غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 241
قديم(ـة) 20-04-2019, 12:37 AM
نوارة بنت صوصو نوارة بنت صوصو غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها البيداء. مشاهدة المشاركة


أعتذر عن نشر الفصل الليلة لارتباطي بسفر، أحاول جاهدة يُنشر خلال أيام قصيرة.
أعرف اعتذاراتي كثرت (من فترة ما نزل فصل بموعده 💔) تقصير مني بلا شك.
من ملّت الانتظار أنصحها توقف الرواية حتى تكتمل 💚
(ومنها اللي عليهم اختبارات يذاكرون 👀)
بالتوفيق لجميع الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات.
دعواتي لكم سترافقني إلى الروضة الشريفة
💚
مرحبا بك البيداء..
اعتذارك هذا يكفي بأن نبقى منتظرين بكل رضا وحب...
تقبل الله طاعتك يا غالية، ونسأل الله أن ترجعين لنا وأنتِ سالمة غانمة بإذن الله.

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 242
قديم(ـة) 27-04-2019, 03:14 PM
سهام الحربي سهام الحربي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


الله يسعدك ياليت تحددين لنا موعد معين

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 243
قديم(ـة) 27-04-2019, 07:40 PM
نوارة بنت صوصو نوارة بنت صوصو غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


كيف حالك يا البيداء...
اشتقنا يا غالية.

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 244
قديم(ـة) 27-04-2019, 08:06 PM
العدوية العدوية غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


مساء الخيرات والمسرات ،،،البيداء و متابعاتها الكريمات ..

كل يوم أطل ، بس استحي أقول شي..
البيداء في رحلة عبادة ، وأخاف نزعجها .☺
بس تشجعت يوم شفت نوارة وسهام 😁

اشقتنا والله اشتقنا ...🍃🌸


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 245
قديم(ـة) 06-05-2019, 03:12 PM
العدوية العدوية غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


مبارك عليكم شهر رمضان .🌙 ✨

البيداء ،،، ومتابعاتها الكريمات . 🌙 ✨


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 246
قديم(ـة) 06-05-2019, 11:47 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي





*•
الورقة الرابعة والعشرون
*•



خرج من المستشفى تائهًا دون بصيرة إلى غرفته .. يحاول تمالك صدمته، ما ألقاه ثامر عليه سلب عقله .. هل ما يقوله حقيقة؟ عبدالعزيز؟ لا يُمكنه تصديق هرائه، كيف يُمكن أن يكون قُربهم كل هذه الأيام دون أن يُكشف؟ لماذا اختار يوسف؟ لماذا اختار أن يبدأ حربًا أطرافها يجهلونها؟ يوسف .. وابنته، هل كان كل هذا بتخطيطٍ منه؟ حتى يضمن نجاته؟ هل يعلم ياسر؟ دائمًا ما كان يحاول حماية صديقه وتبرير فعلته أمام ناصر، هل هما متفقان؟ وكيف وصل إليه يوسف؟ كل ولايات أمريكا ومدنها لم يُوفق يوسف إلا فقط بجانب يعقوب؟ لم يكن يومًا من المؤمنين بالصدف .. لكن مع خصومه بات يتوقع كل شيء، قد تكون أفكاره وهاجسه تستمع إليه لتخرج وتتشكل على هيئة صُدف؟ ألم تكن ريم إحدى طالباته بمحض الصدفة؟
ريم! .. عند ذكر اسمها يفوق من تيهه، لا أحد أبدًا قد يؤكد له هراء ثامر إلا ريم .. يرفع هاتفه بجنون يتملكه ولا شيء يراه سوى وجه التوأمين اللذين لا يفرق بينهما، كان طفلًا عندما عادت المياه إلى مجاريها بين شقيقه نجد وياسر والتوأمين .. زيارات مكثفة، اصطحاب نجد له لمرات معدودة إلى مجلس التوأم حتى يعلمه (علوم المرجلة) كما يقول، وبالأيام التي كثُر لقاؤه بيعقوب بعد زفاف أخته الجوزاء إليه، كان يألف ياسر كثيرًا منذ ولادته .. لا تنقضي ليلتان دون أن يراه، نجد وياسر كانا كتوأمين متلازمين منذ طفولتهما مرورًا بشبابهما حتى خفُت ضوء ياسر بين المجموعة بعد صدمته برحيل عمر، تخلّف كثيرًا عن جلساته الشبابية مع رفاقه، استبدل رفاقه الثلاثة برفيقين جديدين، ثامر وناصر .. طفلان يهرب بهما من هم الدنيا، يحاول أن يُنسي ثامر وجع فقد والده وألم ترمّل أمه بأخذه إلى الحديقة مصطحبًا ناصر الصغير علّه يؤنِس ثامر.. كان ثامر صغيرًا بما فيه الكفاية ليتململ ناصر من اللعب معه، مع هذا كانت أفضل أيامه تلك التي قضاها بين ثامر وياسر الذي تحوّل إلى أخٍ كبير ومرشد بصير لحياته .. يُلقي عليه المعلّقات في طريق عودتهم إلى المنزل حتى حفظ نصفها بين يدي ياسر، يشرح له أسرار ألفاظ القرآن الكريم حتى بات يقرأ القرآن بعينٍ جديدة مختلفة .. لا يزال يذكر حزن شقيقه نجد على ما آل إليه ياسر، فقدانه لليالي السمر معه ورفاقه.. جاهدوا ثلاثتهم كثيرًا حتى يُخرجوه من قوقعته، لكن وكأنه شاخ فجأة ولم تعد تشده كل أيامه مع رفاقه.
يذكر عصر اليوم الذي وقف به ياسر وثامر الصغير أمام منزلهم ينتظرانه ليصحبانه معهم إلى الحديقة، كان يلبس حذاءه على عتبة الباب متحمسًا وهو يُبشّر ياسر بحفظه لقصيدة جديدة، قصيدة يحبها ياسر كثيرًا تروي حبه لجبل طويق، يُساعده ياسر بارتداء حذائه وناصر يردد أبيات قصيدة عبدالله بن خميس (يا جاثمًا بالكبرياء تسربلا .. هلّا ابتغيت مدى الزمان تحولا؟.. شاب الغراب وأنت جلدٌ يافع .. ما ضعضعت منك الحوادث كاهلا ) يتوقف عن ترديدها لينطق بحماسة (الجوزا حفّظتني القصيدة!) ترتسم على شفتيه ابتسامة حنين وأسى ليشد ناصر ويستوي واقفًا، لم يكن بحاجة لأن يخبره بهذا .. هو من حثّ الجوزاء على حفظ القصيدة بمراسلات خفيّة بعدما ترك الديوان متعمدًا في مكتبة والدها، مرةً يترك رسالته لها في أصيص الخزامى على حين غرة من نجد، ومرة يستقبل رسالتها داخل كيس الوسادة في الليالي التي ينام فيها بملحق منزلهم .. كانت أشد لحظاتهما خوفًا وترقبًا ولذة، إن سقطت الورقة سهوًا بين يدي نجد أو والده لا يتصور مدى الكارثة التي ستحلّ على رأسيهما.. يقطع سيل القصيدة على لسان ناصر وثناء ياسر صوت نجد خلفهم مُرحّبًا بعتاب (هالورع أخذك منّا؟) كان يجلس بجوار يوسف بسيارته خلفهما يعقوب.. يُعقّب أحد التوأمين (اركب بنوصلكم) يغلبه حنينه ليركب، منذ تلك اللحظة انضم شقيقه والتوأمان إليهم لترويح نفس ياسر .. لم يعد يظفر بياسر وحيدًا يُلقي عليه القصائد، انشغل برفاقه عنه .. أصبح لا يجد بدًا من محاولة خلق المرح مع ثامر الصغير في الحديقة الواسعة، ينضم إليهما معظم الأحيان أحد التوأمين ونجد في مباراة صغيرة .. يُشكل ناصر فريقًا مع يوسف ضد نجد وثامر، أما ياسر والتوأم الآخر يجلسان على مقربة منهم .. لم يكن باستطاعته التفرقة بين التوأمين بداية الأمر، إلى أن اعتاد ونجد يشير إلى يعقوب كل يوم (هذا الأمريكي، يعقوب .. وهالداج يوسف) الأمريكي كما يقول أخوه كان يفرِق عن توأمه بنظرة كبرياء وعلو تلازمانه وهدوء وتململ عكس أخيه المرح، يوسف كان ظريفًا ما أن تطأ قدمه أي مجلس يشعله بحماس .. يعرفه الصغير والكبير، مقربًا من الجميع .. يُشابه شقيقه نجد بتعصبهما لفريقين متضادين، تعصب مماثل لأجداد كل منهما .. لم يكد ياسر يروّح عن نفسه قليلًا باجتماع أصحابه حوله مجددًا حتى اختفى بغياب أكثر سوءًا قبل خطبة يعقوب بالجوزاء بمدة وجيزة، غاب حتى عن ناصر الذي اعتاد عليه كثيرًا.. يتعذّر مرةً بمرض ثامر ومرةً بمراجعات أمه، بدأ بعمل إضافي حتى لا يترك مجالًا أكبر لاجتماعاتهم ..
تخلّف عن زفاف يعقوب بحجة سفر عمل مفاجئ إلى جدة، وكأنه جزم على قطع علاقته بكل ما يربطه بهم .. حتى عاد بعد تجاوزه لصدماته على مهل بينهم.
ومنذ ليلة رمضان تلك تعلّقت صورة التوأم بداخل ناصر، كبر وشبّ وصورة يعقوب تلازمه كظله.. يعلم تمامًا أن قلب ياسر يغلبه، يخشى من فقدان آخر رفاقه .. حتى صباح اليوم كانت بذرة العفو بداخله لا تموت قد يسامح، لكن بعد أن يمثل خصمه أمام القضاء ..
انتشل ثامر بكلامه كل بذور العفو، لن يسامحه أبدًا على تنكّره وإقحام يوسف وابنته بقضية لا تمتّ لهما بصلة حتى يُجبره على العفو.. لن يقبل بهذا أبدًا.
أقل من نصف دقيقة مضت ولا شيء يراه سوى جنونه، تقطعها بصوتها الذابل تحاول أن تقويه :" احم السلام عليكم"
تضيع الكلمات منه، بماذا يبدأ؟ وهل تعلم أساسًا بوجود عمها المتستر تحت اسم جديد؟ .. تخرج أفكاره بعشوائية وهو يدور بين جدران غرفته، لا يجد غير سؤال مبعثر يختصر كل شيء :" تعرفين .. صح؟ "
تصمت، تؤكد له بصمتها معرفتها بما يقصد .. لم تتفاجأ ولم تتعلثم، تعلم تمامًا لماذا عاد عمها، شدّت على يده لتوصله إلى حبل المشنقة بنفسها .. طمأنته بما يحمل (أستاذها) من كريم الأخلاق حتى سار مطمئنًا للعفو الذي سيستقبله به ناصر، هل وصل إليه عمها؟ هل العاصفة على وشك الهبوب؟ هل سيسلم عمها منها؟ .. كل ما وصل إلى سمعها صوت زفرة حارة طويلة تخرج من أعماق جوفه، تلاها صوته ثقيلًا :" ليه ما تكلمتِ ريم؟ وين وعدك؟ مثل أبوك؟"
تقاطعه باندفاع يغلبه وجع :" ليتني مثل أبوي.. عمي يستحق فرصة، ولو بيدي بعطيه من عمري .. سمعت كلامك، حاولت أخلص عمي من الذنب وشديت عليه لين يوصلك .. لو أخوك مكان عمي بتجازف فيه مثل ما جازفت بعمي؟ "
يصل صوته واثقًا سريعًا :" هذي مو اسمها مجازفة، هذا عدل! هذا حق! .. عشان أخفف ذنوبه بسلمه لقضاء الدنيا! "
يذبل صوتها بقلة صبر :" سهل الحكي أستاذ ناصر! كنت بكل صبح قبل ما أدخل الجامعة أجدد الوعد بالعدالة، كنت انت بنفسك تجدد نيتي بدون ما تعرف .. بس، أنا إنسان ضعيف بالنهاية .. مع هذا أحاول أتخلص من ضعفي"
تخرج زفرة حسرة ممزوجة بأسى :" كنت أعرف إن العفو هو اللي بيتوثق بالنهاية، بس يكون مستغفلني بهالشكل! يستغل شخص تربطني به علاقة ويزوجه بنته .. يحاول يلوي ذراعـ.."
تقاطعه بعدم استيعاب :" عفوًا .. بس وش علاقة زوج بنته! "
تخرج منه ضحكة ساخرة حارة :" يعني ما تعرفين؟ "
يشتد شتاتها، لماذا يُقحم يوسف خطيب هديل بحديثهم هذا؟ .. يعود صوته :" يوسف ابن ياسر العمر، أبوه زوج أختي .. زوج طليقة عمك .. أخوه، ولد أختي! "
تتسع أحداقها مع كل حرف منه، لا يُعقل .. يوسف؟ أخبرتها هديل بقصة لقائهما في المركز.. لا يُمكن أن يكون عمها تعمّد تزويجه بها حتى يضمن نجاته، لا يُمكن! لكن كيف مرّ اسم يوسف عليه ورضي بتزويجه من ابنته وهو يعلم من يكون.. كل شيء يُثبت صحة ما يقوله أستاذها، تعتصر ملامحها بوجع .. لماذا يفعل عمها كل هذا؟ لماذا يُصر أن يهدم كل شيء؟ وهي من ظنّت أنها ستتخلص من كل شيء وتُخلص عمها، سيعود يعقوب الذي يستطيع حمايتها بدلًا عن عبدالعزيز الذي لا تربطه بها رابطة.
تضيع الكلمات منها، لم يترك لها عمها مجالًا آخر للدفاع عنه .. يصل صوته من جديد قبل أن يُغلق الخط:" أنا آسف .. بس ما عاد في طريق ثاني"


