اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات اسلامية > حياة - صفات - أخلاق - أقوال - رسول الأمة
الإشعارات
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 31
قديم(ـة) 10-02-2018, 04:42 PM
fleur d'hiver fleur d'hiver غير متصل
مشـ© حياة الرسول ©ـرفة
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


-




قريش يهدّدون أبا طالب:

جاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له: "يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين".

عظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله ﷺ وقال له: "يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظنّ رسول الله ﷺ أنّ عمّه خاذله، وأنّه ضعف عن نصرته، فقال: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر- حتى يظهره الله أو أهلك فيه- ما تركته،" ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولّى ناداه أبو طالب فلما أقبل قال له: "اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا".
وأنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ***حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذاك منك عيونا







قريش بين يدي أبي طالب مرة أخرى:

ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله ﷺ ماضٍ في عمله؛ وعرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وأنه مجمع لفراقهم وعداوتهم في ذلك، فذهبوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له: "يا أبا طالب إن هذا الفتى أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل"، فقال:
"والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه. هذا والله ما لا يكون أبدا". فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: "والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا"، فقال: "والله ما أنصفتموني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك" .

لا تذكر المصادر التاريخية زمن هاتين الوفادتين، لكن يبدو بعد التأمل في القرائن والشواهد أنهما كانتا في أواسط السنة السادسة من النبوة، وأن الفصل بين الوفادتين لم يكن إلا يسيرا.





فكرة الطغاة في إعدام النبي ﷺ :

وبعد فشل قريش وخيبتهم في الوفادتين عادوا إلى ضراوتهم وتنكيلهم بأشدّ ممّا كان قبل ذلك، وخلال هذه الأيام نشأت في طغاتهم فكرة إعدامه ﷺ بطريق أخرى، وكانت هذه الفكرة وتلك الضراوة هي التي سبّبت في تقوية الإسلام ببطلين جليلين من أبطال مكة، وهما: حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

فمن تلك الضراوة أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوما إلى رسول الله ﷺ فقال: "أنا أكفر بـ «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» و بالذي « دَنَا فَتَدَلَّى»" ،ثم تسلط عليه بالأذى، وشقّ قميصه، وتفل في وجهه، إلا أن البزاق لم يقع عليه، وحينئذ دعا عليه النبي ﷺ وقال: "اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك، وقد استجيب دعاؤه ﷺ ، فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش، حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء، فطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول:" يا ويل أخي، هو والله آكلي كما دعا محمد عليّ، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام"، فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه.

ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان .

و مما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله ﷺ ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل، قال: قال أبو جهل:
"يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم"، قالوا: "والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد".
فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم، ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله ﷺ، احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: "ما لك يا أبا الحكم؟" قال: "قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهمّ بي أن يأكلني".

قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه ".
وبعد ذلك فجعل أبو جهل برسول الله ﷺ ما أدى إلى إسلام حمزة رضي الله عنه وسيأتي.

أما طغاة قريش فلم تزل فكرة الإعدام تنضج في قلوبهم، روى ابن إسحاق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حضرتهم وقد اجتمعوا في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: "ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل، لقد صبرنا منه على أمر عظيم" ، فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله ﷺ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح» ، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد، ويقول: "انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا."
فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه، وهو يبكي ويقول: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟" ثم انصرفوا عنه. قال ابن عمرو: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه، قط . انتهى ملخصا.

وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ، قال: "بينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي ﷺ ، وقال: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟".

وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: "أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله؟" فلهوا عنه، وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئا من غدائره إلا رجع معنا .






من فصل: أدوار الدعوة ومراحلها
تابع لـ المرحلة الثانية - الدعوة جهارا-



























كــلّ الطّرقِ إلـى اللـه مُزهِرة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 32
قديم(ـة) 10-02-2018, 07:22 PM
ووردالعمرر ووردالعمرر غير متصل
©؛°¨غرامي مبدع¨°؛©
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


الصفات والأخلاق

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز من جمال خَلْقه وكمال خُلُقه بما لا يحيط بوصفه البيان، وكان من أثره أن القلوب فاضت بإجلاله، والرجال تفانوا في حياطته وإكباره، بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره،
فالذين عاشروه أحبوه إلى حد الهيام، ولم يبالوا أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظُفْر،
وما أحبوه كذلك إلا لأن أنصبته من الكمال الذي يحبب عادة لم يرزق بمثلها بشر‏.‏
وفيما يلي نورد ملخص الروايات في بيان جماله وكماله مع اعتراف العجز عن الإحاطة‏.‏


