غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 221
قديم(ـة) 22-03-2019, 04:01 PM
العدوية العدوية غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


البيداء اشتقنا لكِ ..
عسى ما شر يا غالية .. طمنيننا عليك .💐


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 222
قديم(ـة) 23-03-2019, 04:34 PM
سهام الحربي سهام الحربي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


اشتقنا ياحلو اشتقنا

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 223
قديم(ـة) 25-03-2019, 10:41 PM
العدوية العدوية غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


أسأل الله العظيم ..🍃
أن يشرح صدركِ، ويُيسر أمركِ .🍃
ويجعل لكِ من كل ضيقٍ مخرجاً . ومن كلّ همٍّ فرجاً . 🤲🏼

البيداء طمنيننا عليك .🌸🍃


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 224
قديم(ـة) 27-03-2019, 11:14 PM
نوارة بنت صوصو نوارة بنت صوصو غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي ط±ط¯: ط±ظˆط§ظٹط© ط­ط§ط¯ظٹ ط§ظ„ط¹ظٹط³/ ط¨ظ‚ظ„ظ…ظٹ


‏عسى المانع خير يا البيداء...
طمنينا عليك، يا رب تكونين بخير

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 225
قديم(ـة) 03-04-2019, 05:31 PM
سهام الحربي سهام الحربي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


وينك تاخرتي علينا

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 226
قديم(ـة) 03-04-2019, 10:12 PM
العدوية العدوية غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


يا حادي العيس عرّج كي نودعهم
يا حادي العيس في ترحالك الأجل ..

مضى شهر ...😞

والله اشتقنا،، وإن شاء الله المانع خير يا البيداء
.

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 227
قديم(ـة) 04-04-2019, 09:51 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي





*•
الورقة الثالثة والعشرون
*•



بياض ناصع يشق رأسه، طنين الانفجار يتجاوز أذنيه إلى عينيه .. يشعر بها تكاد تنفجر من شدة الألم، جسده البارد تعتليه الحرارة فجأة .. تنضخ الدماء من أخمص قدميه حتى تصل إلى رأسه، غرقٌ فائر يغطيه، يعجز عن التنفس .. هذا الغرق الذي يمنعه من التنفس ليس إلا دماء حارة، يختنق .. شيء ما يلتف حول عنقه، يُحكم وثاقه عليه .. بعد جهاد طويل يصل الهواء إلى رئتيه شاهقًا ليُبدد الضوء الساطع من عينيه ويحلّ محلها غبش مشوّش ..
" ثامر .. ثامر، بسم الله أرقيك من كل شرٍ يؤذيك .. بسم الله عليك"
صوتٌ مألوف يُكرر البسملة قُرب أذنه، فتور حاد يُغطيه، يشعر بالسقف يتحرك فوق رأسه .. يستسلم له دون حراك، وذات الصوت يُكرر الدعاء .. :" اشفِ أنت الشافي لا شافي إلا أنت .."
ينزاح الفتور ليهجم الوجع ويفتك به، يعقد حاجبيه بوجع متأوّهًا .. وجع أعاد له الإحساس بجسده، كف عريضة تمسح على رأسه بحنان كبير :" بسم الله عليك يابوي، فيني ولا فيك .. "
يفتح عينيه بثقل، ليقابله الوجه المتوجع لوجعه .. عمه ياسر، عينيه اللامعة وشفتيه الهامسة بدعوات يجهلها .. كفه الممتدة إلى رأسه تُعيده إلى بر الأمان .. تخفف وجعه، تذكّره بما حصل .. ليجحظ بعينيه ويفزّ جسده متناسيًا وجعه وصورة خالد الأخيرة مُلقى بجواره والدم يتصبب منه دون حراك :" خالد! عمي وين خالد؟ .. كان معي .. وينه؟"
يقف محاولًا تهدئته، تشتد حرارة جسده .. يبتلّ وجهه بعرقه لا يعي ما يقوله عمه، يواصل استنجاده باسم خالد :" عمي لا تكذب علي! خالد وينه ..تكفى عمي"
يقترب جسد آخر، وياسر لا ينفك يطبطب عليه بقلق :" اهدأ يابوي، بسم الله عليك .."
تغرس الممرضة الدواء في أنبوبة المحلول تحت هذيانه دون أن يعي ما تقوله لعمه، تتبلل عيناه بالدمع وصوته يزداد اهتزازًا وضعفًا برجاء :" عمي أنا بخير.. بس قول وش صار لخالد؟ .. قل الحقيقة لا تخبي علي ..
- يرفع جسده عن السرير ليداهمه دوران حاد، يشعر بيدي عمه والممرضة تكبلانه محاولين إعادته مستلقيًا، يقاومهما بضعف :" عمي لازم أقوم .. تكفى ابعد عني.. - يفقد قدرته على المقاومة، يرتمي على السرير دون أن يشعر .. تزداد ضبابية عينيه، لا يسمع تمتمات عمه ليهمس بوجع قبل أن تغفو عيناه - عمي لا تمنعني أشيل جنازته .. تعرف ماله أحد .. مابيه يحس بالوحدة، عمي مابيه يمشي لها وحده .. تكفى كلم نجد ويوسف يروحون له، أدري يا عمي .. لا تكذب علي.. "
يتضاءل صوته وعيناه تنسدل، ورجاءاته لا تتوقف .. وكف ياسر تمسح جبينه المبلل مرددًا آيات السكينة :" هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليمًا حكيما"
يسكن بين يديه أخيرًا، تهبط كفه من رأسه إلى يده .. يُمررها بأسى والشاش يغطيها ويغطي نصف جسده، عيناه المتوجعة تذكّره بوالده .. تعود له الصور القديمة، عُمر .. شقيقه الكبير، لو كان برفقته الآن .. ماذا سيفعل؟ لو كان برفقته الآن .. لما كان هناك (يوسف) ولا حتى (نجد)، عيناه التي يعيش لأجلهما ..
تعود له ذكرى ذلك اليوم الحزين، يومه الأخير مع شقيقه.. كان عائدًا من منزل رفيقه نجد بعد ما نعم بقيلولة تحت ظلال بيت فاتنته، منذ أن حطت قدماه على عتبة الباب تهادى لسمعه صوت دندنة العود تنتشر، يصاحبها صوت سعال متقطع، تبع مصدر الصوت ليجد أخاه يجلس أمام نخلة وحيدة وسط الدار محتضنًا عوده، وبجانبه شيشة تفوح رائحتها :" السلام عليكم"
تقدم بهدوء ليتأكد أن أخاه لم يسمعه وروحه منغمسة في أوتار العود ودخان الشيشة.. حينما ثبتت قدماه أمام العازف رفع رأسه وكأنه للتو يدرك وجوده : "الناس تسلم يا مسلم !"
ابتسم لينطق وهو يجلس بجواره : "سلمنا، لكن سمعنا الرد من العود ! "
يعود الآخر لعوده مندمجًا دون أن يُلقي له بالًا، ليزفر بضيق :" عمر .. اترك هالبلا من يدك أبي أكلمك شوي"
يقاطعه نافثًا دخانه :" هذا تأثير المطوع؟ .. ما أدري وش اسمه أخو أصحابك التوأم؟"
يقطب حاجبيه بضيق :" موسى .. اسمه موسى، وإيه هذا تأثيره كثر الله خيره.. - يمتعض وجهه أكثر مخفضًا صوته - والله ما عاد أدري مين الكبير! .. اترك هالبلاوي وشوف عمرك، عندك ولد ومرة مسؤول عنهم .. ودين أبوي اللي ما أدري من وين طلع لنا فجأة! ما تشوف شلون وضعنا؟ "
يترك العود على البساط ليعتدل بجلسته مبتسمًا :" وليه معقدها ياخوي؟ قلت لك نبيع البيت الثاني بس ما تسمع، عطيتك حلول ورفضت"
يشتت أنظاره بضيق :" أبو مازن صار له عشر سنين بهالبيت، تبينا ببساطة نطرده ونقول له والله فكرنا نبيعه بدل الإيجار اللي ما يوكل عيش! بعدين أمي رافضة .. لا تنسى عشرتها معهم"
يصمت قليلًا مفكرًا قبل أن ينطق :" صاحبك نجد .. أذكر إنهم مرتاحين، مو هذا وقت يسند الخوي خويه؟ "
يهز رأسه بيأس :" تعرف إني أنتظر تنتهي هالمشكلة وأتقدم لبنتهم، شلون تبيني أتسلف منهم؟ "
يطلق ضحكة ساخرة :" تتقدم لبنتهم؟ يعني مُصر؟ لو افترضنا ووافقوا على حافي ومنتف مثلك، شلون بتقدر تعيشها نفس عيشة أهلها؟ - يطبطب على فخذه ليكمل ضحكته - ياخوي ما تعرف الحريم! اسألني أنا"
يخلل أصابعه بشعره بقلة صبر، لا يمكنه أن يشرح لشقيقه حبه للجوزاء وحبها له :" تعرف؟ الكلام معك منتهي"
يقف منهيًا النقاش قاصدًا الداخل، يتوقف قبل صعوده الدرج وابتسامته تتسع :" هلااااا بأبوي - يمد ذراعيه ليحمل طفلًا صغيرًا لا يتجاوز الأربع سنوات ويلاعبه - شف وش جايب لك من عند ناصر"
