اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات روائية > روايات - طويلة
الإشعارات
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 21
قديم(ـة) 13-09-2017, 04:03 AM
sma.life sma.life غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا


ماشاءالله روايه جدا جدا جمميل مبددعه ،،استمري ❤

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 22
قديم(ـة) 13-09-2017, 08:28 PM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



مشكورين حبيباتي. وأبد! ما في تقصير من عندكم. تسلملي طلاتكم :)

16

مضى وقت منذ أن زارت بيت أبيها. لكن، وعلى عكس تلك المرات في السنة الماضية، لم تزر ميساء بيته اليوم للمكوث بضع أيام فيه، بل زارته ومعها جواد الذي قال لها قبل كل شيء أنها لن تبيت عند أبيها الليلة.

كانت تناغي أخوها من أبيها ماجد في غرفتها القديمة، تاركة المجلس لأبيها ولجواد بعد فترة. ما زال أثاث الغرفة لم يُلمس منه شيء، وكل ركن منها ما زال يُعتنى به تحسبا لزيارتها.

سمعت صوت جواد يعلق، يقطع عليها أفكارها: غرفة الأميرة، صح؟

ابتسمت، فقد كان ذلك لقب أبوها لها في صغرها: إيه..

لكونها بنت أبيها الوحيدة، فقد دللها تدليلا، وكانت كل طلباتها مُجابة. فخامة غرفتها وحدها دلت ذلك.

جلس جواد جانبها، ينظر إلى الصغير في حضنها، الفضول الحيادي ظاهر في صوته: راضية بالوضع هذا؟

نظرت إلى ماجد لتبتسم بدفء، تفهم ما كان يقصده جواد بسؤاله: طول عمري كنت أتمنى إخوان لي، واللحين صار عندي. كبرت على حركات الدلع والاحتكار، والحمد لله أبوي أخيرا راح وشاف حياته. طيبة، زوجة أبوي. تداري مصلحته ومصلحة أخوي.

رفعت ماجد بمعنى: شوفه كيف ظريف حده. فديت خدوده المحمرة..

قال جواد عندها، تستشعر عذوبة مودته تحت تهكمه الساخر: ما يقلب حالك زي كذا غير الأطفال..

أتت زوجة أبيها لتأخذ ماجد تنومه، تاركة لهما لوحدهما في غرفتها القديمة. وقف جواد يتجه إلى الجدار الذي صُفت فيه أعمالها الفنية الماضية، لتقف هي جانبه تفسر: لما تركت الدراسة بعد ما خلصت الثانوي، كان عندي وقت كثير أشغله، وهدفي صار إني أعبي هالجدار.

سألها عندها: ليش ما كملتي دراستك؟

لم يكن موضوعا فتحاه بينهما، وكلما اقترب شيء ناحيته تجنبته. لكن الآن، وهو في هذه الغرفة، قررت أن تصارحه: تتذكر لما كنت صغيرة؟ كيف كنت باليالله أفهم؟ دوم كذا كان حالي في المدرسة. كرهت كيف الدراسة حسستني إني غبية وتركتها. ليش أتعب أبوي معاي؟

أكملت، تنطلق بابتسامة: تدري؟ المعهد كان نعمة من الله. لأول مرة أحس إني فاهمة وش ينقال، لأول مرة عندي زميلات يسألوني عن شي هم ما فهموه..

جعلها جواد تنظر إليه بخفة، لترى اليقين في عيونه وهو يقول: مانتيب غبية، مانتيب غبية أبد.. مو لازم تعرفين للأرقام أو اللغة عشان تكوني ذكية. فيه أبعاد ثانية للذكاء..

أشار إلى لوحاتها قبل أن يكمل: معرفة أي الألوان تنفع مع بعضها، اعطاء احساس معين للوحة.. هذي تحتاج ذكاء بعد. مشكلتك إنك قستي ذكائك بمعايير مو لك، لأن ذكائك فني..

أشاحت النظر عنه، محرجة: بس الفن هواية لي وبس..

ليجيب: هواية أو لا، رسمك خيال. ما عمري كنت أحب الرسم أو حتى إني أناظر في لوحات أو أقرا عن شي له علاقة بكل ذاك، بس من بعد ما شفت رسومك صرت مهتم، صرت أتابع..

كرسامة، هدفها الأهم كان التأثير بكل من ينظر لأعمالها. معرفة أنها أثرت في جواد بتلك الطريقة..؟

سرها، سرها وبشدة: متأكد ما تقول كذا لأنك تعرفني..؟

شخر بسخرية: إذا تظنين إني منحاز، أجل وش اللي بتقوليه عن ذولا اللي ركضوا وراي بعد ما اشتريت لوحتك؟ حتى زميلي في الشغل ما سلمت منه يبغى زيها.

تهدج صوتها من الصدمة: إنت اللي اشتريت لوحتي..؟

عندها، بدا جواد كأنه أدرك زلته، يلتفت بسرعة خارجا ويتمتم شيئا عن انتظارها في السيارة، غير معطي لها الفرصة بالضغط عليه بالسؤال.

/

/

مضى أسبوع منذ سفر ليث، أسبوع أحست فيه بطعم الشوق المر. أحاسيس عدة مرت بخاطرها منذ زواجها بليث، بألوان وأشكال لم تعرفها من قبل.

كم كان الشوق باردا وحيدا، سارق للنوم وللخواطر والفؤاد.

اعترفت زينة في سرها أنها رغم كل حذرها.. أحبته. أحبته بشغف جامح حر، مستوليا على كل زاوية وركن في قلبها.

سمعت صوت نوف تقول بنبرة مكر: هذي المرة العاشرة اللي تتنهدين فيها من جلستي عندنا..

ويبدو أنها كانت تعدي جود بأطباعها، فهي أردفت بنفس النبرة: وكل ما يجي طاري أبوي تزيد تنهيداتك صوت..

احمرت زينة خجلا وحرجا وغيظا. ألهذه الدرجة كانت مكشوفة للملأ؟: ومتى أمداكم تلاحظوا وإنتوا لساتكم تتساسرون في أخبار التويتر؟

ابتسمت جود بإشراق: ما دامنا نتكلم عن التويتر، شفتي آخر تويتات أبوي؟

أجابت زينة بالنفي، لم تكن بالتي تستخدم التويتر كثيرا. أحيانا كانت تضع خاطرة تناسب اليوم، أحيانا اقتباسات أعجبتها، وهكذا.. معظم الوقت كانت تستخدمه لمتابعة الأخبار، ومضت فترة معتبرة منذ أن سجلت دخولها.

بحماس جلست نوف وجود على جانبيها، ووضعت جود جهاز الأيباد خاصتها في النصف عندها تريها.

بين كلامه عن ساعات حضوره للقاعة التي يقام فيها المعرض، وإجابته أسئلة معجبيه عن حبكة رواياته، رأت أبيات شعر تتسلل بينها، بأسلوب مبهم للكل، لكنه واضح صريح لها.. المعنية بها.

ضحكت نوف بخفة: والله اللي يقرا روايات أبوك المليانة مؤامرات وسياسة وتخطيطات ما يتوقع كل ذي الرومانسية تطلع منه.

لترد جود بعد لحظة تفكير: تصدقي، هذي أول مرة أشوفه زي كذا..

قالت عندها زينة بحزم يناقض وجهها القاتم حمرة: تراني بينكم، سكروا ذا الطاري.

هتفت نوف: استحت أميمتي يحليلها!

لتعقب بعدها جود بابتسامة متسلية مسرورة: بقول لأبوي يخفف العيار عليك. ما نبي تذوبي حيا علينا.

:

أقرها مسبقا، أليس كذلك؟ حقيقة عجبه من عيشه بدون زينة جانبه لسنوات طوال. طيلة فترة غيابه، أحس بشيء مفقود فيه، بفراغ ينبض كالجرح.

لم تكن زينة زوجته وحسب، بل كانت نظيره أيضا. شخص لطالما أراد أن يكون جانبه، يعطيه رأيا صادقا لا مجاملة فيه. لم يظن أبدا أنه سيلقى هذا الشخص في زوجة.

كم كانت سياط الشوق المتيمة قاسية. حقا، لا يكفيه مكالمته لزينة كل ليلة. يريد رؤيتها قبل نبضه التالي..

"يا طول ذي المعارض.."

كعادته اتصل بها في الليل، ليستقبله صوتها الناعم المريح: هلا ليث..

تنهد بولع وهو يسمع اسمه كنغمة موسيقية بين شفتيها. ما بالها صيرته كالمراهقين زخما؟: كيفك زينة؟

كعادتهما انطلقا في الحديث، تارة عن أخبار المعرض، وتارة عن أخبار البيت.

بدأت حينها: جود ورتني وش اللي حطيته في حسابك في التويتر..

ابتسم: لو الود ودي كنت حطيت بيت ورى بيت باسمك، بس أغار أحد ينطقه غيري.

ضحكت حينها زينة برقة: يا حلو لسانك لما تبغى./ أردفت ونبرة جديدة جديدة اضفت نغما إلى صوتها: أشوف معجباتك طايحين على التجديد في حسابك..

رد: ويا حلو الغيرة عليك..

غريب، كيف أنه لم ينزعج من فكرة غيرتها عليه نظرا لتجاربه الماضية، بل سرته حد النشوة.

سمع البسمة في صوتها رغم جدية نبرتها: أجل بقولك من اللحين، صح إني كنت أدري بواقع إن لك معجبات بالهبل، وصح إني ما اتخذت قرار الارتباط فيك إلا وأنا واثقة إني قدها، بس هذا ما راح يمنع حقيقة إني أغار وبغار عليك.

همس عندها، لا يستطيع منع الكلمة من الإفلات منه عندما أدركه الشعور بها بقوة كاسحة، لا يريد: أحبك..

بقيت زينة صامتة، حتى أنه ظن للحظة أنها أقفلت الخط، ليأتيه صوتها المتهدج: توقيتك غلط..

ابتسم بانتصار: أنا عندي الاعتقاد إن ما في توقيت لإعلان مشاعرك.

لترد ومازال صوتها مبعثرا: وأنا عندي الاعتقاد إن فيه وقت وموضع تعلن فيه مشاعرك، مو على التليفون..

