اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات روائية > روايات - طويلة
الإشعارات
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 14-12-2017, 08:04 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي




بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما زلت في غمار الكتابة وأتحدى نفسي بها، فبينما كانت "عكس الرحيل" تحديا في جعل نفسي أكتب، كانت "مشكلتي مع كلمة" تحديا في الكتابة عن شخصيات أكثر.
وفي هذه الرواية، أتحدى نفسي في كتابة رواية بشخصيات متعددة وأطول من الذي اعتاده قلمي.

ظروفي للأسف مو زي السابق لما كنت أنشر الروايتين اللي قبل، مشاغلي كثرت ووقت إجازتي بعيد حده. ومطولة على شبكة مو مضمونة. فموعدنا بيصير أيام متفرقة في الأسبوع بدل كل يوم. أنا عازمة إن شاء الله أكمل معكم المشوار، بس اتمنى تلتمسوا لي العذر إذا تأخرت فيوم :)

أتمنى أن تجدوا بين جنبات بيتي الجديد مكانا مريحا..

*لا تلهكم الرواية عن الصلاة..*

الأولى

=
=
=

مشهد يرتسم أمامها، أخذ كل المساهمين فيه مواضعهم ليبدأوا ببداية ستنتهي بالألم.

أبو كادي، راضي، رجل في منتصف العمر، زوجها منذ يوم.

زوجة راضي الأولى، تلك التي يقف الكل في بيتها.

بنات راضي، مشاهدات صامتات بفجع لما يحدث.

أخو زوجة راضي، الداعم لموقف أخته.

وأخيرا هي، واقفة بعباءتها ونقابها في الزاوية، الدخيلة كما كانت العادة.

-: "أنا تتزوج علي يا راضي؟! أنا؟! بعد كل ذي السنين تكسر روحي بالثانية؟"

خف صوت زوجة راضي من هياج غضبها إلى وجع طاعن: "قولي ليش..؟"

أعطاها راضي نظرة ماثلتها وجعا، لكنه التزم الصمت. رأتها خطوة سيئة، فلربما سيستطيع بناء شيء من الركام إذا أخبرها الحقيقة.

عندها نظرت إليها زوجة راضي بكل الكراهية التي تستطيع نفثها من عيونها: "مالي قعدة فذا البيت وهي موجودة!"

كلماتها هذه ووقع خطواتها المبتعد أخرج راضي من صومعة صمته، لكن قبل أن يلحق بها منعه أخوها.

زفر راضي بغيظ فشل في كتمانه: "وخر عن طريقي يا شاهين.."

لكن ذاك الشاهين لم يتزحزح عن طريقه، بل أعطاه نظرة جمع فيها الاستياء والازدراء والخيبة: "وعدت أبوي ما تضيم منال لما أخذتها، واللحين أخلفت بوعدك.. سواتك ذي كسرت كل طيب خاطر بيننا."

ألجمه رد ذاك، ليقف بصمت مشجون يراقب زوجته تخطو بداية بعدها عنه.

=
=
=

"بعد أربع سنوات"

=
=
=

أبعدت زبدة الفول السوداني عن متناول يد أختها التي كانت منشغلة في الحديث مع أبيها إلى درجة عدم ملاحظة ما كانت ستلتقطه.
تعودت كادي على ملاحظة كل ما سيضر بصحة لمار منذ الصغر حتى أصبحت أفعالها تلك كالغريزة، تفعلها دون وعي.

لم تستطع إلا الابتسام لمنظرها تتعب أبيها بالحديث، بمرآى أبيها يحاول بأقصى طاقاته أن يتبع مسار كلامها. في الواحدة والعشرين، وما زالت لمار تعيش بحماس وزخم طفلة.

كان هذا منهجهم منذ الأزل، هذا التجمع العائلي في بداية الصباح.

ما زال أبوها يتبع عادة أمها في الإصرار على حضور الكل لمائدة الإفطار، حتى بعد أن أضحت طليقته.

كل مرة تراه يحرص على روتين أضفته أمها إلى حياتهم تتساءل كادي، ما الذي جعله يتخلى عنها؟ ما الذي دفعه لإبقاء "تلك" جانبه، بديلا بلا لون في محل أمها؟ تناقض عجيب لا تستطيع إيجاد تفسير له.

"ذكرنا القط جانا ينط.."

دخلت زوجة أبيها بهدوء، تحييهم بتحية أهدأ، لتأخذ مكانها وتبدأ في تحضير شيء لها دون انتظارهم، ولم تفعل وهم لم ينتظروا حضورها مرة؟ ينتهون قبلها ويتركونها لوحدها.

(وشيء في ذلك أرضاها وجعلها تشعر بالضيق في نفس الوقت، لسبب ما).

كانت كادي آخر من سيخرج عندما سمعت صوت زوجة أبيها يستوقفها: "كادي.."

التفتت إليها بصمت، لتراها تمد إليها حقيبتها التي نسيتها على الكرسي الخالي جانبها، لتأخذها منها وتشكرها بجمود.

خرجت و"تلك" تبث فيها أفكارا تحيرها وتناقضات ترهق خاطرها.

حقا، لا تستطيع القول بأن زوجة أبيها إنسانة بغيضة. لا تستطيع قول شيء حيالها إطلاقا، فهي قليلة الكلام، لا تتدخل قط في شؤونهم. كانت أشبه بـ.. الضيف؟ نعم، الضيفة كلمة تصفها بحق.

ربما في ظروف أخرى، ربما لو لم تكبرها بقليل، ربما لو لم تكن بذاك الجمال الصارخ الذي ألهب خاطرها قهرا بكونه قد أغرى أبيها ليبتعد عن أمها، ربما لو لم تتسبب في طلاق أبيها من أمها، ربما لم تكن لتلك الضغينة التي تشعر بها حيالها وجود.

لكن هذا كان واقعها، فلم تزعج نفسها في الخوض في احتمالات أخرى؟

=
=
=

راقبت كبرى بنات صديقتها المقربة وهي تتحرك كفراشة بهية الطلعة أرجاء المجلس الأنيق، تقوم بضيافة ضيوف أمها على أكمل وجه، متجاهلة لتلك الأعين التي راقبتها بمزيج من الإعجاب والحسد.

شكرتها منال بود عندما قدمت لها فنجان قهوتها: "تسلم يديك حبيبتي.."

لتبادلها بابتسامة أكثر ودا قبل أن تناديها ضيفة أخرى.

رأتها منال مثالية للفكرة التي بدأت تدغدغ أفكارها مؤخرا، فربما ستكون هذه الأسيل بلسما لجراح أخيها من زواجه الأول. ربما ستكون عذوبتها ورقتها ما سينتشله من همومه التي يخفيها عن الكل.

حتى مع كثرة الطالبين لقربها رغم طلاقها، ليس لدى منال أدنى شك في موافقة أسيل على أخيها، فبفطنتها لاحظت منال شرودها وتلعثمها الخجول لذكره منذ سنين مراهقتها، وإصغائها للحديث واهتمامها التي حاولت صرفه كمحض تهذيب لسنين أخرى بعدها، وهاهي أسيل الآن في السابعة والعشرين، امرأة ناضجة ومالكة لأحد أكثر صالونات التجميل شعبية في البلد، بينما أخوها في الرابعة والثلاثين ومطمع الكثيرات.

تنهدت، تتذكر معضلتها..

فمن أين ستفتح موضوع خطبة أسيل وشاهين يتجنب الحديث عن أي شيء له علاقة بارتباطه مرة أخرى؟

=
=
=

نغزتها أختها الصغرى صفاء بابتسامة ذات معنى، تستغل لحظة انفرادهما في المطبخ لتغيظها: "أشوف الابتسامة شاقة الوجه، أكيد، ما أخت حبيب القلب من الحضور..!"

ضربتها أسيل بخفة على كتفها، وابتسامة بالغة الحبور لا تستطيع محوها مرتسمة على شفتيها. قد لاحظت نظرات منال المقيمة الراضية لها، وعرفت ما كانت تفكر فيه.

أيقظتها صفاء من غمرة أفكارها بقولها: "مدري وش اللي حادك على حب شاهين وابن عمه عبد الرحمن موجود."

نظرت إليها بامتعاض: "ومين اللي لعب عليك وقال إني سألتك عن رأيك؟"

هزت صفاء كتفيها: "بس من جد، صح إن اثنينهم مزايين ما شاء الله، بس عبد الرحمن يقولون متواضع وعلى نياته. شاهين لكن.. نظرة عيونه لحالها تحسس الواحد إنه ولا شي."

ردت عليها بدون اكتراث، تنطق بلسان حال قلبها الذي لم يجد موطنا إلا تجاه شاهين منذ الصغر: "الناس أذواق يا أختي.."

=
=
=

كعادته جالس في حوش البيت بعد رجوعه مع أبيه من صلاة الفجر، يقلب بين صفحات الجرائد المبوبة بحثا عن وظيفة يستطيع التقدم لها.
لم يعد سالم يقتصر على تخصصه في بحثه منذ فترة، وما زال لإحباطه خالي الوفاض.

جلست جانبه ابنه أخيه الأكبر شادية، تسترعي انتباهه بقولها: "ليه تنكد على نفسك بطاري الوظايف من صباح الله؟ استمتع بالجو الرايق قبل ما يقلب، فيه نسيم يرد الروح ذي الأيام."

تنهد والشجن يرتسم في ملامحه: "تعرفين ليه.."

انطفأ ألق ابتسامتها المشرقة وحلت محلها المواساة، تربت على كتفه: "إن شاء الله بتلقى لك شي قريب وترجع الأمور زي ما كانت وأحسن.."

قدر مداراتها له وابتسم: "الله يسمع منك.." نهض من محله يتمغط لينشط ينفسه، فأمامه يوم من البحث الطويل: "يلا أترخص، سكري على نفسك زين واتصلي علي إذا احتجتوا شي."

اعترضت: "تو الناس! بحط الفطور بعد شوي اقعد!"

ابتسم، كم ذكرته بأمه المرحومة في تصرفاتها: "والله ودي ما أفوت على نفسي أكلك اللي يلحس الواحد صحنه من وراه، بس سيارتي لساتها متعطلة ومالي إلا عوض يوصلني الرياض."

اكفهرت ملامح شادية بسخط: "كلها كم كيلو ويخليها قضية حقوق الإنسان.."

عوض كان الوحيد في قريتهم الصغيرة الذي كان يذهب للرياض بشكل يومي لأجل العمل. إنسان بغيض متمنن لا يعرف كيف انتهى الأمر بمصادقته. جعل من أمر أخذه معه شيئا يتفضل به عليه، يربطه بشروط تعجيزية، وليس كأن سالم لم يوصله مرات لا تحصى في الماضي.

يعرف أن عوض لم يكن ليوصله حتى دون وجود ذلك الهدف الذي يبتغيه، فهو قد خطب شادية منه سابقا ورفضته هي. لم يفته تلميحه وأسئلته، لكن حتى وإن خطبها مرة أخرى، فلن تقبل شادية به.

لم يكن لشخصه بالضبط، بل بسبب شرطها الذي وجده كل من خطبها تعجيزيا، عصيا عن التنفيذ.

ودع شادية وأقفل الباب على وقع دعائها له، وفور خروجه من البيت، وجد ناظره يتجه إلى البيت بجوارهم، يمعن في التأمل فيه كأنه سيستطيع رؤية من يبتغي قلبه رؤيته..

لكمة بالكاد شعر بها على كتفه أيقظته من بحر الذكريات الذي كاد يغرق فيه، ليلتفت ويرى عوض وملامحه الممتعضة: "وكل يوم على ذا الموال؟ لي ساعة أناديك!"

اتكأ بساعده على كتف عوض، مستغلا فرق الطول بينهما لإغاظته: "يقولون العوض ولا الحريمة، بس اللي يشوف وجهك على هالصبح بيختار الحريمة وهو مغمض."

أبعد عوض ساعده عنه بقوة، يرد بغضب مزمجر وهو يركب سيارته ليحذو سالم حذوه: "واللي يشوف صلع راسك ما يحتاج له مراية!"

اختفت ابتسامة سالم تماما: "للمرة الألف بقولك، فيه فرق بين صلع وإني أحلق راسي..!"

حقا، ما ذنبه إذا أحب أن يكون بتلك الهيئة؟

بين تذمر عوض من تأخيره له والطريق، انقضت تلك الساعة التي فصلت بين قريتهم والرياض. استوقفه عوض قبل أن ينزل في محطة وقوفه المعتادة: "عن بنت أخوك.."

قاطعه: "رضيت بشرطها؟"

استنكر: "طبعا لا! ما راح أنذل بين الرجاجيل."

هز كتفا دون اكتراث، فهو رغم عدم قناعته بشرط شادية، إلى أنه لن يجبرها على شيء ولن يكسرها وهو الوحيد الذي بقي لها مع أبيه المسن. وبأية حال، لا يستطيع تخيل عوض زوجا لابنة أخيه: "أجل ما لك نصيب عندنا.."

=
=
=

تنفس الصعداء عندما وضع أولى خطواته على أرض الوطن، كما أصبحت عادته منذ التحاقه بمهنة الطيران. مهما سافر ورأى، فلا شيء أفضل في نظره من العودة إلى المكان الذي ينتمي إليه.

في شروده بأفكاره، لم يلاحظ الوليد الشابة التي كانت تمشي مقابله ولا انشغالها بمكالمتها حتى حدث وتعثرت في خطواتها وسقطت عبوة المشروب الغازي التي كانت تمسكها من يدها، لينسكب محتواها على حذاءه وأسفل بنطال زيه الرسمي.

شهقت الشابة بصدمة، وظهر الارتباك في صوتها عندما اعتذرت.

رفع يدا ليوقف سيل اعتذاراتها دون أن يمعن النظر فيها، فقد لاحظ بطرف عينه مبالغة الشابة في التبرج: "ما عليه، حصل خير."

أكمل سيره بخطى متضايقة بعض الشيء من تسلل المشروب إلى جواربه. أتاه صوت زميل ضاحك في طريقه إلى أقرب دورة مياه: "أما شكلك طالع نكتة وإنت تمشي. ورى ما هاوشت البنت؟ فشلتك بين الناس!"