-

يزم شفتيه مشتتًا أنظاره عن كابوسه، يُعيدها ليطلق زفرة حارة ضائعة :" ليه .. رجعت؟ "
تخرج ضحكة صغيرة أشبه بزفرة وهو يضع كفيه في جيب ثوبه :" نكمّل نقاشنا الأخير! "
حرارة شديدة تقتحم عروق رأسه لم يشعر بها مسبقًا إلا مرة واحدة، أثناء النقاش الأخير ذاك .. كيف انقلب كل شيء، كيف دعا الله مبتهلًا بداخله تلك الليلة بأن يلحق يعقوب بأخيه، للمرة الأولى يتمنى الموت لشخص يعني له الكثير .. إن مات سيستأنس بتوأمه، سيتخلص من ذنبه.. المهم أن يرحل بعيدًا ..
يشعر بكف يعقوب تطبطب على ظهره وهو يسير يحثه على المضي قدمًا معه، يسيران جنبًا إلى جنب.. في المرة الأخيرة كان يعقوب أكثر هلعًا وياسر أكثر اطمئنانًا، تنقلب الآية بسيرهما متجاورين .. يتشابهان بذات الوجع، يفترقان بسكينة غريبة تلف يعقوب وانكسار حاد يغطي ياسر ..
أثناء سيرهما معًا بزقاق الحارة يُخرج ياسر هاتفه، بيد ترتجف يكتب رسالة قصيرة لنجد (لا تمرني، عندي ضيف) يُعيد الهاتف سريعًا إلى جيبه .. يصلان إلى بوابة المنزل، يفتحها ياسر ويعقوب خلفه .. تعود ذكرى ذلك النقاش الأخير إليه، لم ينسَ ذلك اليوم .. وكيف ينساه وفيه سُلبت عافيته وروحه؟