استحثها، يدرك تلميحها: يعني أفهم من كلامي إن لك كلام لي لما أرجع من السفر..؟

همست بعد لحظات: إيه..

كم سيتلظى بجمر الانتظار: دافع ثاني أعجل بالرجعة.

/

/

استيقظ ياسر بشهقة مذهولة خرجت من أعماق روحه. مرر أصابعه في شعره يحاول ضبط نفسه، استيعاب ما حصل في منامه.

الليلة.. الليلة رأى لأول مرة في ذاك الحلم.

رأى غرفة، رأى طاولة مكتب يكتب عليها، رأى القلم الأسود الذي كان يكتب به.

لم يكن حلمه حلما، بل ذاكرة ما!

نهض من السرير ولم يلحظ أنه أيقظ بيان معه إلا عندما تبعته خارج غرفة النوم. سألته بقلق، ربما ترى النظرة الهاذية في عيونه: وش فيك يا ياسر..؟

ليسألها بدوره: في ذا البيت غرفة فيها طاولة مكتب؟

قطبت حاجبيها باستغراب، قبل أن تومئ بنعم: إيه، فيه مكتبك، بس هو مقفول. أظن عندك مفتاحه مع مفاتيح البيت الباقية.

تذكر ياسر احتفاظ المستشفى لحاجياته التي كانت معه عندما أحضرته سيارة الإسعاف، وقبل أن يخرج أخذها. كان من ضمن تلك الأغراض مفاتيح البيت والغرف كلها.

أخذ المفاتيح معه وتبع بيان إلى باب غرفة في زاوية خالية من البيت. لم يعرف أي مفتاح سيفتح الباب فجربها كلها، وبعد عدة محاولات انفتح.

قالت بيان عندها: تصدق، متعجبة ما سألت عن ذي الغرفة قبل، كنت تروح هنا وتقفل على نفسك في أنصاص الليول، حتى في أيام الإجازات../ أردفت وهي تلقي نظرة متفحصة حول الغرفة الصغيرة بينما هو أنخرط في البحث على المكتب: أول مرة أدخلها، ما هي زي اللي توقعت.

كلامها هذا أكد شكوكه، أعطاه سببا لاستيقاظه المستمر في تلك الساعات المتأخرة من الليل، عزز من صحة ذكراه.

انخرط في البحث أكثر، وسمع بيان تسأله: وش اللي قاعد تدور عليه بالضبط؟

أغلق كتابا آخر ووضعه جانبا: مدري.. لما أحصله بعرف..

عندها لاحظ أن طاولة المكتب كان لها درج، لكن عندما حاول فتحه وجد الدرج لا يتزحزح من مكانه، مغلق بإحكام بمفتاح خاص به.

رجع بالنظر إلى المفاتيح التي يمتلكها، ليرى مفتاحا صغيرا لم يكن ينتمي إلى مفاتيح الأبواب بينها. وعندما جرب ذلك المفتاح، تمكن من فتح الدرج.

داخل الدرج كان يوجد سجل وقلم باللون الأسود..

رأى بيان تشير إلى السجل بطرف عينه: هذا اللي كنت تدور عليه..؟

أومأ لها بنعم، اليقين واضح في صوته عندما قال: هذي يوميات..

تذكر عادته في كتابة يوميات من حين لحين لأغراض الدراسة ومن ثم العمل. كان كثير النسيان فيما يخص شخصه، وخشي أن ينسى تفاصيلا مهمة قد تؤثر على مستقبله وأهدافه.

عندما فتح على الصفحة الأولى، رأى التاريخ المكتوب على الطرف لينظر إلى بيان ويقول: أول صفحة تاريخها قبل ثلاث سنوات..

فغرت بيان فاهها بصدمة، لتعتليها عندها الجدية والتوجس: تبغاني أخليك تقرا لحالك..؟

هز رأسه بـلا: اقعدي.. عندي احساس إن اللي مكتوب هنا بيهمك إنتي بعد..

انتهى البارت..




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 23
قديم(ـة) 14-09-2017, 03:17 AM
0فتوون0 0فتوون0 غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا


ياليت تعطوني اسم الروايه الاولى لفيورا

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 24
قديم(ـة) 14-09-2017, 03:43 AM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها 0فتوون0 مشاهدة المشاركة
ياليت تعطوني اسم الروايه الاولى لفيورا
هلا وغلا اسم الروايه الأولى للفيورا ( عكس الرحيل )

قراءة ممتعة لك .....



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 25
قديم(ـة) 14-09-2017, 09:41 PM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



جدا آسفة على التقصير في ردودي عليكم اليومين ذولا، الوقت صار ضيق علي.
بارت اليوم مختلف شوي..

17

اليوم خلينا نغير الإيقاع، لأني بصراحة مقدر أفكر بشي له علاقة بشغل أبدا.

أبوي استدعاني لمكتبه اليوم، كان فوجهه كلام كثير وباين إنه مهم. لما سألته عن اللي خلاه يناديني عنده، بدا يقولي قصة.

لما كان أبوي في بداياته في التجارة، ما لقى مستثمرين يدعمونه. في اللحظة اللي بدا يستسلم فيها، صديقه جا واستثمر عنده، وساعده بفلوسه اللين ما فتح الله عليه. سنين تمضي وأبوي يحاول يرد الدين، بس صديقه يرفض، حتى لما كان يواجه ظروف صعبة في شغله وصحته. بعدها فكر أبوي إنه يقدر يرد الدين بطريقة ثانية.

أبوي طلب مني أتزوج بنت صديقه.

لحظة.. طلب؟ لا، ما طلب. أبوي غصبني أقبل، ربط رضاه ومساعدته لي بقبولي.

لأني وحيده، تعودت ما تنرفض طلباتي. تعودت احترام قراراتي، حتى لما اخترت أدخل في مجال الهندسة بدل التجارة معه، دعمني أبوي بكل ما عنده.

وفي أهم قرارات حياتي، بالارتباط بأنثى بتكون لي زوجة، أبوي حرمني حرية قرار.. عشان قضاء دين؟

هو الناس صاروا سلعة، عملة تتبادل بيناتهم؟

-

قبلت، وش أسوي غير كذا؟

مقدر أفرط في رضا أبوي علي مهما كان..

أملي كان بس إن البنت بترفض.

-

البنت قبلت. البنت كان اسمها بيان.

بيان اللي بتصير زوجتي غصبا عني.

أثاري الغصيبة طعمها مر، ووزنها ثقيل على الروح.

أبوي وأبوها تشاوروا على كل شي، وأنا كنت زي الأطرش في الزفة. الشي الوحيد اللي ساهمت فيه هو تأثيث بيتي اللي اشتريته من فترة عن طريق قرض.

-

ما كنت أظن إني حطيت السجل ذا مع أغراضي.. ما عليه، صار عندي مكتب أقدر أكمل الكتابة فيه. بصراحة أحس إني أرتاح شوي لما أكتب وأفضفض.. أثاري الأطباء النفسيين لما ينصحوا الواحد يكتب يومياته شافوا شي..

مضت ثلاثة أيام من زواجي ببيان، واللحين اثنيننا مستقرين في بيتي.

عرفت بيان إن زواجي بها ما كان برضاي.

ما قلتلها بخياري، صراحة. كنت أتكلم مع أبوي في التلفون لما رحنا الفندق بعد العرس، وسمعتني وأنا أقوله ما يغصبني على سفر لشهر العسل زي ما غصبني على هذا الزواج.

سألتني هي بتعبير جامد إذا اللي سمعته كان صحيح، وقلتلها إيه. ما تكلمت معاي طول الليلة ذيك، وما ألومها. نامت هي على السرير وأنا على الكنب، أفكر بالحياة اللي انربطت فيها.

مابي أظلمها، ومابي أكسر فرحتها. لو الود ودي ما خليتها تسمع المكالمة بيني وبين أبوي. بس ما دامها عرفت، ما بكذب عليها. على الأقل بتعرف سبب غرابة تصرفاتي.

لأني إلا اللحين مقدر أتقبلها، مقدر أفكر إلا بالظروف اللي أدت لارتباطنا ببعض، مقدر أخدع نفسي بوهم إن هذي السالفة بكبرها كانت باختياري.

على الأقل.. بيان متقبلة الوضع بشكل غريب. لما سألتها قالت إنه عادي، في زواجات تأسست على أردى. اقترحت نعيش كرفقاء سكن..

عجيب، أمر ذي البنت..

-

بيان كثيرة المزح، ماعرف جدها من هزلها.

أحيانا أحس إنها تستهزئ فيني بلامبالاتها بوضعنا. يمكن هذا من حقها، يمكن هذا جزاتي لأني كسرت فرحتها كأي عروس طبيعية. بس هذا ما منعني إني أتضايق من فكرة إنها ما تعتبرني شي حصل في حياتها.

صديت وصديت عنها، لعل وعسى إذا بقيت مسافة بيننا، ما بتأثر فيها.

ولفترة، بقى الوضع بيننا كذا. كل واحد فينا فغرفة، هي تمزح وتتصرف كأنها تبغى تستفزني وتطلعني من طوري، وأنا متمسك بقناع الصد..

قناع، لأن رغما عني.. بديت أتأثر، بديت ابتسم وأنا لحالي لما أتذكر تعليق قالته بيان عن شي. بديت أحس بالرضا لشوفة الحنان والطاعة فصوتها لما تكلم أبوها وأمها. بديت أطيل بالنظر فيها وهي ما تحس. بديت أحس بالفضول.. أسأل نفسي سؤال..

لو كان الأمر هذا كله برضاي، كيف كانت بتكون حياتنا؟

-

كل مرة أشوف بيان مبتسمة، أحس بشي داخلي يتصدع. وكل ما جاني ذاك الإحساس، كل ما زدت صد وبعد. لأن استسلامي لذي الأحاسيس الوليدة بيكون لي النهاية.

صعبة المقاومة. صعبة المقاومة لما تكون بمواجهة شخص مثل بيان، مليان روح وحياة.

-

أبو بيان توفي اليوم، الله يرحمه.