هز الوليد كتفا بابتسامة عريضة أصبحت جزءا من شخصيته: "وش أستفيد لو هاوشتها على شي ما كانت متقصدته؟"

حرك زميله رأسه بقلة حيلة: "ياخي إنت دوم ريلاكس، تخليني مشتهي أشوفك زعلان."

ضحك: "إذا كذا بطلع طاقات زعلي عليك!"

وبعد انتهائه من إصلاح أزمة حذائه وبنطاله ومن ثم قضاء إجراءته المعتادة، اتجه مباشرة إلى شقته.

تنهد عند دخول شقته الخاوية، فعلى عكس العودة إلى الرياض، لم تشعره العودة إلى شقته سوى بالوحدة والوحشة، فلا يوجد أحد يستقبله بكلمات الترحيب الدافئة.

عندها صدح هاتفه بالرنين، معلنا اتصال شخص كان مصدر عون له طوال السنة الفائتة، خاله من الرضاعة سامر.

ابتسم.

"كأنه كان حاس.."

=
=
=

-: "من جدك بتقبلي دعوتها؟"

ابتعدت لمار بالنظر عن العصير الذي كانت تشربه إلى صديقتها الصدوقة هيفاء، لتنظر إليها باستفسار: "قصدك شذى؟ مدري بس يمكن. البنت تعنت تدورني عشان تعطيني بطاقة دعوتها."

زفرت هيفاء بضيق: "من وين تعرفك أصلا؟ ومن متى نمشى في نفس الحلقات الاجتماعية؟"

افلتت منها ضحكة: "ذكرتيني بترانيم بنت خالتي بخرابيط الحلقات الاجتماعية ذي. عادي يختي وش فيها؟ حلو نتعرف على ناس جدد."

لم تبادلها الضحكة بل ازدادت ملامحها صرامة: "ماني مرتاحة لها، لا شكلها يطمن ولا كلام البنات عنها. إنتي ما تعرفين مصلحتك، يمكن بتلعب عليك وتورطك في شي!"

قطبت لمار حاجبيها بعدم رضا من كلام صديقتها: "ليه شايفتني عاجزة ولا ناقصة عقل؟"

بهتت هيفاء، مدركة لما قالته في غيظها: "ما كان قصدي.."

قاطعتها قبل أن تخلي لها الطاولة: "بروح لحفلة شذى، وهذا آخر كلامي."

فقط لاعتلال صحتها منذ الصغر اعتبرها الناس هشة، شخص يجب حمايته من كل شيء.

ربما لم تهتم للذهاب إلى الحفلة التي تقيمها شذى في بادئ الأمر، لكن بعد كلام هيفاء ستحضر عنادا لها.

=
=
=

عرف عبد الرحمن ما تصبو إليه أمه لحظة سؤالها عن شقته الجديدة. لم تكن أبدا راضية عن انتقاله خارج الملحق الفخم الذي كانوا يعيشون فيه في كنف بيت عمه عبد المحسن. عمه عبد المحسن الذي تكفل به وبأمه بعد وفاة أبيه وهو رضيع، يعامله معاملة الابن، مخصصا هذا الملحق لهما.

لكن أما آن له الخروج من كنف إحسان عمه، أن يقف على قدميه في طريق يصنعه لنفسه؟

تلك كانت فكرة لم تشاركه أمه فيها، بل اعتبرت كل ما حصلا عليه حقا يستحقان أكثر منه.

تساءل ماذا ستكون ردة فعلها إذا عرفت أنه بدأ يخطو خطواته الأولى في تأسيس شركته الخاصة والاستقالة من العمل لدى عمه. ستثور حتما.

أجابها بابتسامة راضية: "الحمد لله، أثثتها بالكامل خلاص. ننتظر حكمك عليها."

تنهدت أمه بضيق: "ما دام إنها من ذوقك فأكيد حلوة.." أكملت والقلق الصادق ينضح من عيونها، قد تزيف أمه الكثير، لكنها أبدا لا تزيف صدق حبها له: "أحاتيك يا ولدي، غصب عني."


قبل جبينها بحب، يحضنها بخفة: "لا تحاتين، أقدر أدبر عمري. خلاص صكيت التسع وعشرين وعجزت."

ارتخت ملامحها بابتسامة: "لو صكيت الستين لسى بشوفك صغير."

=
=
=

أتاها صوت أخيها الكبير جلال متذمرا بعد سماعه للائحة المشتريات التي كلفته أن يحضرها عند عودته من رحلة العمل التي يقضيها في الكويت: "أنا فاضي لك ولخرابيطك اللي ما تنتهي؟"

اعترضت ترانيم: "مو خرابيطي لحالي، سمية معاي."

-: "لا الصغيرة راحت فيها بسبتك، خربتيها! ما ينقص إلا سيف وتكمل."

ضحكت، ففكرة أن ينخرط سيف ذو السنين الاثنا عشر في أي شيء عدا عن الجلسات مع الجد عبد المحسن وألعاب الفيديو خاصته لا يمكن التفكير فيها حتى: "ذاك شايب ما ينخاف عليه."

سمعت صوتا ينادي جلال، ربما مساعد أبيها الذي كان يشرف عليه في غيابه: "سلمي لي على الكل. فادي هنا وشكله ناوي علي شر من تلكعي معاك."

ذكرته: "طلباتي لا تنساها!"

أقفل الخط عليها، لكنها تعرف أن جلال سيحضر لها كل ما طلبت. قد يكون جلال مغرورا ذا طيش يحكمه في انفعاله، لكنه أبدا لا يقصر معهم. ربما كان يدللهم أكثر من أبيها وأمها حتى!

=
=
=

في خضم قراءته لملف مريض، رأى عبد العزيز بطرف عينه تهامس طالبين مقيمين ومحاولة دفع أحدهما للآخر للتحدث معه. انتظرهما عبد العزيز دقيقة قبل أن يزمجر بالسؤال: "خير؟"

جفلا بجزع قبل أن يتشجع أحدهما ومن ثم يلحقه الآخر، يسألانه عن الحالات الأخيرة التي عمل عليها في قسمه.

رأى العجب يرتسم في ملامحهما عندما أجاب عن أسئلتهما بإسهاب، تاركانه بشكر جزيل قبل أن يعود لما كان يفعله.

قد يكون حاد الطبع سريع الغضب، ذا صوت خشن يبث الحذر حتى في هدوئه، لكنه أبدا لن يقصر في تقديم المساعدة للطلاب، فهو يذكر عندما كان في محلهم.

صفر هاتفه معلنا عن رسالة. كانت من أخته تجيب عن سؤال سأله في وقت مبكر من اليوم..

#لا البنت ولا أهلها ردوا خبر.. تبغاني أحاول فيها؟

اكفهرت ملامحه بضيق، يود لو يقول نعم، بأنه لا يريد حتى التفكير في احتمالية رفض تلك التي خطبها، لكنه رد على أخته بـلا.

=
=
=

استيقظ بشهيق جريح، ودقات قلبه تصم أذنيه عن كل صوت عدا تلك الخاصة بكابوسه.

رجاؤه اليائس البائس.. نظرة أبيه المتفطرة خيبة.. ذلك الألم المدمي للروح لسماع أبيه يقول له: "سود الله وجهك.."

كابوس؟ لا، بل ذاكرة تؤرق فكره. تهمة لم يستطع إثبات براءته منها، وربما.. لن يستطيع.

تنهد، متعوذا من الشيطان، يبحث عن الثبات في تمرير أصابع يده الباردة في شعره.

قضى فروضه وتجهز ليوم عمل جديد، ليرى أباه قد بدأ الاجتماع في وقت أبكر مما تم الاتفاق عليه. قال فور دخول شاهين غرفة الاجتماعات في فرع بنوك الجبر الرئيسي، دون أن يزعج نفسه من النظر بعيدا عن أوراقه: "تأخرت.."

ابتسم شاهين بتهكم متحد لكل ما يرمي أبوه عليه، يخطو بخطوات واثقة إلى مقعده. حتى وإن أظهر أبوه فيه زلة رغما عنه بتغيير موعد الاجتماع دون إعلامه، فلن يسمح بإظهار لمحة ارتباك له: "السموحة، حصلت لي ظروف أخرتني."

هتف أحد مسؤولو البنك جانبه بطيب خاطر وشيء من التملق: "عادي يا أستاذ شاهين، معظمنا ما كان له علم بتغيير الموعد وعجلنا له في الصباح!"

لم يفت شاهين تلك النظرة التي ألقاها أبوه لجهته قبل أن يستكمل، يسترعي انتباه الجميع: "وبخصوص المفاوضات مع بنك ويسلي البريطاني.. قررت تأكيدها.."

ذهب نظر أبيه إلى جهة ابن عمه الجالس جانبه، وعرف شاهين ما كان يهم بقوله قبل أن ينطق: "عبد الرحمن، بتترأس المفاوضات مع الوفد الزائر بعد أسابيع."

بدت على ملامح عبدالرحمن الصدمة والاعتراض، فالكل يعرف أن من اقترح هذا المشروع ووضع حجر الأساس فيه كان شاهين. لكنه في النهاية التزم الصمت ورد: "حاضر."

وكنثر الملح على الجرح، التفت له أبوه مؤشرا: "شاهين بيساعدك في التفاصيل.."

إذا هذه لعبة أبيه هذه المرة؟

صدقا، لقد تفوق على نفسه.

=
=
=

لم يفت عبد المحسن ذلك القهر المكبوت في نظرة ابنه، المخفي تحت بريق ابتسامته المعتدة الواثقة، يوافق بأريحية ظاهرة ومضض في الخفاء على الوقوف في الصفوف الثانوية في مشروع أجهد نفسه فيه.

تساءل إذا كان شاهين يظن أن وضعهما هذا يرضيه.

فلا والله، لا يرضيه هذا الوضع أبدا.

شاهين هو ابنه الذي طال انتظاره إليه، أصغر أبنائه، من رحلت عزيزته من الدنيا في سبيل إنجابه.

كان المدلل، كان الحبيب الغالي إلى قلبه. لم يرفض له طلبا قط.

ليأخذه طيش الشباب ورفاق السوء إلى خذلانه بأبشع صورة.

لا يدري كيف ظل يتنفس بعد رؤية شاهين، في التاسعة عشر من عمره، غائب عن الوعي في مستودع قذر، وأثر مزيج مرعب من المخدرات يجري في دمه.

لا يدري كيف ظل قلبه متماسكا أمام هذيان شاهين له في خضم علاجه، بمناجاته بأن لا علم له بما حدث، بأن ليس له ذنب، بأن يصدقه..

مضت خمس عشرة سنة منذ ذلك اليوم، منذ بذله الغالي في سبيل كتمان خزيه، وما زال جرح تلك الليلة السوداء ينزف، ما زالت خيبته تتجدد.

خيبته تلك كانت بقدر شاهين في قلبه، وقدره كان عظيما، عظيما بحق.


انتهى البارت..~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 14-12-2017, 08:07 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


الثانية

=
=
=

لفت نظر عبد الرحمن المطعم الصغير جوار مبنى شقته، ولفت نظره أكثر ازدحام الناس فيه. لم يكن من المطاعم الفارهة التي اعتاد الأكل عندها.. لكن فضوله سيره ليعرف ما سبب الإقبال على هذا المطعم ذو الإسم العادي والمظهر المتواضع.

بعد زيارة اتضح له السبب، فأطباق المطعم شهية وأسعاره زهيدة بشكل لا يصدق.

دخل ليرى أن المطعم مزدحم، ربما لأن هذه فترة الغداء. كان عبد الرحمن يهم بالخروج والعودة في وقت آخر ليقول شاب حليق الرأس يجلس في الطاولة التي كان واقفا جانبها: "تعال اجلس هنا ماحد عندي.." أكمل يقنعه: "صدقني ما راح تلاقي المطعم هذا بالذات فاضي. ما لقيت الطاولة ذي إلا بالواسطة."

جلس بتردد، يريحه بعض الشيء أريحية الشاب وروحه المرحة البادية فيه. أخذ يستطلع القائمة الموضوعة على الطاولة ليطلب طلبه وسرعان ما وُضع أمامه.

قال الشاب عندها بضحكة يلفت نظر عبد الرحمن إليه: "شكلك جديد على ذا المطعم."

استغرب عبد الرحمن منه: "كيف عرفت؟"

أشار إلى ما طلب: "ما بيطلب طلبك هذا إلا واحد ما يعرف عن المشكل."

كرر: "المشكل؟"

أجابه: "اللي قاعد آكله اللحين.." التفت حينها الشاب إلى الجرسون طالبا: "واحد مشكل."

اعترض عبد الرحمن: "ما كان له داعي تطلب عني.."

لكن الشاب لم يعطه أذنا تسمع:"بتشكرني بعدين."

وحقا، عندما أكل من "المشكل" المشهور، أعجبه وبشدة. أجاب استفسار الشاب الصامت: "يمكن أحسن شي أكلته.."

ابتسم الشاب عندها بينه وبين نفسه، يتمتم: "لا فيه أحسن منه بكثير.." قبل أن يعيره انتباهه مرة أخرى وينخرط معه في الحديث عن مواضيع شتى بعيدة عن أي أمر شخصي، لكنه عرف في نهاية الأمر أن اسم الشاب كان سالم المنصور: "لنا ساعة نهرج ونطفح ونسينا نقول اسماءنا، قسم حالة!"

ضحك عبد الرحمن بفعل طرافة الوضع وكون ضحكة سالم العالية معدية بشكل عنيف: "والله حاولت مرة بس إنت ما شاء الله عليك، تنتقل بين المواضيع بسرعة!"

افترقا بعد أن اتفقا على اللقاء مرة أخرى.

طول عمره لم ينخرط ويصادق إلا بمن هم في شاكلته، لكن يبدو أن التجديد في حياته صاحبه التجديد بمن يصاحبه.

=
=
=

كان في مكتبه، غارقا في تفكيره إلى درجة عدم ملاحظة من دلف داخلا، إلا عندما أتى ذلك الصوت المحبب إلى قلبه يسأله بدلال: "والحلو وش شاغل باله؟ أمي تعبت تناديك للعشاء.."