يُخرج من جيبه مغلف بسكويت ليسرقها ثامر من بين يديه مسرعًا، يجلس على عتبات الدرج وثامر الصغير فوق فخذيه .. ينشغل بفتح البسكويت ليعود صوت الجالس أمامهما :" أشوف علاقتك رجعت بالتوأم"
يهز رأسه بهدوء دون أن ينظر إليه وسرعان ما عادت أنظاره لشقيقه مستنكرًا حديثه :" جرّب وتسلف منهم، دين أبوي ما يساوي شي قدام فلوسهم"
يُبعد ثامر عن حضنه ليقف بضيق :" ثامر شف لي طريق، بطلع غرفتي"
يلوذ بغرفته ورسائلها بأسى، يرى آماله تتهاوى أمامه .. كان يرسم غرفة أحلامه معها، تجلس قربه وأطفالهما حولهما .. كل ما جمعه لأجلها اضطر لصرفه لتسديد جزء يسير من دَين والدهم الراحل ليعود مجددًا إلى نقطة الصفر، ساعات قليلة قضاها وحده يحاول حلّ عقدته لتنتهي بالصراخ والعويل، أسفل تلك النخلة توفي شقيقه إثر سكتة قلبية وطفله الوحيد يلعب بجواره، تُوفي شقيقه ليودع كل أحلامه .. وليحمل حيوات كاملة على عاتقه وحده، سنة حافلة بالوجع والفقد، أبت أن تنقضي أيامها دون رحيل ثانٍ وثالث ورابع .. غير أن هذا الرحيل عقبه ولادة نجوم زيّنت سماه، نجد ويوسف وثامر الذي احتل جزءًا كبيرًا من قلبه وها هو يرقد أمامه منذ أيام على سريرٍ أبيض ..
يخرج من الغرفة، يمر بممرات المستشفى المكتظة برجال الأمن وبعض الصحفيين .. يُوقفه أحد رجال الأمن الذين ألفوا وجهه ليُسلم عليه بحبور كبير :" كل عام وانت بخير يا عم، أبشرك بكرة العيد تو أعلنوا"
تتسع ابتسامته ليتبادل التبريكات مع من حوله، وإن كان عيدًا ثقيلًا المهم هو أن ثامر قُربه .. يتجاوز الازدحام خارجًا من بوابة المستشفى، يركب السيارة ليصله صوت نجد :" شلونه اليوم؟ "
يطلق زفرة طويلة :" للحين مو واعي، يصحى دقيقة يهلوس بخالد ويرجع ينام .. - يصمت لبرهة قبل أن يتابع - سعود توفى اليوم الفجر"
تذبل عيناه بحزن على سماع النبأ، سعود الجندي الذي أنقذ ثامر من دمار انفجار السيارة .. ارتمى فوقه ليحميه من الانفجار، ليتلقى إصابات خطيرة بدلًا عن إصابات ثامر المتوسطة، يزم شفتيه :" الله يرحمه ويتقبله من الشهداء، بكرة بعد صلاة العيد بنحضر جنازته - يصمت بأسى ليتابع - وخالد شلونه؟"
يمسح وجهه بضيق :" عايش على الأجهزة، مافي أمل بحياته إلا إذا الله قدّر معجزة"
يُحرك السيارة أخيرًا :" الحمدلله على كل حال "
تشق السيارة الطريق بصمت مطبق طويل يقطعه ياسر :" قبل رمضان بأسبوع تحلمت إني أدور على مهاد طفل بالبيت ولا ألقاه، كنت أدور عليه بكل طاقتي وكأني خايف أفقده .. طلعت أدوره بالحوش وشفت الباب مفتوح وبالصدفة لمحت المهاد مرمي بالشارع .. كنت أحاول آخذه بس في شي يمنعني بس مدري وشهو، يوم صحيت نسيت وش اللي مانعني "
يطلق زفرة وهو يمسح وجهه ليصله صوت نجد الهادئ :" أضغاث أحلام يبه، يمكن كنت تعبان وقتها وما نمت كويس"
يهز رأسه تأكيدًا ليتابع :" ايه بس تعرف نجد؟ بعد ما صحيت كنت خايف عليك انت، رحت أدورك بالبيت مثل المجنون وما ارتحت لين سمعت صوتك وتأكدت إنك بالجامعة .. ما أعرف ليه كان بالي مشغول عليك انت مو يوسف أو ثامر "
يُدرك تمامًا كم يعني هو لأبيه ومكانته الكبرى بين يوسف وثامر، يلتفت لأبيه وابتسامته تتسع :" يمكن هذا لأن يمام بتخطفني منك"
تنتشر ضحكتهما معًا قبل أن يأخذ نفسًا باسمًا :" حلال عليها اليمامة .. يوم اختفى ثامر عرفت إنه هو المقصود"
يقاطعه نجد :" يبه ثامر الحين موجود، ووضعه أفضل بكثير من غيره .. لا عاد توسوس وتشيل هم - يُشير للطريق مغيرًا دفة الحديث - إلا ما سألتني وين موديك، ما لاحظت الطريق؟ "
يعقد حاجبيه وللتو يلحظ، يتابع نجد مبتسمًا رافعًا حاجبه :" مثل ليالي العيد القديمة"
تتسع عيناه مستنكرًا ضاحكًا ليُتابع نجد بمرح :" تكفى يبه لا تطالعني بهالنظرة، راعي الطفل اللي بداخلي .. بنروح ناخذ الحلويات للبزران نفس ما تعودنا، وبعدين نمر للحلاق وعلى طريقنا نسحب عشرات كاش لعيديات العيال بصلاة العيد - يطلق تنهيدة - الصدق بعد كل اللي مرينا فيه هالشهر محتاج شي يحسسني إن كل شي طبيعي، ثامر بخير .. وبكرة العيد، كل اللي مرينا فيه انتهى"
ترتسم ابتسامة واسعة على محياه، انتهى كل شيء.. قلق الأيام الماضية بما فيها ذلك الكابوس الذي أرّق مضجعه، انتهى ضياع ثامر، نجد حوله يتجهز لزفافه المختصر بعد أيام، ويوسف وإن كان بعيدًا فهو بخير ..
يخرجان من السيارة ليسيرا جنبًا إلى جنب في ممرات السوق الشعبي، أصوات الألعاب النارية بدأت في الأرجاء منذ رؤية هلال العيد .. ازدحام شديد يميز ليلة العيد، ألوان بهيجة تزيّن طاولات الباعة بأنواع الحلويات والمكسرات ..
يتوقف نجد منتظرًا دوره للمحاسبة في ركن المكسرات ووالده بعيدًا عنه، يُخرج هاتفه ليشتت أنظاره عن الفتاة المتلهفة لكل شيء :" امممم لحظة لحظة لا تجمع الحساب، ضيف كمان كيلو من ذا .. - تلتفت يسارًا ليغريها نوع آخر من المكسرات - لحظة اصبر أشوف "
تبتعد قليلًا ليرفع نجد رأسه أخيرًا بابتسامة ذات مغزى للبائع وبصوت هامس:"عيدك مبارك بس لا تفسد كل صيامك برمضان وانت تغشها لأنها جاهلة! "
يضطرب البائع ليتعلل بفساد الميزان ويُعيد تجربته مجددًا بمكيال صحيح، يُحاسب نجد ليحمل أكياسه ويتوقف بمنتصف المحل متظاهرًا بانشغاله بالهاتف حتى اطمأن لحسابها الصحيح .. يرفع رأسه على صوت رجل تغطي كمامة نصف وجهه يُلقي السلام ليردّه نجد وهو يغادر، يزفر الرجل موجهًا حديثه للفتاة :" أنتِ هنا؟ ضيعتك"