ما أعرف شي عن ذاك الرجال، بس من كلام أبوي عنه، من كلام بيان، نادر العايض كان رجال يضرب له المثل في الشهامة والعطاء.

انهارت بيان ذاك اليوم، شفت الضعف فيها بطريقة ما شفتها أبد. كانت تهذي بلا وعي فصرت أضمها على صدري، أحاول أخفف ولو شيء بسيط من اللي في قلبها.

قالتلي إنها بتبيت فبيت أمها لأيام.

أدركت شي لما اختليت في البيت بدونها.

أدركت إني اشتقتلها.

-

طولت بيان في بيت أمها، إلى أن جاء اليوم واتصلت بي تطلب مني توصيلة.

(أمي كانت شوي وتجرني عندك..)

قالتها بضحكة مالها لون ولا طعم لما ركبت سيارتي. ما عمري التقيت بأحد يحسسك إنه مستغني عنك زي بيان.

بعض المرات أتساءل مين فينا المغصوب على الثاني..

-

شوي شوي، بدت ترجع بيان لطبعها الأول، وردت الروح لابتسامتها مرة ثانية..

ارتحت بطريقة ما ارتحت فيها من قبل، وما فكرت تحت أي مصطلح بحط ذي الراحة. ما أبغى.

-

اليوم قريت اللي كتبت في ذا السجل، واللحين بس حسيت بكثر ما أكتب عن بيان.

-

كان صعب إني أقاوم غريزتي وهذيان عقلي وقلبي مع بيان وهي على طبيعتها، مرات بقمصان قطنية وتنانير، مرات بجلابيات، مرات بجينزات.

كيف أقدر أقاوم وهي تتمايل قدامي بأحسن زينة، بأجمل منظر؟

ما قدرت، وضعفت، واستسلمت للحظة هوى.

-

كرهت ضعفي، كرهت جسدي اللي ما طاع كبرياء روحي.

كرهت إني ما ندمت لحظة على اللي سويته، كرهت إني أعرف إن مقاومتي بتكون سراب بعد ما عرفت وش اللي كنت أصبر عنه.

ومرت الأيام كذا، أكابر في اليوم، وانهار في الليل.

اللين ما جت عندي بيان بخبر.

(أنا حامل..)

فرحت.. فرحت فرحة ما توقعتها، ومن تعابير بيان المصدومة، فرحة هي بعد ما توقعتها.

متحمس بشكل غير معقول!

-

ذي الأيام عرفت وش اللي أصحابي يقصدونه لما يشتكون من وحام زوجاتهم.

السالفة ردية، ويبغالها بال وصبر طويل.

على الأقل بيان ما توحمت على شي يضرها، ما شاء الله على اللي في بطنها، يداري صحتها بشكل، ما خلاها تتوحم إلا على فواكه وخضروات.

أهمها الموز. الموز اللي بيان شوي وتكتب قصائد مدح فيه.

توني راجع للبيت الساعة وحدة، بعد ما فرفرت في شوارع الرياض عن سوبر ماركت مفتوح أقدر أشتري منه الموز المنشود. للأسف مورد الموز جارنا اللي على بعد شارع خذلني بإقفال محله. حشى دجاجة هو عشان يسكر محله على المغرب؟

من قلة النوم عبرت لبيان عن خوفي المبرر المدعوم بالأدلة العلمية إن اللي في بطنها يكون قرد.

ما دريت إلا وبيان تضحك بقوة، وتبتسم لي ذيك الابتسامة وتنظر لي بذيك العيون المليانة دفى.

تمنيت لحظتها إن ولدنا بيطلع عليها.

-

ما يفيد الإنكار على هذا الورق، فخليني أعترف بدل ما أخنق روحي.

أحب بيان. أحبها. أعشقها وأموت فيها.

أقدار الناس لها أطوار.. أنا اللي انجبرت أتزوجها، وأنا اللي انتهى المطاف بحبها. هي اللي كان لها حرية القرار، وهي اللي كانت عايفتتي.

الشيء الوحيد اللي أقدر أتمسك فيه هو كبريائي، برودي الظاهري.. مقدر أتخيل فكرة إنها تدري بحبي لها، لأن ما كان لذيك الاحتمالية إلا خيارين..

يا إما تتشمت فيني، أو بتشفق علي.

مدري أي واحد فيهم أردى.

-

صار عندي ولد.

اسمه ساري. وأنا مستعد أدخل في مضاربات عشان أثبت إن أظرف منه مافي.

بيان هي اللي سمته وأنا وافقتها. من كثر الأسماء اللي جت فبالي ما قدرت أختار منها شي، ولو كان الأمر علي كان اللحين ساري قضى سنته الأولى بدون اسم. الحمد لله بيان ريحتني من ذيك المهمة الصعبة.

بتقضي بيان الأربعين في بيت أمها. وأنا طبعا حدث ولا حرج، حالة من الشوق المستنفر. صرت أزورهم كل عصر، أتطمن على أحوالهم وأرجع لبيتي. الوحشة لحالي كأنها قبر استغفر الله.

مضى أسبوعان من ولادة بيان، وأنا بس أعد الأيام لرجعتها مع ساري.

-

صحيح إن عمر ساري شهرين وحاجة، بس بصراحة هو نعم الونيس والمستمع.

مضت أسابيع من رجعة بيان لبيتي، أسابيع تعودنا فيها روتين مختلف مع ساكن البيت الجديد.

ما أقول إن التعود على ساري كان سهل، أبد ما كان سهل. كان متعب بكل ما في الكلمة من معنى. لكنه كان تعب حلو. تعب تخوض فيه وإنت راضي..

لما تكون بيان تعبانة أو ناقصها نوم، أقعد أنا أهتم بساري طول الليل، أقعد أفضفض له عن مشاعري تجاه أمه. طبعا ساري ما يرد، بس يبتسم لي ابتسامة أمه. أحمد ربي إنه رزقني أمنيتي ذيك.
-
الشي اللي يثير استغرابي أكثر من أي شي ثاني هو ليه ما طلبت بيان الطلاق مني. سمعت قصص كثيرة عن ناس انغصبوا على بعض، و النطق بطلب الطلاق دوم كانت ردة الفعل السائدة.

بس بيان أبد ما سوتها.

سألتها، وجاوبتني إن السبب الوحيد اللي خلاها تصبر علي، تصبر على فكرة إني مغصوب عليها، هو وصية أبوها بإنها تكون زوجة لي.

اللحين عرفت مفهوم الأسئلة اللي تندم معرفة أجوبتها.

كأن زواجنا كان غرفة.. أنا انجبرت أدخلها، وبيان انجبرت تبقى فيها.

كانت ذيك القشة اللي قصمت ظهر البعير.

-

خطبت بنت خالتي وئام. كانت خطوة غبية متهورة بجميع المقاييس، بس هي اللي بدرت فبالي ذيك اللحظة. شي يعالج نار القهر المحترقة فصدري. شي أتمنى يأثر فبيان في سري حتى لو كنت موقن إنها ما راح تهتم.

ألفت لبيان رواية عن سبب خطبتي لوئام، خرابيط ما لها صحة عن حبي لها من يوم ما كنت في الجامعة. أكابر وأنا أندم في اللحظة مليون مرة، خصوصا لما وئام وافقت.

-

قالتلي بيان مبروك ببرود الثلج، ولأول مرة من سماعها لمكالمتي مع أبوي، شفت الجرح في عيونها.

تعاملها معي صار رسمي، بارد، مافي أثر للحياة أو الإنسانة اللي عرفتها فيه. كانت تقوم بواجباتها بكل آلية.

تركتها لحالها، ما ألومها. يمكن ما كانت تكترث لي لشخصي، بس يقولون إن الضرة مرة مهما حصل. ليتني فكرت بكذا قبل ما اتبعت كبريائي الغبي..

أمي أعطتني رقم وئام أكلمها.. ما أذكر إذا كلمتها أكثر من مرتين..

-

اكتشفت حقيقة إن الواحد يقدر يشتاق لشخص حتى وهو واقف قدامه.

اشتقت لك يا بيان.

اشتقت لك..

:

كان هذا آخر ما كتبه في السجل، قبل أيام قليلة من الحادثة التي أودت به إلى غيبوبة.

أغلق ياسر السجل، لينظر إلى بيان الجالسة على طاولة المكتب، تستمع لما كان يقرأه من سجل يومياته.

لديهما الكثير ليتحدثا عنه.

انتهى البارت..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 26
قديم(ـة) 15-09-2017, 09:53 AM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا




صباح الخير على الفيورا ومتابعينها
هالحين ياسر مدوخنا ومسوي سالفه على شيء مايسوى
لا بوك ولا أبوكبرياءك
بيان وش قالت وأهانت كرامته المعقد أجل هو كلامه وش يعتبره
لبيان
الله يعوض صبرك خير وعساك للجنه أنشهد أنها صبرت عليه
لو غيرها تركته ولا تحملته كل هالفتره
بالأول يقول لها مغصوب عليها والثانيه بيتزوج ومألف لها قصة حب
مالت عليه ثم مالت خلانا نشك في الضعيفه ونقول أكيد غلطت بشيء


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 27
قديم(ـة) 15-09-2017, 03:22 PM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا


والله مستحية أقولها بس..
أتعذر ذي اليومين عن تنزيل بارتات.. مضغوطة جدا الأسبوع هذا والنتيجة كانت مرهقة.
فاليوم وبكرة، أتمنى أتمنى إنكم تعذروني.
وإبشروا ببارت جاي بيكون كله من وجهة نظر شخصية إلا اللحين ما جبت وجهة نظرها إن شاء الله.
دمتم بود يا الغوالي، وسامحوني على تقصيري معاكم..

الفيورا


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 28
قديم(ـة) 17-09-2017, 10:52 PM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



أهلا أهلا لقد عدنا وآسفة على التأخير..
بارت اليوم بيكون القسم الأول لاسترجاع أحداث من وجهة نظر أخرى..

18

عزت ميساء تغير الوضع بينها وبين جواد إلى اتفاقية صامتة قامت بينهما بأساس حصولها على طفل. لم ترد التفكير بغير هذا، لأن الخيار الآخر سيكون أن جواد يريد إرجاع الأمور كما كانت عليه في سنين زواجهما.

