاجأة عندما أنهى صحنه كاملا، وحاولت ألا تُظهر مدى سعادتها المحرج أمامه.

أخذ أدويته بعدها، ثم أغلق عينيه ليرحل إلى عالم الأحلام، معطيا لها الحرية في تأمله تحت الإضاءة الخافتة القادمة من الخارج.

كانت مستلقية على الأريكة مقابله، تمسح بنهم على كل تفصيل منه. لطالما كان انطباعها عنه أنه ملكي المظهر، موجع الجاذبية. أهم تفصيل منه كانت محرومة منه هذه اللحظة، عيونه، تلك الجواهر السود اللاتي تلسع من برودتها تارة، وتذيب من اشتعالها تارة أخرى.

تمنت للحظة مجنونة أن تمد يدها تفسد ترتيب شعره البني الكثيف القصير، تمنت لو تستطيع مسح إبهامها على شفته السفلى، تمنت لو توقظه لتغرق في بحر عيونه. لكنها بقيت مكانها تتأمل والشوق يمزقها بسطوته.

تعرف أنها لن تستطيع النوم قريبا، فبدأت أفكارها تقودها إلى اليوم الذي وهبت قلبها فيه لذاك النائم.

سُئلت مرة متى أحبته، لكنها لم تنطق بإجابة. فالحقيقة قد تكون محرجة بعض الشيء.

أحبته من اللحظة التي لاحظت فيها وجوده، أحبته قبل أن تعرف ما معنى تلك الكلمة.

كان اللقاء الأول الذي تستطيع تذكره بوضوح هو في الجنازة التي أُقيمت لأمها. كانت في الخامسة وعرفت لتوها أن أمها قد ذهبت في سفر لن ترجع منه.

كانت تبكي في زاوية بعيدة عن المعزين وعن أبيها عندما جلس ولد أكبر منها جانبها. حاولت عندها كبت دموعها، فهي رأت أن بكاءها عند الناس، عند أبيها، جعلهم يحاولون منعها منه، راسمين ابتسامات زائفة حتى وهم تعساء. لم ترد رؤية تلك الابتسامات الزائفة، ليس وأمها قد رحلت.

قال الولد الجالس جانبها عندها، يفاجئها: ابكي، ابكي زي ما تبغين..

استغربت منه لا يمنعها مثل الباقين، لكنها سرعان ما رجعت إلى البكاء. أحست يده فوق رأسها، مربتا عليها، مخففا عنها، لكن دون منع، دون كبت.

لا تدري كم مضى من وقت حتى هدأت، تسأله بصوت متقطع: مين.. إنت؟

مسح آخر الدموع من عينيها قبل أن يجيب: تعرفين عمك طلال؟

أومأت له بنعم. كانت تحب ذلك العم، دائما ما كان يحضر لها الحلوى.

أردف: أنا ولده.

رمشت لتستوعب: عمي طلال عنده ولد ثاني؟

-: إيه، سعد أخوي الكبير. أنا أجي بعده.

أمالت رأسها بفضول: واسمك؟

أجابها بابتسامة صافية: جواد.

بقي ذاك الاسم عالقا في بالها، تسأل عنه أباها كلما ذكر زيارة عمها طلال لهم، ليضحك ويجيبها بنعم، جاء ولده جواد معه.

تذكر مرة رأته يتوضأ عند المغاسل، فسألته عما يفعل، فأجابها.

انتابها الفضول لتعرف أكثر. ليسألها: ما شرحوا لك في المدرسة؟

امتعضت ملامحها بضيق طفولي: إلا، بس الأبلة شرحت مرة وحدة.

عندها علمها الوضوء بصبر يثنى عليه، فهي تذكر كيف كانت بطيئة الاستيعاب في صغرها، وعلمها من بعدها الصلاة، لتبدأ من ذاك اليوم مشوار لم تقطعه قط.

تذكر مرة دافع جواد عنها بإصرار مستميت عندما اتهمها أبناء عمومتها بأنها هي من أطلق سراح الدجاج ليضيعوا ويؤكلوا في أحد الزيارات لجدها عمر. كانت مبهورة بحق لاستعانته بأدلة كثرى تدل على براءتها من تلك التهمة.

ربما كان صبره لكونها مجرد طفلة صغيرة وحيدة، لكنها كانت تفرح بأقل اهتمام منه، فهي تذكر فرحها لذكر عمها طلال مرة أن جواد أصبح من يختار الحلوى التي يحضرها لها.

مرت السنين وتعلقها به يزداد، رغم تفرقهم بحكم العمر.

تذكر مرة انشغل عنها والدها، فطلب من جواد إيصالها إلى البيت من مدرستها المتوسطة.

لا تدري لم بدا عليه الضيق لمرآها بينما هي تكاد تتقطع فرحا. سألها حال ركوبها في الخلف: زميلاتك يتغطون؟

أجابته تتذكر زميلاتها اللاتي تغطين من الصف السادس: إيه..

أردف يسأل، مبقيا نظره على الطريق: ليش ما تتغطين إنتي بعد؟

قطبت حاجبيها، تفكر: بس يقولولي شكلك صغير..

أبوها لم يحثها على ذلك، ولا حتى معلماتها.

رأت الضيق يزداد في ملامحه وهو يقول: فكري تتغطين طيب، لأنك خلاص كبرتي..

فهكذا فعلت وفكرت، وقررت أن تبدأ بالتغطي، فهي كانت على أعتاب الصف الثالث المتوسط عندها.

مرت سنين أكثر، واكتشفت أن الناس كانوا يعتبرونها جميلة، جميلة إلى درجة طلب يدها للزواج.

رفضت بعناد كل طلب، لكونها ربطت كلمة زواج بجواد منذ الصغر. لم يكن لديها أدنى فكرة إذا كان يفكر فيها كزوجة، لكن ما دام هو لم يتزوج بأخرى، فهي لن تتزوج بآخر.

وتعترف بحق، عندما جاء والدها يقول أن جواد تقدم إليها، ذهلت وانصدمت، وظنت للحظة أنها كانت تحلم. لكنها كانت حقيقة وعليها أخذ القرار.

استخارت وشعرت بالراحة تغمرها، تدفعها إلى القبول.

سُئلت مرة إذا نطق جواد بكلمة حب لها طيلة سنوات زواجهم، إذا عبر عن شعوره حيالها، لكنها لم تجب على ذاك السؤال أيضا.
الحقيقة كانت لا، لم يفعل.

قد تكون غريبة ساذجة شديدة القناعة في اعتقادها، لكن ميساء لم تهتم، فحبها له يكفي، وما دام كان بجانبها، فلن تطالب بأكثر.

كانت سعيدة بحق في تلك السنوات، وكان حبها له يزداد في كل لحظة، لكنها اكتشفت أنه لا يكفي، لا يكفي لتعويض نقصها.

انتهى البارت..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 13
قديم(ـة) 08-09-2017, 04:37 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



احمم حبيت أنبهكم إن بكرة أنا مشغولة حبتين فما راح يكون فيه بارت.. أتمنى تعذروني..
واليوم بخليكم مع بارتين (صغيرين حبتين بس يله.. نشكي الحال)

10

رأت ياسر قد أمسك بساري وأوقف هروبه. وضعت يديها على خصرها ومثلت الحنق: ثانية أغفل عنه عشان أعبي الموية وهو ما شاء الله وصل لين عندك. يحبي الولد هذا ولا ناوي على ذهبية سباق المئة متر؟

ضحك ياسر وهو يعطيها ساري: مين يدري؟ يمكن يصير عداء ويرفع رؤوسنا. أتوقع له مستقبل باهر.

نظرت له بنصف عين: إيه مستقبل في التفصخ والنحشة من إني أحممه.

قال لها بحزم تمثيلي بدوره: لا تغلطي على معذب قلوب العذارى. الله أنعم عليه بابتسامة زي أمه.

وكأنه أخذ كلام أبيه كإشارة، ابتسم ساري بإشراق، مظهرا الشبه الكبير بينهما.

قد أخذ ساري الكثير منها في ملامحه، وحتى شعره لم يسلم من جيناتها. لكن كان لديه عيون أبيه المميزة بصفاء لونها العسلي كتعويض.

تساءلت: إذا هو معذب قلوب العذارى، أجل أنا وش أطلع؟

هز كتفا: بديهي..

اقترب وهمس في أذنها بحرارة: معذبة قلوب الرجال.. وأنا أشهد..

ابتعد ياسر وابتسم لها بكل براءة قبل أن يخرج قائلا أن لديه مباراة ليشاهدها، لكن اللمعة الخبيثة في عيونه كانت بعيدة كل البعد عن كل معاني البراءة، داري كل الدراية بالإعصار الذي أعاثه في في قلبها.

نظرت بذهول وعدم استيعاب إلى ساري الذي كانت تحمله، كأنها تريد أن ينطق ويؤكد لها ما سمعته من ياسر للتو.

"صح إني كنت أتمنى ياسر يتغزل فيني.. بس اللحين هونت! هونت مقدر استحمل. ذي قنابل ذرية على قلبي مو كلام!"

قررت أن تستحم بالمياه الباردة بعد انهاء حمام ساري، لعل تلك المياه ستطفئ لهيب جسدها المشتعل خجلا.

:

استيقظ ياسر ليرى أن الساعة كانت تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل. كانت بيان راقدة جانبه، وساري في مهده نائم أيضا.

غضن وجهه بضيق للصداع المألوف الذي اخترق رأسه دون رحمة وهو يجلس، ودلك صدغيه وهو يفكر بالحلم الغريب الذي راوده منذ إفاقته من غيبوبته، يتضح شيئا فشيئا مع مرور الأيام.

كانت نسخة هذه الليلة الأكثر وضوحا إحساسا.

في الحلم يحس بنفسه جالسا، ويحس بوزن قلم في يده وبين أنامله، يحس بنفسه يكتب ويكتب ويكتب دون أن يعرف ماهية كتاباته.

لا يرى شيئا في حلمه هذا، فقط يحس. الأدهى أن حلمه هذا دائما تسبب في إيقاظه هذه الساعة بالذات.

لمسة يد دافئة على عضده، ونداء باسمه شتت انتباهه من أفكاره، ليدرك أن بيان كانت مستيقظة، تنظر إليه بمزيج من الاستغراب والقلق: فيه شي؟

هز رأسه بخفة ونهض: لا، لا.. ارجعي نامي.

بحث عن البنادول الذي أصبح رفيق دربه في مواجهة الصداع التابع للحلم، يأخذ جرعته لهذه الليلة وهو يفكر في معنى الحلم. موقن هو أنه كان يعني له شيئا مهما، دليلا يستدل به.

فاجأه رؤية بيان ما زالت مستيقظة عند رجوعه إلى الغرفة، جالسة على السرير تنتظره. قالت حال اقترابه: صداعك كثير هذي الأيام.. نروح للدكتور بكرة؟

رد وهو يستلقي: ماله داعي..

سمع في صوتها الإعتراض: والله بصراحة أنا ذابحني الخوف، خصوصا بعد النتائج العلل اللي طلعها إياي قوقل..

ضحك بخفوت وسألها بفضول متزايد: وش اللي دلك قوقل عليه..؟

حركت بيان يديها كأنها تحصنه من عين، تغير نبرة صوتها لتشبه تلك لعجوز هرمة: بسم الله عليك، بسم الله عليك! ما بقول ويطلع شي منها صح.. بس على الأقل في نتيجة إيجابية وحدة أتذكرها..