جمال الخَلْق‏


قالت أم مَعْبَدٍ الخزاعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهي تصفه لزوجها، حين مر بخيمتها مهاجراً‏:‏ ظاهر الوَضَاءة، أبْلَجُ الوجه، حسن الخُلُق، لم تعبه ثُجْلَة، ولم تُزْرِ به صَعْلَة، وسِيم قَسِيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَهَل، وفي عنقه سَطَع، أحْوَر، أكْحَل، أزَجّ، أقْرَن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البَهَاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فَضْل، لا نَزْر ولا هَذَر، كأن منطقه خَرَزَات نظمن يَتَحدَّرن، رَبْعَة، لا تقحمه عين من قِصَر، ولا تشنؤه من طول، غُصْن بين غُصْنَيْن، فهو أنْظَر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدْرًا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، مَحْفُود، مَحْشُود، لا عَابِس ولا مُفَنَّد‏.‏

وقال على بن أبي طالب ـ وهو ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لم يكن بالطويل المُمَغَّطِ، ولا القصير المتردد، وكان رَبْعَة من القوم، ولم يكن بالجَعْد القَطِطِ، ولا بالسَّبْط، رَجِلاً، ولم يكن بالمُطَهَّم، ولا بالمُكَلْثَم، وكان في الوجه تدوير، وكان أبيض مُشْرَبًا، أدْعَج العينين، أهْدَب الأشْفَار، جَلِيل المُشَاش والكَتَدِ، دقيق المسْرُبَة، أجْرَد، شَثْنُ الكفين والقدمين، إذا مشي تَقَلّع كأنما يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لَهْجَة، وأوفي الناس ذمة، وألينهم عَريكَة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته‏:‏ لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي رواية عنه‏:‏ أنه كان ضَخْم الرأس، ضخم الكَرَادِيس، طويل المَسْرُبَة، إذا مشي تَكَفَّأ تَكَفُّيًا كأنما يَنْحَطُّ من صَبَب‏.‏

وقال جابر بن سَمُرة‏:‏ كان ضَلِيع الفم، أشْكَل العينين، مَنْهُوس العقبين‏.‏

وقال أبو الطفيل‏:‏ كان أبيض، مَلِيح الوجه، مُقَصَّدًا‏.‏

وقال أنس بن مالك‏:‏ كان بِسْطَ الكفين‏.‏ وقال‏:‏ كان أزْهَر اللون، ليس بأبيض أمْهَقَ، ولا آدَم، قُبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء‏.‏

وقال‏:‏ إنما كان شيء ـ أي من الشيب ـ في صُدْغَيْه، وفـي رواية‏:‏ وفي الرأس نَبْذٌ‏.‏

وقال أبو جُحَيْفة‏:‏ رأيت بياضاً تحت شفته السفلي، العَنْفَقَة‏.‏

وقال عبد الله بن بُسْر‏:‏ كان في عنفقته شعرات بيض‏.‏

وقال البراء‏:‏ كان مَرْبُوعًا، بَعِيدَ ما بين المَنْكِبَيْن، له شَعْر يبلغ شَحْمَة أذنيه، رأيته في حُلَّة حمراء، لم أر شيئاً قط أحسن منه‏.‏

وكان يُسْدِل شعره أولاً لحبه موافقة أهل الكتاب، ثم فَرَق رأسه بعد‏.‏

قال البراء‏:‏ كان أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خُلُقًا‏.‏

وسئل‏:‏ أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف‏؟‏ قال‏:‏ لا بل مثل القمر‏.‏ وفي رواية‏:‏ كان وجهه مستديراً‏.‏

وقالت الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ‏:‏ لو رأيته رأيت الشمس طالعة‏.‏

وقال جابر بن سَمُرَة‏:‏ رأيته في ليلة إضْحِيَانٍ، فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر ـ وعليه حلة حمراء ـ فإذا هو أحسن عندي من القمر‏.‏

وقال أبو هريرة‏:‏ ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما الأرض تُطْوَي له، وإنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث‏.‏

وقال كعب بن مالك‏:‏ كان إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر‏.‏