تتسع ابتسامتها ونجد يغادر المكان لتقترب من أبيها ضاحكة :" أنا اللي مضيعتك وانت لابس الشماغ .. ماهذا كلكم نفس الشكل مليون نسخة منك"
يحمل الأكياس عنها ممسكًا بيدها ليخرجان من المحل :" أفااااا هذا وأنا أبوك تقولين مني مليون نسخة؟ "
تكتم ضحكتها وهي تتابع :" انت وحدك شمس وكلهم ليل، أرضيت غرورك الحين؟ "
يرفع حاجبًا تعجبًا :" الله الله! "
تدور عيناها على ممرات السوق المزدحمة لتتابع ثرثرتها باستمتاع :" أثاري يوسف صادق، كل العالم ليلة العيد هنا! .. قال لو تبين تعيشين عيد الرياض تعالي هنا، يوم كان صغير كل ليلة عيد ياخذهم أبوهم لهنا"
تتضاءل ابتسامته، هل مرّ بياسر؟ هل كان نجد أحد العابرين به؟ أم أن ياسر لم يعد يملك أطفالًا أكثر ليعيد ليالي العيد القديمة؟ أو أن إصابة ثامر سلبت منه كل بهجة العيد؟
يعودان إلى السيارة تحت وقع ضحكاتها وتعليقاتها، ترفرف حوله كطفلة صغيرة تجعله يتحسر لكل ليلة عيد قضتها معه في الغربة.
ازدحام الشوارع ككل ليلة عيد يجبره على سلوك طريق فرعي عبر إحدى الحارات، تتسع ابتسامته وهو يشير إلى مجموعة أطفال يُشعلون ألعابًا نارية ليعلو صوتها في زقاق الحارة مبتهجين لينطلق صوتها مسرعًا وهي تخرج هاتفها:" يبه تكفى تكفى وقف "
يوقف السيارة جانبًا عاقدًا حاجبيه لتتابع وهي تلتقط صورًا :" توثيق ذكريات العيد الأول الحقيقي "
تلتفت بسرعة على صوت انفتاح الباب وخروج أبيها من السيارة :" على وين؟ "
يكتفي بابتسامة من خلف كمامه لتراقبه وهو يقترب من مجموعة الأولاد، يدور بينهم حديث تجهله .. وهاهو يعود مجددًا برفقتهم، تعقد حاجبيها بعدم فهم ووالدها يفتح بابها :" يلله انزلي"
سرعان ما علتها الدهشة وابتسامتها تتسع، تخرج من السيارة ليُلقيها أحد الأولاد قطعة من ألعابه النارية :" أعلمك شلون تشغلينها؟"
تسحبها منه ضاحكة :" أعرف تحسبني غبية؟ - تلتفت لوالدها بتردد - بس يبه ريحتها بتأذيك!"
تتسع ابتسامته ليقترب منها :" حبة ما تضر"
تُثبت القطعة أرضًا يُساعدها بإشعالها تحت إرشادات الطفل قبل أن تنطلق ضحكتهما ببهجة وصوتها يعلو في المكان، تعود للسيارة لتوثق ضحكات والدها مع بقية الأولاد وهو يوزع العيديات، تحفظ ملامحه الجديدة .. وكأن روحًا أخرى تلبسته، تراقب طول طريق عودتهما إلى الفندق صوت ضحكته .. ابتسامته، عيناه الناعسة..
تقبل خديه بحب على صوته المعتاد وهو يدعو لها كعادته بعدما تسقيه الماء :" الله يسقيك من ماء الكوثر"
تغلق الباب بعدما أطفأت الإضاءة لتلوذ إلى غرفتها، ترفع هاتفها بلهفة .. تنتظر ثوانٍ طويلة قبل أن يصلها صوته لاهثًا :" هلا هديل"
تعقد حاجبيها :" وش فيك؟ "
يأخذ زفيرًا طويلًا لتنتظم أنفاسه :" كنت أركض، خفت تفوتني الرحلة وأثاريها بعد نص ساعة "
تتسع ابتسامتها :" اشتقت "
يصمت قليلًا قبل أن ينطق :" وأنا هِمت "
تعقد حاجبيها ليتابع :" أذكر مرة نجد يتفلسف علي بمعجمه اللغوي، يقول الهيام اللي نظنه شدة الحب مأخوذ من الهيام اللي هو شدة العطش للماء.. ويظن هو إن هذا أصل المعنى"
تعود ابتسامتها :" يعني كل هالسالفة عشان تقول إنك عطشان لشوفتي؟ "
يربط خيط حذائه رافعًا حاجبه :" من يقوله؟ "
" انت! مو توك تقوله؟ "
يبتسم باستمتاع :" لا أبدًا، أقول هِمت .. يعني ضميان، محتاج مويا .. راعي فارق الوقت، للحين صايم!"
تسحب سبحتها لتعبث بها :" آهااا يعني ما تستاهل تعرف وش لقيت"
بتهكّم :" وش لقيتِ؟ آكلي بشر كثير بالرياض؟ "
تصمت لبرهة لتستوعب تهكمه، تزمّ شفتيها على صوت ضحكته :" طيب، إذا خلصت من ضحكك علمني عشان أعلمك إني لقيت طرف السبحة الضايع وباخذ الورقة اللي فيها وتحلم أعلمك وش طلعت ومت بغيظك"
يبتلع بقية ضحكته ليعقد حاجبيه :" منجدك؟ لقيتيه بالرياض؟ "
تبتسم وهي تُخرج القطعة الطويلة من جيبها لتتأملها :" اي والله، أمس بعد ما وصلنا كنت أرتب شنطة أبوي ولقيته بالصدفة مدسوس فيها .. الظاهر كان ضايع بغرفتهم ومع حوسة ترتيب الشنطة دخل"
يرفع حاجبًا بسخرية :" صح! نسيت عنده رجول يقدر يقفز بها للشنطة! "
ترتمي على سريرها مجددًا وبنبرة مماثلة :" ما تدري يمكن هذا مرسول السماء هو اللي دسّها! "
يهز رأسه بتفاعل :" صحيح، افتحي الورقة اللي داخل يمكن تطلع رسالة منه .. يقول دوّر لك زوجة ثانية يا يوسف! "
تصمت قليلًا على صوت ضحكته قبل أن تتابع :" تعرف؟ مافي شي يوصف فرحتي برجعة روحك السامجة بس تعال الرياض.. صدقني ما برحمك"
يبتسم بحبور :" افتحيها قبل لا تطق روحك من اللقافة"
تُفلت ضحكتها لانكشافها أمامه :" اي والله صدق مرة ودي أعرف وش فيها، أحيانًا أقول يمكن كتبت لي فيها شي بما إنك عطيتني السبحة قبل ما تخطبني بس مسوي نفسك بريء"
" مثلًا marry me ؟ لا يا عيني ماكنت لمّ هالسوالف "
يعود صوتها ضاحكًا :" أدري، أصلًا واضح الورقة قديمة مرة "
يحمل حقيبة ظهره ليقف :" جد إذا ودك افتحيها وصوري لي وش لقيتِ، الحين بركب الطيار.."
تقاطعه بسرعة متذكرة الغاية من اتصالها :" لحظة لحظة .. أمانة اوعدني ما ينتهي يوم العيد بدون ما أشوفك، صح مشتاق لأهلك وبتشوف ثامر بس تكفى مابي ينتهي هالعيد من دونك لو خمس دقايق"
ترتسم على شفتيه ابتسامة عذبة :" أبشري"