••
2004

تجمّدت أطراف ياسر، انقطع نفسه وضربات قلبه تزيد.. ليرفع رأسه يعقوب بقلة حيلة: "كنت أدري إنها بتنضام عندي... - يصمت للحظة ويتابع - تعرف أخبارها؟ "
تضطرب نظراته، يشتت عينيه بكل اتجاه .. يحاول لملمة نفسه وهو يمسح وجهه بكفيه مطلقًا زفرة حارة :" عطتك عمرها "
تتسع أحداقه بصدمة، يحاول استيعاب (موتها) .. الجوزاء ماتت؟ زوجته القديمة .. يذكر ملامحها جيدًا، وديعة وكأن سكون الدنيا كله يسكنها، ما زالت صورتها تلك بملامحها المفجوعة وهي تتوسط زوجة موسى وخطيبة يوسف وهي تراه يدخل صالة منزلهم الواسع بثيابه البيضاء التي تحولت إلى حمراء إثر الدم الذي يغطيه وحالته المنتكسة والهلع يغطيه وعبارة وحيدة خرجت من فمه (الجوزا انتِ طالق .. روحي عند أبوك بسرعة) تسيطر عليه وتقضّ مضجعه، لا يعلم ما حصل لها بعد ذلك .. وها هو ياسر يُلقي عليه طامة موتها، يتمالك نفسه .. يُحرك خاتم يوسف بتوتر جلي ليخرج كلامه مبعثرًا :" الله يرحمها .. متى؟ "
تلمع عيناه بدمع لا يسيطر عليه، يتنهد بثقل :" قبل ست سنين"
يتجاهل كل شيء .. ينصبّ كل اهتمامه على لمحة الشوق والأسى بعيني ياسر الذي اضطر لرفع كفه مكفكفًا دمعة ما زالت عالقة، ينسى كل شيء .. لا يعي بنفسه وحديث قلبه يخرج، منذ أن حطت قدماه على عتبة ياسر وعقله مغيّب مسلّمًا أموره لقلبه المتعب .. تخرج حروفه حارة مؤكدة :" كنت .. تبيها؟ "
يُنزل أنظاره دون جواب، لا يُلقي بالًا لانفعال الحزن والحسرة بصوت يعقوب :" كنت تبيها صح؟ ليه ما تكلمت يا ياسر؟ ليه ما منعتني؟ .. أنا جيتك بنفسي .. تذكر؟ جيتك قبل الكل آخذ إذنك! - يهز رأسه بعشوائية وهذيان - ليه ما تكلمت؟ علمني؟ .. لو تكلمت .. ما كان صار شي! ما كان وصلت لهالحال! عايش ومانيب عايش! .. أموت كل ليلة بالذنب اللي خلّفته وراي! ليتك تكلمت ياسر! .. ما قطعت كل هالمسافات بعد كل هالسنين إلا عشان أدور لها، يمكن تشفيني شوي! "
تخرج أنفاسه حارة، نعم يذكر ذلك المساء الذي أتى به يعقوب مضطربًا متوترًا أثناء عمله في المكتبة .. كان ياسر منشغلًا بأرفف الكتب الطويلة، يرتّب الكتب المبعثرة حسب رقمها التسلسلي، فاجأه وجه يعقوب متسللًا بين الكتب، كان جليًا عليه الضيق والتردد .. مع هذا استقبله ياسر المتعب بابتسامة مترقبة، وقف يعقوب بجانبه يحمل بعض الكتب يُساعده بترتيبها متجاهلًا اعتراض ياسر الذي نطق ضاحكًا (اتركها عنك، مابي آخذ ريال حرام) يتبادلان أحاديث باردة، إلى أن فاجأه يعقوب بخبر عودته إلى أمريكا مجددًا نهاية العام، كم يغبط يعقوب على تحقيقه لكل أحلامه، منذ كان صغيرًا يحلم كثيرًا متجاهلًا سخرية الجميع، وها هو حلمه يسعى معه .. سيفتقد يعقوب كثيرًا، منذ عاد عادت أيامهم الخالية، أربعة لا يفرقهم شيء مع تباين أفكارهم واهتماماتهم .. يُكمل حديثه يعقوب بضيق شاكيًا لياسر إصرار موسى وأعمامه على تزويجه قبل سفره، يُشجعه ياسر .. لا ينقص يعقوب المال والجاه حتى يؤجل إكمال نصف دينه، إلى أن هدم يعقوب كل شيء وهو يقلّب صفحات أحد الكتب بعشوائية (بنت متعب .. تبيها؟ )
تجمّدت أطرافه، نبضات قلبه تصاعدت حتى كادت تخرج من محجريه.. ابنة متعب؟ لا يعرف ابنة لمتعب سوى واحدة سرقت كل قلبه وعمره، واحدة تتضاعف المسافات بينهما يومًا بعد يوم، كان ملقيًا ظهره ليعقوب وهو منشغل بمجموعة كتب.. إلا أن رجاء يعقوب وصله وكأنه يراه أمامه (تكفى ياسر، اعتبرني أخوك .. إذا هي بخاطرك علمني)
يتهاوى كل ما في ياسر، يشعر بجسده يتساقط مع كل حرف يخرج من يعقوب، تتداعى أطرافه .. لماذا هي؟ منذ وفاة أخيه تساقط على أبوابها الرجال، وكأنهم أدركوا ضياعها من يده .. عداه هو الذي يرفض تصديق أن (نورة) أرملة أخيه ستصبح زوجة له بعد تجاوزهم رحيل عُمر..
قبل شهر ونصف أسرّ إليه نجد بشاب تقدم لخطبتها، يستشيره بأمره .. وسرعان ما اطمأن لرفضهم، إلا أن نجد عاد ليخنقه مجددًا بعد مضي ثلاثة أسابيع ليخبره عن خطيب جديد .. كاد يُجن، يتمنى لو يصرخ بوجوه جميع الرجال (توقفوا .. لحظة، يوم، عام، عشرة أعوام .. حتى أجمع شتات نفسي وأخوض هذه المنافسة معكم .. عندها، سأضمنها) والآن ماذا؟ يعقوب؟ صديقه؟ أتى راكضًا من غرب الأرض إلى مشرقها كي يدخل ضمن هذا السباق؟ كل هذا ثقيل على قلبه .. كل هذه الحرب داخله يكبتها لتشتعل أكثر وتأكل ما تبقّى منه ويبقى وجهه البارد، يدس كتابًا بيد تهتز .. يعقد حاجبيه حتى يتمالك ملامحه دون أن يواجه يعقوب (ليه تسألني؟)