رفع نظره إلى ابنته ترانيم، تلك التي ما زال يعاملها بحكم الأميرة المدللة كأختها التي تصغرها. ابتسم بحنان يخفي الأفكار والهواجس التي تدافعت إليه لمرآها.

عتبة بابه لا تخلو من خاطب ينشد عن ترانيم منذ أن بلغت الخامسة عشرة، لترفض هي كل طارق لأسباب واهية مدفوعة بغرورها وعنادها، إرثان حصلتهما من عائلة والدتها، وهاهي الآن في الخامسة والعشرين ولا زالت ترفض. يعرف أن استمرار هذا الوضع سيودي بتمادي ألسن الناس في الحديث عن ابنته، في حبك الحكايات عن أسباب مبطنة لرفضها الزواج.

جلال كان مثلها تماما، لا ترضيه أي من المرشحات اللاتي ترشحهن أمه، لكن جلال رجل بينما ترانيم لا، وعواقب رفضها كانت أشد وأقسى في قلوب الناس.

هتفت ترانيم بضيق حقيقي، توقظه من أفكاره للمرة الثانية: "خير يبه، فيه شي؟ خوفتني.."

هز رأسه بـلا: "أبد ما في شي. خلينا نعجل وننزل قبل لا تزعل أمك علينا."

=
=
=

لم تكن لمار بالتي تتأنق غالبا، فأكثرية ملابسها كانت ما بين الرياضي إلى الكنزات والقمصان الواسعة، لكنها تعرف متى يتطلب منها الأمر بذل جهد أكثر في ملبسها. بحثت في أدراجها إلى أن احتارت بين فستانين، أحدهما بأكمام إلى المرافق ويمتد إلى منتصف الساق، ذا قماش ناعم وردي براق، والآخر دون أكمام وقصير للركبة، ذا لون أصفر فسفوري تكمله ببوت أسود كالحزام الملتف في خصره.

كادي كانت من تأخذ برأيه في مثل هذه الأمور، لكنها كالعادة كانت متأخرة في عملها في تلك المدرسة المتوسطة. لا تظن أن بإمكانها انتظار كادي إلى حين حضورها، فهي تريد الانتهاء من التجهز على صلاة العصر، فكما نصت الدعوة، ستبدأ حفلة شذى بعدها مباشرة.

لم يبق سوى أبيها والذي طبعا لن تسأله.. وزوجة أبيها.

مطت شفتيها بضيق، هي حقا محتارة، وقد لاحظت أناقة زوجة أبيها في لباسها. صحيح أن كل ما تلبسه كان قاتما واسعا طويل الأكمام، لكن أسلوبها ذاك أضفى لها فخامة خاصة.

"الضرورة لها أحكام، مو..؟"

بمضض خطت نحو غرفة الجلوس، لترى أن زوجة أبيها كانت تقرأ مجلة غير منتبهة لدخولها.

وقفت أمامها قبل أن تسأل بتردد وفي كل يد ترفع فستانا: "أي واحد أحلى؟"

رفعت زوجة أبيها نظرها من المجلة ليبدو في عيونها الغريبة الاستغراب والعجب قبل أن تلقي نظرة إلى الفستانين، لتجيب وهي تعود بالنظر إلى مجلتها: "الوردي بيطلع أحلى عليك."

نظرت لمار إلى الفستان الوردي حينها لتقتنع. لكن قبل أن تلتفت خارجة، استوقفها صوت زوجة أبيها تسأل بنبرة فضول: "وين بتروحين؟"

أجابتها، طبيعتها المنطلقة تتغلب على شعور التحفظ الذي يجب أن تشعر به: "حفلة تسويها شذى، وحدة من زميلاتي في الجامعة."

كأن الاسم استرعى انتباهها، أعطتها زوجة أبيها كل اهتمامها عندما سألت: "شذى؟ لا يكون اسمها الكامل شذى المرزوق والحفلة باستراحة؟"

رمشت لمار بعدم تصديق. كيف عرفت؟: "إيه.. "

وليكتمل عجبها، وقفت زوجة أبيها والصرامة بادية في تعابير وجهها: "مافي روحة."

احتاجت لمار بضع لحظات حتى تستوعب تصرف زوجة أبيها الخارج عن المألوف وتغتاظ من أمرها: "مالك سلطة علي!"

خطت خارجا قبل أن تنطق الأخرى بكلمة، واستغرقت في تجهيز نفسها مرتدية الفستان الأصفر بعد صلاتها. كانت في خضم لبس عباءتها والخروج مع السائق عندما أتاها صوت أبيها مستوقفا لها: "وين رايحة؟"

أجابته بتوتر، ما بال تلك النبرة الجافة في صوت أبيها؟: "للحفلة اللي قلتلك عنها يبه.."

ليرد بنبرة غير قابلة للنقاش: "طلعة لحفلة مافي، وشذى ذي راح تقطعين كل صلة فيها، مفهوم؟"

ردت بطاعة رغم كثرة الأسئلة التي ضجت في خاطرها، فليست هي من تعصي أباها: "مفهوم يبه.."

عندما تركها والدها توجهت على الفور إلى غرفة الجلوس، لتهتف بسخط: "إنتي..!"

لم تكلف تلك عناء النظر بعيدا عن مجلتها، رادة ببرود وابتسامة مائلة مغيظة مرتسمة على شفتيها: "مو إنتي قلتي مالي سلطة عليك؟ خلاص استعنت باللي له كل السلطة."

زفرت لمار بغضب كاسح متجهة إلى غرفتها، مرسلة رسالة إلى خالها شاهين دون تفكير.

وعندما اتصل بها خالها يخبرها أنه أمام الباب بعد ساعة، ذهبت إلى أبيها تخبره بخروجها معه ليتركها تذهب دون أي اعتراض، وفي طريقها إلى الخارج التقت بزوجة أبيها. سألتها عندها: "رايحة مع خالي، ولا عندك اعتراض على روحتي ذي بعد؟"

أشرت لها بالذهاب في حركة غير مبالية، مبتعدة الخطوات عنها: "أبد، تروحي وترجعي بالسلامة."

ظلت لمار تحدق في إثرها باستغراب غلب سخطها. ما قصة هذه المرأة؟ لطالما عهدتها لا تتدخل بهم بأي شكل من الأشكال. ما الأمر المتعلق بشذى وحفلتها الذي جعل تلك الصرامة تظهر فيها، إلى درجة تحريض أبيها عليها حتى؟!

=
=
=

عندما راسلته ابنة أخته تسأله إذا كان متفرغا لحظتها، لقي شاهين في دعوتها لعشاء كما كانت العادة بينهما أمرا سيشغله عن التفكير.

يحب أبناء أخواته ويعاملهم كالأخ الكبير بدلا من الخال، لكن للمار في قلبه معزة خاصة وحنانا لا يوليه غيرها. سألها حال ركوبها سيارته: "وش اللي حصل وخلاك تتذكرين خالك المسكين بعد كل ذا الوقت؟"

ضحكت لمار حينها: "حرام عليك خالي، والله كنت مشغولة بالجامعة وكرفها، ولا فيه أحد مستغني عن الطلعات معك؟ مجنونة أنا؟"

ليضحك: "إيه إلعبي علي بذا الكلام الحلو.."

استغرقت لمار عندها بملء طول الطريق بثرثرتها، إلى أن وصلت لسبب اتصالها به وحيرتها المغتاظة تجاه زوجة أبيها.

على الرغم من بغضه وتحفظه تجاه تلك المرأة نظرا لما سببته لأخته الكبيرة من جروح، لم يكن بوسعه إلا تأييدها في منع لمار من الخروج لتلك الحفلة.

هتفت لمار رادة عليه: "لأنك يا خالي العزيز ما تحب الواحد منا يطلع لأحد إلا لما تفصفص سيرته الذاتية تفصيص. حتى أصحاب أولاد خالتي تحقق معاهم. طبيعتك كذا تحب السيطرة."

ابتسم بتهكم: "على بالي تخصصك إدارة أعمال مو علم نفس." استطرد يغير الموضوع الذي بدأ يتطرق لحدود حمراء: "وما دامني جبت الطاري، أحوال الدراسة معك؟"

=
=
=

قد لاحظت منال السرور البادي في عيون أخيها الصغير هذه الليلة بعد عودته من العشاء الذي قضاه برفقة ابنتها لمار، سرور لا تراه كثيرا فيه هذه الأيام. تذكر عنفوان أخيها في سنين مراهقته، والابتسامة الصادقة التي لا تفارق محياه.

في ظرف ليلة تغير حاله، وأصبحت الابتسامات التي تراها تلك التي تخفي ما في قلبه، تغذي قناع البرود والغرور الذي يتجلد به أمام الكل وبالأخص أبيها.

لم تصدق قط ما قاله أبوها عما ارتكبه شاهين، لم يستطع قلبها التصديق، فشاهين كان أكثر من أخ صغير بالنسبة إليها. كان ولدها، وكانت له الأم التي لم يعرف.

لكن، تبين لمنال بعدها أنها الوحيدة التي ظلت واقفة في صف شاهين، فقد سلكت أختها الكبرى غادة موقفا مغايرا لها، وأخذت صف أبيها ضده، وحتى اليوم، ما زالت متحفظة تجاهه.

تساءلت متى سينتهي هذا الوضع، ومتى سيلتم شملهم.

أخرجها قوله من كآبة أفكارها: "لمار وكادي بيجون بعد بكرة بدل الجمعة، يبغون يتمون عندك الأسبوع كله."

ابتسمت بحب خالطته المرارة، فتلك عائلة أخرى لها مفرق شملها: "الله يحيهم.."

وضع شاهين يده على كتفها، يقول بحنان اكتسى صوته: "أبو كادي لسى على وعده.."

قاطعته بعناد يثبت أنها ابنة للجبر بحق: "وأنا لسى على موقفي. ما برجع لرجال تشاركني ثانية فيه."

=
=
=

بدأت شادية تتكلم وهي تضع العشاء الذي أعدته وقتا أبكر هذه الليلة لتعيد تسخينه من أجل عمها الذي لا يرجع سوى قريب منتصف الليل: "كنت عند غالية اليوم.."

تجمد عمها للحظة ثم أكمل مد يده إلى صحن الخبز، فأكملت بنبرة أريحية: "أبوها بدا يجيب أقمشة أزين ذي الأيام، الجلابية الحمرا اللي كانت لابستها عجبتني، شكلي بشتري زيها."

لاحظت سرحانه ومنعت نفسها من الضحك: "قالتلي أوصل سلامي لجدي، ولك طبعا."

رد بهمس وابتسامة لا يبتسمها سوى من كان غارقا تماما إلى أذنيه: "الله يسلمها.."

عمها إنسان مباشر لا يعرف للف والدوران، تعرف أنه يظن كلامها هذا عفويا بينما هو أبعد ما يكون عن ذلك، تنفذ ما قالته غالية المكتفية انتظارا على أمل أن ينتهي هذا الوضع الغبي بينها وبين عمها قريبا.

=
=
=

يكاد جلال يضحك من وجه فادي، صديق أبيه الأمين ويده اليمنى في إدارة شركته، المحمر غضبا وهو يتمتم عن عدم ذهابه معه في رحلة أخرى ولو بقطع الرؤوس، فلم يسلم من تهوره ولا من إزعاج "معجباته" على حسب قوله.

رد بغرور كان صفة متجزأة فيه أكثر من غيره، وربما لا ينافسه عليه سوى أخته ترانيم: "وش أسوي لو الله أنعم علي بالزين؟"

لم يكن بالذي يغازل الشابات أو يعطيهن اهتمامه، فهو يعرف دينه وحدوده. لكن تحفظه لم يردع من تلقيه الاهتمام أين ما حل.

لم يكن فادي منبهرا البتة من تصريحه: "الله يعين مكسورة الحظ اللي بتاخذك.."

صحح: "قصدك اللي داعية لها أمها في ليلة القدر."

ضحك فادي رغما عنه: "حالتك مستعصية والله. ما أدري كيف إنت ولد سامر المتواضع حده.." استطرد بابتسامة: "عسى تنبلي بوحدة تراكض وراها زي ما بنات الخلق يراكضوا وراك."

هز جلال رأسه بأسى مصطنع: "أشوف سنين الخرف بدت فيك يا فادي."

ضربه فادي بخفة فوق رأسه، فعلى الرغم من أنه موظف لدى أبيه، فإن جلال كان يعتبره كأب ثان: "خرف فوجهك! يلا عجل ورتب أغراضك قبل لا الطيارة تفوتنا!"

=
=
=

عرفت كادي ما استدعاها أبوها من أجله، وهذه المرة كان لديها جواب.

بدأ أبوها بذاك الحنان الذي تعهده: "تعرفين يا بنتي إني ما بأغصبك على شي، بس ولد آل جميل ينتظر ردنا وطولنا عليه.."

عندما أتى أخو صديقتها المقربة عبد العزيز لها خاطبا، لا تعرف لم توقفت عنده ولم ترفضه كغيره. أربما أدركت أن لمار قد كبرت ولا تحتاج مراعاتها؟ أربما احتراما لقدر صديقتها هدى في قلبها؟ أربما إدراكها أنها بلغت السادسة والعشرين والسنين تمضي؟

لا يهم.. المهم أنها توقفت وردت أنها ستفكر. وحقا ذلك فعلت.

في قرارة نفسها، تعرف أن سبب ترددها في أمر الزواج هو ما حصل لأبيها وأمها، أن تُقابل بجرح يدمي روحها بعد بذل حب طال عقودا.

من يحب يُجرح، وكادي لا تريد أن تحب.

أمها اعترفت لها وللمار ذات سهرة أنها في طريقها إلى البيت من المدرسة تعرض لها عابثون، ليصادف ذلك الموقف أبوها الذي كان في ذلك الوقت متدربا يعمل لدى جدها عبد المحسن، تعارك معهم جميعا وعلى الرغم من أنهم فاقوه عددا إلا أنه تمكن من جعلهم يتراجعون هاربين متحملا ضربات موجعة. رافقها بصمت إلى عتبة بابهم ورتب الأمور بحيث لن يشك أحد بما حدث لها، فهو أدرك أن كلام الناس لن يرحمها. قالت أمهما أنها أعجبت به "ووقعت وماحد سمى عليها" منذ تلك اللحظة، وكم كانت سعادتها بالغة عندما أتى خاطبا لها بعد سنة.