لا تريد ذلك الواقع، لأنه يعني الاعتراف بحقيقة أن جواد تشاركها به أخرى. لا تريد ذلك الواقع، لأن وهم الاتفاقية البارد كان أسهل على قلبها التعامل معه، أبرد على لهيب غيرتها المميتة.

لكن تواجد جواد معها بهذا الشكل دمر حصونها التي كانت تحمي نفسها بها من الحقيقة.

سألته ليلة، تشعر به يلعب بخفة في شعرها: إذا ما قدرت أحمل، وش بتسوي؟ بتبقى لسى معي ولا..؟

ظل صامتا للحظات بدت كالسنين، ثم قال: بقولك قصة، وإنتي أحكمي..

/:/

لم يكن جواد قريبا لأي أحد من أقربائه كما كان مع جدته من أمه سارة. كانت تعرف ما يفكر فيه بنظرة، تفهم ما يريد قوله دون الكلام. كان يحبها حبا عظيما، وكانت هي تكن له نفس الحب في قلبها.

قلبها الضعيف الذي استسلم للسكون وهو في العاشرة من عمره.

لم يستطع الاستعياب، الاعتراف، بأن هذه الجنازة التي هو حاضر لها كانت لجدته. قد حضر جنازة من قبل، قبل شهور قليلة. يعرف أن الراحل لن يعود.

رأى نظرات القلق في أمه، في أبيه، في أخيه الأكبر.. حاول منع دموعه إلى أن اختلى بنفسه في زاوية، ليطلق العنان لها.
سمع عندها وقع خطوات خفيفة، ليرى ابنة عمه الصغيرة ميساء. سألته: إنت تبكي؟

فاجأه حضورها إلى درجة أنه لم يلاحظ أن دموعه ما زالت مرتسمه على خده، تفضحه، مسحها بسرعة وقال بصوت بالكاد يُسمع: لا..

مطت هي شفتيها بعدم رضا: كذاب، كنت تبكي./ ثم أردفت بعد أن تفقدت عدم وجود شخص آخر معهما بهمس: ما بقول لأحد، وعد. ابكي..

ضحك هو رغما عنه قبل أن وجد نفسه يمتثل لقولها، منزلا رأسه على ركبتيه مغطيا وجهه، باكيا بصمت.
أحس بها تمسح على رأسه بيدها الصغيرة. يعرف أنها لم تكن تفعل هذا لشفقة، بل كأنه رد معروف، تقلده، فتركها تفعل ما تشاء.

رفع رأسه ليراها تبتسم له، تمسح دموعه الباقية كما فعل هو في جنازة أمها: خلاص؟

تنهد بحزن.. وشيء غريب من الراحة، يرد: خلاص..

:

عادة، هو لا يحب الاختلاط بالناس، خصوصا بمن هم أصغر منه.

لكن، كلما سأله والده إذا كان يريد مرافقته لبيت عمه سند بدلا من أخيه سعد الذي كان برفقة أصحابه كالمعتاد، وجد جواد نفسه يجاوب بنعم.

كان يرتاح برفقة ابنة عمه ميساء، لم تكن مزعجة كباقي أبناء عمومته.

رآها اليوم ترسم على أرضية غرفة الجلوس، تركز على كراستها الصغيرة وألوانها الشمعية متناثرة حولها. بصراحة، بالنسبة لطفلة في الخامسة، يعترف أنها كانت ترسم أفضل منه. مدرس مادة الفنية دائما كان يوبخه على بشاعة رسمه. ما ذنبه إذا لم يمتلك الموهبة؟: وش قاعدة ترسمين..؟

أجابته دون النظر إليه: إنت.

أمعن النظر في الرسمة، ليقطب حاجبيه: عيوني مو سودة كذا..

عندها فقط نظرت إليه، ورأى الإصرار في ملامحها: إلا هي كذا، زي الليل!

لم يعترض بعدها، يعرف أنها معركة لن يفوز فيها. وقبل خروجهم، أعطته رسمتها، قالت أنها هدية.

أزعجه سعد بالسؤال عما كان ينظر إليه عند عودته، عازما على رؤية الرسمة التي أهديت له. وفي خضم عزمه شق زاوية بسيطة من الورقة دون قصد.

هتف رادا على النظرة التي أعطاها جواد كردة فعل: آسف، آسف يا شيخ! لا تأكلني!

:

ركض أرجاء المزرعة بحثا عن ميساء. كانت رجلاه بالكاد تقويان على حمله عندما وجدها. شعر بالغيظ لعدم رؤية علائم الخوف على وجهها، فقط الرضا الباسم: هلا جواد!

الدنيا كانت مظلمة، وهي كانت مفقودة منذ صلاة العصر، ألا تحس هذه الغبية؟

وبخها على تهورها بينما هي فقط ظلت صامتة، تنظر له بعدم فهم واكتراث بما صار لها.

عندما لحق بهما الآخرون، سألها عمه سند عن سبب اختفائها، لتشير هي بفخر إلى الساعة التي كانت بحوزتها، ساعته.. تلك التي أهدته إياه جدته سارة قبل وفاتها، تلك التي فقدها في الظهر، التي ظل يبحث عنها بحزن، غاضب من نفسه لفقدها.

رأى جواد ثياب ميساء متسخة بطريقة لم يعهدها فيها تحت أضواء الكشافات، فهي أبدا لا تطيق فكرة إفساد ثيابها باللعب. والآن.. والآن كان ثوبها ملطخا بالطين والتراب والحشائش، ولم يبدو عليها الاهتمام بذلك..

أكل ذلك كان من أجل إيجاد ساعته..؟

وجد نفسه يتمتم في طريق العودة: غبية، غبية!

ليسأله سعد: ورى وجهك محمر كذا؟

:

أخذ ميساء على جنب بعد إعلانها، يؤنبها: لا تقولي أشياء زي كذا للناس. عيب!

قطبت هي حاجبيها باستغراب، تسأله: ليه عيب؟

لم يجد إجابة مناسبة واكتفى بـ: بس كذا.

تكتفت هي بسخط: بس أنا أبغى أتزوجك ونسكن بيت كبير واشتري فساتين كثيرة زي ما العم سامر قال!

رد هو، لا يدري لم يشعر بالغيظ: بس هو كان يقصد تتزوجين ولده كمال، مو أنا.

لتهتف هي بحيرة، كأنه شيء بديهي لا يستطيع الناس فهمه: بس أنا ما أبغى غير جواد..

احمر بشدة، وفقد القدرة على تشكيل أي رد، يشعر برضا غريب من سماع كلامها.

أخذت ميساء صمته كعلامة لانتهاء تأنيبه، لتذهب إلى أبيها حين سمعته يناديها.

ككل مرة حاول تنبيهها، غلبته..

:

بعد زلته في زيارة عمه للتهنئة بمولد بشاير، أصبح سعد لا يُطاق، صار يشير لميساء بـ"حرم أخوي المصون".

صحيح أن سعد كان يكبره بأربعة أعوام، لكن هذا لم يمنع جواد من إسكاته خوفا من أن يسمع كلامه الآخرون.

:

مرت بضع سنين، وكف أبوه عن سؤاله مرافقته لبيت عمه سند. سمعه مرة يقول لعمه سند أن ميساء كبرت، وليس من اللائق اصطحاب جواد معه، ليهتف عمه أن ميساء ما زالت صغيرة على كل ذلك. لكن أباه لم يتزحزح عن موقفه.

لطالما كان أبوه الأكثر صرامة بين إخوانه، بينما عمه سند الأقل في ذلك.

وجد نفسه يتصيد أخبار ميساء من عمه، يبتسم لسماع شيء فعلته لم يكن غريبا عليها، ليرى أن سعد لاحظه، يهز رأسه بقلة حيلة: حالتك صعبة يا أخوي..

كان صعبا، منع نفسه من ضرب سعد بأقرب وسادة كنب.

:

كان عليه إيصال ميساء إلى البيت كما طلب منه عمه سند. مهمة سهلة. لكن من اللحظة التي دخلت فيها ميساء سيارته، وجد جواد نفسه في حالة استنفار.

يكره كيف لاحظ حسنها الفتي، المنبئ بازدياد باذخ بعد سنين، يكره أكثر ملاحظة آخرين لذاك الحسن، أن يفكر ذهن رجل بما فكر. أخذ يتكلم عن التحجب، وارتاح لعدم رؤية ذاك الإعتراض في ملامح ميساء.

صحيح أن الثمن كان حرمانه من رؤية وجهها، لكنه ارتاح.

وبأية حال، إذا قدر الله له، لن يظل محروما إلى الأبد..

:

أتى عمه سند سفر طارئ لعمل، وترك ميساء تبقى عندهم أيام غيابه.

أبوه وأمه لم يمانعا، بشاير كانت بالغة السرور، وسعد..

"سعد شكله ناوي القبر اليوم.."

من اللحظة التي أعلن أبوه خبر سفر عمه وبقاء ميساء عندهم، بدأ سعد مهمته بإيصاله إلى أقصى درجات الغيظ والحرج.

سأله، لعل وعسى سيستطيع إيقاف حملة أخيه هذه: ما عندك شي ثاني تقدر تغثني فيه؟

ابتسم سعد بانتصار: أنا إنسان استراتيجي، وشايف إن مافي شي يقلب حالك زي طاري بنت العم./ تنهد بدرامية مبالغ فيها: صدق من قال إن الحب يذوب أقسى القلوب، قلب حال أخوي الصغنن من لوح إلى روميو..

أبوه اتخذ كل الإجراءات اللازمة، وجعله مع سعد يبيتان في ملحق الضيوف المنعزل عن البيت..

واساه سعد تلك الليلة: يا فرحة ما تمت.

لم يمنعه شيء حينها من رميه بالوسادة جانبه.

:

تنهد عمه سند، كعادته يعامله بأريحية الأخ الكبير بدلا من العم: معناته اللي سمعته صحيح، العايلة كلها متفقة ضد قرارك..