لا يعلم بأي طريقة خرج صوته، لكن ما هو متأكد منه أن هذا الصوت لا يشبهه .. يعود صوت يعقوب ضائقًا منحرجًا لتذكره تلك الرسالة القديمة لمراهق صغير (مدري! .. يعني .. امممم زمان، أذكر كنت .. تبيها؟)
تتفجّر الدماء في وجهه، (كنت؟) لم تكن الجوزاء يومًا فعلًا ماضيًا ولن تكون .. دائمًا هي مضارعه ومستقبله، لكن كيف يواجه بؤسه الذي يحتّم عليهما الفرقى؟ للمرة الأولى يتمنى لو يأخذ مكان يعقوب .. يأخذ اسمه ونسبه، ورثه، ماله، حظه الباسم.. لماذا تتكالب عليه هو المصائب دون الجميع؟ دَين والده، ضيق الحال، رحيل أخيه، ترمّل نورة، تيتّم ثامر!
لحظة عابرة فصلت بين صوت يعقوب وضحكة ياسر المرتفعة كانت كالدهر على قلبه، ضحكة أطلقها ليُخفي خيبته .. وزيفٌ موجع يخرج من فمه وهو يواجه يعقوب (مدري والله يا يعقوب وش اللي ببالك، بس إذا تذكر شي أنا ناسيه فترى كنا أطفال.. جاهلين.. - يُتابع وابتسامته تتسع وهو يلحظ عدم اقتناع يعقوب - مثل ذيك! أخت محسن .. تبيها؟)
يعقد حاجبيه بعدم فهم، ليُكمل ياسر وهو يعيد ترتيب الرفوف (شفت! نسيت .. أخت محسن اللي كنا نعايرك بها! .. لأننا كنا أطفال، كبرنا يا يعقوب)
لا يذكر إطلاقًا من هي تلك الصغيرة التي كانوا يعيّرونه بها، يندم للحظة لطرحه الموضوع التافه على ياسر.. كيف يُذكره بحادثة غبية لمراهقته؟ لكن ما أن زاد الخناق عليه وأخيه يوسف لإقناع أحدهما بخطبة ابنة متعب لتوثيق العلاقات بين شقيهما بعد أمد طويل من الحرب والمشاكل تكللت جهود الكبار بإقامة الصلح حتى قفزت تلك الذكرى إلى عقله، لا يرغب بفتاة غير (منى) المغتربة بعيدًا .. إلا أن ضغط يوسف عليه جعله يستسلم أخيرًا، مع هذا عاد مجددًا ليسأل (أكيد يا ياسر؟)
يؤكد عليه الآخر بثقة (توكل على الله، والله انك رجال نسبك ينشرى)
بدأت تستريح نظراته، بدأ ينزاح الشك منها .. يودّعان بعضهما وياسر يعتصر قلبه وهو يعيد تأكيده وكأنه يحاول إقناع قلبه بفشله، الجوزاء ليست له .. ليته أعار انتباهًا لكلام أمه وأخيه وهما يحاولان إقناعه بأنها لا تصلح له، يبوح ليعقوب قبل مغادرتهما معًا المكتبة بأن (أم ثامر) هي مصيره، وهي ما تحتم عليه العادات حتى يبقى ثامر تحت ظله.. ليمضي يعقوب خاطفًا روحه.
وها هو يجلس أمامه الآن بعدما رحلت جوزاؤه مكتشفًا بريق العشق في عيني ياسر الذي حمحم بصوته :" ماتت وهي على ذمتي، هانت علي الحياة بعدها .. لو لا عيالي كان لحقتها"
يرفع عينيه لتقابله صدمة يعقوب، هل كان نبأ زواجه بطليقته ثقيلًا عليه إلى هذا الحد؟ أيستشعر يعقوب الآن ذرة ممّا ذاقه ياسر؟ كيف يُثبت له عدم أحقيته برمي نظرة مثل هذه؟ الجوزاء أبدًا له .. خُلقا ليُكملا بعضهما، إلا أن انفراج شفتي يعقوب بابتسامة متعبة غير مصدقة وهو يطلق زفرة طويلة أذهلته وهو يردد:" الحمدلله، الحمدلله .. - يمسح وجهه بكفيه، يبعدهما لتنكشف ملامح لمسافر أضناه التعب - كنت خايف يا ياسر .. خايف أرجع بدون فايدة مثل ما جيت"
تبهت ملامح ياسر، لم يعد يسمع شيئًا سوى ضربات قلبه ترتفع أكثر فأكثر، يزدرد ريقه ليرتد صوت ريقه داخل أذنه.. نفسٌ ثقيل يحاول الخروج بصعوبة، يخترقه صوت بكاء موجع ليعقوب .. بكاء يخترق أذنه إلى أعصاب رأسه، يُغمض عينيه بشدة علّ هذا البكاء يختفي ويقطع وجع رأسه .. يفتحهما بسرعة على صوت حشرجة يعقوب بهمس وهو يمسح عينيه :" وينه؟ "
ترتجف يديه، يتصبب وجهه عرقًا .. فتيل يُشعل أعصابه، يشبّك يديه ببعضهما ليتمالك رعشته أمام يعقوب وصوت باهت يخرج بترقب:" مين؟؟"
كلمة واحدة حملها جوابه، كلمة فجّرت جميع عروقه .. سلب منه يعقوب لون وجهه وشفتيه وهو يُجيب بتهدج :" ولدي! "
هواء حار يحرقه مصدره نيران اشتعلت داخل رأسه، يفكّ زر ثوبه ليمرر كفه على رقبته المبللة .. يتلفت يمينًا ويسارًا باحثًا عن مخرج، يطول صمته دون جواب .. يعود صوت يعقوب القاتل مجددًا هامسًا باضطراب :" صح هو؟ اللي كان معـ.."
يقاطعه بسرعة وهلع :" لا! .. هذا ولدي .. مني أنا!"
تتسع أحداق يعقوب بملامح يجهلها ياسر .. تضيع الكلمات منه، لا يعي ماذا يقول .. لتتبعثر كلماته بعشوائية:"هذا ولد نورة .. الجوزا ما عندها عيال"
لا يعلم كيف خرجت من شفتيه، عقله مغيّب .. يُملي عليه هذيانًا بعشوائية، يُعيد أنظاره إلى يعقوب ليستشفي أثر كلامه عليه .. يصطدم بوجه جديد ليعقوب، وجهًا أسود يتملّكه الجنون .. لحظة واحدة حتى قفز إليه يشد ياقة ثوبه وهو يهذي بتكذيب وصدمة :" لا تقول ولد نورة! .. هذا ولد الجوزا .. ياسر! هذا نجد الصغير اللي نعرفه! .. خويك! .. نسيت ملامح خويك؟! .. هذا هو ماخذ كل ملامحه! .. - يخنقه دون وعي منه وصوته يذبل أكثر- أنا من شفته بالمقبرة عرفت انه ولد الجوزا! .. لا تكذب علي.."