يوما من الأيام، كانت تلك القصة المفضلة دون منافس إلى قلبها.. لكن بعد ما حدث قبل أربع سنوات.. لا تحتمل كادي ذكرها حتى.

لكن.. وضعها مختلف تماما عن أمها، فلا هي عندها مشاعر مسبقة لأخ صديقتها، ولا هي تعرفه أصلا. وعندما استخارت، شعرت بالراحة تعتريها.

إذا، لم لا؟

زواج تقليدي في ظروف عادية، لا شغف، لا عنفوان. هدفها تماما.

أعطت أبيها إجابتها: "أنا موافقة يبه.."

انتهى البارت..~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 14-12-2017, 08:08 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


الثالثة

=
=
=

سحبه صوتها الرخيم من رحلته في أعماق ذكرياته: "تفكر فيها؟"

لم يجبها راضي، فاستطردت تسأل كأنها تكلم نفسها: "ليه طلقتها لما طلبت منك؟"

ويجعلها كالمعلقة؟ لا يرضاها على منال. أبدا لا يرضاها.

قال بدوره: "اللي يسمعك بيقول تغارين.."

ابتسمت تلك الابتسامة الباردة التي يكره، التي دائما ما أشعرته كأنه جزء من عرض يسليها: "وليه أغار على شي ما كان لي نصيب فيه يا أبو كادي؟"

=
=
=

صدت هيفاء النظر عنها عندما رأتها: "أفا بس أفا! كذا أخرة العشرة يا هيوف؟"

تكلمت هيفاء ببرود، تختار النظر في كتاب تعرف لمار أنها لا تقرأه هذه اللحظة: "والله إنتي اللي سويتي سالفة وزعلتي وأنا أدورلك الخير. عسى استانستي بحفلة شذى بس؟"

ابتسمت لمار: "من ناحية إني استانست، فأنا استانست وبقوة، بس حفلة شذى علمي علمك عنها."

عندها فقط التفتت هيفاء إليها: "وش قصدك؟"

هزت لمار كتفا: "ما رحت."

عقدت هيفاء حاجبيها باستغراب: "ليه؟ كنتي مصممة تروحين والعناد راكب براسك.."

أخبرتها بكل ما جرى بالأمس، لترد هيفاء بعد تفكير: "تصدقين زوجة أبوك ذي المرة سوت خير.."

قاطع كلامهم رؤية شذى تنظر إليهما من بعيد، أو بالأحرى تنظر إلى لمار. كانت نظرتها مختلفة تماما عن تلك الودودة التي تلقتها منها عندما أعطتها الدعوة: "وراها تناظر لي كأني أعطيتها امتحان لغة هيروغليفية لازم تشتغل عليه في خمس دقايق؟"

هزت هيفاء رأسها بقلة حيلة: "عمري ما راح أفهم مصطلحاتك ذي.."

انطلق صوت زميلة لهم في الكلية رباب: "يمكن ست الحسن زعلانة لأن اللي فموالها ما صار.. إحمدي ربك ما رحتي الحفلة يا لمار. أنا مثلك اندعيت وما رحت، واللي سمعته عن اللي صار خلاني أحمد ربي إني بقيت." استطردت بسخرية: "شكلها قررت تنهيها على أكبر بلاوي يمكن تلاقيها وتبلي بنات الناس فيها بما أن تخرجها الشهر هذا، بس ربي ستر وما طاح فيها إلا هي."

أخذت رباب تتحدث عن كل ما سمعته عن حفلة الأمس، لتتسع الأعين بصدمة من هول ما سُمع.

=
=
=

دق قلب أسيل طبولا عندما رأت منال تجيب عن هاتفها، تنطق محيية باسم ذاك الذي احتل أفكارها، تودع أمها بقول أن أخاها في عجلة من أمره، واعدة لها بزيارة قريبة.

أيعقل أن يُحدث ذكر اسمه فيها كل هذا الاضطراب؟ أيعقل أن تعود مراهقة لذكرى محياه؟

قد كان شاهين أول من دق قلبها له، تراقبه كصبية ينتظر أخته ليوصلها حتى لو مشيا، تستمع لحكايا أخته المحبة عنه، تشهد نضوجه من فتى مغتر إلى رجل ذا هيبة وجاذبية طاغية تدير رؤوس النساء نحوه.

كم كانت خيبتها أليمة لمعرفة اختياره أخرى كزوجة، إلى درجة دفعتها بالقبول بأول من طرق بابها خاطبا بعد أن كانت ترفض، تنتظره لتقبل به. لا تذكر أن طلاقها قبل سنتين من هذا اليوم أحدث فيها نفس الخيبة. وكم بلغت من السعادة حد الهذيان لسماع خبر طلاقه بعد ذلك بقليل.

لكن، إلى متى ستنتظر؟

=
=
=

قال الخال سامر بعد السلام الذي أعلن حضوره إلى المقهى الذي أصبح محل اجتماعهما، يجلس في الكرسي المقابل له: "تأخرت عليك يا ولدي؟"

هتف الوليد: "لا أبد، توني وصلت. طمني عن أخبارك، من زمان عنك والله."

ابتسم الخال سامر بمودة ضاحكة: "أجل شوف لسفرياتك اللي ما تنتهي حل. ما صارت شغلة هذي اللي ما تخليك تقعد في البلد شهر حتى!"

ضحك الوليد عندها، فكما يرى ما زال تشكي الخال سامر من مهنته لم يتغير حتى بعد أن مرت سنة من تعرفهما على بعض.

يحمد الله على إعطائه هذه الفرصة في معرفة الخال سامر، ليكون له نعم مواسي له بعد فقده لأمه ومؤنسا للوحدة التي شعر بها بعد ذهاب ضياءها من حياته، فأبوه توفي قبل أمه بشهور وكان مقطوعا من الشجرة وأمه لا يُسأل عنها. فقط تبقت لها صلتها بالخال سامر، ابن جارتها القديمة وأخوها من الرضاعة، لتدل الوليد عليه عندما أحست بقرب أجلها.

(منذ الصغر، عرف أن أباه قد أجبر أمه على الزواج به، مغريا أبيها الطماع على الرغم من ُيسر حاله المادي بثروته الهائلة. لكن بعد زواجه من أمه، انخرط أبوه بسلسلة من القرارات أودت بفقدانه لثروته التي كان يفتخر ويتجبر بها، لينقلب ويبدأ في استنزاف كل فلس لدى أمه وإهداره بلا نفع.

منذ الصغر، كان الوليد شاهدا لتطاول أبيه على أمه بالكلام، وأحيانا باليد، يعايرها بسوء حاله بعد ارتباطه بها، بعائلتها التي باعتها مقابل أمواله، متناسيا أنه هو من سعى إلى الزواج بها، يسوقها مجبرة مهانة في ليلة يجدر بها أن تكون الأسعد.

موته حررها من قيد أصبح جزءا منها لسنين.

منذ الصغر، قطع الوليد على نفسه عهدا بألا يتزوج إلا بمن كانت راضية تمام الرضا بالارتباط به، بألا يجبر إحداهن على البقاء معه حتى وإن بلغ فيه حبها الشيء العظيم).

أعلمه الخال سامر عندما التقاه بنصيب أمه من ورث عائلتها الذي أنكرت وجوده لزوجها، ذاك الذي أودعته عند الخال سامر طالبة منه الاستثمار به، لعل وعسى سيثمر بشيء سيعين ابنها بعد رحيلها من الدنيا.

لم يتوقع الوليد حصوله على مبلغ بالضخامة التي لاقاها، وكم طلب من الخال سامر إثباتا على أن ما كان يريد تسليمه إياه هو حقه صدقا. إلى أن اقتنع، واقتنع أكثر بطيب أصل الخال سامر وثبات إيمانه، فكم من سنة مرت على وصية أمه تلك وما زال حافظا لها بالصون.

يذكر تأثره البالغ وهو يقول بصوت أثقله العرفان: "مدري كيف برد جميلك.."

ليرد الخال سامر بابتسامة دافئة الود: "ما عليه يا ولدي، احنا صرنا أهل خلاص."

(احنا صرنا أهل..).

ما أروع تلك الكلمات.

=
=
=

رمش جلال بعدم استيعاب لرؤية خاله شاهين موجودا في بيت جده في هذا العصر، إلى أن التفت له وسأله بحاجب مرفوع: "مضيع شي في وجهي؟"

هز جلال رأسه بـلا: "وأنا أقول البيت منور بزيادة ليه، أثاري أبو جلال مقرر ياخذ له إجازة اليوم!"

ابتسم له خاله بسخرية: "لساتك مصر على أحلام إني بسمي ولدي عليك أشوف.."

ليرد جلال بثقة: "مو أحلام، حقيقة. أبو نادر ذا اللي يعرفوك الناس فيه ما بيصير واسمي موجود ومتوفر. خلي بس تجي مدموزيل المستقبل وبتدرك الحق."

اكفهرت ملامح خاله بشيء من الضيق، ليكمل: "بصراحة تعبت من كثر ما أصد بنات الناس وأقول استنى خالي يتزوج ويجيب لي حرمي المصون."

كان هذا كفيلا بجعل ضحكة تفلت من خاله: "بايعها بنتي عشان أرميها عليك..؟" استطرد، ينظر له بمعنى: "أخبارك توصلني بالتفصيل من فادي.."

في خضم دفاعه عن نفسه، أدرك جلال أن خاله قد غير الموضوع.

=
=
=

قد يبدو عبد الرحمن للوهلة الأولى أنه "ولد عز" بكل ما في الكلمة من معنى، وربما كان كذلك، ولكنه أيضا كان متواضعا بشكل عجيب.

كانت صحبته مغايرة لما عهده سالم، لكنها لم تكن أبدا بالمزعجة أو الغير مرحبة.

لفت نظر عبد الرحمن الصحيفة المطوية على جهة سالم من الطاولة، ليجيب على تساؤله الصامت: "أدور لي وظيفة يا شيخ، شي يجيب الهم!" زفر بضيق، يبدأ بالحكي عن مأساته اليومية: "تخيل يكون عندك كل المؤهلات الكافية، بس نقطة إن ما عندك سيارة تخليك تنرفض. طيب يا عالم السيارة يبغالها فلوس، والفلوس يبغالها وظيفة، والوظيفة على قولتهم يبغالها سيارة.. حشى صارت دورة الماء في الطبيعة على غفلة!"

بدا على وجه عبد الرحمن التفكير العميق، أمر استغربه، فقد توقع الضحك أو التعاطف الساخر من تشكيه، ليقول ويفاجئه: "معك سيرتك الذاتية اللحين؟"

باستغراب هز سالم رأسه بنعم، يلتفت للملف الذي يحتوي سيرته الذاتية بكل تفصيل.

توقف عبد الرحمن مرة ليتمتم "ما شاء الله" بإعجاب، ربما على مؤهل الماجيستير الذي أخذه في تخصصه، المحاسبة. وخبرته في عمله في شركة مرموقة سابقا.

أخرج من جيبه بطاقة ليعطيها له وهو يسأل: "تعرف بنوك الجبر؟"

مرة أخرى هز سالم رأسه بنعم: "مين ما يعرفها؟"

-: "روح للفرع الرئيسي وأنشد عن شاهين. قل له جاي من طرف عبد الرحمن وعطيه ذي البطاقة وبيفهم السالفة."

اعترض سالم عندها: "ما اشتكيت لأني أبغاك تدلني على وظيفة!"

ابتسم له عبد الرحمن: "أدري. هذا رد جميل لأنك دليتني على المشكل."

لم يكن بوسع سالم إلا أن يضحك. أحيانا، فقط أحيانا، وجد عبد الرحمن غريب الأطوار: "مصطلح رد الجميل عندك اكسترا يا دحيم!"

في طريق عودته ظل يقلب البطاقة بين أصابع يده تارة، ويحدق بها إلى أن حفظ كل تفصيل فيها تارة أخرى.

لم لا يجرب؟ ليس خاسرا شيئا بأية حال.

=
=
=

هتفت هدى بفرح وهي تمشي جانبها في فناء المدرسة كالمعلمة المناوبة اليوم: "ما أصدق للحين إنك وافقتي على أخوي! أحس إني فحلم والواقع إنك لسى بتنشفي ريقنا بسكوتك."

قالت كادي بعد تحية طالبة مارة لها، شيء من الاحراج يتسلل إلى صوتها: "ما تعلي صوتك أكثر وتعلمي المدرسة بكبرها.."

ضحكت هدى غير مبالية بالنظرات الفضولية التي تلقتها: " وأنا شعلي من الناس؟ أهم شي فرحتي بدخلتك لبيتنا. أشهد إن أمي كانت فرحانة أكثر من العريس نفسه!"

لا تنكر، سبب كبير لموافقتها الزواج بأخ هدى، عبد العزيز، كان بسبب أهله وحبها لهم.

قبل أن ترد رأت طالبة تركض هاربة من أخرى تلاحقها، غير منتبهة للمسمار الصدئ الكبير الناتئ من أحد عواميد المنصة الخشبية المتهالكة. كم من مرة اشتكت كادي للإدارة عن وضع المنصة، لكن شكاويها لم تُسمع.

لم تحس بجسدها يتحرك ولا بأخذها الضربة بدلا من الطالبة، لم تحس حتى بالألم عندما اخترق المسمار ذراعها، إلا عندما سألتها هدى بجزع إذا كانت بخير.

=
=
=

استوقف عبد العزيز همس امرأة منزعج لحوح وصوتها الذي وجده أكثر من مألوف. اقترب منها يسأل بتشكيك: "هدى؟"

حتى مع عباءتها ونقابها، وضح عليها تنفس الصعداء: "جيت الله جابك! مدري وش فيهم الدكاترة هنا ما يعطوك وجه!"

سحبها له وراءها بهذه اللهفة أقلقه: "صار لأمي شي؟ أبوي؟ غازي..؟"

هزت رأسها: "لا، لا.. ولا واحد من ذول..!"