وعرق مرة وهو عند عائشة رضي الله عنها يَخْصِفُ نعلاً، وهي تغزل غزلاً، فجعلت تبرق أسارير وجهه، فلما رأته بُهِتَتْ وقالت‏:‏ والله لو رآك أبو كَبِير الهُذَلي لعلم أنك أحق بشعره من غيرك‏:‏

وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ** برقت كبرق العارض المتهلل

وكان أبو بكر إذا رآه يقول‏:‏

أمين مصطفى بالخير يدعو ** كضوء البدر زايله الظلام

وكان عمر ينشد قول زهير في هَرِم بن سِنَان‏:‏

لو كنت من شيء سوى البشر ** كنت المضيء لليلة البدر

ثم يقول‏:‏ كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وكان إذا غضب احمر وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه حَبُّ الرمان‏.‏

وقال جابر بن سَمُرَة‏:‏ كان في ساقيه حُمُوشة، وكان لا يضحك إلا تَبَسُّماً‏.‏ وكنت إذا نظرت إليه قلت‏:‏ أكْحَل العينين، وليس بأكحل‏.‏

وقال عمر بن الخطاب‏:‏ وكان من أحسن الناس ثَغْراً‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ كان أفْلَجَ الثنيتين، إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه‏.‏

وأما عُنُقه فكأنه جِيدُ دُمْيَةٍ في صفاء الفضة، وكان في أَشْفَاره عَطَف، وفي لحيته كثافة، وكان واسع الجبين، أزَجّ الحواجب في غير قرن بينهما، أقْنَي العِرْنِين، سَهْل الخَدَّيْن، من لُبَّتِه إلى سُرَّتِه شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، أشْعَر الذراعين والمنكبين، سَوَاءُ البطن والصدر، مَسِيح الصدر عريضه، طويل الزَّنْد، رَحْب الراحة، سَبْط القَصَب، خُمْصَان الأخْمَصَيْن، سَائِل الأطراف، إذا زَالَ زَالَ قَلْعاً، يخطو تَكَفِّياً ويمشي هَوْناً‏.‏

وقال أنس‏:‏ ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحاً قط أو عَرْفاً قط، وفي رواية‏:‏ ما شممت عنبراً قط ولا مِسْكاً ولا شيئاً أطيب من ريح أو عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال أبو جُحَيْفة‏:‏ أخذت بيده، فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك‏.‏

وقال جابر بن سمرة ـ وكان صبيا‏:‏ مسح خَدِّي فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جُونَةِ عَطَّار‏.‏

وقال أنس‏:‏ كأن عرقه اللؤلؤ‏.‏ وقالت أم سليم‏:‏ هو من أطيب الطيب‏.‏

وقال جابر‏:‏ لم يسلك طريقاً فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عَرْفِه‏.‏ أو قال‏:‏ من ريح عرقه‏.‏

وكان بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده، وكان عند نَاغِض كتفه اليسري جُمْعاً، عليه خِيَلان كأمثال الثَّآلِيل‏.‏

كمال النفس ومكارم الأخلاق‏


كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلامة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي‏.‏

وكان الحلم والاحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفاتٌ أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هَفْوَة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذي إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، وقالت عائشة‏:‏ ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها‏.‏ وكان أبعد الناس غضباً، وأسرعهم رضاً‏.‏

وكان من صفة الجود والكرم على مالا يقادر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة‏.‏ وقال جابر‏:‏ ما سئل شيئاً قط فقال‏:‏ لا‏.‏

وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذي لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فَرَّة، وحفظت عنه جولة سواه، قال علي‏:‏ كنا إذا حمي البأس واحمرت الحَدَقُ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه‏.‏ قال أنس‏:‏ فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي، في عنقه السيف، وهو يقول‏:‏ ‏(‏لم تُرَاعوا، لم تُرَاعوا‏)‏‏.‏

وكان أشد الناس حياء وإغضاء، قال أبو سعيد الخدري‏:‏ كان أشد حياء من العذراء في خِدْرها، وإذا كره شيئاً عرف في وجهة‏.‏ وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف‏.‏ نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، لا يشافه أحداً بما يكره حياء وكرم نفس، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول‏.‏ ‏(‏ما بال أقوام يصنعون كذا‏)‏‏.‏