تتهاوى قوته بضعف، يحرر رقبة ياسر ليُلقي برأسه على كتفه وبنشيج :" لا تكذبني بولدي يا ياسر، الأب ما يكذب بابنه.. "
يختنق أكثر، دموع يعقوب على كتفيه تتحول إلى نيران تحرقه .. يشعر بجسد يعقوب كسلاسل تقيّده وتلفّ جسده، يحاول الفكاك منه وبهمس مضطرب :" روح يعقوب، مالك شي هنا .."
تبهت ملامحه وكأنه تلقى صفعة، يُتابع ياسر بشتات محاولًا إقناعه :" انتهت عدتها بعد خمسة وأربعين يوم، وتزوجتها من ليلـ.."
يقطع كلامه إثر صفعة حارة أحرقت وجهه، لا يترك له مجالًا لاستيعابها وهو يهجم على رقبته مجددًا:" خمسة وأربعين يوم! يا ظالم! - يشد عليه أكثر ليرتطم جسده بالجدار دون أن يقوى على الحراك- خمسة وأربعين يوم! بأي شرع هذا؟ كيف طاوعك قلبك! "
فمه امتلأ دمًا، ويعقوب يشد عنقه .. يحاول الفكاك منه بقوة ليخرج صوته ضعيفًا مجاهدًا :" روح اسأل .. أي شيخ .. موسى.. اسأله، عدة صحيـ.."
يقاطعه وهو يسحبه ليرميه مجددًا على الجدار :" صحيحة؟!! عدة حامل بالشهر الثاني خمسة وأربعين يوم!! .. - يهز رأسه بعدم تصديق مؤكدًا قبل أن يذبل صوته- لا تقولي سقطت الجنين .. لأني شفته اليوم يا ياسر، شفته بالمقبرة .. شفته بمدرسته.. سمعته وهو يناديك يبه.. لا تقول مو ولدي.. لو ما جيت وشفته كان قدرت تكذب علي وتقول مات! عشت السنين الماضية وأنا أخمن كل يوم .. هو ولد؟ بنت؟ هو حي؟ ميت؟ يشبهني؟.. بس شفته يا ياسر، شفت كفه اليسرى.. وراثة ماخذها مني ومن أبوي، كان قلبي يقول هذا ولدك .. بس ما صدقت، خفت أتعلق بوهم، بس شفت أصابعه عرفت إنه ضالتي! لا تكذبني يا ياسر .. عرفته لأني أبوه، بس أبيك تقول ايه هو ولدك! .. شفته اليوم بالمدرسة .. مع ولدك .. يوسف! سميته يوسف؟ ليه يا ياسر ما سميتو ولدي يوسف؟ تبون تحرقون قلبي؟ .. تبون ولدي ياخذ اسم الشخص اللي سلب عافيتي؟"
كان يتحدث بتخبط مستندًا على الجدار بعدما أعتق ياسر الذي لم يزده حديث يعقوب إلا اختناقًا، يقول بأنه رأى نجد؟ نجد الذي ترجح كفته على جميع الخلق؟ لا أحد تجاوز حبه للجوزاء سواه .. وكيف لا وهو وحده من يحمل جزءًا منها؟ كبر داخل رحمها ليتظخم حبه بقلب ياسر .. خرج منها ليُزرع بفؤاد ياسر ويكبر يومًا بعد يوم، يقول الآن يعقوب وبعد خمسة عشر عامًا بأنه يعرفه؟ وبأنه ابنه؟ وهو الذي لم يشهد سوى بضعة أسابيع من تكونه؟ ماذا عن الذي حمله لأول مرة؟ من كان يحمله في حضنه يكاد يبكي معه في يومه السابع يوم طهره؟ يشد على يديه والإبرة تنغرس داخل شريانه، من نطق اسمه لأول مرة (اسل) يقصد بها (ياسر) قبل أن يُعلمه نطق أجمل كلمة سمعها في الكون كله (يبه)، من علّمه سورة الفاتحة؟ كتابة اسمه؟ اصطحبه ليومه الدراسي الأول؟ من سهر أيامًا يبتكر قصصًا خيالية لا تليق لأحد سوى نجد؟ من أعطاه نصف قلبه ليترك الباقي لجميع الخلق بما فيهم أقرب الناس إليه؟ يأتي يعقوب الآن ليحاول إثبات معرفته الكبرى به؟ (كفه اليسرى؟)؟ هل يقصد التصاق خنصره ببنصره؟ علامة لازمت نجد حتى ألفها الجميع ولم يعد يلحظها أحد يأتي الآن ليقول بأنها أُخذت منه؟
يهز رأسه بعدم تصديق.. يفقد قوته ليتهالك جالسًا بجوار يعقوب، ارتعاشه يزيد .. هل حان اليوم الذي يخافه؟ بأن يخرج صوت يؤكد له معرفته بجرمه الذي تشاركه معها ومع والدها؟ بأن نجد لا يحمل منه شيئًا سوى حبه .. كذبة صدّقها وعاش عليها، إن مرّت على الجميع فلن تمر على من أودع تلك النطفة في رحم الجوزاء .. يسمع هذيان يعقوب بجواره، وكأنه دخل في حالة هستيريا مرددًا :" وين خوفكم من الله؟ زواجكم باطل، شلون تزوجتها وهي حامل؟ شلون رضت؟ أبوها؟ .. إذا انت وهي .."
يقاطعه باستسلام جامدًا :" ما تزوجتها إلا بعد ما انتهت عدتها .. ونجد توه متمم الشهر"
ينقطع بكاء يعقوب لتعلو أنفاسه المضطربة، يُسلط أنظاره نحو ياسر باستجداء لأن يكمل .. يُتابع وجموده يزيد:" بعد رمضان أخذها أبوها لهجرة منعزلة بطرف الرياض، عشان ما يعرف بحملها أحد .. ما كان يعرف أحد بحملها غيرها وأبوها حتى ناصر ما عرف، لين مضت خمسة وأربعين ليلة وعلمني .. طلب مني بس تنتهي عدتها وتحط حملها أتزوجها-يضيع صوته بضياع - كانت تقول ماحد يعرف بحملها، حتى أنت! "
يهز رأسه نفيًا بتعب :" كذبت، كنا تونا عارفين بالحمل .. قبل أسبوع من اللي صار، كانت معي وتعرف إني أعرف"
يأخذ شهيقًا طويلًا وصداعه يزيد، لماذا كذبت؟ لماذا جعلته يطمئن لجهل الجميع بما في بطنها؟ غير أن صوته يخرج مدافعًا يبحث عن حجة تدينها :" يمكن .. يمكن كانت خايفة يربطها شي بكم، تاخذون ولدها"