-: واللي هي..؟

نظرت له بجدية وهي تعود للاستلقاء مجددا: يقولون إن الصداع يرافق تذكر شي في حالة مثل حالتك. مدري عن صحة الكلام هذا خصوصا وإنه ما كان منتدى طبي حتى بس.. ملاحظ على نفسك شي..؟

هل تذكر شيئا ما؟ لا، لم يفعل. الشيء الوحيد الذي كان يسبب له الصداع هو حلمه الغريب ذاك.

هل كان حلمه ذكرى..؟

سيكون عليه التفكير في الأمر مليا: لا، ما لاحظت شي.. بس خسارة..

كررت: خسارة..؟

ابتسم بخبث وهو يضمها، هامسا: كان نفسي أتذكر كيف جا ساري للعالم.

لاحظ أخذها لحظة لتستوعب، ليشعر بعدها بحرارة خجلها بين ذراعيه، ليسمع ذاك الخجل في صوتها المتهدج: ياسر..؟

كم كان صعيبا، منع نفسه من الانطلاق في الضحك وإيقاظ ساري المسكين كنتيجة. قبل جبينها الحار وقال: عشان مرة ثانية ما تلعبي لعبة إنتي مو قدها.

حقا هذا كان جزاءها لما كانت تفعل به. بقدر ما كانت جريئة، بقدر ما كانت أكثر خجلا، وهو سيستغل نقطة ضعفها هذه لرد الضربة: تصبحين على خير..

/

/

كانت تقلب بين ملابسه التي أحضرتها لمى على مضض، باحثة عن قطعة معينة عندما سمعت صوته يسأل: وش قاعدة تسوين عندك؟

أجابته وهي مازالت تبحث: أدورلك شورت ولا على الأقل برمودا./ أردفت بعفوية: لكن شكله ذوقك لساته ذوق عجايز، بذلات وأثواب وبس..

شخر بسخرية: طلعة السيقان ذوق؟

ردت ببرود وهي أخيرا تخرج قطعة قد تنفعها، شورت داخلي يصل إلى الركبة: طلعة السيقان على قولتك هي اللي بتنفع حالتك اللحين. إلبس هذا بدل ما تذبح جرحك رطوبة وإنت لابس البنطلون الطويل هذا..

نظر إليها كأنها مجنونة: تبغيني أتم لابس ذا والناس تجي تسلم علي؟

هزت كتفيها: بعطيك لحاف تغطي روحك فيه..

أخيرا بعد عدة محاولات، وافق على اقتراحها.

كانت تعمل على جرح فخذه بكل تركيز عندما سألها، مبقيا نظره عليها لغاية لا تفهمها: ليش ما خليتي معاك خدامة؟

ردت وهي تعيد تضميد جرحه.. كل مرة تراه تتذكر كلام الطبيب بأنه كاد يقطع شريانا مهما ويودي إلى موته: ما أحتاج، أقدر أدبر عمري..

استغربته، تصرفه معها، استغربته وجعل هذه الفترة صعيبة مدمية لها. لم يعاملها بالجفاء الذي توقعته، بل كان يعاملها معاملة أشبه بتلك في الماضي.

تريد جفاءه، فهو أسهل لها وأفضل لقلبها. تريد جفاءه لأنه لم يعد هو لها لتتلقى وده، لتبدأ الآمال تتسلل إلى قلبها بقسوة دافئة.

:

فاجأها بسؤاله عندما أغلقت الأبواب والأنوار بعد رحيل آخر زواره، فهي ظنت أنه خلد إلى النوم بفعل مسكناته: ليش تخلين المجلس كل ما جا أحد لي؟

لم تجبه، فأردف بصوت ناعس لطيف: تراه قسمك، بيتك، وهم ضيوف جو..

تساءلت بصمت، لِم لَم يضم نفسه في فئة الضيوف؟

:

لم يجعل جواد أمر الإعتناء به بالمهمة السهلة، فهو غالبا ما فعل عكس ما تأمره به. تارة يريد تنظيف جرحه وإعادة تضميده بدلا عنها، تارة يريد الوقوف والذهاب إلى الحمام بدون الاستناد عليها، تارة يمشي بينما من المفترض أن يقلل حركته..

لكن، على الرغم من ذلك كله، هذا الوقت القصير الذي قضاه معها كان من أفضل الأوقات التي قضتها ميساء هذه السنة، وللحظة، رغم كل ما كانت تخبر به نفسها، تناست واقعها المرير.

لكن لكل شيء نهاية، وبعد أيام، استيقظت لترى أن جواد قد رحل.

:

ابتسم عامر ابتسامة بالغة العرض لرؤية زميله جواد يدخل مكاتبهم مرة أخرى، سالما معافى: لك فقدة يا شيخ! توحدت وأنا لحالي أشتغل هنا../ أشر إلى اللوحة وراءه التي أخذها من مكتب جواد: حتى إني أخذت ذي اللوحة أتذكرك فيها.

هل كان يُخيل له ذلك، أم بدا على ملامح جواد دائمة الجمود والبرود.. الغيظ؟: رجعها مكانها..

رد عامر بخفوت، متعجبا كل العجب: أكيد../ ثم أردف بإصرار مرح: بس من جد، فين اشتريتها؟ عجبتني وودي بزيها في البيت. ولا أقولك، عطيني رقم الرسام إذا عندك..!

لا، لم يكن ما رآه سابقا بفعل مخيلته، فالآن بدا جواد غاضبا بحق.

"وش فيه الأخ قلب أبو الهول فجأة؟"

/

/

كانت تستعد للنوم، جالسة عند التسريحة وترطب يديها باللوشن، غارقة في أفكارها، إلى أن جذب ليث انتباهها بقوله: اللي ماخذ عقلك..

ابتسمت، تلتفت إليه، لتراه قد جلس على السرير: إنت اللي ماخذ العقل..

رفع حاجبا بفضول: عساه يكون بشي زين..؟

صمتت للحظة قبل أن تبدأ تقول، تفصح عما كانت تفكر به منذ خطبته لها: سمعت عن أسباب طلاقك..

ليسأل مقطبا حاجبيه: من مين؟

هزت كتفا: ما يهم من مين.. اللي أبغى أعرفه هو منظورك..

ثبت عيونه على عيونها، يكاد يخترق روحها من عمق نظرته، من التحليل فيها: ما يكفيك اللي سمعتي؟

بادلته نفس النظرة: لأ، لأني متأكدة إن وجهة نظرك بتكون غير.

ابتسم عندها بشيء من الرضا المتوقع يخالطه الإعجاب، ثم بدأ: مبدئيا، أرجح إن سبب فشل زواجاتي هو عدم الاقتناع.

مالت بوضعية جلوسها باهتمام منصت، تستحثه ليكمل: المحيط اللي أخواتي يعيشون فيه ما كان يستهويني. أمور المجتمع الراقي كانت دوم تجيب لي الملل. أعرف أخواتي، وأعرف إن مرشحاتهم كانوا من نفس ذاك المجتمع، ومن ذا المنطلق تشكلت انطباعاتي الأولية. وأقدر أقول إني أغلب الغلط كان علي، لأني مضيت بثلاث زواجات وأنا مو مقتنع. كنت أمني نفسي بأنه يمكن اقتنع بعدين، يمكن ذي المرة بتكون مختلفة، يمكن ألقى الاستقرار اللي أبتغيه لي ولجود..

سألته، دارية بأنه ثمة تكملة لكلامه: وعدم الاقتناع هو الشي الوحيد اللي خلاك تختار الطلاق؟

شخر بسخرية: طبعا لا، بس هو كان بداية المشاكل، وسبب من أسباب قلة صبري. أنا مو ملاك، زي ما هم كانت عندهم أغلاط، أنا كانت عندي أغلاط بالمقابل. مع سماهر كنت مقتنع إن الزوجة هي بس اللي تمسك العيال وتركت مسؤولية جود كلها لها. مع ليان كنت مغتر بشهرتي الحديثة، وما راعيت شعورها وغيرتها. وأبد ما كنت مقتنع بهيفاء ويمكن كنت أدور الزلة عليها حتى.

أردف: الحياة دروس، صح؟ من خوفي على جود بعد الحوادث اللي صارت لها صرت أنا اللي أهتم فيها. وبانقطاعي زمن عن الكتابة قلت شهرتي وصفا بالي من الاغترار. وصرت ما أتخذ قرار إلا وأنا مرتاح بالكامل له..

كم كانت مختلفة، وجهة نظرة، كم كانت بعيدة عن انحياز وجهة نظر ابنته المتأثر بمن حولها. كم كانت صادقة صريحة، لا خجل من عيوب فيها.

نهض ليخطو نحوها، يحيط وجهها بخفة حانية بين كفيه: وبصراحة.. ما عمري اقتنعت بزواج، بزوجة وإنسانة، زي ما اقتنعت فيك.

وجدت زينة نفسها تبتسم برضا غامر عندما أحسته قد قبل أعلى رأسها، تشعر بفيض من الاحترام لهذا الرجل أمامها، احترام خالطته بوادر احساس جامح دافئ شغوف لم تجربه قط، لكنها عرفته دون جهد.

انتهى البارت..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 14
قديم(ـة) 08-09-2017, 04:40 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



11

استوقفه منظر الصفحة التي كانت تتفحصها جود على الأيباد خاصتها وهو مار بغرفة الجلوس. كم من مرة رأى ابنته تتفحصها بإندماج يصعب قطعه؟

جلس جانبها وسأل عندما نجح في أخذ انتباهها بعيدا عنها: وش الصفحة هذي؟

اعتاد من جود الصراحة، وأثار ترددها اللحظي فضوله. يعرف أنها لم تكن تتصفح شيئا مخلا، فهو واثق من ابنته وتربيتها. إذا، ما السبب؟

أخيرا أجابته: هذي مدونة خالة زينة.

كان ينظر إلى الصفحة باهتمام طفيف، لكن بعد إجابة جود وجد نفسه يخطف الأيباد منها، يمسح بعيونه على كل تفصيل موجود في الصفحة: مدونة؟

رأى جود تومئ بنعم بطرف عينه: تكتب آرائها وتوصياتها فيها..

لحسن حظه فهو كان سريع الحفظ، بنظرة واحدة حفظ عنوان رابط الصفحة قبل أن يعيد جهاز الأيباد لجود، مقررا أن مدونة زينة ستكون مادة قراءته لهذه الليلة.

/

/

-: من اللي قلتيه، متأكدة مية بالمية إن الرجال ميت فيك.

هذا كان ما استنتجته صديقتها لجين عندما حكت لها عن التطورات التي حصلت بينها وبين ياسر. كانت لجين كالأخت التي لم تحظى بها، حافظة سرها وشكواها.

"ياسر..؟ ميت فيني..؟"

سألت، تبعد نفسها عن التفكير في اضطراب قلبها الفرح لتلك الفكرة: وإذا؟

أجابتها لجين ببساطة: استغلي الفرصة وإبدأي صفحة جديدة.