توقع هذا الاعتراض عندما أصر على إتخاذ المحاماة كمهنة بدلا من الانخراط في العمل في شركة العايلة. أبوه كان أول المعارضين، ومن بعد أبيه عمه متعب. سأل عمه سند بفضول: حتى إنت معارض يا عمي؟

فكر عمه للحظة قبل أن يجيب: أنا نص ونص، ما بتسرع في الحكم، خصوصا وأنا شايف إنك قدها./ ابتسم بحب وهو يردف: على الأقل بنتي موافقتك الرأي. على قولتها مو لازم الكل يشتغل في الشركة، التنويع حلو.

بالكاد منع جواد ابتسامة مفرطة السرور من الانفلات منه.

:

أصبحت بشاير شخصا آخر يتصيد أخبار ميساء منه. بحكم جيرة بيت أبيه لبيت عمه، كان من السهل إيصال بشاير على فترات متقاربة له.

اعتبرت بشاير ميساء أختها الكبيرة التي لم تحظى بها، واعتبرتها ميساء بمثل الأخوة. كل مرة ترجع فيها بشاير إلى البيت، بدت مختلفة، شعرها مربوط بتسريحات طفولية أنيقة تناسب عمرها الصغير، ومعها أغراض أكثر من التي ذهبت بها. كانت ميساء من تلجأ لها بالنصيحة، من تأخذ رأيها في كل شيء.

كعادتها حين عودتها من عند ميساء، بدأت بشاير تتكلم عن كل ما فعلته.

نهض سعد وابتسامة متسلية مرتسمة على شفتيه: استأذنكم، ودي أقعد بس أحس إن فيه ناس بيشرشحوني لو سمعت طاري حبايب القلب.

حرك حواجبه بمعنى كان هو المقصود فيه، ليخرج ضاحكا عندما اكفهرت ملامح جواد بغيظ مكتوم، يتساءل لم كان سعد من انتهى المطاف بمعرفة ماهية مشاعره؟

:

جلس جانب أبيه بكل رزانة وهدوء، يفاتحه بالأمر الذي كان يفكر به منذ سنين مراهقته: أبوي، نويت أتزوج..

لم ينظر أبوه من الجريدة التي كان يقرأها عندما رد: خلص دراستك واشتغلك كم سنة بعدين أخطب لك بنت سند، ما برميها عليك وأنا مو ضامن مستقبلك..

تلعثم ثم وجه نظرات متهمة إلى سعد الجالس جانبه، ليدافع سعد عن نفسه قائلا: موب أنا اللي قلتله والله. أنا حافظ سرك كيف أخونك كذا؟/ استطرد بضحكة: مشكلتك يا أخوي إنك مسوي فيها غامض وإنت فضيحة.

عندها توسط له سعد، وعرف جواد أن الأمر وصل إلى القاع: يا أبوي زوجه، زوجه وارحمه حالته مستعصية.

لكن أبوه ظل ملتزما موقفه: بنت سند غالية ومانيب مرتاح لسالفة المحاماة ذي..

إلى متى سيلوي ذراعه بمجال دراسته؟: طيب بخطبها..

"وبوقف سيل الخطاب المرتسين قدام بيت عمي سند.. كأن مافي بنات في العالم إلا ميساء.."

رد أبوه عندها، باقي على نفس البرود: ما بقطع رزق البنت.

ليقول سعد بدلا عنه: ذبحته يا أبوي، ذبحته..

لم يعطي أبوه بالا لدرامية سعد، ولا لاحتمالية أنه صدقا قد قتله ببروده هذا.

:

أصبح سعد ينظر إليه بنظرات الشفقة، وبعض المرات كانت تنضم له بشاير وهي بالكاد تفهم ما يجري. كانا قريبان من بعض، سعد وبشاير، على الرغم من السنوات السبعة عشر الفاصلة بينهما.

تنهد سعد بحرقة: آه يا بنت عمي المصون وش هببتي في قلب أخوي..؟ ارحمي الضعيف من لهيب هواك!

قلدته بشاير: آه!

كونه الأوسط بينهما كان مزعجا بحق.

:

عندما أعلن سعد أنه سيتزوج قريبا، كاد جواد يتفجر فرحة.

"أخيرا بيجي شخص يشغلك عني.."

وكأنه أحس بمسار أفكاره، ابتسم سعد بخبث: فيه اختراع اسمه الجوال./ أردف قبل أن يستطيع الرد: وإذا حصل وسويت لي حظر، أختي الحبيبة بشاير موجودة..

تنهد جواد باستسلام: أكرهك.

ربت سعد على كتفه بتفهم: أدري بك معقد وما تبين مشاعرك، وأدري إن معزتك لي في القلب..

أبعد جواد يده عنه.. ثم ابتسم: مبروك يا سعد..

عبث سعد بشعره بتسلي كما كان يفعل في طفولتهما، لا يكترث بواقع أن جواد كان في الخامسة والعشرين من عمره: الله يبارك فيك، وعقبال أبوي يفك الحصار عنك..

:

تم فك الحصار عنه بعد سنتين.

كان عليه إبعاد أذنه عن جواله بسبب الهتاف العالي الذي انخرط فيه سعد لسماع الخبر: أخيرا! أخيرا حن قلب أبو سعد عليك!

رد هو بابتسامة: اللي يسمعك بيقول إنك إنت اللي بتعرس.

عندها شاب صوت سعد تمثيل الجدية: أكثر من عشر سنين وأنا أشوفك متبهذل. اسمح لي، بفرح زي اللي أبغى. حتى يارا شقت الحلق لما سمعت الخبر.

اكتسى صوته الدفء لذكر ابنة أخيه الصغيرة ذات الشهور العشر: يحق لها، بتكون هي ضيفة الشرف.

:

مرت مراسم الزواج بسرعة خاطفة، وهاهو الآن جالس جانب ميساء في السيارة التي كانت تتجه بهما إلى الفندق الذي تم حجز جناح لهما فيه.

رأى يديها ترتجفان، فأمسك بهما يخفف عنها، ليسرع قلبه هو في دقه لمعرفته الآن بنعومة كفيها.

سعد الذي أصر على قيادة السيارة، كان يدندن بسرور، يقطع الصمت المشحون بينه وبين ميساء.

(جانا الهنا.. لقينا المنى..)

نظر بطرف عينه إلى ميساء التي لم تتكلم بحرف، مطرقة رأسها نحو يديها، وتشد بقبضتها بتوتر على يده.

صدقا، قد لقي مناه.

:

اكتشف جواد حقيقة أن ما كان يكنه لميساء سابقا كان لا شيء مقارنة مع الذي أصبح يكنه لها بعد زواجه بها.

لم يكن أسعد، لم يكن أكثر غرقا إلى أذنيه.

شهور قليلة معها وعرف أنها امتلكت قلبه امتلاكا لا رجعة فيه.

صحيح، كانت ميساء مدللة بإفراط، لكن كان لديها قلب صاف، فيه براءة عجيبة لا تخونها شموخ ملامحها. ربما لم تكن الأسهل في التقرب منها، لكن أولئك الذين نجحوا حكوا عن حنان غامر، ووفاء خالص.

ماذا يريد بالكمال وعنده هي؟

انتهى البارت..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 29
قديم(ـة) 18-09-2017, 10:29 PM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



ومازال استرجاع الأحداث مستمر. بس هذي نهايتها لا تخافوا

19

دوام الحال من المُحال.. لكن..

لم يتصور للحظة أن حاله سيصير هكذا..

:

لا يدري كم تطلب الأمر ليستوعب..

سعد.. أخوه الكبير، أعز أصدقائه، قدوته.. مات.

قالوا أن حادث سيارة كان السبب. قالوا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن تصل سيارة الإسعاف.

الجميع حوله انهاروا لسماع الخبر، أمه كانت في حالة يرثى لها، بشاير لم تتوقف عن البكاء، حتى أبوه لم يستطع التجلد بصلابته المعتادة. كم من مرة رآه جواد يرتجف شجنا، ولمعة الدموع واضحة للكل في عيونه.

أما عنه هو، فقد جرد نفسه من الاحساس من أجلهم، أصبح صخرتهم الداعمة، لأنه يعرف أنه أصبح في محل سعد الآن، ويجب عليه ألا يظهر ضعفا وهم يتطلعون إليه سندا.

كانت ميساء هي الوحيدة التي رأت ما يختبئ وراء قناع صلابته، من كان يذكره بالاعتناء بنفسه عندما ينسى. كانت ميساء هي الوحيدة التي عرفت حرقة أحزانه، من مسحت على شعره حتى يداهمه النعاس، مستكينا في حضنها.

دائما ما همست له: لا تتظاهر وإنت معاي..

:

بدأت بعد شهور من وفاة سعد، ملاحظات ونغزات أمه.

في بادئ الأمر استغربت أمه اختياره ميساء كزوجة، لكنها لم تبد ذاك الاعتراض، بل حتى بدت سعيدة في العرس..

لكن حديثا، موقف أمه نحو ميساء تغير، وأصبحت تعلق شيئا فشيئا عنها، تنتقد كل مالا يرضيها في تصرفاتها.

كل مرة دافع جواد عنها، مصرحا أنه راض بها في كل شيء، لكن دفاعه ذاك لم يجد نفعا، بل زاد أمه اصرارا.

مضت سنة قبل أن تطرح أمه أمر الأطفال، وماطلها هو لسنتين أخرى عن الإجابة، خصوصا عندما عرف مدى مرارتها، كيف أن أمه ستستخدمها كذخيرة في حقدها الوليد ضد ميساء.

تمنى لو كان العيب منه عندما ذهب ليفحص نفسه، تمنى ذلك ليحمي ميساء من حقيقة موجعة. هي، من كانت دوما تريد طفلا .. كانت لا تستطيع إنجابه.

لكن فحصه أخبره أنه كان سليما لا خطب فيه.

لم يخبر أمه، ولم يخبر ميساء أيضا.

وكان ليستمر بهذا الوضع لولا استفزاز أمه لميساء أمامه، تخرجها من طورها حتى أصبحت تعترف بالأكاذيب.

جادلها، حاول إيقافها، لأن أكاذيبها ومكابرتها لم تؤذ شخصا غيرها هي.