يهز رأسه إيجابًا بحسرة، تمامًا كما كان هو .. لم يخبر أحدًا بما خلّفه داخل الجوزاء سوى زوجته منى، هاربًا من تلك النطفة التي تربطه بمن يطلبون دمه .. لم يكن يفكر سوى بنجاته، يتابع ياسر وهو يمسح وجهه :" انقطعوا عن العالم سنة ونص، ببيت صغير ما يمره أحد إلا كم راعي .. تركوا ناصر مع قريب لهم شهور حملها بحجة دراسته كان الكل يظنها جنّت، وناصر كان صغير وجاهل .. علمناه بعد شهر ونص من اللي صار بكذبة زواجي بها، علمنا الكل عشان لا ولد بعد ست شهور تكون حجتنا بإنه ولدي، أمي ونورة كانوا يعرفون .. كانت أمي رافضة، رافضة كذبة العقد الوهمي، رافضة الجوز، رافضة نجد - يعض شفته بوجع ليُكمل - كانوا كلهم رافضينه .. جده، عمره ما عطاه نظرة أبوة.. كان دايمًا يقول هذا من دمهم، هذا ذنب أسود بيلحق الكل.. ما عاش إلا سنتين بحياة نجد وسنته الأخيرة كان مو واعي، فقد عقله .. أمي بعد، ماتت وهي رافضة وجوده ورافضة الجوزا.. نورة وحدها اللي حملت كل شي على كتوفها، نورة .. كانت أعظم بركة بحياتنا، مسكت بيدي ووافقتني على كل شي سويته .. كتمت سرنا، كانت دايمًا ساكتة .. للحين أجهل ليه وقفت معي كل هالوقفات وأنا اللي ما عطيتها شي صالح بهالحياة؟ تزوجتها وهي تعرف بحبي للجوزا .. تركتها معظم أيام حملها بولدي وأنا أركض ورا الجوزا، فوّت ولادة ولدي وأنا بعيد كل عقلي مع الجوزا وأبوها ونجد.. ومع هذا عمرها ما لامتني، ما رفضت طلبي نسجل نجد باسمها مع يوسف، حتى يوم رفض نجد حليب أمه هي بنفسها كلمتني وطلبت تروح للجوزا وترضع نجد .. كانت تعرف إني أبي هالشي، أبي شي حقيقي يربطني بنجد .. بس رفض، وكأن الله يعاقبني برفضه.. عشت مع الجوزا ونجد وناصر هنا ونورة وعيالها بالبيت الثاني .. حاولت أوازن بس عجزت، نورة بنفسها إذا جيتها تقول روح الجوزا تحتاجك .. لين طلبت مني أطلقها، سجلت البيت باسمها .. كانت تبي تعتقني من حملها .. تبيني أموت وما بذمتي غير الجوزا - يصمت بحسرة ليتابع بضيق - بس الجوزا سبقتني وسبقتها"
ينتهي صوته، لا شيء أكثر من ذلك يمكنه إخباره ليعقوب .. كل شيء انتهى، اعترافات كان يهرب منها .. سره الكبير كُشف، لم يفِ بوعده للجوزاء ولا والدها، تركاه وحيدًا يواجه ذنبًا أشركاه به .. أمام أكثر شخص لا يجب عليه أن يعرف، أنفاسه المتلاحقة تنقطع وهو يرفع رأسه لصوت يعقوب :" أبي أشوفه"
تتسع عيناه بهلع، يُجن باضطراب مرددًا :" لا مستحيل، هو كبير وواعي .. هو ولدي، ما يعرف أب غيري .. بتدمره يا يعقوب! ابعد عنه .."
يختلط جنونه بجنون يعقوب الذي يقف بدون إدراك ليقفز إليه ياسر يشتبك معه محاولًا إيقافه :" هذا ولدي ياسر! تعرف وش يعني؟ "
-" مو بعد كل هالسنين! وينك من أول؟ ما أسمح لك تقرب منه .. مافي أحد بهالدنيا بيحميه غيري، ما بتقدر تعطيه اللي عطيته، بتعطيه عمرك وكل حياتك؟ "
يتجدد بكاؤه بضعف :" عنده أخت! أبيه يعرف عنها .. يحميها وترعاه"
تسقط الصدمة عليه ثقيلة، أخته؟ لدى نجد أخت؟ وهو الذي كان دائمًا ما يرجو أمه وأباه كلما انتهى لعبه مع يوسف وثامر ويمامة بشجار صغير بأن يجلبوا له أختًا لأن ثامر دائمًا ما يقصيه بعيدًا عن استمالة اليمامة وهو يردد (هذي خالتنا احنا، انت مالك دخل)، له أخت؟ هل تشبهه؟ .. يخرج صوته ثقيلًا محاولًا إثبات قوته :" روح لها، لبنتك .. لا تفقدهم الاثنين، تبيه يشوف أبوه ينقص؟ .. تفقدك بنتك؟ تبيهم يعرفون إن أبوهم قاتل؟"
يقفز بهلع والكلمة تصيبه بالذعر وتُخرس فمه، يُتابع ياسر :" ارجع يا يعقوب للمكان اللي جيت منه، مافي أحد يعرف عنك.. روح لبنتك، عيش معها وكبّرها وربّيها .. لا تخليها تفقد أبوها .. نجد ما بيلقى أحد يحبه كثري، إذا فكرت تسرقه مني صدقني مافي شي بيردني أبلغ عليك .. بتفقدك بنتك، نجد بتدمره لا عرف"
يرتعش ببكاء مذعور، تلوح له صورة طفلته هديل الباسمة .. وعده لها بأن يعود سريعًا، يخرج صوته ضعيفًا باكيًا :" تهددني ياسر؟ أنا ما طلبت غير حقي"
أي حق يسأل عنه بعد كل تلك السنين؟ لماذا لم يأتِ ليلة ولادته؟ ليس بعد أن تمكّنت منه الكذبة وعاش عليها .. :" ايه أهددك لأن نجد ما بيلقى أحد يحميه كثري، بحميه من كل شي يعقوب! حتى انت .. إذا تبيه يعيش بسلام ابعد عنه، ما بتقدر تحميه يا يعقوب صدقني .. لا عرف ما بتعيش معه إلا كم دقيقة وبتروح للسجن وبتنقص، تبي تهدم حياته مقابل كم دقيقة؟ صدقني أنا له أكثر من أب .. باخذ من عمري وبعطيه .. روح يا يعقوب بأمان الله وتأكد إن نجد معي بمقام يوسف عند يعقوب"