استنكرت بيان الفكرة للحظة: مو كأن هذا غش؟

لترد لجين بكل أريحية: وسعي صدرك معاه واستانسي، مو هذا اللي كنتي تتمنينه؟ إنه يحبك؟

نعم، تلك كانت أمنيتها. لكن.. هل كان من الصحة بناء بداية جديدة دون ختام للماضي؟

:

رأت في ملامح ياسر التوجس المترقب وهو يجلسها جانبه، الجدية والحزم في نظرته وصوته: بيان، بسألك سؤال وأبغاك تجاوبين عليه بكل صراحة.

بدايته هذه أخافتها.. ما طبيعة السؤال الذي كان يريد طرحه؟: اسأل..

عندها نطق وأسكت أفكارها للحظة: أنا كنت أضربك؟ أعتدي أو أغلط عليك؟

اعترضت باستنكار شبه سخط: لا طبعا..!

لم يمد ياسر يده إليها قط، وحتى في المرات التي كان يقربها كان يستشعر رضاها. لا تستطيع حتى قول أنه كان يجرحها بالكلام..

مشكلة ياسر كانت في صده وفي نفوره، في بعده وأحيانا نزقه المتأفف.

ما الذي قد يبعث فكرة الاعتداء بالضرب لياسر؟

سأل، ربما يستحثها: ليش أحس إني كنت ظالمك؟/ أردف: شفت الغرفة اللي كنتي تنامين فيها، وشفت أغراض لي فيها، على عكس ذي الغرفة اللي مليانة بأغراضك. وش كان الهدف؟

رأت الضياع والحيرة القاتلة الأليمة في عيونه، لتتنهد وتعترف بما لم ترد الإعتراف به حتى وقت بعيد، ربما لحفظ فكرة جيدة عن نفسه لياسر، أو ربما حفظا لكبريائها: إنت كنت مغصوب علي..

:

من بين كل الاحتمالات التي توقعها، لم يكن ما نطقت به بيان من ضمنها: إيش..؟

أردفت بيان بشيء من الألم: مدري عن التفاصيل وإنت ما عمرك قلتلي، بس اللي أعرفه إنك كنت مغصوب علي..

أخذت أسئلة لا تحصى تتشكل في باله، لِم لَم يحس بأنه مجبور للحظة مع بيان؟ لم كان كل ما أحسه وأيقنه أنها كانت خياره؟ لم شعر بارتياح غامر تجاهها من اللحظة التي فتح عينيه لمرآها؟

لكنه لم ينطق بأي منها، وسأل بدلا: كيف عرفتي؟

أجابته بخفوت: سمعتك تكلم أبوك بالجوال ليلة عرسنا وتقوله له "كفاية غصبتني على الزواج هذا، لا تغصبني على سفرة"، ولما سألتك، أكدت لي..

استنكر تصرفه. صحيح أنه ربما لم يرد أن تسمع مكالمته وتعرف حقيقة زواجه منها، لكنه أيضا لم يراع مشاعرها بتأكيده: طيب.. إنتي كنتي مثلي، مغصوبة؟

هزت رأسها: لا، أبوي مدحك لي ووافقت..

سأل عندها سؤالا بدر لذهنه من اللحظات الأولى التي جمعتهما: حبيتك..؟

ضحكت ضحكة باردة باهتة: ما أظن.. كنت طايقني على الأقل في الأخير..

نبض قلبه بقوة، كأنه مستنكر لقولها. سأل سؤاله الأخير، سؤال لم يظن أن بيان ستجاوب عليه: وإنتي.. حبيتيني؟

لتصدمه إجابتها الصادقة الصريحة: إيه.. من كل أعماق قلبي.

/

/

طيلة بقاء جواد معها، أخذت ميساء إجازة من المعهد، وهاهي الآن تستأنف حضورها له وتعود إلى بيتها في وقتها المعتاد. صلت المغرب ثم العشاء، وقبل أن تشغل التلفاز، تبحث عن شيء تشاهده وهي مستلقية على سريرها الذي لم ترجعه إلى غرفة نومها بعد، سمعت أصواتا تأتي من الطابق العلوي.

كأنه.. صوت فتح باب؟

صعدت الدرج ومعها أكبر سكينة وجدتها في المطبخ، تحسبا، لتقف مستغربة كل الاستغراب عند باب غرفة نومها المغلق.

كان هناك كيس يتدلى من مقبض الباب، ومن العلامة التجارية المسجلة عليه، كان كيسا من محلها المفضل.

تناولت الكيس لترى قطعة داخله، فستان شبيه بالذي أفسدته بتمزيقه في تلك الحادثة، لكن بلون وطول مختلفين، فهذا كان تفاحي اللون بينما السابق كان أحمرا، وكان هذا أقصر بينما كان السابق أطول بكثير..

"وش اللي قاعد يحصل هنا؟"

فتحت الباب، محكمة قبضتها على السكينة، لترى منظرا سمرها في مكانها.

جواد، جالس على سرير مزدوج، يقرأ كتابا ما. بدأ يتكلم وهو يقرأ: تأخرتي../ وعندما نظر إليها، رفع حاجبا باستغراب: وش قصة السكينة؟

أدركت إمساكها بالسكينة إلى الآن، لتضعها على التسريحة قرب الباب. ردت عليه بنفس الاستغراب: وش قصة الفستان والسرير؟/ والسؤال الأهم..: وش قاعد تسوي هنا؟

أجابها وهو يضع كتابه على المنضدة، يقف بكل أريحية كأنه لم تصبه إصابة قط: الفستان تعويض، والسرير لأن حقك القديم ما ينفع لاثنين. وإذا نسيتي، البيت هذا بأقسامه ملكي، وأقدر أروح وين أبغى..

وقفت مذهولة مما تفوه به: إيش..؟

لم يجبها، فقط رمى ملفا عند قدميها، ملفا يحتوي على تقاريرها الطبية..

سألها عندما نظرت إليه، ببرود صقيعي لم ترى مثيلا له: متى كنتي ناوية تعطيني خبر؟/ أردف: ولا بتخبينها زي ما خبيتي القديمة..؟

التقارير القديمة، تلك التي صرحت بعدم قدرتها على الإنجاب، تلك التي أخفتها عن جواد في لحظة إنكار، في أمل أن تستطيع أن تتعالج قبل أن يكتشف أمرها ويطلقها بسبب إصرار أمه.

ابتسمت بسخرية، ببرود مماثل: وكيف يكون لي وجه أقولك؟

تذكرت مرة وصل بهم الجدال إلى درجة تصريحها بعدم رغبتها بأطفال، بأخذها موانع للحمل، رغم أن العكس كان صحيحا، فهي لا تريد شيئا أكثر، ولا تعرف حتى كيف تبدو علب موانع الحمل. كانت تختبئ وراء إنكارها لنقصها، وراء قناع اللامبالاة والاستهتار..

تذكرت مرة بعد طلاقه لها، زيارته لبيت أبيها، يحذرها من ذاك الخاطب بندر، من أنه يخفي الكثير من المصائب والعيوب، وتذكرت إصرارها على العكس، على التزوج من ذاك الخاطب بالذات، مدفوعة بالقهر والغضب والغيرة والشجن، لكون جواد قد عقد قرانه على لمى قبل أيام من زيارته. هدفها الأهم في الزواج حينها كان أن يصبح التفكير في جواد حراما عليها، حتى لا تُغرق نفسها بين الذكريات.

لكن كان جواد محقا، فبندر كان له مآرب خاصة، دفعته لتطليقها أمام جمع غفير من الناس، قبل أن تتم الزفة.

لم تكد تخلع فستان الزفاف إلا والألسن تلوكها.

أتى إليها والدها مؤنبا مقهورا صارخا بعد أيام، يخبرها أن جواد كان في المجلس، ولن يمضي هذا اليوم إلا وهي في ذمته مرة أخرى، وإلا لن يرضى عليها أبدا.

وهكذا امتثلت لأمره، لتعود إلى ذمة جواد وهو مجبر عليها، مضحي.

وعدت نفسها تلك اللحظة بأنها لن تتدخل في الحياة الجديدة التي رسمها لنفسه، وطلبت منه أن يدعها وشأنها، بأن يتركها لعزلتها التي صنعتها لنفسها، مجروحة الروح، محطمة الكبرياء.

(طلبتك.. اتركني لحالي..)

فكيف.. كيف يمكن أن يكون لها الجرأة بأن تقول أنها تريد طفلا منه؟

اقترب جواد منها حتى لم يعد يفصل بينهما الكثير، يسألها بصوت شابته المرارة: وليش ما طلبتي الطلاق؟ تشوفين لك رجال ثاني تكملين حياتك معاه بدون ذا الثقل بيننا؟

نظرت له عندها بقلة حيلة، فهي لا تستطيع مد آمالها وأحلامها بعيدا عنه: مابي غيرك يكون أبو عيالي..

أشاحت بنظرها بعيدا عنه بعدها، محرجة من اعترافها النابع من صافي قلبها، لتسمعه يضحك، لتسمع الضحك والعجب في صوته عندما قال: ليش لا؟ ليش ما نجرب..؟

وقبل أن يكون بوسعها السؤال، ألصقها به ولثم شفاهها بزخم شغوف أشبه بالعنيف، شادا إحكام ضمه لها كأنه يخشى أن تفلت منه، كأنه يلاحق حلما وهو يوزع قبلاته على كل ما يستطيع أن يصله منها..

ابتعد عنها لحظها قبل أن يهمس بعمق ساخن بالكاد سمعته من طبول قلبها وأنفاسها اللاهثة الثقيلة: بعطيك اللي تبغينه.. كل اللي تبغينه..

لم تستطع مقاومته، ولن تستطيع، لن تفعل.

انتهى البارت..




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 15
قديم(ـة) 09-09-2017, 01:00 AM
صورة سرمديــہ الرمزية
سرمديــہ سرمديــہ غير متصل
♥––––•«أُنْثَى مُشْتَــــعِلة إِحْتـــــــرَاقاً»•––––♥
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا


_


مساء الخير ..

جذبني اسم الكاتبه التي لم يمر شهر على معرفتي بها وبروايتها الاولى الجميله والخفيفه
بدون تردد قرأت الجديده ولم يخب ظني بها ..
اسم جديد على الساحه اتمنى لها دوام التألق والتطور .,
اجد هنا النضج الكتابي اكثر والحدث أعمق
والسرد وسير حدث القصه مشابه قليلاً للاولى ..

القصص الثلاثه فريده ومشوقه
أحببت بيان شخصيه خفيفه الروح وطيبة المعشر
اتمنى علاقتها بزوجها ياسر تتطور للاحسن كما ينبغي لعلاقة زوجان متحابان
قبل أن ترجع ذاكرته وتنبأه بكل خطأ اقترفه سابقاً في حق زواجهما
أجدها ايضاً مخطأه ايضاً في حق علاقتهما لم تسعى لإنجاح العلاقه
اكتفت بما سمعت منه في ليلة زفافهما وتنحت جانباً بدون شرف محاوله .,

ميساء جميلة الاسم والمظهر انكشف بعض من غموض مصابها في السابق
ازال جواد الحاجز بينهما ., ربما لمى ستكون المانع الوحيد من اكتمالها
اتمنى من كلاهما الاخذ في محاولة تمام انجاح العلاقه وازالة العالق بينهما

زينه ناضجه في فكرها طيبه بطبعها اجدها المكمل لزوجها ليث
احببتهما معاً .,
اتمنى ان تنجح علاقتها بامه واخواته كما نجحت بخطف قلبه .,

شكراً للكاتبه المتألقه اتمنى لها نجاح مستمر حتى يسطع اسمها
في سماء الادب النتي في قسمه المميز .,

وشكراً لك يا فيتامين سي ياجميله على هذه الذائقه
والنقل .,


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 16
قديم(ـة) 10-09-2017, 05:57 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



عدنا!