دلته على أحد الأسرة في القسم حيث كانت تجلس امرأة تمسك بذراعها وبادي من انحنائها في الجلوس الألم.

سأل: "وش صار؟"

أجابته هدى بدلا عن المرأة: "حادثة في المدرسة، قطعها مسمار كبير ومتصدي.." خاطبت المرأة بأمر: "وريه جرحك.."

لم تفعل، بل بدا كأنها تصم أذنيها عن أمر هدى. تشيح بالنظر بعيدا عنه ومتحاملة للألم: "قلتلك جيبي لي دكتورة.."

رد ببرود وآلية: "للأسف ما في دكتورة مناوبة ذي اللحظة. يمكن تنتظرين لك ساعة أو شي بس ما أنصحك، لأن كل دقيقة تتأخري فيها احتمال يسوء وضعك أكثر."

سمعها تهمس بغيظ بدورها: "امحق دكتور.."

تأففت هدى بسأم: "يلا كادي بلا حيا ماصخ!"

استوقفه الاسم، لكنه لم يكمل خيط أفكاره ذاك بسبب همس تلك الـ"كادي" بسخط: "قوليله يدور.."

خرج خارج محيط الستارة العازلة دون انتظار هدى لتنقل أوامرها، ليعود عندما سُمح له ويرى حرص زميلة هدى البالغ على عدم إظهار إلا المنطقة المصابة من ذراعها.

في سره، لم يستطع إلا الإعجاب بحيائها هذا.

توجه بمهنية ليرى تلك الذراع، ليجد أن الجرح لم يكن بالسيء، لكنه كان بإمكانه التسبب بشيء خطير، خصوصا عندما كان المسمار الذي سببه صدئ.

وبعدما أنهى عمله من تنظيف وتخدير وتخييط، وصف لها مضادات حيوية ومسكنات آلام، وأوصاها بمراجعته بعد أيام.

لم يدرك لحاق هدى به بعد مشيه مبتعدا إلا بعدما هتفت تناديه: "خير؟ ما بتروحين معاها؟"

ردت أخته بنفي: "أبوها أصر يجي يوديها للبيت." تنهدت بأسى: "امحق طريقة تتقابلون فيها.."

عقد حاجبيه بعدم فهم: "وش قاعدة تتكلمين عنه؟"

أجابته: "اللي عالجتها تو.."

أخذ لحظة ليتفقد ملفا لمريض: "مريضة وجت، وش لي فيها..؟"

الضحكة بدت في صوت أخته: "في ذي غلطان يا عزوز. المريضة على قولتك لك كل شي فيها، مو هي راح تكون حرمك المصون؟"

لو كان بوضع آخر، كان لينهر أخته عن منادته بذاك اللقب، لكنه هذه اللحظة لم يستطع سوى نطق "إيش؟" وهو يتوجه بنظره إلى ظهر من تبين أنها خطيبته المبتعد برفقة والدها.

انتهى البارت..~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 14-12-2017, 08:11 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


الرابعة

=
=
=

لم يتوقع سالم ولا في أكثر توقعاته جموحا أن ذاك الشاهين الذي دله عبد الرحمن عليه كان ابن صاحب بنوك الجبر ذائعة الصيت وأحد المسؤولين البارزين فيها، ولم يتوقع أنه سُيؤخذ على محمل الجد من قبله، يسلط عليه نظرات وترته، وهو لم يكن من النوع الذي يتوتر عادة!

بدأ بذاك الموضوع الذي صرف النظر عن توظيفه مرات لا تحصى بحذر: "بخصوص طاري السيارة.."

أشر له شاهين بحركة غير مكترثة: "تقدر توصل على موعد دوامك؟"

هتف بحماس من دب فيه الأمل: "إن شاء الله بحاول!"

حتى لو اضطر للتخييم عند المحطات ليلا لحين استطاعته اصلاح سيارته، سيفعل.

ليرد ذاك منهيا للمقابلة وصادما له: "من بكرة تقدر تبدأ شغلك.."

=
=
=

عندما طلقها راضي، رفض بشكل قاطع أن تأخذ ابنتيها معها، وقال بصرامة موقف أمام والدها أنه سيسمح لهما بالزيارة والمبيت عندها متى أرادا، وأما أكثر من ذلك فلا.

لا تدري هل كانت حيلة لترجع إليه أم لا، لكن منال التزمت قرارها بالفراق على حساب انفطار قلبها على ابنتيها، على رؤية العتاب في نظراتهما.

سهرن ينخرطن في الحديث بين جنبات جناحها، مستلقيات على سريرها، لمار في جانبها الأيسر وكادي في الأيمن.

قالت منال ولوم أمومي يغمر صوتها: "إنتي آخر من يتكلم يا كادي! ليه ما قلتيلي إنهم سووا لك غرز أمس؟"

هتفت لمار قبل أن تستطيع كادي الرد، بسخرية ضاحكة تغيظ أختها الكبيرة: "بنتك صايرة سوبرمان على غفلة وتفزع لبنات الناس. تطورنا والله من أيام الخوف والوساوس..!" تساءلت باستظراف: "تظنين يمه إن الوحدة إذا انخطبت بيطير الخوف منها؟"

تنهدت منال بسعادة مرتاحة كلما تذكرت خطبة كادي وموافقتها هذه المرة: "أخيرا بشوفك عروس يا بنتي وتريحين قلبي عليك!" التفتت لابنتها الأخرى لتكمل: "عقبالك يا لمار.."

هذه المرة كانت كادي من ضحك بسخرية: "تخيلي بس لمار تتزوج! لمار! مين مقرود الحظ اللي بيتزوجها؟"

لترد لمار بثقة مضحكة: "واحد داعية أمه له ويذوب في هواي!"

ضيقت كادي عيونها بشك: "بديتي بأحلام اليقظة يا بنت؟"

وهكذا انخرطا في جدال ومشاكسة كان وقعها عذبا على قلبها.

=
=
=

لاحظ جلال شابات متزينات يخرجن من البيت وهو داخل. لم يخفين نظراتهن المعجبة وهن يتباطئن في ركوب السيارات الفارهة المتوقفة من أجلهن.

حال معرفته بإنتهاء ترانيم من استضافة ضيفاتها، اتجه إليها والضيق السخط مرتسم على ملامحه: "وإنتي إلى متى بتصاحبي هالأشكال، معقولة تطيقيهم؟"

كشرت ترانيم باستنكار: "طبعا لا، بس هم بنات صحبات أمي ومن نفس محيطنا. لازم أجامل.."

اعترض: "لا، أبدا مو لازم. شوفيني ما أصاحب إلا اللي أبغى وما اهتم."

ردت عليه دون اكتراث، تصعد إلى غرفتها: "إنت حر بخياراتك. بس أنا ما بخاطر بوضعي وصورتي عشان تحفظاتي.."

تنهد جلال بأسى غير راض عن نظرة أخته الصغيرة للحياة وتطبعها لأسوأ طباع أمه.

قد كان مثلها في صغره، إلى أن كبر واختلط أكثر بجده وخاله، إلى أن أجبره أباه على الاختلاط بالناس من شتى الخلفيات الاجتماعية، فكيف سيكون رجل أعمال وتجارة إذا لم يفهم الناس؟ ما زال في خضم تغيير أفكاره، لكنه يريد التعلم بصدق، يريد أن يرى صورة غير صورة المجتمع المخملي الذي ولد فيه.

يعرف أن معدن ترانيم طيب صاف، لكن للأسف لم يكن لأخته قدوة سوى أمه، ولم يأتي ما يوقظها لتنفض غبار فكرها هذا.

=
=
=

طفح كيل كادي من نغزات ولمزات هدى المغيظة، وعندما أتت تلك الفرصة النادرة واختلت بهما غرفة المعلمات استحثتها: "انطقي يلا! من يوم ما رحنا المستشفى ذيك المرة وإنتي تتصرفين بشكل غريب."

ابتسمت هدى ابتسامة عريضة مغيظة بالمعاني المخفية فيها: "ما الغريب إلا اللي يستحي وذراعه مقطعة وتناقط دم.. ومن مين يا حظي؟"

قالت باتهام: "هذا اللي أقصده، تلميحاتك ذي!"

بدت هدى كأنها بالكاد تمنع ضحكة من الافلات: "عشان كذا كان لازم تعجلوا بالرؤية الشرعية."

زفرت كادي بسأم: "خلصيني يا هدى!"

رفعت هدى يديها كإشارة لكي تهدأ: "طيب طيب لا تأكليني..!" صفت حلقها للحظة، كأنها على وشك إعلان فائز بالأوسكار، قبل أن تكمل: "الدكتور اللي عالجك أخوي.."

كررت كادي لتستوعب: "أخوك..؟"

هزت هدى رأسها برضا: "نعم، أخوي. وطبعا ما أقصد غازي البزر اللي بأولى ثانوي. أقصد الكبير، اللي كان يدرس برى ورجع يشتغل هنا، اللي طولتي عليه بالرد.."

دافعت كادي عن نفسها لحظتها: "كلها ثلاثة أسابيع."

لترد هدى بوجوم طريف: "ثلاثة أسابيع قضيناها في حالة استنفار بسبة حضرتك!"

قالت بتفكير: "اللحين ذاك كان عبد العزيز..؟"

أومأت هدى بحماس، تميل مقتربة في جلستها بترقب: "نعم نعم! وش رأيك فيه؟ يمشي الحال ولا..؟"

قطبت حاجبيها: "تصدقين، مقدر أقول.. ما شفته زين.."

هتفت هدى بأسى وهي تعود بظهرها للوراء بخيبة: "انقلعي يختي، انقلعي! حمستيني عالفاضي!"

=
=
=

كلما غابت ابنتاه عنه لزيارة أمهما، بدا أبو كادي كأن روحه سُلبت منه، مهملا نفسه بالكلية، وعيونه تحكي قصة وحشة موجعة وألما لا ينضب.

تمنت لو أن ابنتاه عجلا في عودتهما، فإهمال أبيهما لنفسه تجاوز الحد هذه المرة، إلى حد نسيان أدوية مرضه حتى..

سألته تتحقق حالما رأت إمارات الألم ترتسم في ملامحه على مائدة الغداء: "أخذت دواك..؟"

لم يجبها.

تنهدت ونهضت لتحضر أدويته.

ذكرته وهي تناوله إياها: "لا تفجع بناتك فيك.."

لم يبد للحظة أنه سمعها.

=
=
=

كررت لمار بتفاجؤ: "أسيل؟"

لترفع أمها حاجبا باستغراب منها: "ليه تقولينها كأنها مو عاجبتك..؟"

عندما تطرق الحديث وتشعب حتى وصل إلى من كانت أمها تريد تزويجها بخالها شاهين، لم تتوقع لمار أن أسيل ستكون مرشحة أمها الأولى والوحيدة: "مو إنها مو عاجبتني، بس أحسها ما تنفع له. يعني تعرفين خالي ما ياخذ ويعطي مع أي شخص ولازم الشخص ذا يسترعي انتباهه ولا بيطفش.."

سألتها أمها تستحثها: "وتظنينه بيطفش من أسيل؟"

لم تجب، فالخادمة أتت تعلن وضع العشاء لتتشتت جلستهما.

لحسن حظها، صدقا.

فكيف عساها تقول نعم، تظن أن خالها سيضجر بمن اختارتها له.

=
=
=

اكفهرت ملامح الذي فتح الباب له لحظة رؤيته: "وش تبغى يا نواف؟ ردي مثل ما هو، ما أعرف عنها شي."

لم يكترث أبدا للضيق البادي في وجه الرجل أمامه، حامد الطيب، فلِم يكترث لضيقه وهو لا يكترث للرجل أصلا، فقط احتمالية علمه بمكانها؟: "أعرف إنك تدري وينها فيه وصدقني لما ألقاها بتندم إنك خبيتها عني..!"

شخر حامد بسخرية ذكرته للحظة بها: "والله إنت اللي طلقتها، لساتها الورقة عندي إذا مو متذكر.."

استشاط غيظا: "ما طلقتها إلا لما جات عندك وصرت وسيطها!"

بعدم خشية منه قال: "أقصر شرك وارجع لمرتك وأولادك الصغار واترك المراكض ورى وحدة عايفتك وبتظل عايفتك.." وأقفل الباب في وجهه بعد انتهائه من نطق سموم كلماته..

بجنون ضرب نواف بقبضة يده على الباب المعدني، لايحس بألمه الجسدي حينما كان المعنوي يكاد يفتك به.

لم يدرك قيمتها إلا بعدما تركته.

يعترف أنه تزوجها لتعزيز شخصه وكيانه بعدما همشته زوجته الأولى رؤى وعائلتها واسعة النفوذ تهميشا، ليقهرها ويثبت لها أنها لم تحكم سيطرتها عليه.

يعترف أنه قسى عليها، بل فرغ فيها طاقات قهره المكبوتة تحت اضطهاد عائلة رؤى وحاجته لدعمهم لمشروعاته.

ويعترف أنه شعر كإنسان مرة أخرى بسببها، بكل مافي الكلمة من سلبيات وإيجابيات. بسببها تعززت ثقته حتى وصل ما قارب أهل رؤى مكانة وثراء، حتى لم يعد يخضع لسطوتهم بذات الانصياع.

عندما تركته وطلبت الطلاق، كابر وأعطاها مطلبها بعد ضغط عمها حامد.

لكن شيئا فشيئا، عندما عاد مُحتكرا لرؤى فقط، أدرك أنه صار كطائر حبيس قفص بدونها هي، أدرك مدى ولعه بها، مدى جنونه المطلق بها.

بدأ يقف على عتبة باب حامد، وكل مرة كان يجيبه بأنها لا تريد رؤيته. بلغ به سوء حاله أنه حاول اقتحام البيت عنوة، ليكتشف أمره حامد ويشتبكا في عراك عنيف.

عندما عاد بعد أيام من تلك الحادثة يسأل عنها، أخبره حامد بكل بساطة أنه لا يعرف أين هي. ولسنوات تتلي سنوات، جوابه هذا لم يتغير.