وكان أحق الناس بقول الفرزدق‏:‏

يغضي حياء ويغضي من مهابته ** فــلا يكلـم إلا حيـن يبتسـم

وكان أعدل الناس، وأعفهم، وأصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك مجاوروه وأعداؤه، وكان يسمي قبل نبوته الأمين، ويُتَحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام، روي الترمذي عن على أن أبا جهل قال له‏:‏ إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏33‏]‏‏.‏ وسأل هرقل أبا سفيان، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏

وكان أشد الناس تواضعاً، وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، قالت عائشة‏:‏ كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشراً من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه‏.‏

وكان أوفي الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدباً، وأبسط الناس خلقاً، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا لعاناً، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره‏.‏ كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل‏:‏ على ذبحها، وقال آخر‏:‏ على سلخها، وقال آخر على طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وعلي جمع الحطب‏)‏، فقالوا‏:‏ نحن نكفيك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه‏)‏، وقام وجمع الحطب‏.‏

ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال هند فيما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً ـ ما يطعم ـ ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ـ سماحة ـ وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام‏.‏

وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره‏.‏

يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره‏.‏

الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة‏.‏

كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن ـ لا يميز لنفسه مكاناً ـ إذا انتهي إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوي، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ـ لا تخشي فلتاته ـ يتعاطفون بالتقوي، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب‏.‏

كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه‏.‏ قد ترك نفسه من ثلاث‏:‏ الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث‏:‏ لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا‏.‏ لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول‏:‏ إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ‏.‏

وقال خارجة بن زيد‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسماً، وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيراً له واقتداء به‏.‏

وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلي بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنياً عليه فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 4‏]‏، وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائداً تهوي إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا في دين الله أفواجاً‏.‏

وهذه الخلال التي أتينا على ذكرها خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائل فأمر لا يدرك كنهه، ولا يسبر غوره، ومن يستطيع معرفة كنه أعظم بشر في الوجود بلغ أعلى قمة من الكمال، استضاء بنور ربه، حتى صار خلقه القرآن.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حَميد مجيد‏.‏

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد‏.‏


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 33
قديم(ـة) 11-02-2018, 03:15 PM
fleur d'hiver fleur d'hiver غير متصل
مشـ© حياة الرسول ©ـرفة
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


-




آخر وفد قريش إلى أبي طالب:


خرج رسول الله ﷺ من الشعب، وجعل يعمل على شاكلته، وقريش وإن كانوا قد تركوا القطيعة، لكنهم لم يزالوا عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين، والصد عن سبيل الله، أما أبو طالب فهو لم يزل يحوط ابن أخيه، لكنه كان قد جاوز الثمانين من سنّه، وكانت الآلام والحوادث الضخمة المتوالية منذ سنوات- لا سيما حصار الشعب- قد وهنت وضعفت مفاصله، وكسرت صلبه، فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معدودات، وإذا هو يلاحقه المرض ويلح به- وحينذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه، فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي ﷺ بين يديه، ويعطوا بعض ما لم يرضوا إعطاءه قبل ذلك، فقاموا بوفادة هي آخر وفادتهم إلى أبي طالب.

قال ابن إسحاق وغيره: لما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: "إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا".
وفي لفظ: "فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب، يقولون تركوه؛ حتى إذا مات عمه تناولوه."

مشوا إلى أبي طالب فكلّموه، وهم أشراف قومه؛ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم- وهم خمس وعشرون تقريبا- فقالوا: "يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما نرى، وتخوفنا عليك وقد علمت الذين بيننا وبين ابن أخيك، فادعه، فخذ له منا، وخذ لنا منه، ليكفّ عنا ونكفّ عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه" ، فبعث إليه أبو طالب، فجاءه، فقال:" يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك، ليعطوك، وليأخذوا منك"، ثم أخبره بالذي قالوا له وعرضوا عليه، من عدم تعرض كل فريق للآخر. فقال لهم رسول الله ﷺ :"أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم،"
وفي لفظ أنه قال مخاطبا لأبي طالب: "أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية،"
وفي لفظ آخر قال:"يا عم، أفلا تدعوهم إلى ما هو خير لهم؟" قال: "وإلى ما تدعوهم؟" قال: "أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم".
ولفظ رواية ابن إسحاق: "كلمة واحدة تعطونها، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم"، فلما قال هذه المقالة، توقفوا وتحيّروا، ولم يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة النافعة إلى هذه الغاية والحد؛ ثم قال أبو جهل: "ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها"، قال: تقولون: " لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه"، فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: "أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن أمرك لعجب ".
ثم قال بعضهم لبعض: "إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه". ثم تفرقوا.


وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: {صَ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ(2)كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ(3) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ(5)
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ(6)ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (7)}
- سورة ص 7,6,5,4,3,2,1, -



























كــلّ الطّرقِ إلـى اللـه مُزهِرة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 34
قديم(ـة) 11-02-2018, 03:35 PM
fleur d'hiver fleur d'hiver غير متصل
مشـ© حياة الرسول ©ـرفة
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


-



عــام الحزن :


وفاة أبي طالب:

ألحّ المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته في رجب «1» سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر . وقيل: توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام.
وفي الصحيح عن المسيب: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، فقال: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية:" يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟" فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به: "على ملة عبد المطلب." فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فنزلت: {ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ }[التوبة: 113] ونزلت: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}[القصص: 56].
ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنع، فقد كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء، ولكنه بقي على ملة الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح.

ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار .
وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ- وذكر عنده عمه- فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه» .



خديجة إلى رحمة الله:

وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة- على اختلاف القولين- توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها، كانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة، ورسول الله ﷺ إذ ذاك في الخمسين من عمره .
إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله ﷺ بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر، وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله ﷺ : «آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها، وحرم ولد غيرها» .
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله ﷺ هذه خديجة، قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب .

تراكم الأحزان:

وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله ﷺ ، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه، فقد كانوا تجرأوا عليه، وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غمًّا على غم، حتى يئس منهم وخرج إلى الطائف، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه وينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه.
وكما اشتدّت وطأة أهل مكة على النبي ﷺ ، اشتدت على أصحابه، حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ برك الغماد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدغنة في جواره.

قال ابن إسحاق: لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا، ودخل بيته، والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها: لا تبكي يا بنيّة، فإن الله مانع أباك. قال: ويقول بين ذلك: ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب .
ولأجل توالي مثل هذه الآلام في هذا العام سمّاه رسول الله ﷺ عام الحزن، وبهذا اللّقب صار معروفا في التاريخ.



الزواج بسودة رضي الله عنها:

وفي شوال من هذه السنة- سنة 10 من النبوة- تزوّج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة، كانت ممّن أسلم قديما، وهاجرت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكان زوجها السكران بن عمرو، وكان قد أسلم وهاجر معها، فمات بأرض الحبشة، أو بعد الرجوع إلى مكة، فلما حلّت خطبها رسول الله ﷺ وتزوجها، وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة، وبعد عدة أعوام وهبت نوبتها لعائشة .







___________
«1»
تاريخ إسلام للشاه أكبر خان النجيب آبادي 1/ 120، وفي المصادر اختلاف كبير في الشهر الذي توفي فيه أبو طالب، وهذا الذي رجّحناه إنّما رجّحناه لأن أكثر المصادر متفقة على أن موته كان بعد ستة أشهر من الخروج من الشعب، وأن الحصار كان ثلاثة أعوام، وأن بدء الحصار كان ليلة هلال المحرم سنة سبع، وإذن فموته في رجب سنة عشر من النبوة.












من فصل : المرحلة الثانية -الدعوة جهارا-



























كــلّ الطّرقِ إلـى اللـه مُزهِرة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 35
قديم(ـة) 14-02-2018, 10:03 PM
fleur d'hiver fleur d'hiver غير متصل
مشـ© حياة الرسول ©ـرفة
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


-




الرسول ﷺ في الطائف:

في شوال ، سنة عشر من النبوة (في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة 619 م) خرج النبي ﷺ إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلا، سارها ماشيا على قدميه جيئة وذهوبا، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مرّ على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدة منها، فلما انتهى إلى الطائف عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف، وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وإلى نصرة الإسلام، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة (أي يمزقها) ، إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، إن كنت رسولا لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك.
فقام عنهم رسول الله ﷺ، وقال لهم: "إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني".
وأقام رسول الله ﷺ بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلّمه، فقالوا: اخرج من بلادنا"، وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سماطين (أي صفين) وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى أصابه شجاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول الله ﷺ إلى حبلة من عنب، فجلس تحت ظلها إلى جدار فلما جلس إليه واطمأن، دعا بالدعاء المشهور الذي يدلّ على امتلاء قلبه كآبة وحزنا مما لقي من الشدة، وأسفا على أنه لم يؤمن به أحد، قال:
{اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك}.
فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له عداس، وقالا له: خذ قطفا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدي رسول الله ﷺ مد يده إليه قائلا: «باسم الله» ، ثم أكل.
فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ: «من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟» قال: أنا نصراني، من أهل (نينوى) . فقال رسول الله ﷺ
«من قرية الرجل الصالح يونس بن متى!» قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله ﷺ: «ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي» ، فأكب عداس على رأس رسول الله ﷺ ويديه ورجليه يقبلها.
فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له: "ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه."
ورجع رسول الله ﷺ في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبا محزونا كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة.