12

ربما كانت ميساء الرسامة، لكن في ظلمة غرفة نومها، كان جواد هو من يرسم على ظهرها أشكالا عشوائية بلمسات أنامله.

كان عندها الكثير لتسأله.. ماذا يعني هذا؟ هل سيتغير الوضع بينهما؟ هل سيكون هذا التغيير دائما أم مؤقتا؟

لكنها فضلت عدم إفساد هذه اللحظة، وسألت بدلا عن ذلك كله: متى جبت السرير..؟

أجابها: بعد العصر../ استطرد بصوت تكاد تسمع فيه البسمة: عارف إنك بتسويها سالفة إذا السرير ما تناسب مع ديكور الغرفة، ولا كنت بجيب أي واحد قدامي وبخلص بدري..

عندها لم تستطع منع نفسها من الابتسام: لساته طالع شكله غريب عن باقي الأثاث..

سألها بتهكم طريف: يعني إيش، بتبدليه؟

اتسعت ابتسامتها أكثر: لأ.. عجبني..

سكت للحظة، تحس رضاه بجوابها، ثم نطق: وش كانت قصة السكينة؟ ما عطيتيني جواب..

أجابته بكل بساطة: كنت أحسبك حرامي.

بدا في صوته عدم التصديق. الغضب حتى: وإنت زي المهبولة تروحي تطاردي حرامي بسكينة؟ كان اتصلتي علي.

قالت بخفوت: ما كنت واثقة إنك بترد..

شد من إحكام ضمه لها، وسألها بحرقة: جربتي مرة تتصلين؟

كلاهما يعرفان جواب هذا السؤال، فحدها طوال هذه السنة كان بضع رسائل نصية تخبره بمكوثها في بيت والدها.

قال هو عندها، قاطعا هذا الصمت القائم بينهما، يلثم ظهر عنقها بشفتيه، ليهمس بعدها في أذنها: اتصلي علي، ووين ما كنت بجيك..

:

نظرت ميساء إلى جواد بعدم استيعاب عندما رجع بعد ذهابه إلى المسجد للصلاة، ظنته لن يعود..

لكن هاهو ذا، رافع حاجبه باستغراب من تحديقها، يثبت بصمت لها أن ليلة البارحة لم تكن حلما وهو يتجهز لأخذ قسط من النوم من جديد، ساحبا لها معه.

لم تستطع النطق إلا باسمه كسؤال، لتراه يبتسم بسخرية خبيثة: وراك تتصرفين كأنه هذي أول صباحية لنا؟

احتضنها بالطريقة التي كان يفعل في الماضي، بإحكام شديد كأنه يريد حفظها بين أضلاعه، وكم اشتاقت إلى هذا الدفء، هذا الإحساس الغامر بالأمان.

:

عاد لقسمها بعد العصر بعد غياب يوم. سألته لمى لا تخفي سخطها: وين كنت؟

أجابها ببرود أثار غضبها أكثر: عند ميساء.

ما باله يتكلم كأنه لم يفعل شيئا؟: وليه؟!

ألم ينتهي مكوثه عند تلك بتعافيه؟

كرر بتهكم ساخر: ليه؟ مو هي زوجتي ولا أنا قاري العقد غلط؟/ أردف يقاطعها بحزم قبل أن تنطق بالاعتراض: لعلمك من اللحين ورايح بيكون ليلة لك وليلة لها.

وقبل أن تعترض رن هاتفه مقاطعا، لتتعجب من ظهور الغضب الكاسح المتوعد في ملامحه، في جواد! هذا الرجل الذي لم تر منه سوى تعبيرين، الضجر و الجمود.

ما الذي قيل له حتى يغضب هكذا؟

مشي مبتعدا عنها، خارجا من قسمها على عجل، تاركا لها مصدومة من هذا التغير المفاجئ.

:

عندما رأى بندر جواد واقفا أمامه في قسم الشرطة، عرف أن الأمر وصل إلى الحضيض.

سأله: مستعجل على قبرك؟

لم يجب، فاقترب منه وهمس: اللحين السالفة صارت بيد القضاء، والله لو كنا برى كنت بذبحك زي الشاة.

رأى أيدي جواد مشدودة بإحكام حكى عن صعوبة ضبطه لنفسه لكيلا يقتله في موضعه هذا. لحسن حظه أتى ضابط يسوقه بعيدا عنه قبل أن يفعلها جواد حقا!

سأل يمثل الثقة عندما اختلى الضابط به في إحدى غرف الاستجواب: ليش استدعيتوني هنا؟

رد عليه الضابط بجمود: متهم بتدبير عملية اختطاف.

هوى قلبه إلى القاع، وازدرى ريقه قبل أن ينطق بفجع: وشهو؟!

لم يجبه الضابط، بل اكتفى بتشغيل فيديو له يعرض له استجواب رجل واعترافه.. رجل تعرف عليه بندر جيدا. كيف لا وهو من وظفه؟

(وظفني بندر السليم. كان الاتفاق بيننا إني أختطف زوجة واحد اسمه جواد السيف وأسوي بها اللي أبغى، ولي أجري إذا أرسلتله دليل.

ما كانت بالمهمة السهلة. قضيت أسبوعين أراقب وين ساكنة فيه ووين تروح بدون ما أقدر أقرب لها، بس فلحت إني صرت أعرف شكلها بالعباة ولو من بعيد. فرصتي جات لما راحت هي والعايلة لأرض برى الرياض ولحقتها لحمامات النساء.

ما بعدت بها كثير، شفت وجهها اللي سوى في علوم وما طقت صبر وأول مكان فاضي رحتله. وكانت ذي غلطتي لأن زوجها العلة قدر يلحقني بسرعة.. شكله تتبع أثار سيارتي أو شي. الـ*** يعرف يضرب مو كأنه محامي..!

الـ*** الثاني بندر ما رد مهما اتصلت به، شكله ناوي السحبة ما دامني تورطت. بس وين يروح مني. عندي لك يا حضرة الضابط تسجيلات لكل الكلام اللي دار بيننا. ما بطيح لحالي!).

انتهى الفيديو ونظر الضابط إليه ينتظر منه كلاما يدافع عن نفسه به، لكن لم يكن لدي بندر شيء، كيف وهو يرى أن الضابط كان معه أشرطة كثر، كلها دلائل تشير إليه..؟

خطته كانت أن يكون له شيء يلوي فيه ذراع جواد ليتركه، لكن الآن انهار كل شيء! كل شيء!

غلطته في أنه وظف ثرثارا مغفلا!

أخذ الضابط سكوته كإجابة، ليقول: ما كان يكفيك معاملاتك الغير مشروعة شكله..

نهض الضابط من كرسيه، تاركا له في الغرفة.

وهكذا.. انتهى أمره..

/

/

في بادئ الأمر، كانت مدونة زينة ذات تصميم هادئ بسيط مريح. دل ذلك على أنها كانت تريد من القارئ الاهتمام بفحوى ما تكتبه أكثر من القالب.

رأى أيضا أنها أبطلت خاصية التعليق في مدونتها، ولم تترك أي معلومة للتواصل معها.

انتقل بعد هذه النظرة المبدئية إلى قراءة ما كتبته.. لينبهر.

مهما بلغت شعبية الكتاب وشهرتهم ونفوذهم، لم تتردد زينة في النقد والإشارة إلى كل ما لم يعجبها، تارة تشير إلى قلة الواقعية في تناول أثر الحروب على الشعوب في رواية، تارة تشير إلى التفرقة باللون والمال التي شابت رواية أخرى، وتارة تشير إلى الرسائل المبطنة السامة في عدة روايات غفل الكثيرون عنها.. و و و.. تعدد نقدها وبقيت موضوعيتها ثابتة، مبهرة الثقافة.

لم يكن النقد فقط ما كانت تحتويه مدونة زينة، وجد ليث أيضا تحليلات لأحداث الروايات التي تتابعها، توقعاتها وآمالها. وجد توصيات لكتاب وروايات، وأدرك وهو في منتصف قراءة لائحة توصيات زينة من أين أتت جود بطلباتها، ما كان مصدر مواد قراءته الحديثة هذه الأيام.

ابتسم، فهو قد استمع كثيرا بقراءة ما انتقته.

وعندما قرأ ما كتبته عن إحدى رواياته، مقارنة برواياته الأولى في السلسلة، ضحك بشيء أشبه بالهيستيرية.

"كتبت كل اللي في بالي وكان يزعجني.."

رباه، ما هذه المرأة؟ كيف يمكن أن تسحره حد الهوس في كل جانب يكتشفه فيها؟

:

قال لها ليث عندما استلقت جانبه، معلنا: لقيت مدونتك الليلة..

ابتسمت هي. إذا مدونتها كانت ما أشغله حتى هذا الوقت المتأخر. كتبت فيها ولسنين.. هل يعقل أنه أنهى قراءة كل ما تحتويه؟: مين دلك عليها.. جود؟

-: ما يهم من وين، المهم اللي قريته../ سمعت التسلية في صوته عندما أردف: عندك آراء مثيرة للاهتمام بشأن كتاباتي يا أستاذة..

لترد هي بتحدي: ما أظنك باللي يزعل من كلمة نقد.

أيدها: إيه، ما أمانع أبد. الساحة كانت فاضية من نقاد زي زمان، إلى أن لقيتك، وبصراحة، استفدت.

لم تتوقع هذه الأريحية التامة في التعامل مع النقد منه، هذا الرضا، حتى مع اعتقادها أنه لن يغضب كثيرا. أربما كان ليث ضجرا من المدح الفارغ الغير هادف؟

سألها عما استوقفه في مدونتها عنه، وأجابته بكل شفافية. اعترفت له أن روايتها المفضلة له كانت الأولى، "حارة الرضيعة"، عن شاب يجد نفسه يربي طفلة تُركت على عتبة بابه، والعالم الغريب العجيب الذي كشفته الحارة التي انتقل إليها حديثا. كانت رواية خفيفة طريفة، تختلف باتجاهها اختلافا تاما عن باقي رواياته. لا تدري زينة كم مرة أعادت قراءتها بشغف لا ينضب: صحيح إنها ما كانت بنفس التمرس ولا كان لها نفس صلابة الحبكة زي رواياتك اللي بعدها.. بس أحسك بذلت كثير من روحك فيها، ولامست كل كلمة شي في روحي..

اعترف لها عندها: ذيك الرواية عزيزة على قلبي.. كانت سلواي وونيسي أيام الغربة. ويا سبحان الله، ما مضت سنين إلا وأشوف نفسي في موقف بطل الرواية وبربي بنتي..

لترد عليه بنفس الصراحة المعترفة: وأنا قريتها في وقت صعب في حياتي.. كنت أقراها عشان أخفف عن روحي، ابتسم بين قهري ودموعي..

قد أفصحت له مرة عن حياتها مع رائد، ليس كل التفاصيل، لكن بقسط يكفي لتشكيل منظور عام عن الوضع. لم يضغط عليها بالأسئلة، حتى لو رأت الرغبة في معرفة المزيد في عيونه.

كان فقط يشد من ضمه لها، يؤكد بصمت أن ذاك الماضي قد انتهى.