:

القضية ضد جاسم الجسار كانت من أضخم القضايا التي تولاها. إثبات تعاملات شركته الغير قانونية لم يكن بالأمر السهل.

كان بعد أسبوعين من اعتقال الرأس المدبر للشركة، جاسم، عندما وصلته أول رسائل التهديد.

(يمدحون الحي اللي تعيش فيه. شكله بيكون لي جيرة عندكم..)

تتبع الرسالة إلى رقم مجهول، لتأتيه رسالة أخرى بعدها.

(لا تتعب نفسك تدور علي، بقابلك قريب..)

وهكذا أصبحت تلك الرسائل تتوالى، تلمح له أن المرسل صار على علم بحيه ثم شارعه ثم بيته ثم من يسكن فيه.

جن جنونه عندما أخذ المرسل يتكلم عن ميساء..

(يقولون إنها أجمل حريم عايلتكم. جاني فضول أشوفها..)

وزاد الطين بلة ملاحظة ميساء لسيارة شكت في أنها كانت تتبعها كلما خرجت مع السائق.

أصبح يحقق بمن في بيته، يغير الخدم بشكل دوري ويتفقد تاريخ كل منهم. إذا لاحظت ميساء غرابة تصرفاته وتشنج طبعه تلك أيام، لم تعلق بشيء.

عندها بدأ الحقير يرسل صورا، كدليل أنه كان يتتبع حياته. مرة بيت أبيه، مرة بيته، مرة ميساء وهي تركب السيارة..

شك في جاسم الجسار، فهو قد هدده بأن يرد ضربته بالمثل، فزوجتا جاسم كانتا من أهم الشهود في قضيته.

ألهذا كان المرسل مركزا على ميساء، ليلوي ذراعه بها؟

لا يهم، عليه إيجاده قبل فوات الأوان.

:

رمت أمه عند قدميه ملفا يحتوي تقارير طبية. لم يستمع لما كانت تقوله، فقد كان مشغولا بانفطار قلبه لتأكد حقيقة كان يشك فيها.

لماذا أخفت ميساء هذه التقارير عنه؟ لم يكن ليبعدها عنه بسببها. مشاعره ستظل كما هي مهما كانت الظروف.. لا يريد أطفالا بقدر ما يريدها هي.

قال لأمه كفى، كفى لنثر الملح على جروح لم تلتئم، لكن ميساء دخلت ورأت التقارير بين يديه، سمعت نغزات أمه المسمومة، لتخرج ويتبعها هو على عجل.

أعطته ظهرها وقالت بصوت تسلل إليه برود مؤلم لم يكن عادتها معه: اللحين عرفت..

كان ليأخذها بين ذراعيه، يهدئها، يؤكد لها أن تلك التقارير لم تغير شيئا بينهما، يحيطها بقوة تنسيها آلامها، لكن أتت له رسالة أنسته صوابه من غضبه، يخرج مسرعا من البيت لمركز الشرطة الذي أصبح منزله الثاني هذه الأيام..

(عرفت اسمها أخيرا.. ميساء. يا حلوه)

:

حال ميساء أصبح مزريا لا يسر، دائمة الإرهاق ورأسها كان لا يكف عن الوجع. أصبحت شبحا في حزنها، ولا زالت أمه لا ترحمها بتعليقاتها وضغطها كلما حدث والتقت بها.

رآها تغرق في شرودها المشجون، بالكاد تستجيب إليه، ولمعة انكسار.. استنقاص، لا تزول من عيونها. لا يتذكر متى كانت آخر مرة رأى السعادة في مُحياها..

والرسائل التي كانت تُرسل إليه زادت في تهديدها، في وعيدها.

خطرت له فكرة مجنونة، فكرة أدمته قهرا قبل أن يسترسل في التفكير فيها حتى..

ماذا لو طلقها؟

ماذا لو طلقها؟ لتعيش حياتها غير مهددة بسببه، بسبب الأعداء الذين اكتسبهم في مجال عمله، بسبب الأعداء الأكثر الذين ستتوجه أنظارهم إليه إذا أكمل في تحقيقه هذا.

ماذا لو طلقها؟ لتبني حياتها بعيدا عنه، مع رجل يعرف بحالتها من البداية، لتتوفر لها البيئة المناسبة للبدء في التعالج بدون ضغوطات.

ماذا لو طلقها؟ لتستعيد السعادة في حياتها من جديد.

يعرف، سيُساء فهم قصده من طلاقها، سيظنه الناس رميا. وربما، هذا ما كان يريده، يريد من مهدديه فهمه ليتركوا ميساء وشأنها.

داس على قلبه ورغباته وطلقها، نطق كلمة الطلاق ونبضاته تنطق حبا لها.

لم تمض أيام إلا وأمه تفاتحه في أمر الزواج ولم يعطها بالا، باله مشغول في التخطيط لتدمير أي أثر باق لجاسم.

اتضح أنه كان للحقير تحالفات مع شركات أخرى، كلها ساخطة من سجنه. في الأسابيع والشهور التي تلت، تتبع وحقق ودمر كل حليف. صحيح، رسائل تهديده ازدادت، لكنها كلها أصبحت موجهة عليه، لا ميساء، وتم القبض على الذين أرسلوها كلما نسوا أخذ حذرهم.

جعل اتصالاته بعائلته معدومة، ونصح أباه أن يتخذ مسكنا آخر هذه الأيام وأن يبتعد عن الأنظار، يقول له: يمكن إذا خلصت من هذي القضايا، بدور لي مكان في الشركة زي ما كنت تبغى..

لم يدري إلا وقد مضت شهور، خارجا إلى العيان مرة أخرى، التحقيقات التي ساهم فيها على وشك الانتهاء..

مضت شهور.. ومضى وقت عدة ميساء.

غضب قاتم اعتراه لمعرفة زيارات الخطاب لعمه سند، يريدون أن يسلبوه ميساء..

لا، لا..

"ما عادت لي.. ما عادت لي.."

كان صعبا تذكير نفسه بأن هذا كان خياره، أنه أراد لميساء إكمال حياتها بدونه. لكن التفكير شيء، ومواجهة واقع يحدث أمامه شيء آخر.

أمه فاتحته بأمر الزواج مرة أخرى، لكن هذه المرة ربطت الأمر برضاها.

وافق دون اكتراث.. دون احساس..

لعل هذا سيدفع ميساء في المضي قدما في حياتها.

:

سأل أباه: مين اللي خطبها؟

نظر أبوه له بأسى مشفق: ليه تعذب نفسك يا ولدي؟

جلد نفسه بالصلابة: عشان أتحقق منه.. زي ما قلت من قبل، بنت سند غالية. مو أي واحد بينالها.

تنهد أبوه بقلة حيلة: واحد اسمه بندر السليم..

بندر السليم..؟

لم بدا هذا الإسم مألوفا له؟

لم يرتح باله.. لم تكن هذه المرة كالمرات السابقة التي جاء خاطب إلى ميساء، يتلظى في فراشه من القهر.

لا، هذه المرة كانت مختلفة بالكلية. متأكد أنه رأى اسم بندر في مكان ما، وهذا ما أقلقه..

:

عرف أين رأى اسمه بعد أيام من عقد قرانه بابنة عمه لمى.

في الملف الذي يحتوي على كل تفاصيل القضية الشائكة التي كان هو في خضمها، رأى اسم بندر السليم في لائحة مستثمري جاسم الجسار، لكن، بعكس المستثمرين والشركاء الآخرين، لم يكن بندر بذاك الارتباط مع جاسم، بل كانت تعاملاتهما في بداياتها. يمكن ألا يكون له علاقة بالقضية إطلاقا.

حتى ولو.. حتى ولو!

لا يفاجئه توجس عمه منه، فمن يريد رؤية طليق ابنته على عتبة بابه، يحذره من خاطب لها؟ لكن جواد حاول وحاول حتى رأى شيء من الاقتناع في وجه عمه..

ليأتيه الخبر في اليوم التالي أن ميساء وافقت على بندر.

لم يهنأ بالراحة منذ سماعه بذاك الخبر، محروق بغيظه وقلقه وغيرته، غيرة أحالت جوفه إلى حمم لاهبة. أفكار توالت في مخليته، تحرمه طعم النوم وهدوء خاطره للحظة.

سيرى آخر ما كان له، سيكون لآخر ما كان له!

سيجن حتما من هياج تملكه العنيف هذا.

:

لم يحضر العرس، لكنه كان خارج القاعة. لا يدري لم. ربما كان يريد تعذيب نفسه أكثر؟

في ظل تخيلاته القاتمة سمع صوت جواله، يقطع عليه تفكيره. كان ليتجاهله لولا أنه رأى اسم بشاير ينبض في الشاشة.

هتفت بشاير بغضب لم يسمعه فيها قط: الخسيس طلقها قدامنا!

سيقتله..

سيقتله، سيقتله، سيقتله..!

وكان هذا ما كان في خضم فعله عندما وجد بندر خارجا من القاعة، يدميه ضربا سيحيله حالة ميؤوس منها في طوارئ مستشفى. لكن أبوه منعه قبل أن يفعلها بحق، يقول بحرقة غاضبة: يستاهل يا جواد، يستاهل أكثر، لكن لا تودي نفسك للهلاك وإنت تعطيه جزاته!

فقط هذا ما جعله يهدأ، ينهض عن بندر الذي أحاله إلى كتلة مدماة. لا يعرف حتى إذا كان يسمعه، لكنه لا يكترث. همس له بكل الوعيد بالذل: راح تندم..

:

اتخذ قراره، سيعيد ميساء إلى ذمته.

كل ما حدث كان ذنبه، وحتى يأخذ الله أمانته، سيظل يحاول إصلاح ما أفسد.

ربما لم يرد عمه إعادة ميساء إلى ذمته، ربما لم ترد ميساء ذلك أيضا.. لكنهما قبلا عرضه في النهاية.

:

فاجأه إهداء أبيه له بيتا. كان غريبا في تصميمه بعض الشيء وبقسمين منفصلين. قبل به لإصرار أبيه على ذلك.

قالت ميساء له قبل أن تدخل القسم المخصص لها لأول مرة، بخفوت منكسر يحكي عن حجم الجرح فيها: طلبتك.. اتركني لحالي..