وقد روى البخاري تفصيل القصة- بسنده- عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبي ﷺ :هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال:
«لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت- وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب- وهو المسمى بقرن المنازل- فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: "إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك. وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم." فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ، ثم قال: "يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين"» - أي لفعلت، والأخشبان: هما جبلا مكة، أبو قبيس والذي يقابله وهو قيعقعان-،
قال النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا» .
وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول ﷺ تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي لا يدرك غوره.
وأفاق رسول الله ﷺ، واطمأن قلبه لأجل هذا النصر الغيبي الذي أمدّه الله عليه من فوق سبع سماوات، ثم تقدّم في طريق مكة حتى بلغ وادي نخلة، وأقام فيه أياما. وفي وادي نخلة موضعان يصلحان للإقامة- السيل الكبير والزيمة- لما بهما من الماء والخصب، ولم نقف على مصدر يعين موضع إقامته ﷺفيه.
وخلال إقامته هناك بعث الله إليه نفرا من الجن، ذكرهم الله في موضعين من القرآن،
في سورة الأحقاف:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) }[الأحقاف: 29، 30، 31] .

وفي سورة الجن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)} إلى تمام الآية الخامسة عشرة.

ومن سياق هذه الآيات- وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث- يتبين أن النبي ﷺ لم يعرف بحضور ذلك النفر من الجن، وإنما علم ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضي سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارا.
وحقا كان هذا الحادث نصرا آخر أمده الله من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث كانت في طيها بشارات بنجاح
دعوة النبي ﷺوأن أي قوة من قوات الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها:
{وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[الأحقاف: 32]
{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً} [الجن: 12] .


أمام هذه النصرة، وأمام هذه البشارات، أقشعت سحابة الكابة والحزن واليأس، التي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج من الطائف مطرودا مدحورا، حتى صمّم على العود إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله الخالدة بنشاط جديد وجد وحماس.
وحينئذ قال له زيد بن حارثة: "كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟" يعني قريشا. فقال:
"يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه."
وسار رسول الله ﷺ حتى إذا دنا من مكة مكث بحراء، وبعث رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: "أنا حليف، والحليف لا يجير." فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل:" إن بني عارم لا تجير على بني كعب"، فبعث إلى المطعم بن عدي، فقال المطعم: "نعم"، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال: "البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا"، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ:" أن ادخل،"،فدخل رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: "يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم"، وانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.
وقيل: إن أبا جهل سأل مطعما: " أمجير أنت أم متابع- مسلم-؟" قال: "بل مجير."
قال:" قد أجرنا من أجرت ."
وقد حفظ رسول الله ﷺ للمطعم هذا الصنيع، فقال في أساري بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له ."








من فصل: المرحلة الثالثة -دعوة الإسلام خارج مكة-


























كــلّ الطّرقِ إلـى اللـه مُزهِرة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 36
قديم(ـة) 15-02-2018, 05:11 PM
fleur d'hiver fleur d'hiver غير متصل
مشـ© حياة الرسول ©ـرفة
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


-




ست نسمات طيبة من أهل يثرب:

في موسم الحج من سنة 11 من النبوة- يوليو سنة 620 م- وجدت الدعوة الإسلامية بذورا صالحة، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات، اتقى المسلمون في ظلالها الوارفة عن لفحات الظلم والطغيان طيلة أعوام.
وكان من حكمتهﷺ- إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيب والصدّ عن سبيل الله- أنه كان يخرج إلى القبائل في ظلام الليل، حتى لا يحول بينه وبينهم أحد من أهل مكة المشركين» .