-


يتملّص من بين جموع المعايدين ليخرج إلى سيارته، يستوقفه صوت المنادي خلفه :" خـالي، اصبر "
يستند على السيارة منتظرًا نجد الواقف بين جموع الشباب، يُخرج هاتفه ليتصفّح الرسائل التي غابت عنه منذ أيام، معظمها تبريكات العيد .. من زملائه وأقاربه وطلابه، يعقد حاجبيه باستغراب شديد وهو يلمح اسمها بين المحادثات الكثيرة (ريم موسى)! غابت ذكراها عنه منذ عزائه لأبيها .. لم يخطر بباله ولو لمرة أن تحشد رسالة مباركة بالعيد، يفتحها ليزداد استغرابه والمحادثة تحمل أيقونة (مقطع صوتي)!
يُشغل التسجيل الصوتي لتنحل عقدة حاجبيه باندهاش وهو يسمع صوته (من المهم ...) يُزيح سماعته مع اقتراب نجد :" وين رايح؟ "
يزفر زفرة مصحوبة بابتسامة :" والله ما عندي وقت، شغل لين راسي .. بروح أشوف ثامر وبعدها بشوف وش صار على القضية، زين قدرت ألحق على صلاة العيد وأعايد الموجودين"
يهز رأسه بتفهم :" زين لا شفت ثامر وكان واعي علّمه بنجيه بعد الظهر مع يمام "
يومئ برأسه إيجابًا لينطلق بسيارته إلى المستشفى، يُعيد تشغيل المقطع ليعود صوته (من المهم نعرف إن العدل لا يتنافى مع العفو يا بنات، أنتِ كشخص بيكون مسؤول عن قضيةٍ ما مستقبلًا أهم شي تزرعينه بنفسك رفع الظلم وإقامة العدل لكن حطي ببالك يا ريم العفو أبدًا أبدًا لا يتناقض مع العدل)
يعقد حاجبيه وهو يسمع المقطع المجتزأ من إحدى محاضراته، لا يذكر مناسبة حديثه ذاك .. لكن يثق إنه ضمن نقاش مفتوح معها داخل المحاضرة، إلى ماذا ترمي؟ تُشغل تفكيره برسالتها تلك، هل هي إشارة ليعقوب؟ هل عاد عمها؟ أم أن هم الأمانة أثقل كاهلها؟
يحاول تجاهلها وإخراج رسالتها من عقله قبل دخوله عند ثامر، يُسلم على رجل الأمن الواقف بين غرفة ثامر وغرفة أحد الجرحى ليفتح باب الغرفة، ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة على رؤية ثامر مستيقظًا :" صحصحت وأخيرًا! "
يطلق تنهيدة متعبة وعيناه تبتعد عن ناصر إلى النافذة، يقترب ليُسلم عليه بحبور :" من العايدين، تعرف إن اليوم عيد؟ "
يومئ بعينيه إيجابًا وعيناه تنتقل إلى باقات الورد المتنوعة دون حديث، ينقل ناصر أنظاره حيث الورود .. تتسع ابتسامته وهو يقرأ البطاقات، مراكز وجمعيات ومجموعات تطوعية عديدة تُرسل له أمنياتها بالشفاء ومباركات بحلول العيد .. يعود بأنظاره على صوت ثامر المتعب :" وينه؟ "
يزم شفتيه صامتًا قبل أن يُجيب بهدوء :" بعده ما صحى، بس ادعي له، محتاج دعواتنا"
تنطلق منه زفرة :" أقدر أشوفه؟ "
يهز رأسه نفيًا باستياء :" لا، بس أوعدك أول ما يسمح الوضع باخذك تشوفه"
يغمض عينيه بهدوء تام لدقيقة قبل أن يفتحها على صوت ناصر مبتسمًا :" عمك ونجد وخالتك بيزورونك بعد الظهـ.."
يقاطعه صوت ثامر :" وش صار؟ أنا واعي الحين .. علمني بكل شي"
يعود ليجلس مقتربًا منه، يتنهد بقوة ليرسم ابتسامة :" الحمدلله، كل شي تقريبًا انتهى انت الحين تعبان بس تصحى أوضح لك كل الأمور"
يلف رأسه بضيق ليعود مجددًا إلى ناصر :" أبي أعرف كل الشي اللي انتهى، ممكن؟ "
لا يجد بدًا من الهروب من عيني ثامر المُصرة يهز رأسه بهدوء :" استشهد اثنين من قوات الطوارئ، ومات ثلاثة من الإرهابيين .. الباقيين مسكوهم، بنفـ.."
يعود صوته مقاطعًا بترقب وقلق :" مين مات؟ "
بلا مبالاة ينطق :" واحد اسمه حسن والثاني رائد والثالث سعد .. زوج بنت الراس الكبير"
يغمض عينيه بطمأنينة للحظات :" الله لا يرحمهم .. - يفتحها مجددًا - وعبدالله؟ اللي كان معي؟"
" مُصاب، وضعه أسوأ منك .. "
يقطب حاجبيه بحسرة، يتمالك نفسه ليخرج صوته هامسًا والسؤال الذي يراوده منذ إفاقته يتفجر منه :" رغد .. وينها؟ "
يهز رأسه بضيق ليقف بانفعال يحاول كبته :" حكت لي كل شي يا ثامر! كل شي"
يشتت أنظاره سريعًا بانكسار، ماذا يعني بـكل شيء؟ ماذا قالت رغد؟ تجاوزاتهما معًا؟ للحظة تمر صورة وجهها الملتصق به بقبلة محرمة .. يتفجّر قلبه بحاجة ملحة لوجودها الآن وحالًا، لقبلتها تلك .. ما زال يذكر تأثيرها عليه، كيف شعر بتوقف الزمن ..،كل حاجته الآن أن تقف فوق رأسه الآن وتزرع قبلة مماثلة وترحل ليتوقف الزمن إلى الأبد، يُتابع ناصر :" حكت من يوم أخذها خالها وهي طفلة لين دخلتو بيتي بنص الليل .. - يمسح وجهه بضيق ليتابع - يوم بلغنا أنا ونجد عن اختفاءك، ربطوا اختفاءك بخالد، وخالد اللي له سجل بقضية التزوير ربطوه مباشرة بقضية اختفاء قريبه الإرهابي قبل سنين وأهله، كانوا عارفين بكل شي بس يشتغلون بسرية .. ما عرفت أنا إلا يوم أخذت رغد وبلغنا، كانوا ينتظرون الوقت المناسب للمداهمة.. مأخرهم وجود رهاين، انت وخالد .. وكانوا يجهلون المكان، صحيح ساعدتهم كثير بهروبك وجيتك عندي ووصفك للمكان بس ارتكبت غلطة كبيرة برجوعك بدون علم أمني، كنت تظن نفسك سوبرمان؟ انت سويت عمل مو عملك، عجّلت بالعملية الأمنية بهروبك .. ليتني قدرت أمنعك! غلطك هذا مفروض يكلفك كثير .. - يتدارك نفسه ليهدأ ويطمئنه - بس بيتعاونون معك وبيساعدونك وبتخف عقوبتك كثير وأتوقع يصدر بحكمك عفو.. بنفس وقت المداهمة كانت في مداهمة ثانية بالطايف، كانوا ماخذين مصنع ومتحصنين فيه .. أبو رغد كان هناك - يراقب اتساع عيني ثامر ليتابع - بس مات وقت المداهمة"
يطلق زفرة طويلة من أعماقه ليتابع ناصر :" وباقي الخلية ممسوكين، أسماء كثير منهم بيصدر فيهم حكم قصاص .. وعمها من ضمنهم .. البنت قضيتها معقدة يا ثامر، بس بتاخذ كامل حقوقها .. حولوها لأخصائية نفسية، نفسيتها منهارة واللي شافته طول حياتها مو هين"
يعقد حاجبيه بوجع، لا شيء يهوّن هذا الوجع سوى ثقته بأنها ستنال كافة حقوقها .. رغد السر الكبير الذي لازمه لسنين طويلة لم يعد سرًا ..يعيد أنظاره لناصر :" ثامر.. كل اللي راح انتهى، اسم رغد انتهى من حياتك.. ما تربطك بها أي علاقة، ماعاد هي شخص ضعيف يستغله أي شخص لأنها مجهولة! .. بس تنتهي القضية ابدأ حياتك من جديد، ابدأها بطريقة صحيحة .. الكل بيفتح لك أبوابه، هذي فرصتك"
يهز رأسه بعدم تصديق وحروق جسده تُلقي بثقلها عليه، بتشتت وضياع :" انتهى من حياتي؟ خالد انت ما تعرف شي! .. انت تعرف رغد هي كل شي؟ كيف تقول تنتهي ببساطة؟ أنا ... - يعتصر وجهه بألم، يحاول مقاومة الحمى لتخرج حروفه ضئيلة - أنا أعني لها .. كل شي، ما أقدر"
يقاطعه بضيق وضياع رغد وشتاتها يعودان مجددًا لذاكرته :" أعرف، وأعرف إنك مستعد تضحي بكل شي لراحتها .. نفس ما كنت بتضحي بحياتك لخالد! .. البنت بتكون بخير وما عاد بتحتاج أحد، وانت .. قادر تتجاوزها، انساها لوجه الله وبيعوضك ربي خير، أي شي تتركه بنية خالصة لله بيبدله لك بأفضل يا ثامر، وأنا .. وعمك واخوانك كلنا معك! "
يتضاءل بوجع، كان يعلم تمامًا أن قصة الفتاة الصغيرة التي ابتدأت بضربة موجعة على رأسه ستنتهي عند هذا الحد، لكن قلبه يأبى التصديق .. يشعر بكف ناصر تطبطب على كتفه الملفوف بشاش يغطي حروقه :" اللي صار اختبار كبير لك، بس انت قادر تتجاوزه .. - يبتعد قليلًا وبهدوء - أهلك بيزورونك بعد الظهر، وأنا بجيك بكرة إن شاء الله .. تامر على شي؟ "
ما زالت عيناه تائهة بالفراغ دون جواب، يُعدل ناصر شماغه ينوي الرحيل.. يستوقفه صوت ثامر من خلفه :" يعقوب .."
تتجمّد أطرافه وعيناه تتسع، هل رسالة ريم تلك أدخلته في دوامة توهمات، يلتفت بعقدة حاجب بشك لتواجهه عينا ثامر المتعبة وصوته الثقيل :" أعرف مكانه "
تضطرب ملامحه ليقترب مجددًا من ثامر :" تعرف مكان مين؟ "
بذات الهدوء :" يعقوب، خصمك .."
تتزايد أنفاسه، اضطرابه يشتد ليتابع ثامر بضيق :" عرفت من زمان، بس .. وعدت خالد يبقى الموضوع .."
يقاطعه بسرعة وعدم فهم :" خالد؟ وش علاقة خالد؟ "
يهز رأسه بهدوء :" أخوه هو المزور اللي لجأ له الشيخ موسى .. الأوراق كانت باقي معه"
يمسك برأسه بعدم استيعاب ليتابع ثامر وصوته يضعف :"وعدته يبقى الموضوع بيننا، بس .. ما عاد أقدر أهرب منك، وقفتك مع رغد ما أوفيك حقها "
يذرع الغرفة ذهابًا وعودة يحاول استيعاب حديث ثامر، ليعود مجددًا بصدمة :" ليه سكت يا ثامر؟ ليه؟ كل هالوقت عارف وساكت؟!! "
يشتت أنظاره عن عيني ناصر اللائمة :" لأن حياة شخص يهمني بتنهد، وأنا مابيه يعيش بضياع من جديد"
يفقد أعصابه بتشتت :" مين؟ مين هاللي يهمك أمره وله علاقة بيعقوب؟! "
يعيد أنظاره نافثًا وجعه بوجه ناصر :" مو تقول أي شي تتركه لله يعوضك خير منه؟ اعتق يعقوب .. اعتقه مو عشانه، عشان الناس اللي بيدفعون الثمن .. عشان بنته، عشان يوسف! .. لا تحطم الشي الوحيد اللي متمسك به يوسف تكفى"
تبهت ملامحه بدهشة، تتزاحم الكلمات بداخله ولا يخرج منها سوى همس :" يوسف؟ "
يهز رأسه بأسى وعينين راجية :" ايه يوسف .. عبدالعزيز اللي خطب عنده يوسف بدون ما ياخذ بشور أحد هو خصمك، بنته هي زوجة أخوي.. تنازل عن حقك لوجه الله، ولا تحطم حياة يوسف.. لو - تتخنق أنفاسه بوجع، يحارب حتى تخرج حروفه بوجه ناصر - .. لولا يوسف، كان سحبت يدي ونمت .. مين هذا يعقوب حتى يهمني إن قصّوه أو انفضح بهويته؟ بس .. هذا يوسف، أخوي يا ناصر .. لا تلومني بأخوي! "
ترتجف شفتا ناصر وعيناه تضيع في ملامح ثامر، يحاول استيعاب الأمر .. يوسف؟ يعقوب؟ يهز رأسه نفيًا بعدم تصديق، ثامر مريض .. الحمى تشلّ تفكيره، قد يكون الانفجار أدى لفقدانه عقله .. كل شيء محتمل إلا ما يقوله، يمسح وجهه وبصوت ضائع قبل أن يفر من الغرفة والمستشفى :" منت بصاحي يا ثامر، نام"
يترك ثامر خلفه وحيدًا، يلوذ بأوجاعه .. هل تهور؟ هل سيهدم كل شيء؟ لم يعد بمقدوره حمل الأمر على عاتقه وكتمانه عن ناصر، لينتهي كل شيء .. كل الماضي، كل شيء يبدأ من الماضي لا يتوقف ..