(بكون أنا العوض في حاضرك إن شاء الله..)

بقيا يتكلمان ويتصارحان ويتناقشان.. وكم كان رائعا، إيجاد رفقة كهذه في زوجها.

/

/

هز اعتراف بيان عالمه، جعله ينظر إلى عيشته بمنظور آخر. هذا كان السر، أليس كذلك؟ هذا كان سبب الحاجز، سبب غرابة قراراته، هذا ما كان يجب عليه تخطيه ليصلح علاقته مع بيان. هذا كان كل شيء.

هي كانت تحبه، وهو كان مغصوبا عليها.

لماذا إذا كان يحس بأنه ما زال هناك شيء عليه كشفه، حقيقة أخرى مختبئة تحت هذه؟ لماذا شعر بمرارة كلمة "مغصوب"؟ كأنها لم تكن صحيحة.. أو ربما لم تعد؟

لا، لم يكن ياسر مقتنعا.

ما زال لهذا اللغز تتمة.

:

تصرفت بيان كأن شيئا لم يحدث، بأن الوضع لم يتغير. لكن ياسر لم يفعل المثل، صحيح أنه ما زال يولي ساري انتباهه واهتمامه، لكنه أيضا كان يتصرف بسكون غريب، سارح في تفكيره معظم الوقت، وإذا حدث ونظر إليها، كان ينظر إليها بتفكير وحيرة، بعدم استيعاب.

نطق أخيرا بسؤال، بعدما نومت ساري، بعدما جرها بخفة وراءه إلى الغرفة التي كانت تمكث هي وساري فيها سابقا: ليه حبيتيني؟ ليه وأنا ما أعطيتك سبب؟

قطبت حاجبيها وسألت بدورها: مين قال؟

أحبته لأنه ينسى غضبه بسرعة طريفة. أحبته لاهتمامه وحبه العظيم لساري. أحبته لصبره المساند لها في أيام وحامها وخلال تعب الحمل كله. أحبته لتشجيعه المزعج في مباريات فريقه. أحبته لتذكر مواعيد كل شيء. أحبته لوداعة ملامحه وهو نائم. أحبته لافتخاره المغيظ بالطبختين التي يتقن صنعهما. أحبته لشغفه في مجال عمله، بجمال مخططاته الهندسية التي رأته يعمل عليها أحيانا. أحبته لكل تفصيل فيه، حتى المزعج منها والمغيظ.

أحبته رغما عنها، حتى عندما حاولت نكران ذلك طوال سنين زواجهما، لتأتي غيبوبته، احتمالية فقده للأبد، لتكشف لها عن كل مشاعرها.

كل ذلك، قالته له، متجنبة النظر إليه. وكأنها سمعته يتمتم.. "يا حظه.."

سمعته يسأل: تقدرين تحبيني وأنا ناسي، وأنا يمكن ما أقدر أتذكر؟

ابتسمت له واليقين ينتشر في روحها قبل أن يُسمع في صوتها: إنت لساتك ياسر.. أكيد بحبك، أكيد بظل أحبك..

لم تدري إلا وهو يغمرها بقبلاته، يخطف أنفاسها بشغفه، بهمسه الأشبه باللهث، يخبرها بتكرار وتأكيد بكلمة لطالما تمنت سماعها منه في أعماق روحها: وأنا أحبك.. أحبك يا بيان، أحبك..

:

للحظة، عندما ظن ياسر أن مشاعر بيان ستقتصر على الماضي، على من كان سابقا، حسد نفسه، غار من نفسه!

لكن الآن عرف الحقيقة، مهما تذكر، ستحبه.

مهما تذكر، سيحبها..

جلس من رقوده فجآة، موقظا بيان معه: وش فيك.. الصداع مرة ثانية؟

هز رأسه بــلا، وقال: ما أصدقك..

ظهر في صوتها الاستغراب: ما تصدقني.. كيف؟

قال بيقين: ما أصدق إني ما كنت أحبك./ أردف ناظرا إليها، يتتبع ملامحها المذهولة تحت الإضاءة الخافتة: لي قرابة شهر معك وأنا ذايب في هواك من يوم ما انفتحت عيوني عليك.. مقدر أصدق إني متزوجك من سنتين ونص وبيننا ولد وما أكون مجنون فيك.

لم يكن منطقيا. الفرق في ذاكرته كان أربع سنوات فقط، وعلى حسب ما جمعه من الناس، فإنه لم يتغير ذاك التغير الملحوظ أبدا. قلبه ما زال قلبه.

جادلته بيان بزخم ضعيف خجول، ربما متأثرة مما كان يتفوه به: يمكن الظروف خلت يكون فيه اختلاف في مشاعرك.

أومأ بنعم، يوافقها في تلك النقطة: لكن اللي لاحظته وحببني فيك كانت تفاصيل ثابتة فيك. لا تقولي إن ما عمرك ضحكتي أو مزحتي في السنتين ونص ذيك. لا تقولي إنك ما كنتي نعم الأم لساري. لا تقولي إنك ما كنت نعم البنت لأمك. لا تقولي إنك ما كنتي صبورة ولا ما كان عندك روحك الحلوة هذي. لا تقولي إن عيونك ما كانت تذوب الواحد دفى.

كانت بيان منلجمة اللسان، واستطاعت فقط النطق بخفوت: ياسر..

أخيرا تنهد: كنت أحبك يا بيان. الله يقدر لي بس أثبت لك..

انتهى البارت..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 17
قديم(ـة) 11-09-2017, 03:42 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



شايفة مطالبات بعدم إرجاع الذاكرة للأخ ياسر، وكل اللي بقول، بنشوف.. (فيس يحرك حواجبه)
ودودي ما شاء الله على التخمينات.. فيه وحدة منها قريبة للي أبغاه

بارت اليوم قصير معليش، بس العوض بعده إن شاء الله.

13


سمع صوت صينية توضع جانبه، ثم صوت زينة يسأله، يقطع عليه تركيزه للحظة: وش قاعد تسوي عندك؟

أجابها غير رافع عينيه عن رقعة الشطرنج أمامه: أفكر..

جلست هي عندها، لينظر إليها ويرى حاجبها مرفوع باستغراب: تفكر وإنت قاعد تلعب شطرنج لحالك؟

ابتسم، مدركا أن عادته هذه بدت غريبة وتحتاج إلى تفسير: لما أكون عالق بزيادة في تفاصيل رواية، ألعب شطرنج مع نفسي.. يساعدني إني أركز.

بدا على ملامحها التفهم، لكنها قالت: مو ممتعة اللعبة لما تلعبها لحالك..

تنهد: أدري، بس مافي أحد يعرف يلعب قريب. مرة حاولت أعلم جود عشان تكون خصمي بس طفشت على طول وتركتني في النص..

ضحكت زينة بخفة لسماع تلك الذكرى: مو الكل بيكون مهتم، أخمن../ أردفت بتحدي: ومين قال ما تعرف أحد يلعب الشطرنج قريب منك؟

قطب حاجبيه بعجب منها، غير مستوعب للحظة ما تقصد، إلى أن أدرك: إنتي؟

كانت ابتسامتها متسلية: ليه متفاجئ..؟ صح إني ما لعبت من دهر، بس لسى أتذكر قواعد اللعبة. كل اللي يبغالي هو إنعاش ذاكرة.

أكانت تهدف زينة أن تكون مختلفة كل الاختلاف عن ما عهده في زواجاته السابقة في كل التفاصيل؟ ابتسم هو، يعيد ترتيب رقعة الشطرنج للعبة جديدة: السيدات أولا، اختاري لونك..

لم تأخذ زينة لحظة حتى تختار: الأسود.

أتراها كانت تلعب الأسود في الماضي؟: لعلمك يا الزين، ما بتساهل معاك.

برقت لمعة التحدي في عيونها أكثر: ومين قالك تساهل؟

اكتشف ليث بعدها أن زينة كانت صادقة في كلامها، وكل ما كان عليها إنعاش ذاكرتها بلعبة تحمية فاز هو فيها.

في لعبتهم الثانية أعطاها حرية الإختيار، ومجددا اختارت الأسود.

سألها قبل حركته الأولى: من وين تعلمتي اللعب..؟

مهما كان المصدر، كان متمرسا بحق.

أجابته: أبوي كان يحب ذي اللعبة وعلمني.. ما قدرت أفوز عليه مرة الله يرحمه.

كرر: الله يرحمه..

ود لو عرف والد زينة يعقوب في حياته، فمن كلامها عنه بدا رجلا مثيرا للاهتمام. مترجم ناطق لست لغات بطلاقة غير العربية والإنجليزية، مستخدما خبراته في عدة أماكن حول العالم قبل أن يتقاعد. أخبرته زينة أن حلمها في الماضي كان أن تدرس الترجمة مثله قبل أن تستبدله بالتدريس.

كانت هذه اللعبة أكثر تحديا بكثير من سابقتها، فزينة قد تكمنت من تذكر إيقاع لعبها، مثبتة له أنها كانت خصما لا يُستهان به.

أصبحا تارة يصبان كل تركيزهما على الرقعة بينهما، وتارة أخرى ينخرطان في الحديث بينما يفكران في تحركاتهما القادمة. صينية الحلا والقهوة التي أحضرتها زينة معها بقيت منسية بينهما.

التفكير في تفاصيل روايته كان آخر ما يفكر به حاليا، وكان يجب أن يتوقع ذلك، فحتى لو جلست جنبه صامتة، فإن زينة كانت لتشتت انتباهه، ذلك التأثير الخاص بها الذي يجعله يصب كل اهتمامه عليها حال دخولها لمجال نظره.

فاز مرة أخرى، لكن بصعوبة.

لعبا مرة أخرى بعد.. وابتسمت زينة بانتصار وهي تعلن: كش مات..

ربما لم يكن من الحكمة، لعب لعبة مع خصم كزينة، لأن بدلا من الشعور بغيظ الهزيمة، كان جل تفكيره مسح ابتسامة نصرها بقبلة.

تناول يدها الممدودة بقطعتها التي قادتها للنصر، يرفعها ليقبل كفها ويقول بعمق مفتون: ما عمري شفت أحد يلبس النصر أحلى..

رأى الحمرة تعتليها، ليكون دوره في الابتسام بانتصار..

"كش مات.."

/

/

كانا يتحدثان عندما فجأة اقترب ياسر أكثر وطبع قبلة على خدها ثم أكمل كلامه. لكن بيان استوقفته: وش قصدك من ذا..؟

قالها كأنه قانون: لازم../ أردف بابتسامة: يعني تتوقعين أشوفك مبتسمة ومطلعة الغمازة وأقعد بدون ما أسوي شي؟

أحيانا، بعد التطورات التي طرأت في علاقتها بياسر، شعرت بيان كأنها تختلس شيء، لكنها سرعان ما تذكرت أن ياسر كان على دراية بما تأسست عليه علاقتهما من اليوم الأول، وكان خياره في أن يحبها ويظهر ذلك.

ربما، على رأي لجين، يمكنها بحق أخذ هذه البداية الجديدة.

وإذا استعاد ياسر ذكرياته، عندها..

(ما أصدق إني ما كنت أحبك..

كنت أحبك يا بيان. الله يقدر لي بس أثبت لك..)

لكل حدث حديث..