دخل إلى سيارته، يسند رأسه على المقود بتعب، ناظرا إلى السوار في قبضة يده، ذكراه الوحيدة المتبقية منها.

"يا روح نواف وين رحتي.. وين رحتي؟"

=
=
=

كانت تتأكد من مظهر أختها الصغيرة سمية على عتبة الباب، تتأكد أنها تبدو بأبهى صورة قبل أن تلبس عباءتها وتذهب لزيارة صديقتها.

أتى صوت جلال متهكما: "حشى عرض أزياء على غفلة؟ خنقتي البنت تقييم!"

نظرت إليه ترانيم بامتعاض: "اسمعوا مين يتكلم! اللي يقعد ساعة يشخص نفسه لو يروح بقالة."

ضحكت سمية عندها وابتسمت ترانيم بانتصار. اثنان ضد واحد.

قال جلال بتمثيل غضب موجه لسمية: "أم الخيانة يا شيخ. أداري راحتك وتضحكين علي مع العدو..!"

=
=
=

تعجبت شادية عندما رجع عمها في وقت أبكر من المعتاد بكثير. كانت العاشرة صباحا عندما سمعت صوت الباب يُفتح ويدلف عمها داخلا، سعادة عظيمة تشع في عيونه.

أعلن بصوت مرتفع بادئ الأمر ليخفضه حال ملاحظته لجدها نائما على بسطته تحت النخلة الكبيرة في حوش البيت: "أبشرك..!"

ابتسمت فحماسه وسعادته بعثا فيها سرورا رغما عنها: "خير يا عمي..؟"

أتراه قد..؟

لم تسنح لها الفرصة لإكمال تساؤلها قبل أن يكمل: "لقيت وظيفة!"

ازداد سرورها أضعافا: "أخيرا! لا اليوم لازم نذبح لنا ذبيحة خليني أتصل بأم صيتة تجهز لي.." لتقاطع نفسها بزجر: "لا، لا. خليني أتصل بغالية أول أبل ريقها بذا الخبر الزين!"

وقبل أن تفعلها حقا وتتصل بها، منعها عمها من ذلك: "لا تقوليلها.."

الجدية في ملامح عمها جعلها تنطق: "ليه، ما بترجعها؟ خلاص لقيت وظيفة.."

الضيق بدا في محيا عمها: "مقدر أرجعها. على الأقل مو اللحين، السالفة مو بسيطة كذا.."

مطت هي شفتيها بعدم رضا: "طيب فهمني، وش اللي يخليك تتم على وضعك هذا؟"

تنهد، قبل أن ينظر في جهة معينة، جهة تعرف أنها تجاه بيت آل عمير، بيت والد غالية، والبيت الذي تسكن غالية فيه حاليا: "أبي أرجع كل اللي باعته عشان تسدد ديوني، أبي أعوضها ذهب على صبرها علي، أبي أخطي عتبة باب بيت أهلها ومعي ضعف مهرها. بس ذا يبغاله وقت وأنا توني توظفت، لسى حتى ما أخذت معاشي الأول."

غالية كانت حب صبا عمها، تلك التي كانت مشاكستهما وعراكهما معروفة في القرية كلها كأطفال. قد قال أبوها لها بتسلية يوما أن اليوم الذي تغطت غالية فيه عن عمها سالم كان يوما مشهودا، فعمها بقي صامتا مكفهر التعابير غير مستوعب لفكرة أنه حُرم من رؤية غالية التي كانت رفيقة الجدالات والعراكات المفضلة، التي لم يسمح لأحد غيره بمس طرف منها.

مضت السنين والكل كبر، وحالما توظف عمها وأسس نفسه، تقدم خاطبا لغالية دون غيرها من فتيات القرية وتزوجها، ليمضيا سنة في حب يشهد الكل له.

لكن، أتى أمر طرد عمها من عمله السابق كصدمة، خصوصا وأن رئيسه في القسم أخبره أن طرده لم يكن بسبب تقصير منه، بل لأن الشركة كان يجب عليها التضحية ببضع موظفين حتى تتكيف مع الحال الخامل في السوق. زاد هم عمها ظهور كل من كان مديونا له من كل حدب وصوب مطالبين بأموالهم ومهددين بالقضاء. لشهور خبأ خبر طرده ومعاناته مع ديونه عن الكل، يحاول بكل ما يستطيع التصرف كأن شيئا لم يكن، يوازن ما بين محاربة حالة الاكتئاب التي غمرته جراء فقدانه لعمله وإيجاده وظيفة أخرى، إلى صرفه عليها وأبيه وغالية، إلى محاولة تجميع المال لإسكات أكثر الدائنين إلحاحا. لكن، سرعان ما اكتشفت غالية الأمر وقررت التصرف وبيع ما تملكه من ذهب ودفع ما لديها من أموال لتسديد ديونه.

ثار عمها عندما علم بما فعلته، واشتد الجدال بهما إلى أن قررت غالية المبيت في بيت أبيها وتركه حتى تصفو الأذهان، غير دارية بما سيحدث بعدها. فعندما هدأ عمها من ثورته وغضبه، طرق باب حماه معتذرا طالبا عودة غالية له.

لا تعرف شادية ما الذي قاله أبو غالية لعمها، لكنها تعرف أن كلماته كانت كفيلة بطعن كبريائه، بجعل عمها يقطع عهده ذاك على نفسه، أنه لن يُرجع غالية له إلا بعد أن يجد وظيفة أخرى، بعد أن يعود جديرا بها مرة أخرى.

مضت شهور ثلاث منذ ذلك اليوم، وكل يوم ترى شادية عمها يحارب نفسه حتى لا يطرق بيت آل عمير، حتى لا يتصل بغالية، حتى لا ينشد أخبارها منها.

ما لا يعلمه أن غالية ماثلته في المعاناة، لكن على عكسه فإنها كانت تسأل شادية عنه باستمرار، وتعبر عن اشتياقها له بكل عفوية، عن ندمها بخطوها خطوة واحدة داخل بيت أبيها، فعمها عنيد ومجروح الكبرياء، أبدا لن يرجعها له إذا لم يحقق هدفه، مهما تطلب الأمر من وقت.

تنهدت شادية، فعلى ما يبدو ستشهد استمرار هذه المسرحية البائسة لوقت أطول.

انتهى البارت..~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 5
قديم(ـة) 14-12-2017, 08:12 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


هذا اللي نزلته للحين. أتمنى لكم قراءة ممتعة.. :)


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 6
قديم(ـة) 14-12-2017, 08:36 PM
الـــ غ ـــيد الـــ غ ـــيد غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

روايه رائعه
الله يعطيك العافيه

وبإنتظار البارت القادم بشوق
🌹



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 7
قديم(ـة) 16-12-2017, 02:47 PM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


تسلميلي يا عسل، وإن شاء الله الباقي بينال إعجابك بعد.

الخامسة

=
=
=

ديوانية أم سطام، محل تجمع نساء القرية وتبادل الأخبار بينهن.

تذكر شادية أول مرة دخلت فيها هذه الديوانية وانبهارها الشديد بكل ما فيها من أثاث وضيافة وجموع النساء. كانت في الخامسة عشر، تلتزم جانب عمتها غزيل التي تولت الاعتناء بها بعد وفاة والديها في بيت الجد، إلى أن تزوجت بضابط يعيش في الخبر وأصبحت تزورهم بانقطاع.

عرفتها عمتها بهمس طريف على كل من في الديوانية وبأطباعهن المشهورة، وعلمتها التعامل مع كل واحدة منهن، حتى أصبحت شادية في الثالثة والعشرين مشاركة مخضرمة في الديوانية تعلم المبتدئات كما فعلت عمتها معها.

دخلت لترى أنها كانت مبكرة، فلا زال هناك عدد من مرتدات الديوانية لم يحضرن بعد. جالت بنظرها على الحاضرات لترى أم سطام تجلس في رأس الديوانية كالعادة، ترفع صوتها بالترحيب بالكل.

أم سطام، زوجة أكثر رجال القرية ثراء، إنسانة مدمنة للتجمعات والصخب، لا يخلو مجلسها من ضيفة ولا حديث، حلوة المعشر وصافية الروح.

بجانب أم سطام كانت تجلس أم ضاري، جارتها وصديقتها منذ عقود. كانت أم ضاري النقيض التام لأم سطام، إنعزالية مُرة المعشر سليطة اللسان. لا تعرف شادية كيف صمدت صداقة المرأتين كل تلك السنوات وأطباعهما بذاك الاختلاف.

أبخرة البخور تصاعدت أمامها، ورأت شادية أم مزون تبخر الديوانية غير سامحة لأخرى غيرها بفعلها، كعادتها المحبة لإقحام نفسها في كل عمل حولها. تزوجت أم مزون سطام، بكر صاحبة الديوانية الذي رجع من سفره وتزوج بعد غياب سنوات، ليقيم أبوه حفلة دام ذكر ضخامتها وبهرجتها في القرية حتى بعد خمس سنوات من إقامتها.

سمعت تحلطما، وحاولت شادية منع نفسها من الانطلاق بالضحك لرؤية جارتها أم خليل تعاني في تهذيب صغارها المشاكسين دون جدوى، فلا شيء يستطيع الوقوف أمام ثورة هؤلاء الأشقياء بالذات.

دوت ضحكة مجلجلة في الديوانية، وعرفت شادية دون النظر أن أم صيتة قد وصلت برفقة بناتها، فتون وسميرة. أم صيتة التي أنعم الله عليها بورث من "الحلال" يُنشد من أقطار البلد كافة، مفتخرة بكونها المتكفلة بالذبائح لأي مناسبة حدثت في القرية.

وعندما التفتت بالنظر، رأت بطرف عينها بنات أم ضاري سلمى ومناير يتهامسن على موضوع تعرف شادية أنه حولها.

منذ فترة وهي لا تحضر تجمعات الديوانية. شرطها الذي قيدت فيه ارتباطها بزواج بعث في النفوس التحفظات، فليس الرجال وحدهم من استنكر رفضها، بل أقربائهم من النساء أيضا.

تجاهلت شادية نظرات سلمى ومناير، تتشاغل بفنجان القهوة الذي قُدم لها. يبدو أن رفضها لأخيهما عوض ما زال مرا.

-: "وش سارحة فيه واحنا تونا على الجلسة؟"

ابتسمت لسماع ذاك الصوت المألوف: "هلا وغلا! تو ما نورت الديوانية!"

صدقا، فاجأها حضور غالية الليلة، فهي مثلها كانت تتجنب الحضور لما ستتلقاه من لمزات حول الفصال بينها وبين عمها، فقط لأنها لن تستطيع التحكم بأعصابها وستفتعل مشكلة.

أخذت غالية مكانا جانبها، تبعد خصلا من شعرها وراء أذنها بتأفف، ورنين بناجرها البراقة يصدح مع كل حركة: "ما جيت إلا لأنك قلتي إنك جاية، وقلت أفزع لك."

ضحكت شادية، فعلى الرغم من مظهر غالية شديد الأنوثة، إلا أن كونها الوحيدة بين خمسة إخوة رجال وتطبعها بأطباعهم يتسلل أحيانا في حركاتها وكلامها: "وأحلى فزعة والله." غمزت بمكر: "لكن بصراحة.. أشك إنك جاية عشان تفزعين لي وبس."

"صدقي اللي تبينه." مثلت غالية برودا تعرف شادية أنه سيتلاشى بعد لحظات، تنظر بتشتت إلى أظافرها المطلية بالأحمر القاني: "سمعت إنه توظف.."

صحيح أن عمها منعها من إخبار غالية، لكنه لم يحسب حساب أن يكون لغالية علم بأخباره من مصادر أخرى: "إيه، توظف في بنك.."

تهللت أسارير غالية بالفرح، ليس لكسب زوجها وظيفة وحسب، بل كسبه راحة البال التي سلبت منه منذ فقده وظيفته. فرحة لانفراج محنة عن محبوبها.

لكن سرعان ما اكفهرت ملامحها بالسخط: "وراه إن شاء الله لساته قاعد ما جاء؟ ينتظر إيش حضرته؟!"

أسكتتها شادية بسرعة عندما اتجهت أنظار النسوة نحوهما، فلا ينقصهما كلام آخر يُحاك عنهما. همست بحدة: "لا تفضحينا بين العرب! خلي سالفة عمي لبعدين لما أجي عندك.."

عندها تذكرت غالية موضعها لتصمت على مضض، تأمرها: "تعالي الصبح بدري. ما راح تروحين إلا لما يكون عندي التفاصيل كلها."

تنهدت بقلة حيلة: "حاضر عمتي." منعت ابتسامة من الإفلات، لأنها تعرف مدى كره غالية أن توصَف بـ"عمتي" من قبلها.

ضربتها تلك بخفة على كتفها: "عمتي فوجهك، ما الفارق بيننا إلا كم سنة!"

من يرى تعاملهما مع بعضهما سيظن أنها وغالية صديقات منذ الأزل، لكن الحقيقة كانت أن كلاهما لم يختلطا ببعض إلا بعد زواج عمها بغالية وسكن غالية في ملحق البيت. قبل ذلك، عرفت غالية فقط من خلال الحكايا التي كان يحكيها عمها لها، ومن رؤيتها في تجمعات الديوانية. كان انطباعها عن غالية أنها شابة نزقة سريعة السخط والهياج، متهورة لا يحكم عقلها لسانها. لكن عندما تعرفت عليها أكثر تبين أن مع كل مساؤها تلك، كان لديها قلب صادق شديد الوفاء والولاء، وعدم رضا بالسكوت عن ظلم، وعندما يقتضي الأمر، صبر عظيم وإيمان راسخ. تعرف أن كثيرات في محلها كن ليطلبن الطلاق، لكنها لم تفعل ولا مرة.

(أجابتها مرة عندما سألتها: "إذا ما صبرت معاه ذا الوقت، متى أصبر؟")

شيئا فشيئا، اكتمل عدد الحاضرات وصدحت أصوات أحاديث النساء في الأرجاء، إلى أن وقفت أم ضاري واسترعت الانتباه والصمت المتسائل.

من النظرة المتقصدة التي ألقتها جهة شادية، خمنت ما كانت تعزم إعلانه.