-


يترك والده في مجلس العيد ليعود إلى المنزل ناشدًا الراحة، لا يرجو شيئًا سوى أن تغفو عيناه ساعة قبل زيارتهم لثامر.. ينوي الصعود إلى غرفته وهو يخلع شماغه وسرعان ما تجمّدت حركته عاقدًا حاجبيه على صوت شهقة خلفه :" نجــد؟ "
تزول عقدة حاجبيه على صوتها ليلتفت ويجدها خلفه بعباءتها دون حجابها، تحلّ الابتسامة على وجهه :" يمام؟ شتسوين؟ "
تمسح جبينها بطرف إصبعها وعينها تنتقل لمغلف صغير على الطاولة أمامها :" كنت بحط لك هدية - ترفع أنظارها له بابتسامة عذبة - على أساس مفاجأة بس .. خربتها الله يصلحك"
يترك الدرجات لينطق وهو يقترب منها بذات الابتسامة :" خربتها؟ يعني كنتِ ناوية تتركين الهدية وتروحين؟ - ينحني لها ليقبّل خدها - زين قفطتك وشفتك، كل عام وأنتِ بخير يا عيني"
يجلس على المقعد مقابلها وهو يسحب كرسيها ليُقربها أكثر إليه، تتسع ابتسامتها بخجل :" الصدق حتى أنا كنت أقول يارب أصادفك"
تنطلق ضحكته وهو ينحني ليصل إلى الهدية ويخطفها من خلفها :" ايييه بس، الله يسامح خالتك .. حرمتني منك"
تراقبه وهو يفتح الهدية بابتسامة :" تقول لا تشوفينه لين تنزفين، على أساس رمضان كله ما قضيته هنا"
تتسع ابتسامته وهو يُخرج الشماغ من العلبة وبمزاح:" طيب كان فاجأتيني قبل صلاة العيد، ولا تبيني ألبسه بزواجنا؟ "
تهز رأسها نفيًا :" كان عندي حظر تجول، ما صدقت خالتي تسبقني وتروح وأتسلل لبيتكم"
يميل إليها مقتربًا ليزرع قبلة طويلة على شفتيها، لو علمت خالتها بأن يومها الأخير معه قبل وصول خبر ثامر كان ينام بجوارها مأسورًا بدفئها الذي كان بحاجة له، وإن لم يتجاوزا حدود النوم المسترخي .. لأصرّت أن تزف إليه في تلك الليلة، ما حصل لثامر أجبرها على المبيت بمنزلهم لأيام طويلة.. مما جعل خيار إقامة زفاف مختصر عائلي دون تأجيل هو الخيار الأنسب، يُحررها من قبلته أخيرًا دون أن يبتعد عنها .. يتأمل ملامحها المبتسمة تقاوم حياءها، يهب واقفًا فجأة أمامها :" عادي أشيلك؟ "
تذهله وهي تحرر كتفيها من عباءتها، الأيام التي قضتها معه تحت سقف واحد وإن كانت عصيبة وضيّقة إلا أنها حطّمت حاجز الخجل بداخلها، ترفع ذراعيها لتحيط رقبته بابتسامة عريضة:" ايه عادي"
يشدها إليه حاملًا جسدها لتنزاح العباءة منها على الكرسي كاشفة فستانها الأصفر وساقها المزينة بخلخاله، تكره أن يحملها سواه.. تكره حتى مبادرة من حولها بجرّ كرسيها، لكن معه بدأت تستلذ حمله لها.. لا يحملها بدافع المساعدة أو الشفقة، يحملها لتعطشه لحملها، يُشعرها بذلك .. كما أنها باتت تعشق موطن جسدها الملاصق له.. قلبها يلتصق بقلبه، تشعر بنبضيهما يتجاوبان، عيناها قريبة من عينيه .. لا يلزمه سوى إمالة رأسه قليلًا حتى تتعانق أهدابهما .. تعمّدت التأخر وهي تضع الهدية أملًا برؤيته، تعمّدت أن تبدو بكامل زينة العيد حتى يراها .. بحاجة لأن تشعر بأنوثتها معه، تكفيها نظرة إعجاب لا يمكنه كبحها، يتجاوز سقف أمنيتها بنظرة ليمطرها بنظرات تلتها قبلات خدّرتها ..
كان متلهفًا لها كما كانت، لم تقاومه .. يخلعان عقليهما جانبًا ليتملكهما الجنون، كان عائدًا إلى منزله ناشدًا النوم لتسلبه منه .. يجهلان كيف طاوعتهما نفسيهما لفعل كل هذا الجنون، كل ما يعلمانه أن ساعة تلتها نصف ساعة انقضت حصل فيها ما حصل ليعود عقلها أدراجه إلى رأسها وينثر فيها التوتر والخوف، ينحني إليها ليضمها إليه ماسحًا على شعرها وهو يشعر بتغلب ملامح التوتر والخوف على ملامحها الخجولة والمُحلّقة :" يمام، يا حبيبتي .. أنتِ زوجتي وأنا زوجك، اليوم أو بعد خمس أيام ما يفرق، ما ارتكبنا حرام "
تُغمض عينيها بتوتر، تعلم تمامًا أن لا حرام فيما حصل .. لكن ليس كل ما هو حلال صحيحًا :" بس..."
تضيع الكلمات منها، يُبعد وجهه عن شعرها ليقابل وجهها بلطف :" لا تفكرين كثير ولا تشيلين هم، زواجنا بعد خمسة أيام .. كل اللي أبيه منك ما يتسلل الندم لقلبك .. مابيك تندمين على أي لحظة حلوة بيننا، لا تفسدين الذكرى الأولى بسبب ندم ما يستاهل - تتسع ابتسامته ليلطّف توترها - ذكرى استثنائية غير تقليدية! "
تزم شفتيها بتوتر وهي تشتت أنظارها :" أثاري خالتي .. ما شددت علي عبث"
يتنهد بهدوء :" اللي صار ما يخص أحد غيرنا يا يمام - يقبل خدها ويقف ينوي حملها مجددًا إلا أن صوت هاتفه شتته، يطلق صفيرًا مندهشًا والساعة تتضح له ليدرك للتو سرعة الوقت .. - هذا أبوي، تأخرنا"
تراقبه وهو يجيب على والده بتوتر :" هلا يبه .. لا صحيت ما نمت كثير .. - ينقل أنظاره لها بابتسامة صغيرة - ابشر باخذ يمام من بيتهم وبمر لك.. نص ساعة بالكثير ونجيك.. مع السلامة"
ينتقل إليها بعجلة ليحملها خارجَين من غرفتهما المستقبلية، يُعيدها إلى المنزل ليعود أدراجه ويعيدا ترتيب فوضاهما ..
بعد ساعة كانوا ثلاثتهم متحلقين حول ثامر، لا يقوى على مجاراة ابتساماتهم .. غير أنه يطمئن بأن حديثه لناصر لم يتجاوز هذه الغرفة، يتظاهر بالتعب سريعًا حتى يعود إلى خلوته ..
تفرغ الغرفة منهم، ينام لوقت يجهله وصورة يوسف لا تفارقه، لا يرجو شيئًا سوى ألا يتسبب بشتاته مجددًا .. يستفيق على صوت ربكة قُرب الباب، صوت مألوف يصعب عليه معرفته وحديث غير واضح يصل إليه.
خلف الباب، يقف بضيق شديد أمام رجل الأمن :" ياخي تكفى، بس بشوفه .. أنا أخوه "
يهز رأسه نفيًا بصرامة :" روح الله يستر عليك، إذا أنت أخوه فعلًا فأنت تعرف إن الموضوع أمني ومافي زيارات بدون تصريح .. أهله كانوا هنا قبل ساعتين وينك؟"
ينفث بقلة صبر:" قلت لك كنت مسافر وتوني واصل .. من الطيارة للمستشفى عشان أشوفه بس! - لا يجد أي بادرة تجاوب، يُخرج هويته ليبرز اسمه - شوف، صحيح الاسم يوحي إني ولد عمه بس احنا إخوان من أم.. ياخي مب خسران شي لو دخلتني عليه بس دقيقة أسلم!"
تنطلق ضحكة ساخرة منه :" وإن كنت أخوه؟ يا حبيبي انت تحسب نفسك وين؟ هذي إجراءات أمنية .. روح بس قبل لا أضطر استدعي.."
يقاطعه بسرعة واستسلام :" خلاص الله يسامحك بروح، بس صدقني ما كذبت عليك"
يسير للخلف بتردد وخيبة، كان يأمل بأن يفاجئ ثامر بعودته .. دَفعة معنوية صغيرة ليُشعره بدعمه له بعد كل ما خاضه، يتوقف في منتصف الممر ورغبة قوية بالمحاولة مجددًا تدفعه للعودة، تتسع ابتسامته على زفرة رجل الأمن المطولة :" تكفى، بس افتح الباب وبشوفه وأوعدك ما تشوف وجهي مرة ثانية"
بعد عدة محاولات صادقة يلين أخيرًا، يفتح الباب ليظهر جسد ثامر مغطى بالأبيض .. ترق ملامح يوسف ورؤية ثامر القوي بهذا الضعف تؤلمه، تُذكره بحادثه ذاك قبل عشر سنين.. الحادث الذي غيّر جميع موازين حياته وأعاد تشكيله، لا يتمنى لثامر أبدًا أن يذوق ما ذاقه ..
يتحرك جسد ثامر بانزعاج وها هي عيناه تستفيق، يرفعها للباب لتتسع متفاجئًا لرؤية يوسف .. لا يشبه يوسف القديم في شيء، كان آخر لقاء بينهما قبل أقل من عام بقليل .. فاصل زمني قصير لا يتسع للتغير الكبير على ملامح يوسف ، جسده الرياضي .. امتلاء وجهه، وعينيه المشرقة.
يومئ له بابتسامة عذبة صغيرة رافعًا كفه، ليطلق زفرة ضيقة مصحوبة بابتسامته ورجل الأمن يعيد إغلاق الباب ليغيب عنه وجه ثامر ..