:

رأته غارقا في التفكير، وتوقعت أنه كان يفكر بهاجسه الحديث. سألته، لا زالت غير مقتنعة، غير مستوعبة، لما يريد ياسر تحقيقه وكيف: ليه مصر تثبت لي إنك كنت تحبني قبل الحادثة؟

أجابها: قريت مرة إن فيه حالات فقدان الذاكرة ينسى فيه المريض الفترة اللي كان فاقد ذاكرته لما يستعيد ذكرياته الأصلية.

لم تفكر في ذلك. فكرة أن ينسى ياسر كل ما حدث في الأيام الأخيرة بينهما مقابل استعادة ذكرياته..؟

أتراها كانت أنانية إذا أخافتها تلك الفكرة؟

أكمل، يجعل انتباهها يعود إليه: عشان كذا، إذا نسيت، أبغى يكون عندك شي تحجريني وتلوي ذراعي فيه.

لم تستطع إلا أن تسأل: بتسوي كذا في نفسك؟

أومأ لها بنعم: وزود.

ربما لم تكن مقتنعة بوجود مشاعر حب سابقة لها في قلب ياسر، لكنها لم تستطع منع نفسها من التمني، تمني أن ياسر كان محقا.

/

/

لطالما أحبت لمى أن تعوض إخفاق الآخرين، ظاهرة بمنظر المنقذة، بينما الشخص التعيس الحظ الذي سبقها سيكون بين طيات الفاشلين. حل مسألة أخفقت فيها كثيرات من زميلاتها، المساعدة في الضيافة بينما قريباتها جلسن، السلام على الكل بينما باقي الضيفات اكتفين بمعارفهن..

تطورت تلك النزعة معها، وعندما بدأت زوجة عمها عبير تشتكي من زوجة ابنها، ميساء، لم تستطع لمى منع نفسها من التفكير..

"لو كنت مكانها، كنت بسوي أحسن.."

أخذت تستمع لشكوى العمة عبير بإنصات، تستفسر وتسأل وتساند، حتى انتهى الأمر بها بزرع شكاوي أخرى، بإقتراحات أخرى، تحث وتشكك وتدل، حتى أصبحت مكان ميساء.

لكن.. لم يشعرها زواجها بجواد بذاك الانتصار، لم تشعر أبدا أنها أحدثت فرقا معه، لكنها كانت تعزي نفسها بأن ذاك كان طبع ابن عمها، هذا البرود واللامبالاة، وإذا كانت هذه معاملته لها، فلابد أن معاملته لميساء كانت أسوأ.

لم تتزحزح عن اعتقادها هذا إلا عندما فاجأها جواد بإعلانه الأمس.

لأول مرة فكرت بميساء كضرة، لأول مرة فكرت بها كمنافسة لها.

:

صراحة، هي لا تكره ابنة أخي زوجها ميساء. لم تكن عبير تنتمي إلى عائلة السيف لتكترث بعدواتهم القديمة مع أهل أمها، ولم تكن ميساء بتلك الطفلة المشاغبة ثقيلة الحضور. لم تمانع قط زياراتها لهم.

مشكلتها معها بدأت عندما توفي بكرها سعد وتركت أرملته أمل مسؤولية ابنتها يارا لهم، متحججة بأنها لن تسمح لها بإفساد حياتها التي ستبدأها من جديد، لم تحترم حتى واقع موت سعد لأيام فقط قبل إعلانها!

رأت في ميساء عندما تزوجها جواد نموذجا مشابها لأمل، بعدم معرفتها لأمور البيت، بحبها للتسوق، بالاعتزاز بالجمال والغرور، بترك جواد لها تفعل ما تشاء.. ربما كانت قواسم مشتركة سطحية، لكنها لن تخاطر بتكرار التجربة.

أخذت تنتقد، أخذت تطالب بالأحفاد، أخذت ترمي النغزات واللمزات حتى تجادل ابنها وميساء أمامها، حتى قالت ميساء أنها لم ترغب بالأطفال وأنها كانت تأخذ موانع..

شكت عبير في ذلك، لا تدري لم.. لكنها فعلت، وهكذا أخذت تفتش مدعومة بدعم لمى لشكوكها عن دليل يثبت صحتها حتى عثرت على ملف يحتوي تقارير طبية، كلها تخبر عن عدم قدرة ميساء على الإنجاب.

لا تدري ما سيرها حتى قدمت دليلها إلى جواد، حتى ضغطت عليه وعلى ميساء، حتى أودت بطلاقه منها وزواجه بمن اعتبرتها عبير مكافئة له.

كانت لا ترى سوى عيوب ميساء إلى أن رحلت وصفا بالها، حتى أدركت أنها كانت تفضلها بكثير على لمى.

لم تكن ميساء بالمتدخلة، بالتي تحشر أنفها فيما لا يخصها. لم تحاول ميساء قط التدخل في علاقتها مع جواد، بأن تقلبه عليها.. على عكس لمى تماما.

تدخلت لمى عندما كان يتعلق الأمر بيارا، ببشاير، نقاط ضعف جواد الأبرز، محدثة في الخفاء جدالات بينها وبين ابنها. انقلبت ضدها بعد أن كانت في صفها، ربما محاولة كبح شرها قبل أن تودي بها إلى مصير مشابه لميساء. على عكس ميساء، لم تكن لمى بالقريبة لبشاير، بل كانت تغار من قوة علاقتها بأخيها، بتغير حال جواد من الجمود إلى الحنان معها.

شعرت عبير بفداحة ما فعلته بعد فوات الأوان، بعد أن أصبحت ميساء ضحية الألسن والمعايرة، معتزلة تجمعاتهم بالكلية. لم تكن كأمل قط، أدركت عندما قالت لها بشاير بسرور أن ميساء حضرت عرسها رغم وجود كل الحجج لرفضها ذلك الطلب، كان معدنها أصيلا طيبا..

بدأت لمى تتقرب لها حديثا بعد أن بدأ جواد يبيت عند ميساء مجددا، تسألها عن تعامله السابق مع ضرتها، عن الحياة التي كانت بينهما.

أبقت إجاباتها كلها متماثلة، كلها خاطئة: كان يعاملها زيك، وعيشتها زي عيشتك..

"عدو عدوي.. صديقي.. صح؟"

مخطئة لمى إن كانت تظن أنها ستمد إليها يد المساعدة، مخطئة أكثر في ظنها أنها كانت المنتصرة أصلا.

تذكرت تلك اللحظة التي أصبحت دلالتها عن مشاعر ابنها تجاه ميساء..

كانت بعد ولادتها لبشاير بأسبوع، عندما زار أخو زوجها سند برفقة ابنته بيتهم.

بدا على ملامح ميساء الانبهار الشديد ببشاير عندما التقتها للمرة الأولى، تارة تهتف بحلوها، وتارة تتعجب من صغر حجمها. نظرت لها بكل الأمل الذي يمكن لطفلة في الثامنة أن تحس به، تسأل: عمة يمكن أحصل على وحدة زيها؟

ابتسمت عبير عندها، تومئ لها بنعم: إيه، إيه، لما تكبري وتتزوجين..

لتهتف ميساء بحماس: أجل لما أصير كبيرة وأتزوج جواد بسمي بنتي سالي!

تذكر كيف انخرطت هي وسعد بالضحك من شدة احمرار وجه جواد حينها، الذي بدل الاستخفاف الهادئ بكلام ابنة عمه، هتف آخذا كلامها على محمل الجدية: ما بتسميها على اسم شخصية كرتون، اختاري اسم ثاني!

ليدرك بعدها ما تفوه به ويحمر أكثر ويخرج من الغرفة وسط ضحكات سعد، عدم استيعاب ميساء، وعجبها هي.

ربما منذ البداية، لم يرى غير ميساء زوجة له.

انتهى البارت..




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 18
قديم(ـة) 12-09-2017, 08:25 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



جدا آسفة على التأخير. انشغلت شوي في البيت. ويا هلا بكل من زار :)
اليوم يوم بارتين.

14

اليوم شعرت بالإلهام لتبدأ بالعمل على لوحة جديدة. بعد صلاتها للعشاء، اتجهت إلى الغرفة التي إتخذتها مرسما، لابسة للثياب التي تلبسها كلما أرادت الرسم، قميص واسع بالي ملطخ بألوان كثرى، وشورت ملطخ بالألوان مثله. ربطت شعرها على شكل ذيل خصان تبعده عن وجهها.

معهد الفنون فتح عيونها لجميع أنواع الرسم، من الرقمي إلى غريب الأدوات، لكن عشقها الأزلي سيظل دائما الرسم التقليدي. تحب تحسس نعومة الفرش وخلط الألوان ورائحتها، تحب شعور الإنجاز الذي يبعثه كل إتمام للوحة.

مضت عليها فترة وهي ترسم عندما أحست بشخص واقف وراءها. التفتت بسرعة وشيء من الخوف لتتنفس الصعداء لرؤية أنه كان جواد: فجعتني، ترى يمدحون طرق الباب..

رد عليها بعدم اكتراث ينكر كلامه: وأنا المسكين اللي ما بغى يقطع عليك إندماجك..

أمالت رأسها باستفهام: ليه؟ إنت من متى قاعدلك هنا؟

فكر للحظة قبل أن يجيب: تقريبا ربع ساعة..

كررت باستغراب: ربع ساعة؟ غريبة، ما عهدتك صبور كذا بدون شي تسويه..

ابتسم عندها ابتسامة ذات معنى، مبقيا نظره عليها: ومين قال ماكان عندي شي أسويه؟ كنت أتأمل في اللوحة الفنية قدامي..

نظرت ميساء إلى اللوحة التي كانت تعمل عليها لتقطب حاجبيها. كانت بالكاد تصل إلى ربع الاكتمال، لا تستحق التمعن فيها حتى.

قال جواد وهو خارج، جاذبا انتباهها إليه: لما تخلصي تجهزي وإلبسي عباتك، ورانا مشوار..

:

لم تأخذ كثيرا حتى قررت أنها انتهت لهذه الليلة، فالفضول قضى على رغبتها في إتمام لوحتها. تساءلت وهي تركب سيارة جواد عن وجهتهم، لترى أنها كانت مطعما.

سألته حال أخذ الطلبات منهما: ليش جبتني هنا؟

أجابها بكل بساطة: واحد من زملائي نصحني أجرب ذا المطعم عشان غداء عمل وحبيت آخذ رأيك.. أذكر إن لك نظرة في ذي الأمور.

مسحت ميساء محيطها بنظرة تفحصية، قبل أن تقطب حاجبيها وتجيب: زميلك يستهبل شكله، ذا المطعم ما ينفع لغداء عمل. ما ينفع لشي له علاقة ببزنس أبدا..

سألها بدوره: وليه؟

أجابته: لأن جو المطعم ذا حميمي بزيادة، شوف درجات اللون اللي استخدموها والديكور وكيف الطاولات منعزلة عن بعضها.. هذا بس صالح لسهرات غرامية..

لم تر ابتسامته الراضية قبل أن يخفيها بإجابته: شكلي بكنسل مخططات عامر..

أيدته: كنسلها. أنا بدلك على مطعم ينفعلكم..

كانت بحق سهرة رائعة. ظلا يتحدثان عن مواضيع سطحية نعم، لكنها لم تهتم. لا تريد بأية حال إفساد وقتها بجلب مرارة الماضي وهي في هذا المكان. شكرت بداخلها زميل جواد على إرشاده الخاطئ.