خرج كذلك ليلة ومعه أبو بكر وعلي، فمر على منازل ذهل وشيبان بن ثعلبة وكلّمهم في الإسلام. وقد دارت بين أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة، وأجاب بنو شيبان بأرجى الأجوبة، غير أنهم توقفوا في قبول الإسلام .
ثم مر رسول الله ﷺ بعقبة منى، فسمع أصوات رجال يتكلمون ، فعمدهم حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب، كلهم من الخزرج، وهم:
1- أسعد بن زرارة (من بني النجار)
2- عوف بن الحارث بن رفاعة، ابن عفراء (من بني النجار)
3- رافع بن مالك بن العجلان (من بني زريق)
4- قطبة بن عامر بن حديدة (من بني سلمة)
5- عقبة بن عامر بن نابي (من بني حرام بن كعب)
6- جابر بن عبد الله بن رئاب (من بني عبيد بن غنم)

وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبيًّا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان، سيخرج فنتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم .
فلما لحقهم رسول الله ﷺ قال لهم:" من أنتم"، قالوا: "نفر من الخزرج"، قال: "من موالي اليهود؟" أي حلفائهم، قالوا: "نعم". قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟" قالوا: "بلى".
فجلسوا معه، فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: "تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا."

وكانوا من عقلاء يثرب، أنهكتهم الحرب الأهلية التي مضت من قريب، والتي لا يزال لهيبها مستعرا، فأملوا أن تكون دعوته سببا لوضع الحرب، فقالوا: "إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك".

ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ.







تابع لـ : عرض الاسلام على القبائل والأفراد.


























كــلّ الطّرقِ إلـى اللـه مُزهِرة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 37
قديم(ـة) 17-02-2018, 07:59 PM
fleur d'hiver fleur d'hiver غير متصل
مشـ© حياة الرسول ©ـرفة
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


-





استطراد تزويج رسول الله ﷺ بعائشة :


في شوال - سنة 11 من النبوة- تزوّج رسول الله ﷺ عائشة الصديقة رضي الله عنها، وهي بنت ست سنين وبنى بها بالمدينة في شوال في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع سنين.


























كــلّ الطّرقِ إلـى اللـه مُزهِرة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 38
قديم(ـة) 17-02-2018, 08:20 PM
fleur d'hiver fleur d'hiver غير متصل
مشـ© حياة الرسول ©ـرفة
 
الافتراضي رد: مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية


-





زمن حدوث الإسراء والمعراج:

واختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى:

1- فقيل: كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة ،
اختاره الطبري.

2- وقيل: كان بعد المبعث بخمس سنين ،
رجح ذلك النووي والقرطبي.

3- وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 10 من النبوة ،
واختاره العلامة المنصور فوري.

4- وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهرا ،
أي في رمضان سنة 12 من النبوة.

5- وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين ،
أي في المحرم سنة 13 من النبوة.

6- وقيل: قبل الهجرة بسنة ،
أي في ربيع الأول سنة 13 من النبوة.


وردت الأقوال الثلاثة الأولى بأن خديجة رضي الله عنها توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كانت ليلة الإسراء .

أما الأقوال الثلاثة الباقية فلم أجد ما أرجّح به واحدا منها، غير أن سياق سورة الإسراء يدل على أن الإسراء متأخر جدا.







من : المرحلة الثالثة - دعوة الإسلام خارج مكّة-
الاسراء والمعراج


























كــلّ الطّرقِ إلـى اللـه مُزهِرة


الرد باقتباس
إضافة رد
الإشارات المرجعية

مكتبة غرام لكتب السيرة النبوية

الوسوم
صخرة , وتنجب , كتب
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
قبة الصخرة slaf elaf مواضيع إسلامية - فقه - عقيدة 6 16-12-2017 03:42 PM
التكافل في السيرة النبوية .. المرحلة المدنية slaf elaf مواضيع إسلامية - فقه - عقيدة 0 30-07-2017 09:55 AM
جميع روايات الرائع والممتع إحسان عبد القدوس وليد الجعل ارشيف غرام 1 26-03-2017 01:26 AM
السيرة النبوية جزء من السنة النبوية slaf elaf حياة - صفات - أخلاق - أقوال - رسول الأمة 3 22-08-2015 12:25 AM
السيرة النبوية وصعوبة كتابتها slaf elaf حياة - صفات - أخلاق - أقوال - رسول الأمة 2 22-08-2015 12:23 AM

الساعة الآن +3: 08:07 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1