-


يستيقظ على صوت المنبه بعد نوم دام لساعتين لم يهنأ به منذ مدة طويلة، أعاده نجد إلى المنزل ليأخذ قسطًا من الراحة قبل سهرة العيد الليلية وعاد هو ليأخذ مكان والده مصطحبًا اليمامة معه..
يتوضأ ليخرج من دورة المياه ويلبس ثيابه، رؤية ثامر بحالٍ أفضل وتجاوبه معهم جدّد نشاطه.. يخرج من المنزل وصوت أذان المغرب يرتفع، يردد خلفه بسكينة حاثًا خطاه إلى المسجد القريب.. تتسع ابتسامته للأطفال المارين به ملقين السلام يلحقونه بفوضى (يا عم هذا ولد عمي .. عمي هذا تركي تذكره؟ .. عمي وين نجد؟ .. يا عم عيدك مبارك) يعلم تمامًا سبب تحلّقهم .. تتسع ابتسامته وهو يُخرج محفظته ليوزّع عليهم العيدية، يعلو صوتهم وكل منهم يحاول إثبات تفوقه على أقرانه بما جمعه منذ ليلة العيد، يتبعونه إلى المسجد ليخفت صوتهم متهامسين وما زالت العيدية محور حديثهم ..
يتركهم خلفه ليتقدم إلى الصف الأول، يسلم ويعايد من لم يعايده صباحًا .. وكعادة الأيام الماضية يتمحور الحديث حول ثامر، يقترب منه أحد شباب الحي متحمسًا :" بتويتر يقولون الخلية كانوا ناويين ينشرون وثائق مزورة باسم ضباط بالحرس الوطني وأمراء! "
يتدخل رجل كبير آخر :" شياطين الله فكنا منهم"
يعود الشاب مجددًا :" صحيح.. انتهى زمن اللي يفجر نفسه بعد ما يغلسون مخه، الحين زمن الحرب بولاء وإيمان الناس بوطنها، شكوك يزرعونها بعقول الشباب"
يهز رأسه إيجابًا ياسر :" الحمدلله اللي فكنا منهم وحمانا من شرهم"


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 228
قديم(ـة) 04-04-2019, 09:52 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