الشيء الوحيد الذي أفسد عليها ليلتها هو أعراض الشقيقة، ومهما حاولت إخفاء ما انتابها، فإن جواد لاحظها وهما خارجان من المطعم. أسندها مثبتا لها، وعند وصولهم البيت وإلى غرفة نومها أغلق جميع الأنوار، ليغرقها في ظلمة أراحتها. همست وهي مغلقة لعيونها: الليلة مقدر—

قاطعها: نامي..

أحسته قد جلس جانبها، فأمسكت بيده تشد عليها قبل أن تسأل: بتروح؟

أبعد شعرها عن وجهها، وأحسته ينحني ليطبع قبلة على صدغها، ليهمس: لأ، ما بروح..

عندها فقط سمحت لنفسها بالنوم..

:

أوصاها جواد في الصباح بأخذ أدويتها قبل أن تنزل إلى الطابق السفلي، أوصاها بعدة وصايا أخرى كما لو كان يقرأ مباشرة من نشرة تتكلم عن التعامل مع الشقيقة، أوصاها على نفسها كما كان يفعل في الماضي قبل أن يخرج إلى عمله.

قبلت خده برقة، بتوديع وشكر، توصيه على نفسه كما كانت تفعل في الماضي.

:

فاجأها جواد بقوله: تبين نروح السوق؟

لم يكن جواد يحب أبدا ذهابها للأسواق، وكان يصر دائما على أن يكون هو برفقتها أو أن تكون برفقة عدة أخريات على الأقل. لم يقترح عليها الذهاب مرة خلال زواجهما.

سألته السؤال المنطقي الوحيد: إنت تعبان؟

ضيق عيونه بقلة صبر: لا تخليني أغير رأيي..

لم تسأله بعدها، فهي حقا كانت تريد الذهاب. مضت سنة منذ آخر مرة عتبت قدماها مركز تسوق، وعوضت عن ذلك برحلتها هذه. جرت جواد دون رحمة من محل إلى محل، تسأل رأيه تارة وتحاول إقناعه بشراء شيء له تارة أخرى.

سمعت جواد يتنهد في نقطة ما، حاملا لأكياس لا تحصى من مشترياتها: بديت أندم..

كانت آخر وجهة لهما محل ساعات، وعلى الفور لفتت نظرها ساعة رجالية فاخرة: هذي بتطلع دمار مع البذلة اللي اشتريناها لك..

تفحص الساعة التي كانت تشير إليها وظهر على ملامحه الإعجاب بذوقها. لكنه سألها باستغراب: على بالي حنا نتسوق لك، وراك تشترين لي بعد؟

ردت بعفوية: أنا وإنت واحد../ تقدمت تلفت انتباه البائع، ليتقدم نحوها بابتسامة مسرورة: لو سمحت، كم الساعة هذي..؟

أجابها وعيونه لا تشيح بالنظر عنها بالسعر، واستطرد مشيرا لمجموعة ساعات نسائية: في هذي المجموعة كمان اللي بتناسب ذوقك يا آنسة..

قبل أن تجيب، سبقها جواد بسؤاله الذي بدا كأنه تهديد: كم هذي اللي بالأبيض؟

:

قالت له بإعتراض عندما خرجا من المحل: ليه دفعت حق ساعتك بعد؟ كنت ناوية اشتريها بفلوسي..

لم تتوقع أن تلقى لوحتها هذا الإقبال من الناس. قالت لها المشرفة أن عديدا من حاضري المعرض عرضوا شراءها حتى بعد أن تم بيعها. كسبت مكسبا غير متوقعا منه.

أجابها يوزع مشتريات اليوم في السيارة: كلها نفس الشي..

لم تفهمه: إيش..؟

ليجيب: ولا شي../ أكمل بحنق وهو يشغل محرك السيارة: لا تطلعي من البيت إلا وإنتي مغطية عيونك..

"وش جاب سالفة تغطية عيوني اللحين؟"

/

/

كانت زينة جالسة في المجلس تشاهد الأخبار عندما جلست نوف جانبها بصخب، تتقدم جود الماشية بهدوء وراءها، وتضع رأسها على حضنها بتدلل. ابتسمت زينة وأخذت تعبث في شعر ابنتها دائم القصر لتفضيلها ذلك: أها، وضعية التمصلح.. وش تبغين؟

تنهدت نوف بتمثيل ضيق: أفا يا أمي العزيزة، أفا! مقدر أتدلل في حضن أمي؟

كررت هي: وش تبغين يا آنسة نوف؟ تراني حافظتك وأساليبك.

ردت مستنكرة: وش ظن السوء هذا يا أميمتي؟ ما يهم، بنعديها عشان عيونك الحلوة. أنا اليوم جاية عشان مصلحة غيري../ أردفت رافعة رأسها، تنظر إلى جود الواقفة جانبهما، باديا عليها الحرج: بكمل ولا بتتكلمين؟

فتحت جود فمها لتتكلم، لكنها سرعان ما أغلقته، تعيد خصلة وراء أذنها بتوتر. أخذت نوف صمتها كإشارة لتكمل: بعد العصر صديقات جود بيجون، وأنا نصحتلها شغلاتك الحلوة اللي دوم تسويها لما يجو لي صحباتي..

أهذا الذي جعل الفتاة تتوتر بهذا الشكل؟ سؤالها إعداد شيء لصديقاتها؟ ابتسمت زينة لها بدفء تحاول إراحتها: هذا بس؟ من عيوني حبيبتي. بسويلك اللي تبين../ نظرت إلى نوف التي اعتدلت في جلستها وأردفت: وإنتي اليوم بتساعديني.

قفزت نوف واقفة: أكيد! أصلا أنا وعدت جود إني بشتغل شخصيا في هذا الحدث المهم.

خرجت نوف مسرعة من المجلس وتتجه إلى المطبخ، لتترك زينة وجود وحيدتين. كانت زينة ستلحق بابنتها لتبدأ بالعمل، فالساعة كانت الواحدة بعد الظهر وكان لديها الكثير لتعده، لكن جود استوقفتها: خالة زينة..

عندما التفتت زينة إليها، أردفت: مشكورة..

خطت زينة نحوها وأحاطت كتفيها بذراعها، تقودها إلى المطبخ بحنان باسم: مافي كلافة بين أهل يا جود.. اللحين قوليلي، وش اللي تحبينه إنتي وصاحباتك؟

/

/

ما الذي يثبت أنه كان يحب بيان قبل الحادثة؟

إيجاد جواب لهذا السؤال أصبح هوس ياسر في الأيام الأخيرة.

كان لديه قسط من المعطيات التي فكر أن يكون لها أهمية، مزيج من أحاسيسه وبما أخبرته به بيان عندما سألها بعد معرفته بحقيقة وضعهما.

أولها، شعوره عند رؤية بيان للمرة الأولى بعد إفاقته من غيبوبته. وجد جموح انبهاره وتمعنه النظر بمنتهى الغرابة، شيء ليس من طبعه أبدا. لم يكن بالذي يتمعن النظر في وجوه النساء، لم يكن بالذي ينسى غض البصر للحظات طوال، لم يكن بالذي يدق قلبه بهذه السهولة لمرآى امرأة جميلة، كم من مرة وجد نفسه ملاحق بالنغزات في الأسواق والمتنزهات، ولم يعر باله لهن بالا.

ثانيها، سرعة وقوعه في غرام بيان. وجد ذلك غريبا أيضا. أربما قلبه حفظ كل تلك التفاصيل التي أحب في بيان، حتى مع نسيان عقله؟

ثالثها، تقدمه لخطبة وئام. تفصيل غريب آخر. بيان قد ذكرت أنه فعلها قبل شهور فقط. لم؟ ما الذي قد يدفعه بالخطو في زواج مرة أخرى بعد سنتين وطفل؟ حتى وإن كان مغصوبا في زواجه ببيان، لم يستطع ياسر فهم خطوته هذه. لم يكن بالذي يكترث بالتعدد أصلا. بالإضافة إلى ادعائه أنه كان في قلبه شيء لوئام منذ أيام دراسته في الجامعة. من أين أتى بهذا؟ وما كان هدفه منه؟

أول الأمرين، لم يستطع إيجاد جواب لهما أو حتى التفكير بأين يبدأ في البحث، فتركهما لوقت آخر. أما الأخير، يستطيع التقصي عنه..

:

زار ياسر بيت جده قبل ميعاده المعتاد، وخاب أمله عندما عرف أن والده ما زال مسافرا لعمل. كان يريد أن يحظى بجلسة معه ويفسر له كل التفاصيل التي أدت بزواجه ببيان، والأهم من ذلك كله، سبب إجباره عليه.

لكن، فرحة أمه بزيارته المبكرة خففت عليه خيبته، وبأية حال، كان يريد جلسة معها هي أيضا، لتفسر له تقدمه لطلب يد وئام.

قطبت أمه حاجبيها بتفكير: بصراحة، ما أدري وش اللي حادك تروح تتقدم لها. مقدر أعطيك سبب يا ولدي..

سألها. على حسب ما عرفه، كانت وئام مطلقة عندما خطبها، لكن حتى ولو كانت، لم يظن أنها ستقبل أن تكون الثانية، فعلى حسب ما سمع، شابهت خالته رقية كثيرا في غرورها وطبعها الحاد: وش اللي خلا وئام تقبل أصلا؟

تنهدت: أمها الله يهديها زرعت فكرة زواجها منك من الصغر، وشكله حتى لما تزوجت وتطلقت، ما راحت الفكرة.. عشان كذا كنت أبغاك تتزوج منها../ أردفت عندما رأت الاحساس بالذنب في عيونه: ما عليه يا ولدي، أدري إن ما كان في خاطرك شي لها. ويمكن فسخ العقد بينكم كان لها خير، أختي اتصلت بي قبل يومين تقولي إن وئام انخطبت لواحد طيب وله خير كثير وباين إنها راضية فيه..

حسنا، يحمد ربه أن ذلك الأمر انتهى على خير. سأل يستحثها: طيب لما طرحت عليك الموضوع، لاحظتي شي غريب فيني..؟ شي قلته؟

ضحكت أمه بخفة: يا ياسر تصرفك ذاك اليوم كله كان عجيب! مدري من وين أبدأ حتى.. لكن..

كرر: لكن..؟

حدقت هي فيه للحظة قبل أن تقول لتصدمه: لما سألتك عن بيان ووش راح تقول.. ضحكت بلا روح وقلت "ما أظن الأمر بيهمها"

انتهى البارت..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 19
قديم(ـة) 12-09-2017, 08:26 PM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا




15

(ما أظن الأمر بيهمها)

(ما أظن الأمر بيهمها)

(ما أظن الأمر بيهمها)

ما الذي كان يقصده بذلك؟ بيان كانت تحبه، بالتأكيد سيهمها أمر زواجه بغيرها!

لحظة، لحظة، لحظة.. أربما كان يجهل بحب بيان له؟ ألهذا خطب وئام؟

لكن لا، لم يكن هذا منطقيا. لم يكن دافعا كافيا لخطو خطوة حمقاء متهورة كتلك..

(ما أظن الأمر بيهمها)

كان لديه الشعور أن سر دافعه يمكن في تلك الكلمات.

سأل بيان بحذر: بيان.. قبل لا أخطب وئام.. كان بيننا خلاف..؟

تجمدت بيان للحظة قبل أن تجيب، باديا عليها التفكير بعمق، مقطبة حاجبيها: لا.. كان الوضع زي ما هو..