وصدق إحساسها، فأم ضاري أعلنت أن الخميس القادم سيُقام عرس ابنها عوض في قاعة القرية الأثرية وكل الحاضرات مدعوات. وبدورها أعلنت أم صيتة أن العزائم جميعها عليها.

تجاهلت شادية النظرات التي وُجهت تجاهها، تسمع لهمس غالية الساخر جانبها: "يعني نلطم الخدود ونشق الجيوب لأن عوض بيعرس؟ أبركها من ساعة يا شيخة وفكة من وجهه النحس..!"

صحيح أنها لم ترد حقا الزواج بعوض لأسباب لا تتعلق بشرطها حتى، لكن رؤية شابات القرية يتزوجن واحدة تلو الأخرى تاركات لها خلفهن أحبطها.

انتهى مجلس الديوانية على ذلك الإعلان، وأخذت كل حاضرة تجهز نفسها للخروج.

قالت لها غالية وهي تمشي جانبها تحت ضوء الشمس الخافت في المغيب: "بيجي يوم ونفرح فيك إن شاء الله. لا تفكري تتنازلين وترضي بشي مو مقتنعة فيه.."

ابتسمت وراء غطاء وجهها: "لا تحاتين، لساتني بيباس راسي."

بإذن الله، سيأتي دورها يوما ما.

=
=
=

قلبها دق طبولا عندما دخلت قسم الطوارئ. أخبرت كادي نفسها مرارا وتكرارا أنها هنا فقط لمراجعتها، وليس لأهداف أخرى.

(إذا، لم شعرت بالخيبة عندما قيل لها أن الدكتور عبد العزيز لم يكن متوفرا حاليا؟)

الفضول ربما، فأي شابة في مكانها كانت لتشعر بنفس الشيء.

=
=
=

بدا على ملامح الطبيب المناوب التفاجؤ لرؤيته: "دكتور عبد العزيز؟ مو إنت قلت بتتأخر لساعات؟"

رد وهو يلبس معطفه الطبي بعجلة، أبدا لا يحب التأخير في عمله: "فرجت على الأخير ولقيت أحد يوصلني.."

أعطاه ملف مراجعة: "إذا كذا روح عندك مراجعة. كنت بعطيها لدكتور ثاني، بس ما دامك جيت فخلاص ماله داعي.."

عندما قرأ الملف وعرف من كان يخص، احترق غيظا لفكرة أن يتولى أمر المراجعة طبيب غيره.

وحقا وجدها، تلك التي خطبها وأضنته انتظارا لموافقتها.. وكانت لوحدها هذه المرة. أتراها عرفت؟

سألها، بنبرة سيلحظ من يعرفه أنها كانت أدفأ من المعهود عنه: "أخبار الجرح؟ آجعك كثير..؟"

أجابته، ولاحظ التوتر في صوتها: "مو بالمرة، في البداية بس.."

طلب منها عندها بلطف: "وريني ذراعك.."

لحسن الحظ لم تماطل هذه المرة ومكنته من رؤية جرحها بعد أن جهزت نفسها كزيارتها الأولى. وضع جرحها كان مطمئنا ويلتئم بصورة جيدة.

كطبيب، فإنه منذ عهد تعود على رؤية كل من يعالجه بصفة مريض فقط، لا فرق في العمر أو اللون أو الجنس. مهما حدث، لم ينس مهنيته ومسؤوليته..

لكن الآن، بعد معرفته أن هذه الشابة أمامه كانت كادي، خطيبته، أنه كان ينظر إلى جرح أفسد صفاء بشرة ذراعها.. لم يستطع رؤيتها أبدا كمريضة فقط، لم يستطع التجرد تماما من عبد العزيز الرجل مقابل عبد العزيز الطبيب في تعامله معها.

عندما انتهى من عمله، قال قبل أن تنهض: "أبي أشوف وجهك.."

عيونها التي أظهرتها فتحة النقاب حكت عن صدمة، لكنها سرعان ما تخطت ذلك وأجابته باقتضاب خجول: "الشوفة بعد أسبوع.."

تركها تذهب وابتسامة تشق طريقها إلى شفتيه من ردها.

"بعد أسبوع، ها..؟

نشوف.."

=
=
=

وجد سالم ينتظره في طاولتهما المعهودة عند دخوله المطعم، وحال جلوسه في مقعده، هتف: "تصدق إني خبل؟"

رمش عبد الرحمن بعجب، غير مستوعب لإهانة من أصبح صديقه لنفسه: "إيش؟"

استطرد الآخر، مفسرا: "إنت من أول قلت إن الجبر اسم عايلتك، بس أبد ما حطيت في بالي إنك من ذيك العايلة بالتحديد!"

ابتسم عبد الرحمن، إذا ذهب سالم وجرب حظه: "بشر؟ انقبلت؟"

ضيق سالم عيونه: "تسألني وإنت معطيني أكبر واسطة تمشيني؟ أكيد انقبلت!"

ضحك: "لو كنت أبي أعطيك واسطة تمشيك كان وجهتك لأي مسؤول ثاني مو شاهين. صح إن طريق شاهين أسرع من الصفوف المتروسة عند المسؤولين، بس أبد مو سهل. عنده معايير عالية بزود وما يقبل بأي شخص.. إنه قبل فيك معناته إن عندك اللي يدور عليه.."

بدت راحة غامرة في ملامح سالم بعد سماع رده، لمعرفته أنه لم يُوظف إلا بسبب مؤهلاته. ابتسم ابتسامة بالغة العرض: "عشان كذا موظف الاستقبال كان متعجب حده لما قلت إن عندي مقابلة مع ولد عمك ذاك."

صدق احساسه أنه شخص نزيه، عزيز النفس. أصاب عندما قرر مساعدته.

=
=
=

أخيرا سمحت للوليد الفرصة بزيارته في بيته وضيفه سامر كما يريد ويرتاح به. قد سئم سامر من لقاءاتهم في المقهى، مفضلا كنف بيته الدافئ. لكن لسوء الحظ لم يكن بوسع الوليد سوى لقائه هناك.

سأله جلال عندما خرج الوليد مودعا واعدا له بزيارة أخرى بعد إلحاح سامر: "اللحين هذاك ولد عمتي من الرضاعة..؟"

أومأ له سامر بنعم: "ما بتتصور فرحتي بلقياه. كنت أحاتي أمه وانقطاع أخبارها عن الناس.. الله يرحمها.."

ردد جلال ترحمه، ليسأل بعد لحظة صمت: "جا يخطب ترانيم؟"

تنهد، غير متعجب لسؤال ابنه، فأي شاب يزور مجلسه هذه الأيام كان من أجل التقدم لخطبة ابنته: "لا.. بس لو جا عندي خاطب ما برده.."

رفع جلال حاجبه بعجب: "هذي نبرة جديدة.."

ابتسم بتهكم: "يمكن.."

أو من الممكن أن الكيل طفح به.

=
=
=

تثاءبت بعد جلسة مذاكرة مكثفة، وخرجت من غرفتها تبتغي كوب قهوة "يعدل المزاج".

وجدت زوجة أبيها في المطبخ عندما دخلت وبيدها كأس ماء، وترددت لحظة على عتبة الباب قبل أن تكمل ما كانت بهم فعله.

كثيرا ما وجدت نفسها مع زوجة أبيها في ظل غياب أبيها وكادي في أشغالهما ودوامها المتقطع في الجامعة. كل مرة تلاقت معها في ظل تلك الظروف، كانت تتجاهلها والأخرى تردها بدورها.

لكن.. منذ أن منعتها زوجة أبيها من الذهاب لحفلة شذى المشؤومة، شعرت لمار بفضول متزايد نحوها لم يكن بوسعها تجاهل وجودها بسببه.

سألت وهي تعد كوب قهوتها، تستوقف تلك قبل أن تخرج: "ما تطفشي كذا لحالك؟"

لطالما كانت لمار هي المبادرة لمصادقة والحديث مع من رأتهم وحيدين، بل ذاك كان ما جعلها تصادق هيفاء، لتثمر بادرتها تلك صداقة امتدت منذ سنين الإبتدائية. لم يفتها وحدة زوجة أبيها في بيتهم هذا، وتجاهلت ذلك الواقع سابقا.. إلى هذه اللحظة..

بدا على زوجة أبيها الاستغراب من سؤالها، أو ربما كونها تسأله أصلا، لكنها أجابت في النهاية بـ: "لأ.."

وعندها أدركت لمار أنه في ظل انشغال بالها بزوجة أبيها، فإنها دون قصد أعدت كوبي قهوة. بصمت، لا تدري ما الذي يدفعها في المضي قدما في خطوتها هذه، قدمت كوبا لها.

وجدت لمار ابتسامة زوجة أبيها الصادقة بعد انحسار التفاجؤ عن ملامحها غريبة، فلا تذكر أنها ابتسمت هكذا قط.

أخذت الكوب وهمست: "مشكورة.." قبل أن تخرج وتترك لمار مداهمة بفيض جديد من التساؤلات نحوها.

انتهى البارت..~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 8
قديم(ـة) 16-12-2017, 07:18 PM
الـــ غ ـــيد الـــ غ ـــيد غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


بارت رائع
الله يعطيك العافيه

شاديه
حاطه شرط .. ياترى اش هالشرط

راضي ومنال
إلى متى الفراق
والزوجه الصغيره ... كيف علاقتها براضي
واش اللي خلاه يضحي بزوجته وحبه لها

شكراً لك
وننتظر البارات القادم بشوق


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 9
قديم(ـة) 17-12-2017, 11:06 AM
roudha roudha غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


السلام عليكم .. ما شاء الله رواية روووعة .. واسلوب حلو في كتاباتج .. اشكرج اخت الفيورا روايتج 👍🏻

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 10
قديم(ـة) 18-12-2017, 09:31 AM
صورة الفيورا الرمزية
الفيورا الفيورا غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي


تسلمولي عزيزاتي، وأتمنى الباقي يكون في محل الإعجاب

السادسة

=
=
=

"هذي آخر مرة أفكر أبدع في المطبخ.."

نظرت لمار أرجاء المطبخ الذي وسخته أثناء محاولاتها لخبز كعكة بوجل وتوجس، تحس بمدى الورطة التي ورطت نفسها بها هذه اللحظة.

ميشا خادمة البيت كانت مع كادي التي كانت تتبضع المقاضي، وأبدا لا تود لمار أن يريا المطبخ في هذه الحالة المزرية عند عودتهما القريبة جدا! من الذي سيعتقها من محاضرات كادي، ومن إحساسها بالذنب تجاه ميشا المسكينة؟

المشكلة أنها بطيئة جدا في أعمال البيت..

كادت تصرخ مفزوعة عندما أتاها صوت زوجة أبيها سائلا: "وش هببتي هنا؟"

لم تنظر إليها عندما ردت، متنفسة الصعداء أنها لم تكن كادي، تحاول فرك بقعة عنيدة من الفرن: "كيكة.."

صمتت زوجة أبيها للحظات قبل أن تأمرها: "اطلعي واغتسلي." أكملت قبل أن تسأل لمار أو تعترض، تجعلها تنهض بخفة واقفة: "بنظف بدلا عنك.."

انصاعت لأمرها متعجبة، وكانت بعد فترة قصيرة أن رجعت لترى المطبخ يبرق نظافة، وزوجة أبيها تقف وسطه تنظر إذا فاتها شيء.

شكرتها لمار بذهول، لترد: "اشتري كيكات من برا أبركلك.."

نسيت لمار نفسها تماما ومن كانت تكلم: "عنادا لك بسوي كيكة بتراكضي وراي عشانها!"

عندها وياللعجب، افلتت من زوجة أبيها ضحكة، لتخلف في إثرها ابتسامة متسلية: "نشوف كيكة الأحلام ذي كيف بتصير.."

لتؤكد لمار بإصرار: "بتشوفين، استني علي بس!"

-: "لمار؟"

صوت كادي المستغرب جعلها تتذكر ماذا كانت تفعل ومن كانت منخرطة في تحديه بطيب نية. تلعثمت، لا تعرف ماذا تقول.

تكلمت زوجة أبيها عندها، كأنها أحست بمعضلتها، تعابيرها حيادية لا أثر لتلك الابتسامة فيها: "كنت بسوي شي ووسخت المطبخ واللحين نظفته." أشارت ببرود إلى لمار: "جت هي تشوف سبب الفوضى."

مشيت مبتعدة عنهما.

سألتها كادي بقلق وشك عندما اختفت من الناظر، تضع يديها على كتفيها تستحثها الإجابة: "صحيح كلامها؟"

لتجيب لمار على مضض من جهة، وتشتت انتباه من غرابة تصرفات تلك المرأة وتناقضها من جهة أخرى: "إيه.."

=
=
=

أصر عليه سالم أن يستضيفه في بيته، ولكونه لا يريد مضايقته برفضه المستمر، قبل عبد الرحمن دعوته على وعد الزيارة يوم الجمعة.

رحلته خارج حدود الرياض على سيارته كانت سهلة، وإيجاد القرية التي كان يعيش فيها سالم لم يتطلب سوى بضع إرشادات منه. حال وصوله على أعتاب القرية وجد سالم واقفا بانتظاره، يلوح له بحبور.

قال وهو يركب في المقعد المجاور له، يشير بيده إلى الطريق المؤدي لبيته: "والله مخك نظيف ما شاء الله، ما توقعت بتدل بذي السرعة!"

أجاب عبد الرحمن بابتسامة، يمسح بنظره على ما رآه من القرية، من البيوت المتفاوتة في الحداثة والقدم، والطرق الوعرة والمستوية، بين المحلات البراقة والغبرة..: "تعليماتك كانت واضحة، وأصلا لي خبرة في السفر البري.."

أوقفه سالم أمام بيت كبير، عتيق إلى درجة الأثرية. من نظرة عرف عبد الرحمن أن هذا البيت احتوى قصصا عدة بين جنباته.

دخل سالم أولا، يعلن عن حضوره بصوته الجهور، ومن ثم أشار له باللحاق به إلى الملحق. كان الملحق صغيرا، يتألف من صالة وحمام وغرفة موصدة خمن عبد الرحمن أنها غرفة نوم سالم.