كبت كل اعتراضاته، ليسألها بذات الخفوت: إلى متى..؟

أجابته كأنها تحلم، كأنها غير واعية: إلى أن أقولك أدخل..

داس على قلبه للمرة الثانية وامتثل لقولها.

تركها.. على الأقل، تركها ظاهريا..

لا يستطيع منع نفسه، لا يستطيع.

تفقد أحوالها من خلال مكتبه في الطابق العلوي في قسم لمى، والذي كان متصلا بالطابق العلوي لقسم ميساء عن طريق باب مشترك، يستمع من خلاله لأي تحرك خارج عن المألوف.

تفقد أحوالها عن طريق شريف عندما انضمت إلى معهد الفنون، يسأله عن كل دقيقة تأخير.

تفقد أحوالها بكل الطرق المحدودة التي يستطيع، ومضت سنة دون أن يرى وجهها مرة، سنة أضناه الشوق فيها لامرأة يفصله عنها مفتاح.

يغار من يارا لأن لها الحق في رؤيتها، في الحديث معها، في رؤية البسمة وطباعها القديمة تعود إليها.

يغار من بشاير التي بعد تردد تجرأت على الاتصال بميساء، بطلب حضورها لعرسها.

أراد أن يسأل بشاير عندها، كيف يمكنك أن تكوني بهذه الأنانية؟ بنفس النفس الذي أراد أن يسأل عن حالها، صحتها، كيف بدت، لماذا جاءت وهي لديها كل العذر؟!

عندما سألته بشاير متى سينهي وضعه هذا مع ميساء، كان جواب خاطره هو..

"لين تنهيه هي.."

:

في صباح اليوم التالي لعرس بشاير سمع صوتا غريبا من جهة قسم ميساء وهو في مكتبه.. كأنه كان صوت سقوط؟

فتح الباب الفاصل لأول مرة، يمسح محيطه بنظرة إلى أن وقعت عيونه على ميساء.. غائبة عن الوعي أسفل السلالم..

صحيح أنه أراد رؤيتها وبشدة، لكن ليس في هذه الظروف.

هرع بها إلى المستشفى، ليتنفس الصعداء عندما طمأنه الأطباء أن حالتها بسيطة ولم يحصل لها أي ضرر دائم.

كم مرة نبهها في الماضي ألا تنزل أي سلالم قبل أن تأخذ أدوية الصداع خاصتها؟ لم تكن المرة الأولى التي حصل لها ذلك. تذكر مرة عندما كانا يسكنان في بيت أبيه.. حصل معها نفس الشيء.

سألها بهمس، يتتبع بأنامله ملامح وجهها الغافية: ناوية تخلعي قلبي خوف عليك؟

عندما وصل عمه سند بعد اتصاله به بسرعة قياسية، أوصاه أن يجيب أنه هو من أحضرها إلى المستشفى إذا حدث وسألت ميساء عن ذلك.

سأله عمه مستغربا: ليه..؟

لم يجبه.. بماذا يجيب، صراحة؟

:

كاد يضحكه، سؤال لمى عن كرهه لميساء..

غريب كيف أن انطباع الناس كان أنه يكرهها، بينما الحقيقة كانت العكس.

كيف يكرهها وحبها استبد فيه استبدادا لا يرحم؟

:

ميساء هي من جعلته مهتما بعالم الفن، وحينما عرف أن المعهد الذي تدرس فيه كان يقيم معرضا تعرض فيه أعمال الطلاب ومن ضمنهم هي، حرص على حضوره.

عرف لوحتها دون السؤال، كم من مرة راقبها ترسم حتى تعرف على أسلوبها.

اشترى لوحتها دون تردد. لن ينالها غيره.

:

النظرة التي أعطاها أبوه له ذكرته بالماضي.. بمراهقته ووضوح مشاعره له ولسعد، لا عجب، فتصيده الفرص للقيا ميساء في هذه الرحلة لمزرعة جده أشعرته كأنه كان مراهقا. برر، يلوح بالقارورة التي أخذها من ميساء بخفة: كنت عطشان..

سمع أبوه يتمتم بشيء من التسلية، ليختنق: موب الموية اللي كنت عطشان لها..

:

لم يكن نادما على أي فعل فعله ليقوده إلى موضعه هذا، مستلقي في مقاعد سيارته الخلفية وجرح غائر اكتسبه من خاطف هائج، جرح قد يودي إلى موته نزيفا، في فخذه.

كيف يندم وهو يرى ميساء أمامه؟ تكلمه، تؤنبه، تظهر القلق عليه؟ كيف يمكنه الشعور بالألم وهو مسكر من دفء قربها؟

أخذ يهذي من الحمى أو ربما مما فقده من دم.. ينطلق لسانه مرة بحرية..

(متى بتبطل تسوي تضحيات عشاني؟!)

تطليقها وترك رجل آخر يتزوجها؟ هذه كانت تضحية.

استعادتها، حمايتها بكل ما عنده؟ هذه كانت أنانية صرفة، أنانية سيستمر عليها معها ما حيي.

كفاه صمتا. كفاه احتراقا لها حتى الترمد.

:

موقن هو أن الله فتح عليه، فوالده أتى ليخبره أنه سيقضي فترة تعافيه في قسم ميساء، بإصرار منها هي!

تصرف كالمريض المثالي، لا ينطق بما كان يفكر به، بعشرات المخططات التي بدرت لذهنه.

(إلى أن أقولك أدخل..)

كمحامي، فإن استخدام كلام الآخرين لتعزيز موقفه كان طبيعة له، وعندما تردد بتقصد عند عتبة باب قسم ميساء، عندما قالت له ميساء: أدخل..

ابتسم جواد بانتصار.

:

سرير ميساء الفردي أزعجه إلى أقصى حد، ليس بطبيعته، فهو كان مريحا بحق، بل لما كان يعنيه.

أول غرض يجب عليه تحقيقه كان استبداله.. وربما استبدال الفستان الذي أفسدته ميساء بسببه.

رأى ملفا موضوعا على تسريحة ميساء الأنيقة، وتوجس خيفة من التقارير الطبية الموجودة في طياته.. إلى أن قرأها..

لم يكن ليشكل معه فرقا، قدرة ميساء على الإنجاب من عدمها. كان يريد عودتها له بأي شكل.

لكن هي! هي من كانت تريد الأطفال! لماذا لم تخبره بتعالجها..؟

انتظرها على السرير المزدوج الذي اشتراه، في باله ألف سؤال وسؤال..

وعندما سألها وأجابته.. بشيء من المرارة في البداية، واعتراف صادق شابه الخجل في النهاية.. ضحك، ضحك عندما قالت أنها لا تريد أطفالا من غيره.. كأنها تقول أنها لا تريد غيره..

همس لها وهو يكاد يختنق من اندفاع مشاعره: بعطيك اللي تبغينه.. كل اللي تبغينه..

وفي خاطره كان يناجي..

"بس لا تحرميني منك، لا تحرميني منك.."

/:/

سألها عندها جواد: بعد كل هذا.. تظنين إني بتركك؟

أحكم من ضمه لها، يطبع قبلة دافئة على جبينها، يقول: آسف إني ما قدرت أقولك قبل ذي اللحظة.. آسف على اللي صار لك بسبتي..

كان لديها الكثير لتقوله.. الكثير لتصرخ وتهتف وتعبر وتهمس به.. لكن ثقل مشاعرها وهياجها قيد لسانها هذه اللحظة.

انتهى البارت..




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 30
قديم(ـة) اليوم, 01:17 AM
فيتامين سي فيتامين سي غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا



يا حبي لكم والله.. مشكورين مشكورين مشكورين على متابعتكم..
بارت اليوم شورت حده.. أمرنا لله.. (فيس محبط)

20

في الصباح قبل أن يذهب جواد إلى عمله، تقدمت إليه ولثمت شفتيه بكل تملك، بكل تذكير، تهمس عندما ابتعدت عنه قبل أن يرد جميلها، فهي لا تريده أن يتأخر عن عمله: ما تدري وش اللي سويته بكلامك أمس، وش اللي غيرته.. ما عمري حبيت أحد يشاركني في شي، فكيف لو صارت ثانية تشاركني فيك..؟

قربها منه، يحيطها بين ذراعيه: وأنا لك وبكون لك../ أردف بمزاح نادر: مو إنتي اللي صادرتيني من يوم ما كان عمرك ست سنوات..؟

لم تستطع منع نفسها من الابتسام، تذكر لحظات ماض جميل ونسيان الحاضر للحظة.

لن يكون سهلا أبدا، تعاملها مع فكرة أخرى تشاركها جواد. لكنها ستقاتل بكل ما عندها. ستقلب موازين هذا الوضع.

:

رجعت بشاير من شهر عسلها، وأقامت العمة عبير حفلة عائلية بمناسبة ذلك. بدت بشاير متفاجئة كل التفاجؤ عندما رأتها ضمن الحاضرين، تقفز في وقوفها وتحضنها بكل ما عندها من قوة: ميساء! أنا بحلم ولا بعلم؟!

ابتسمت ميساء بدفء، لا تعترض حتى على احتضان بشاير الخانق: وأنا على بالي الزواج بيهجدك. وش فايدة بعلك ذا؟

اعترضت بشاير بتمثيل سخط وهي تفك قيدها من حضنها، تجلسها جانبها: هيه، حدك على بعلي العزيز. مسكين هو كان يحاول يخليها رحلة رومانسية، بس أنا خليتها رحلة مغامرات واستكشاف..

نظرت لها ميساء بخبث: أها، بدينا بشغل الانحياز..

احمرت بشاير خجلا للحظة، قبل أن تسأل والجدية ترتسم على ملامحها: وش اللي خلاك تحضرين؟ تعرفين إني ما بشيل عليك إذا ما جيتي../ أطرقت برأسها للأسفل، تنظر إلى يديها بتوتر قبل أن تردف: يكفي إني أجبرتك ليلة عرسي..

جعلتها تنظر إليها بخفة، تؤكد لها: ما أجبرتيني على شي. كان خياري ذيك الليلة وهو خياري اللحين. وكمان، الأوضاع تغيرت شوي..