كلماتها تلك بعثت فيه حيرة.

لماذا إذا؟

لماذا؟

:

سألته عندما بدأ يقود السيارة مبتعدا عن قاعة الأفراح التي حضرتها الليلة لعرس ابنة عمها: ساري لساته عند أمي؟

أومأ لها بنعم، مبقيا عيونه على الطريق: إيه، أصرت تبقيه عندها. بكرة الصباح بمر آخذه.

لم ترد أن يوصلها سائقها، أو بالأحرى سائق أمها الذي كان يوصلها أحيانا (خصوصا في فترة غيبوبة ياسر)، الليلة، فاقترحت على ياسر أن يمر بأمها لتعتني بساري في غيابهما ويوصلها هو. لم يمانع الفكرة، بل قال أنه كان يفكر فيها من اللحظة التي قالت أن لديها عرسا تحضره.

خلعت عباءتها حال دخولها لغرفة النوم، تتجه ببطء متقصد إلى الحمام، لكن لمسة يد على كتفها استوقفتها وابتسمت عندما سمعت ياسر يسألها بشيء من الاستنكار وراءها: وين رايحة؟

التفتت إليه، تمثل البراءة، ليضل رضاها أقصاه لرؤية الافتتان الصريح في عيونه: بروح أتجهز للنوم..

قربها منه: وما تخليني أتهنى بحلاتك الليلة؟

شيء في نظرة عيونه المشتعلة توقا كان مألوفا، جعلها تتذكر أول مرة اقترب منها ياسر.

كانت في ليلة حضرت فيها عرس أخت صديقتها لجين، وقد بذلت كل ما عندها لتظهر بأجمل منظر، تستفزه بغنج تدري أنه لن يؤثر فيه، فقط معجبة في سرها بفكرة تأثره من مظهرها.

لكن على عكس كل ما توقعت، فإن ياسر كان له ردة فعل، وردة فعل جامحة أيضا.

تذكر ضمه لها بقوة، وهمسه في أذنها بحرقة..

(ارحميني.. ما عاد في صبر..)

ظنت بعدها أنه سيكون في وضعهما تغيير، لكن أتى الصباح واستيقظت لوحدها، وتصرف ياسر كأن شيئا لم يكن.

أفاقت من ذكرياتها لترى ياسر ينظر إليها باستغراب قلق، يحتضن وجهها برقة بين كفيه: فيك شيء؟

ابتسمت، تحاول أن تخفف مخاوفه: لا أبد..

/

/


رمشت يارا بعدم استيعاب عدة مرات لرؤية جواد في قسمها. أشارت الصغيرة إليه هاتفة: عمة ميساء، عمي جواد معك!

سألها جواد بدوره بصوت خالطته الضحكة: مو إنتي كنتي تبغين تشوفيني هنا؟

أومأت يارا بنعم بحماس مسرور، ثم سرعان ما مطت شفاهها بضيق: بس لما يكون عمي جواد هنا عمة ميساء ما راح تعطيني أيسكريم..

عندها انفجرت ميساء بالضحك، تمسك بخفة بيد يارا تقودها إلى المطبخ: مين قال كذا حبيبتي؟ مافي أحد بيحرمك من الأيسكريم وأنا عندك.

سألتها يارا بتوجس وهي تجلس عند الكاونتر: حتى عمي جواد؟

ردت ميساء وهي تفتح الثلاجة: حتى عمك جواد، بقنعه إذا رفض..

سمعته يسأل عندهاا: وكيف بتقنعيني؟

لفت نظرها من جهة الثلاجة لتراه قد جلس جانب يارا، يترقب إجابتها ولمعة خبيثة تضيء في عيونه، لتجيب: عندي طرقي../ أردفت تغير الموضوع: أسويلك بعد؟

أجابها: إيه..

همس لها بينما يارا مشغولة بأيسكريمها، بنبرة رضا ناقضت التأنيب في كلماته: بتخربيها بتدلعيك..

لتهمس له بتحدي: إنت آخر شخص يتكلم عن تدليع يارا..

ابتسم عندها بإعتراف، مختارا الصمت، لا يستطيع الرد على ما كان صحيحا.

مرت ثلاثة شهور فقط منذ زواجها بجواد عندما توفي أخوه الأكبر سعد. رأت جواد ينهار حزنا بطريقة أدمت روحها، جعلتها تبذل أقصاها لتسانده في ذلك الوقت. على الرغم من اختلاف طباعهما، كان جواد قريبا جدا من سعد، صديقه وحافظ سره وخير أخ، وكنتيجة، كان ليارا نصيب كبير في قلب جواد، يفرط ويسرف في تدليلها.

أردفت، تنظر بحب مشفق إلى تلك الصغيرة التي لم تحظى بالعيش في كنف والديها. كيف أمكن لأمها أن تتخلى عنها هكذا؟: الله يحفظها..

التفتت تشتت نفسها عن هذا الواقع الحزين، تصنع لنفسها مخفوقا. شغلت الخلاطة بعد وضع مغارف الأيسكريم والحليب وقسط من القهوة وصلصة الشوكولاة، لتتناثر كمية قليلة من المزيج عليها من خلال فتحة الغطاء التي نسيت إحكام غلقه. تنهدت بحرقة، تتمتم بسخط وهي تعدل وضع الغطاء: كل مرة يصير كذا مع ذي الخلاطة الزفت. كل مرة..

سمعت خليطا من ضحكات يارا الرقيقة الطفولية العالية، وضحكات جواد العميقة الخافتة والتفتت لهما. هتفت يارا وهي تحرك يدها الممسكة لعدة مناديل: تعالي عمة ميساء أمسح لك وجهك!

لم يكن بوسع ميساء سوى الابتسام وهي تمتثل لأوامر يارا، تنحني لتسمح لها بمسح آثار الحليب والشوكلاتة المنثورة عليها. فحصتها يارا بنظرة وأعلنت برضا: خلاص مسحتها كلها.

ابتسمت لها ميساء بدفء: مشكورة حبي..

كانت ستخرج من المطبخ تتجه إلى الحمام لتغسل وجهها تأكدا عندما أحست جواد قد أحكم قبضته على رسغها، يمنعها من الذهاب. نظرت له مستغربة، ليقربها منه وتحسه يلثم جانب رقبتها برقة وسرعة خطفت أنفاسها وأذابتها. همست بحدة عندما سمح لها بالابتعاد، مستعيدة لصوابها، حامدة ربها أن يارا كانت مشغولة بما تأكله لتعيرهما أي اهتمام: يارا هنا!

ابتسم بأريحية غير مكترثة، سافرة الرضا والانتصار: كنت أكمل شغلها بس..

/

/

كررت زينة كلامه، تشعر بضيق غريب يخنقها: بتسافر؟

رد ليث بنبرة تعذر، يمسك بكتفيها كأنه يثبتها. ألهذه الدرجة ظهر ضيقها على ملامحها؟: إيه، للإمارات ولأسبوعين بس.. فيه معرض بيقيمونه هناك وأنا دُعيت كضيف..

أجبرت نفسها عندها على كبت ضيقها، تسأل: ومتى بتسافر؟

أجابها بسكون: بكرة الصبح إن شاء الله../ أردف يسأل بدوره: قلت اللي عندي.. اللحين وش اللي كنتي تبغين تقولينه؟

ابتسمت ابتسامة لم يصل ألقها إلى عيونها: بعدين بقولك لما ترجع من سفرك..

أصر عليها: متأكدة..؟

أومأت له بنعم، تمشي مبتعدة عنه. أشغلت نفسها في تجهيز حقيبته، تتجاهل خيبتها لعدم تمكنها من إخباره بما كانت تشك فيه وتأكدت منه. لكن.. كيف يمكنها إخباره وهو على وشك سفر؟

قد لاحظت في نفسها عدة تغيرات، من الإجهاد الغير مبرر والغثيان، وأهمها، انقطاع دورتها التي كانت كالساعة في انتظامها.
شكت وأجرت فحصا ليؤكد شكوكها، لقد كانت حاملا.

كانت تريد إخبار ليث بهذا الخبر ومعرفة ما يعنيه بالنسبة إليه، لأنها تذكرت سؤاله مرة لها عن ما إذا كانت تستعمل موانع، لتجيبه بلا، وعندما سألته عن سبب سؤاله، لم يجبها وغير الموضوع.

لم تهتم بذلك عندها، لكن الآن، في وضعها هذا، كانت تلك الذاكرة سببا لبعث التوجس فيها.

انتهى البارت..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 20
قديم(ـة) 13-09-2017, 03:20 AM
فيتامين سي فيتامين سي متصل الآن
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تسلم يمينك الفيورا بارتين رااااائعه جدا
شكرا على الكرم ودوم ماهو يوم إن شاء الله
ماشاء الله تملكين قلم في تطور ويعد بالكثيروإن
شاء الله روايتك الثلاثه أحلى وأحلى رغم جمال روايتك
الأولى والثانيه
ومعذوره حبيبتي ماجاء منك قصور إنتي اللي أعذرينا
على تقصيرنا معك

زينه وليث
ماشاء الله شخصياتهم راااائعه وتفاهم بينهم إنعكس على
جود ونوف الله لا يغير عليهم

ميساء وجواد ولمى
أعتقد لمى ماراح يرضيها الوضع الجديد وأكيد بتحاول
تخرب بينهم ومحاولتها إن شاء الله تعجل بطلاقها
والفكه منها لأنها هي اللي سعت في طلاق ميساء

بيان وياسر
هالإثنين حيروني ماعرفت لهم هي تحبه طيب هو إذا
يحبها ليه تزوج عليها وإذا كان مغصوب عليها ليه إنتظر
كل هالفتره حتى يتزوج عليها أعتقد فيه سبب جد على
حياتهم خلى ياسر يتغير من ناحية بيان ويتخطب عناد فيها
أو عقاب لها سواء كانت بيان مذنبه أو مظلومه وهذا الأرجح
هل السبب مكالمه أو رساله من محب لبيان أو حاقد على ياسر
فهم منها إن بيان تحب غيره قبل الزواج أو بعده
أو رؤيته لها في موقف خلاه يشك بها وهي بريئه
الصراحه أحترت من هالأثنين
متى الفي بتفكين غموضهم
منتظرين بقية الأحداث لا خلا ولا عدم منك يارب



الرد باقتباس
إضافة رد
الإشارات المرجعية

مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا

الوسوم
للكاتبة , مشكلتي , الفيورا , كلمة
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 30618 اليوم 02:05 AM
أوجاع ما بعد العاصفة / للكاتبة برد المشاعر ،كاملة لامــارا روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 174 05-07-2017 05:48 PM
مشكلتي مع خطيبي جوري جوجو الحياة الزوجية - الحمل - مشاكل الزواج - خاص بالمتزوجين 9 31-08-2016 03:15 PM
مشكلتي النفسيه والاجتماعيه التي تكاد تقضي علي وعلى مستقبلي ؟؟! صمتي يميزني.$. الاستشارات النفسيه والاجتماعيه 24 21-11-2015 03:02 AM
الموت مايعرف حسافه ولاحيف الموت كافر ماخذ حبيبتي مني/ للكاتبة : الغيد تُقى ! روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 10 26-04-2015 03:41 PM

الساعة الآن +3: 09:48 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1