في الصالة فُرشت سفرة عامرة بما لذ وطاب، وحقا يعترف عبد الرحمن أن عصافير بطنه بدأت في الصدح تشوقا.

وعلى مائدة الغداء، أخذا يتحدثان كالعادة، وأغلب الحديث كان يقوده عبد الرحمن يستفسر عن القرية والمعيشة فيها، عن حياة سالم وما دفعه للعيش هنا والسكن في الرياض أسهل وأكثر منفعة له.

ابتسم سالم بشجن عندها: "من ثمان سنين ووضعي يتطلب مني أتم هنا.." صمت للحظة قبل أن يستطرد، يحكي من البداية: "أبوي ما كان من أهل القرية، بس لما تزوج أمي سكن واستقر فيها واشترى له ذا البيت. ولدت له أمي أربعة كنت أنا أصغرهم وتوفت بعدها بعشر سنين. أكبر إخواني كان محمد، وهو اللي كان يتكفل في البيت وأبوي وأختي ويصرف على دراستي، بس قدر الله وتوفى في حادث هو وزوجته وتركوا بنتهم يتيمة. وقتها كان باقي لي سنة من الجامعة، وصارت مسؤولية أخوي محمد مسؤوليتي، وصرت أداري بنته بعد ما أختي تزوجت وسكنت في الشرقية. ما قدرت أتم عايش في الرياض زي أول."

لماذا كان الأصغر هو من تحمل تلك المسؤولية الضخمة لوحده؟: "مو إنت قلت إنكم أربعة؟"

ظهر الضيق والخذلان في ملامح سالم عندها: "بعد أخوي محمد يجي ثنيان، بس ذاك الله العالم وين أرضه. من راح وسافر برى الديرة ما سمعنا منه خبر. تبرى منا وتبرى أبوي منه."

تشعب الحديث بعد تلك الاعترافات إلى مسارات أقل ألما ووقعا على القلوب، لكن عبد الرحمن لم يستطع إلا أن يفكر ويقارن..

من يرى سالم وأريحيته لن يظن أن وراءه هكذا مسؤوليات. ورغم ذلك، درس وتفوق وعمل بجهده. كم كانت حياتهما مختلفة، فهو على الغرار تماما وُلد وملعقة ذهبية في فمه، وظيفته جاهزة قبل أن يدرس حتى. مهما حاول أن يبتعد عن تأثير عمه، فإنه لن يفلت من الرخاء الخانق الذي لاحق انتسابه لعائلة الجبر.

حرك سالم يده أمامه، يوقظه من سرحانه: "وين سافرت يالأخو؟ إذا الأكل مو عاجبك.."

قاطعه: "لا، لا.. أبد! من كثرة ما أكلت مستحي منك والله." لا يذكر أنه أكل بهذا القدر في حياته، حتى في المطعم. لا ينكر أنه فكر للحظة أن يطلب من سالم إعطائه قسطا يأخذه لشقته وينقذه من الشطائر الجافة التي يعدها لنفسه على عجل.

ضحك سالم بصخب بعيد تمام البعد عن شجنه السابق: "كُل وأنا أخوك! خلص بدل الصحن صحنين!"

وهكذا مضى الوقت بهما، إلى أن صلا العصر في جامع القرية وبدأ رحلة العودة إلى الرياض بعدها، ومعه حافظتا طعام أصر سالم أن يأخذها معه.

=
=
=

سأل ابنة أخيه مستأذنا، فهو لا يريد الإثقال عليها مهما كان: "عادي لو صرت أعزم الرجال؟ شفت طبيخك عاجبه وقلت في نفسي ما ينحرم منه."

ناولته شادية فنجان قهوته والجدية مرتسمة في ملامحها: "أفا يا عمي، إعزم ولا تسأل إنت تامر بس! الرجال سوى فينا معروف عظيم. أقل شي نقدر نسويه نعزمه."

ابتسم بفخر، وصورة أمه المرحومة ترتسم أمامه في كل ما يرى ويشهد من شادية، تلك الأصالة التي أوقعت أباه صريع هواها ليهجر المدن ويعيش في كنف القرى: "أجودية من يومك يا بنت محمد.."

=
=
=

كان جالسا في الصالة يرد على رسالة من أحد أصدقائه عندما رأى بطرف عينه يدا تمتد ناوية إفساد هندام شعره.

ابتسم بانتصار لرؤية الغضب في وجه أخيه الصغير سيف، محكما قبضته حول رسغه.

أمره سيف بصرامة بدت غريبة كل الغرابة مقارنة مع ملامح وجهه الطفولية: "إمسح الجلي من شوشتك."

وضع جلال جواله جانبا ليولي انتباهه لأخيه وطرافة تصرفاته. حرك حاجبيه يغيظه: "اسمه جل يا فالح.."

كشر: "جلي ولا جل، لا عاد أشوف شوشتك طايرة كذا!"

اكتسى صوت جلال الجدية عندها: "شكله من كثرة القعدة مع جدي عبد المحسن نسيت إني أخوك الكبير.."

مط سيف شفتيه بضيق وربما الحزن: "القعدة مع جدي أبرك من القعدة معاكم. يا إما مدلعين، يا إما شايفين أنفسكم على الفاضي، ولا ما ينشافون من كثرة أصحابهم.."

قرأ بين السطور وفهم على أخيه، وارتخت ملامحه من الحزم إلى المودة الباسمة: "ياخي لو تبغاني ألعب معاك جولة على البلايستيشن قول كذا بلا لف ودوران."

استنكر سيف بطفولية مرتبكة: "مين قال؟!"

رد: "إذا ما تبغى، روح.."

مرت لحظة ثم لحظتان ثم سأل سيف بتردد: "من جد.. بتلعب معي؟"

ابتسم له: "إيه.. شغل لنا شي حلو وأعرف له. تراني مغبر.."

راقب ارتسام الفرح في عيون أخيه، يخرج راكضا من الصالة لغرفته للتجهيز.

منذ بدء عمله مع أبيه وسيف محتد في طبعه، وبينما عزى الكل السبب في كونه قد بلغ الثانية عشرة من عمره، إلى أن جلال يعرف أن هناك سبب آخر في تغير أطباعه.

في غياب أمه وأبيه المستمر، وبسبب عدم توافق اهتماماته مع تلك لأختيه، فإن سيف كان مقربا بشكل كبير إليه.. إلى أن مرت السنين وكثرت مشاغله التي أبعدته عن البيت وعن الاهتمام بسيف كالسابق. ربما كثرة جلوس سيف عند جده عبد المحسن كانت محاولة تعويض، لكن على ما يبدو، ما زال يفتقده، كما يفعل جلال بكل صراحة.

=
=
=

لمح أباه يسترق النظرات المتعجبة إليه، ربما بسبب الابتسامة المتسلية المنتصرة التي ارتسمت على شفتيه وهما في طريقهما إلى بيت أبو كادي.

"الشوفة بعد أسبوع.."

ماذا لو قدم الموعد إذا؟

تطلب الأمر بضعة مكالمات وحجج وأعذار عن جداول العمل وقلة الفرص، لكن عبد العزيز حصل على مراده. وهاهو الآن يحصل على تلك الرؤية الشرعية بعد لقائه بخطيبته بيوم فقط.

(تلك الخطيبة التي ترجف دقاته ترقبا لمرآها).

لا يدري كيف مر الوقت بين سلامه لأبيها وانتظارها، لكن بعد طول انتظار ساعة الصفر حلت.

دخلت هي بخطوات بطيئة مثقلة بالخجل، بتنورة سوداء مخملية، وقميص سكري حريري طويل الأكمام، رابطة شعرها الأسود الطويل الناعم لأعلى. كانت مطرقة رأسها للأسفل، تحرمه من رؤية وجهها إلى آخر لحظة. لكن من أين ستفلت منه؟

لم يلحظ انسحاب أبيه وأبيها من المجلس، تاركين لهما بمفردهما، إلا متأخرا. وعندما فعل لم يضيع الفرصة وجلس بقربها، غير مكترث البتة بمدى جرأة تصرفاته. مرر إبهامه برقة فوق ذراعها المسكوة بالحرير، على أثر ذاك الجرح الذي أحضرها له. همس بمعنى: "كيفه..؟"

سؤاله ذاك كان ما جعلها ترفع نظرها إليه، ليبتسم عبد العزيز برضا للقيا محياها أخيرا.

ناعمة جدا. هذا كان رأيه الأولي فيها. من ليل شعرها إلى عيونها البندقية، من استدارة وجهها إلى عذوبة ملامحها، من الاحمرار الذي امتد من رقبتها إلى وجهها.

فقط ارتسام شفتيها بسخط بالكاد يُكبح دل على ألق آخر مغاير تخفيه تحت نعومتها.

حتى وإن شاب نبرتها التهكم والحرج، وجد صوتها الرقيق ساحرا: "ما تغير حاله من أمس.."

ازدادت ابتسامته اتساعا. صوته ومظهره كانا كفيلين في جعل رجال بطوله يتشنجون متوترين متوجسين منه، لكن هذه الحريرية عاملته كند ودون أي خشية، وهذا أرضاه أكثر من أي شيء: "مشكلتي ما أعرف أصبر، كان لازم أتطمن.." نهض على مضض عندما سمع تنحنح أبيه ينبئ بقطع خلوتهما هذه، ثم استطرد بخبث زادها احمرارا: "الله يصبرني بعد هاليوم.."

في طريق العودة إلى البيت قال أبوه بابتسامة ذات معنى: "من الابتسامة اللي شاقة الوجه، واضح إن بنت راضي عجبتك.."

لم يزعج نفسه بالإنكار: "ما يبغالها سؤال يبه."


=
=
=

ما إن دخلت كادي غرفتها حتى اقتحمتها لمار، تقفز على السرير وتتطلع إليها بترقب، وقبل أن تهتف بأسئلتها قاطعتها: "أنا لما قبلت فيه ما كان همي شكله.."

نظرت إليها لمار لحظات كأنها تتفحصها قبل أن تعلن بثقة: "عجبك عريس الغفلة، عجبك للآخر!"

استنكرت والحمرة تعتليها، لا تستطيع سوى سؤال: "وشهو؟"

أجابت لمار تفسر: "قاعدة تكابرين وتخلينه شي عادي وحصل.. معناته أثر عليك، وما دامك وافقتي عليه، يعني إنه عجبك." ابتسمت بانتصار ورضا تام بمنطقها، تكمل: "عشرة سنين يا وخيتي.."

لمار كانت.. محقة.

لدى خطبيها جاذبية خشنة جعلتها تحس بأحاسيس غريبة على قلبها. ربما كان عليها الشعور بالتوجس لرؤية آثار الندوب المتفرقة على صفحة وجهه، واحدة تقطع حاجبه الأيمن وأخرى على جسر أنفه وأخيرة على خده، لكنها رأتها تضفي ألقا غريبا على ملامحه التي ذكرتها برمال الصحراء في سمرتها، وعيونه بقتامة القهوة.

لا يبدو أبدا كطبيب، بل كبطل أحد أفلام الحركة الخطيرة. كانت تركيبة لا تنكر أنها شدتها.

تداركت كادي استغراقها في التفكير عند رؤية التسلية في عيون أختها: "وإذا عجبني، مو معناته بيغير فكري.."

تنهدت لمار بتأفف: "ويقولون إنتي العاقلة فينا.. يختي لا تحكمي على الناس من تجربة وحدة! عيشي حياتك."

هزت كادي رأسها بأسى: "مقدر يا لمار، مقدر."

تجربة أمها وأبيها ستقف دوما حائلا أمام نظرتها في الارتباط بشخص.

ستحترم عبد العزيز، ستعامله بالذي يرضي ربها، لكن أن تأمنه بقلبها؟ عذرا، لا تستطيع..

=
=
=

هتفت منى بصخب كاد يصم أذنيها: "مرام الهبلة تزوجت أول واحد تقدم لها. وش بيقولوا الناس، ما صدقت خبر؟!"

لترد أريج بغيظ وحقد مبطن للكل، لكنه واضح لها، تنظر إليها بمعنى: "كل وحدة ورزقها، مو كلنا عنده صفوف خطاطيب متروسة فوق بعضها."

قهقهت ضيفاتها بالضحك، وابتسمت ترانيم بغرور، تعد في سرها الثواني قبل الدقائق لانتهاء هذه السهرة: "هذيك قلتيها، كل وحدة ورزقها.."

حقا لا تدري لم تزعج أريج نفسها في حضور التجمعات التي ترتبها والمنطق كان في تجنبها.

ما ذنب ترانيم إذا تقدم إليها ابن عم أريج الذي اعترفت لها أريج في السر عن حبه؟ ليست هي من طاردته وزرعت فيه فكرة خطبتها. كل اللوم كان على أمه التي رأتها في أحد حفلات الزفاف وأُعجبت بها.

وحقا، ما ذنبها إذا تقدم ابن العم ذاك لأريج عندما رفضته، لترفضه أريج أيضا بسبب غيرتها وحسدها وعقد النقص التي وجهتها نحوها؟

كان بإمكان أريج المضي قدما ونسيان ما فات، لكنها فضلت البقاء على حماقتها هذه.

إذا، فلتتحمل القهر.

انتهى البارت..~


الرد باقتباس
إضافة رد
الإشارات المرجعية

الأرواح تحت الأقنعة / بقلمي

الوسوم
الأرواح , الأقنعة , بقلمي
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية : يا معشوقي لعبت بأوتار قلبي و انت ناوي عذاب بس ما طرى لك انك بمعزوفتك أسرت كياني بالنوتات / بقلمي Roond روايات - طويلة 67 14-08-2017 09:38 PM
جنازة كلمات...\بقلمي DELETED خواطر - نثر - عذب الكلام 16 06-08-2017 07:51 PM
لا تجبرهم على الرحيل بقلمي خالدالامل خواطر - نثر - عذب الكلام 13 06-01-2017 03:04 AM
قصه عتاب جاء من بعد الغياب بقلمي (saldhaheri) suhaila.seed قصص - قصيرة 3 07-05-2016 02:16 AM

الساعة الآن +3: 07:22 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1