سألت بشاير فوريا: إنتي وجواد رجعتوا لبعض؟

أومأت لها بنعم، لتأخذها بشاير بحضن خانق آخر، بالكاد تمنع نفسها من الصراخ: وأنا اللي أتساءل ليه جواد منور وشاق الحلق ذي الأيام، أثاريه من بركاتك!

ظلا يتحدثان في زاويتهما المعزولة تلك. أخبرتها ميساء تفاصيل وأبقت أخرى سرا، على الأقل حتى يكون لديها ما تستند إليه.

تركتها بشاير مؤقتا لتحضر لها الضيافة، لا تكترث لاعتراضات ميساء بأن هذه الحفلة أقيمت من أجلها هي ويجب ألا يكون عليها العمل: ما عليه، إنتي ضيفة الشرف حقتي وبسوي اللي أبغاه..

وكأنها كانت تستغل غياب بشاير عنها، تقدمت لمى إليها، تنظر إليها بخليط من الازدراء والسخط والاستغراب: ظهورك مزداد هذي الأيام..

في السابق كانت تتجنب التعامل مع لمى، لأنها لم ترد تعكير صفو حياة جواد الجديدة معها، لكن بعد اعترافات جواد تلك الليلة، لم يكن بوسعها الصمت أو الاحتمال. ابتسمت بمعنى مبطن: أدري، صار عندي دافع..

بدت لمى متفاجئة من ردها، لتقطع عليهما بشاير ومعها الضيافة، مستغربة من وجود لمى عندها.

لمى بدورها بدت مغتاظة من بشاير: أفا يا بشاير، ما تضيفينا بعد؟

ضحكت بشاير بخفة، وهتفت بمرح متقصد: معليش، حقك علي. شفت الغوالي ونسيت الأصول.. تفضلي، تفضلي!

لم تعر لمى اعتذار بشاير بالا ومشت مبتعدة عنهما، السخط واضح في وقع كعبها على الأرضية الرخامية.

عندها كشرت بشاير بضيق: ما أطيق ذي الإنسانة. منافقة بشكل!

وافقتها ميساء الرأي.

حتى قبل زواجها بجواد، لم ترتح للمى، لم تحس بصدق كلامها معها مرة.

:

وجدت عبير نفسها تبتسم لرؤية صغيرتها تنخرط في الكلام بكل حماس مع ميساء.

صدقا، فاجأها حضور ميساء الليلة كما فاجأ الكل، لكنها تعترف أنها كانت مفاجأة سارة..

إذا كان لدى عبير أي شك بأهمية وجود ميساء في حياة جواد وبشاير، فإن ذلك الشك سيتلاشى أمام ما شهدته يجري أمامها.

الراحة المرتسمة، والسعادة المبطنة، في ملامح جواد هذه الأيام..

سعادة بشاير المفرطة لحضور ميساء هذه الحفلة..

كلها علامات دلت على أن مكان ميساء كان معهم.

/

/

صدق ما كتبه في يومياته..


البيت بدون بيان، بدون ساري، كان كالقبر في هدوءه ووحشته.

بعدما أنهى قراءة يومياته، ظلت بيان صامتة، حتى مع الاعتذارات التي تفوه بها. وعندما قال لها أنه كان بينهما كلام كثير وافقته الرأي، لكنها قالت مردفة بأن تلك اللحظة لم تكن المناسبة لذلك.

قالت له أنها تريد أخذ وقت لها بالتفكير.. بعيدا عنه. أخذت ساري معها إلى بيت أمها على وعد العودة بعد أيام، ليتناقشا ويضعا النقاط على الحروف بعد أن يصفو بالها من الصدمة.

مضت ساعات فقط منذ أن أوصلها إلى عتبة باب أمها، ومن الآن يريد إرجاعها له.

لكنه سيصبر، سيرى ما سينتهي بهما الأمر.

/

/

في غياب ليث لم تقصر أختاه في زيارتها، يتناوبان في كون أثقل الضيوف على الإطلاق. لكن زينة كانت لهما بالمرصاد، وتفادت الخوض في جدالات عقيمة معهما. كان أمرا سهلا، التأقلم مع تحفظاتهما. لم يصلا إلى درجة بعض الأمهات التي كان لها سوء الحظ في التعامل معهن في مسيرتها كمعلمة.

استفزتهما بابتسامة، لتنهيا كل زيارة خاليتي الوفاض.

قالت جود بتوجس حال خروج عمتيها: نظراتهم شوي وتذبحك، يا ساتر!

لم تخبئ الانتصار البادي في صوتها عن جود، فهي لم تكن راضية عن تعامل عمتيها معها: لاحظت. بس على الأقل ما يقصروا في الحلا اللي يجيبوه معاهم..

نظرت لها جود بشك: ذي الأيام صايرة متولعة بالحلا بزيادة يا خالة..

سألتها زينة بتمثيل العجب: مقدر اشتهي الحلا؟

هزت جود رأسها، تحاول شرح ما تعنيه: لا.. أقصد فيه شي غريب في تصرفاتك..

عليها الاعتراف، كان لجود نظرة ثاقبة، على عكس نوف التي لم تعلق على تغير طبعها بأي شيء.

بدأت تغير الموضوع: تدرين إن أبوك بيرجع بكرة؟

كان هذا كفيلا بتشتيت انتباه جود لتتسع عيونها وتهتف وهي خارجة: لسى ما وصيته على اللي بيجيبه لنا من دبي!

ابتسمت زينة لتلك الـ"لنا" التي قالتها جود، تخبرها أنها صارت تفكر بها وبنوف حتى في أمور بسيطة كهذه.

:

ظنت أنها تحلم عندما تسللت إلى أنفها رائحة ذلك العطر المميز، عندما أحست بإحتضان مألوف أدمنت عليه، عندما سمعت ذاك الصوت يهمس باسمها..

توقعت أن يواجهها الواقع بأن ما اختبرته كان محض حلم حيك من شوقها، لكنه لم يكن..

قفزت جالسة، تنظر لذاك الجالس جانبها، ينظر إليها بمزيج من التسلية والسعادة: ليث؟!

نظرت إلى ساعة جوالها، لترى أنها كانت الواحدة بعد منتصف الليل: مو رحلتك على الساعة اثنين في الظهر؟

هز كتفا بلا اكتراث، الرضا الكامل واضح من فعلته: حبيت أفاجئكم.

ضيقت عيونها بتهكم مصطنع، يخفي سعادتها برؤيته أمامها: وجود المسكينة اللي تعنت تتصل عليك وتوصيك..

رد: أمداني أشتري لها كل اللي طلبته وأكثر../ أردف وفي عيونه ألف معنى: وش فيها لو عجلت بالرجعة بعدها؟ خصوصا وأنا مستعجل.

كررت تستحثه، تعرف ما يرمي إليه لكنها تجاريه في اللعبة: مستعجل؟

ابتسم بخبث، يقربها إليه: فيه ناس وعدوني بكلام لما أرجع..

اكتست ملامحها الجدية عندها، تتذكر شيء آخر كانت تريد مصارحته به: فيه سؤال أبغى أسألك إياه..

استشعر هو جدية الموضوع، ليبتعد قليلا ويستحثها بصمت لتبدأ بالكلام: سألتني مرة إذا كنت آخذ موانع.. ليه، وش اللي خلاك تسأل؟

قطب ليث حاجبيه، ربما يفكر متى سألها ذلك، ليظهر التذكر بعد لحظة على ملامحه: إيه.. سألتك لأني ما شفت علب الموانع في الغرفة واستغربت..

استغربت هي بدورها: ليه تستغرب؟

ليجيب هو: تعودت السالفة مع طليقاتي.. كل وحدة كانت عندها أسبابها إنها ما تريد أطفال على طول وأنا ما اهتميت، خصوصا وأنا كنت مشغول في جود..

دق قلبها توجسا عندها، تسأله بخفوت: واللحين تقدر تصير مهتم؟

أمال رأسه بفضول: وش قصدك؟

أشاحت النظر عنه عندما أجابته: أنا ما كنت آخذ موانع.. وكان لذا عواقب..

تناول ذقنها يدير رأسها لترجع بالنظر إليه، ترى الفهم ينجلي شيئا فشيئا في عيونه: عواقب؟ إنتي..؟

أومأت له بنعم، على أقصاها من الترقب.

رأت الصدمة في ملامحه، ثم السعادة، سعادة لم تر زينة ما يضاهيها فيه حتى هذه اللحظة. قيدها حضنا، لسانه يلهج بشكر الله، ويرفرف بقبلات خاطفة على كل ما وصله منها، يسحب ضحكات السرور منها، يغمرها بسعادته وبالراحة التي هدأت عواصف أفكارها.

خشيت، ربما لدرجة غير منطقية، أن تكون ردة فعله كرائد عندما أخبرته بحملها بنوف..

(هذا اللي ناقصنا بعد!)

لكن ليث لم يكن كرائد. لم يكن كرائد على الإطلاق..

همست له عندها بكل يقين، ترد قوله: أحبك..

انتهى البارت..



الرد باقتباس
إضافة رد
الإشارات المرجعية

مشكلتي مع كلمة / للكاتبة الفيورا

الوسوم
للكاتبة , مشكلتي , الفيورا , كلمة
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 30599 اليوم 02:36 AM
أوجاع ما بعد العاصفة / للكاتبة برد المشاعر ،كاملة لامــارا روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 174 05-07-2017 05:48 PM
مشكلتي مع خطيبي جوري جوجو الحياة الزوجية - الحمل - مشاكل الزواج - خاص بالمتزوجين 9 31-08-2016 03:15 PM
مشكلتي النفسيه والاجتماعيه التي تكاد تقضي علي وعلى مستقبلي ؟؟! صمتي يميزني.$. الاستشارات النفسيه والاجتماعيه 24 21-11-2015 03:02 AM
الموت مايعرف حسافه ولاحيف الموت كافر ماخذ حبيبتي مني/ للكاتبة : الغيد تُقى ! روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 10 26-04-2015 03:41 PM

الساعة الآن +3: 10:28 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1