يعتدل الإمام واقفًا ليتهيأ الجميع خلفه بعد الإقامة، يقف الشاب يمين ياسر .. يبقى يساره خاليًا، يتلفت للخلف وقبل أن يدعو أحد الأطفال ليسد فراغ يساره يلمح رجلًا بكمامة تغطي نصف وجهه يقترب .. يُشير له ياسر بيده ليقف بجواره، يصطف بجانبه بثبات، يتوجّهان بجسدهما إلى القبلة .. يُقبلان على الله متجاوِرَين، يسجدان خلف الإمام .. أحدهما يهمس بدعائه المعتاد (اللهم احفظهم لي، ولا تريني فيهم بأس ولا مكروه، ولا توجع قلبي عليهم ولا منهم) والآخر بجانبه يرجو الله بخشوع (يا قوي ارزقني القوة ولا تولّي الشيطان علي، يا رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي وتجاوز عني)
يفرغ من آداء فرضه ونافلته، شيء يشده للرجل الغريب بجواره .. شيء يجهل ما يكون، يقرر السلام عليه بعدما ينتهي الغريب من صلاته النافلة، يُخرج هاتفه ريثما يُنهي صلاته .. رسالة من نجد (بعد الصلاة بمرّك يا سيدي القائد) ومكالمة فائتة من (ناصر) .. ينتقل إلى رقم يوسف، يزفر بضيق والهاتف مغلق .. أخبره بمكالمته الأخيرة ليلة أمس بأن هاتفه يشكو خرابًا وقد لا يتمكّن من إصلاحه إلا بعد انتهاء دوامه الذي قد يطول، أول عيد ينقضي دونه .. ولا حتى صوته.
يُعيد هاتفه إلى جيبه واقفًا، ينسى الغريب .. ينتعل حذاءه، وقبل أن ينزل الدرجات يستوقفه صوتٌ يطفح حنين، قلق، متناقض بين قوة وضعف :" أبو يوسف! "
يقوى بالكلمة الأولى ليتهاوى بضعف وحنين لا يظهران إلا على الكلمة الثانية (يوسف)، في كل مرة ينطقها داخل الرياض تخرج شجية وكأنها لا تخص سوى يوسف واحد، كأن الرياض كلها تلتفت إليه ترقب حزنه ليواريه بضعف قبل أن يظهر ..
يعقد ياسر حاجبيه، من ظنه غريبًا ليس غريب؟ يعرف كنيته؟ صوت مألوف.. ملامح غير مألوفة، يغطي نصف وجهه الكمام .. يرسم ابتسامة صغيرة وهو يمد يده ليسحب الغريب ويسلم عليه بترحاب، يُبادله المعايدة وصوته القريب يشده بقوة، يحاول جاهدًا أن يذكر صاحبه لكن ذاكرته أضعف .. بعقدة حاجبيه وابتسامته الواسعة ممسكًا بكفه:" اعذرني ياخوي ما عرفتك، ذكرني بك "
يلمح ابتسامة من عيني الرجل اللامعة :" ما عليك ملام "
يُزيح الكمام عن وجهه بابتسامة تحمل الكثير، وجع .. شوق.. رهبة.. استعداد للمواجهة.. حنين .. رغبة بأن ينتهي كل شيء، أمنية بأن يعود كل شيء إلى موضعه الصحيح حتى لا يقف أمام رفيق طفولته وصباه وشبابه بهذه المواجهة التي لا يقدر عليها.
يتأمل عيني ياسر .. يلمح الصراع القائم في ذاكرته، يحاول تذكر هذا الشخص .. لتنطلق ضحكة خفيفة موجعة وهو يطبطب على كتف ياسر :" يعقوب يا ياسر! ما عرفتني! "
ترتجف شفتيه، تتسع أحداقه حتى كادت تخرج مقلتيه .. قلبه يضخ دماءه بقوة كبيرة أربكت جسده، يختل استيعابه .. يضطرب بين نقيضين، بأن يضمه إليه ويأخذه إلى حضنه ويبكي فرحًا للقائه أم يطلق رجليه ليهرب منه إلى لا مكان .. أن يحمل كل حياته ليدفنها داخل قلبه ويواريها عن رفيقه، ما كان يخافه يجثم الآن أمامه .. لماذا الآن يا يعقوب؟ كان لسنين طويلة يتعايش مع اختلال مشاعره، شوقه له .. خشيته منه .. لم يكن يتوقع أن يكون النقيضين بهذا الوجع الذي يودي برأسه الآن .. يتشنّج رأسه بألم، وكأن يعقوب يحمل منشارًا ليفصل جمجمته إلى جزأين..
وكأن يعقوب يرى انفصال جمجمته يُسرع ليسحبه ويضمه إليه، يلملم شتاته .. يُغمض عينيه ياسر وهم يشم رائحته، نعم هذا يعقوب .. بعد لقائهما الأخير الحاد قبل ثلاثة عشر عامًا يعود، حاملًا معه الماضي على كتفيه.
يبتعد عنه قليلًا ليأخذ نفسًا ثقيلًا، لحظة تمر ليتأمل كل منهما الآخر .. يعقوب بمرضه الذي سرق كل ملامحه، ياسر .. ذاته ياسر، للتو يلحظ يعقوب شبهه الحاد بيوسف .. غير أن الأخير يحمل جمالًا فاتنًا يتصف به كل من سُمي بيوسف ..
يزم شفتيه مشتتًا أنظاره عن كابوسه، يُعيدها ليطلق زفرة حارة ضائعة :" ليه .. رجعت؟ "


*•
أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ
صُبَّ لنَا وطناً فِي الكُؤُوسْ
يُدِيرُ الرُّؤُوسْ
وزِدْنَا مِنَ الشَّاذِلِيَّةِ حتَّى تَفِيءَ السَّحَابَةْ أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ
واسْفَحْ علَى قِلَلِ القَومِ قَهْوتَكَ المُرَّةَ
المُسْتَطَابَةْ
أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ مَمْزُوجَةً بِاللَّظَى
وقَلِّبْ مواجعنَا فوقَ جَمْرِ الغَضَا
ثُمَّ هَاتِ الرَّبَابَةَ
هاتِ الرَّبَابةْ ....
- سيد البيد


*•


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 229
قديم(ـة) 04-04-2019, 10:05 PM
نوارة بنت صوصو نوارة بنت صوصو غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


‏أهلين البيداء
وربي انشرح صدري الحمد لله إنك بخير يا عزيزتي

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 230
قديم(ـة) 04-04-2019, 10:24 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها نوارة بنت صوصو مشاهدة المشاركة
‏أهلين البيداء
وربي انشرح صدري الحمد لله إنك بخير يا عزيزتي
أهلًا أهلًا، أسرع رد يمر علي من بداية الرواية 😂♥
أعتذر على الانقطاع، فترة ومرّت وإن شاء الله أظفر بنتيجتها (نهاية الرواية بعد تمامها مجهزة كلام طويل جدًا عن كل ما مرّت به الرواية وهالفترة كانت إحدى عقباتها)
.. وإن شاء الله يكون آخر انقطاع
سعيدة بك ♥🙏🏼


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية حادي العيس/ بقلمي

الوسوم
العيس/ , بقلمي , ياخد , رواية
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية أنتقام العشاق / بقلمي رَحيقْ روايات - طويلة 9 08-05-2018 03:14 PM
رواية : حب مخلوق من الندم / بقلمي. امجاد العنزي. روايات - طويلة 8 17-02-2018 03:58 PM
رواية مقيدون بالريش/ بقلمي ريحانة الشرق~ روايات - طويلة 53 11-01-2018 05:01 PM
رواية غدر الحب بقلمي omnia reda Omnia reda روايات - طويلة 3 21-12-2015 07:15 AM
رواية : قلص ساعتك أيها الليل المنهك خلصني من وحدة اهلكتني/ بقلمي sajarashid روايات - طويلة 26 19-12-2015 09:16 PM

الساعة الآن +3: 01:23 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1