•••

ما زال ذاك الحوار يدور في رأسه كل ليلة، يذكر خروج يعقوب باضطراب من منزله .. وقوفه وحيدًا مستندًا على الجدار ورجفة مزلزلة تصيبه وكأنه للتو شعر بأوجاع جسده لا يعلم كم مضى من الوقت حتى شرّع نجد الباب وصوته القلِق يصدح داخله (يُبه!) دارت الدنيا في رأسه، استشعرها وكأنه يسمعها للمرة الأخيرة .. كيف لكلمة واحدة عذبة تصنع به كل هذا؟ اختلطت دموعه بدماء أنفه، تفجّر قلبه بحب عظيم لنجد .. نسف كل حبه القديم ليولد حب أشد وجعًا، عاش أيامًا مرعبة خشية معرفة نجد بكل ما حصل .. لكنه أثبت له يومًا بعد يوم جهله بكل شيء.
يُقرب القهوة والتمر إلى يعقوب، يسأل كل منهما عن حال صاحبه بحوار بارد لا يعكس النيران المتأججة داخل ياسر، يتأمل يعقوب .. كيف تحول تحولًا كبيرًا، لم يكن يتصور بأن يراه بهذه الحال .. يأخذ العُمر ملامحه الجميلة، نضج كما لم يكن يومًا ما .. يُعيد أنظاره لعيني يعقوب على ضحكته الصغيرة :" تشوف شكثر كبرت؟ "
يشتت أنظاره بزفرة :" كلنا كبرنا "
تتجمّد أنظاره فجأة على الجدار خلف يعقوب، يتصبب عرقًا مستوعبًا الصور .. لوحة كبيرة لفرس عريي ممزوجة بأبيات شعرية رسمها ثامر قبل سبعة أعوام بجوارها صورة صغيرة تجمعه بنجد ويوسف وثامر، هل رآها؟ .. يزم شفتيه مرجعًا أنظاره ليعقوب الذي نطق متنهدًا :" أهلكني السرطان، أخذ كل قوتي .."
تتسع عيناه بصدمة سرعان ما تحولت إلى أسى، يستمع لسرده وهو يشكي له عن مرضه وكيف تلقى صدمة إصابته به وحاول تجاوزه .. عن دعم زوجته وابنته، وما استجد مؤخرًا به .. يحاول مواساته، تصبيره .. غير أنه لا يصبر عن طرح ما يدور داخله بريبة :" ما كان هذا اتفاقنا يعقوب، ليه رجعت؟ "
ترتسم على شفتيه ابتسامة هادئة معتدلًا بجلسته :" لأني هزمت كل مخاوفي، ما عاد في شي أخافه يا ياسر.. ناصر؟ أنا خلاص اكتفيت من حمل هالهم على قلبي.. مرضي ياخذني أكثر وما عاد بقى من العمر إلا آخره، جيت أسلم نفسي .. بيسامح أو بياخذ حقه ما عاد تفرق عندي، أنا رايح رايح لربي"
تبهت ملامحه، هزم مخاوفه؟ هل يعني أنه هزمه؟ هل يعني أن ... يقطع تفكيره صوت يعقوب وملامحه تذبل :" لا تخاف ياسر.. ما جيت آخذ منك شي - يُنزل رأسه بأسى وضيق ليزفر زفرة طويلة - مافيني قوة أهدم حياته بعد ما بناها، أدري هالشي ما بيزيد غير أوجاعي أنا .. وبيحطمه، مابيه يذوق وجع أنا أعرف تبعاته"
لم يزده حديث يعقوب سوى همًا، أن يُسلم نفسه يعني أن ينتهي هو من همه ومخاوفه .. لكن ماذا عن نجد؟ نجد ذاته ابن قلبه.. سيشد على يد خاله ويوافقه بالقصاص من (يعقوب) أبيه دون أن يدرك! لماذا لم يتابع يعقوب طريقه واختفاءه حتى يُريحه؟ لماذا عاد؟ يعلم تمامًا أن لا شيء سيبقى على حاله بعودته وإن لم يُكشف سره .. يمسح جبينه بضيق وكلمة وحيدة قفزت إلى لسانه فجأة متذكرًا :" وبنتك؟ "
يبتسم متنهدًا وهو يعتدل بجلسته :" بنتي هي السبب اللي أرغمني أجيك اليوم"
يعقد حاجبيه بعدم استيعاب، ابنته؟ هل ينوي إيداعها أمانة عند أخيها؟ كيف؟ ولماذا؟ يقطع حبل تساؤلاته يعقوب مجيبًا عنها :" جيتك اليوم لأننا مضطرين بكرة نتقابل، مابيك تنصدم بوجودي وينتهي كل شي"
غدًا؟ هل ينوي تسليم نفسه لناصر غدًا؟ يضيق صدره .. غدًا موعد محدد لدعوة عائلة خطيبة يوسف لمنزلهم، وبعد خمسة أيام موعد زفاف نجد! كيف يزف نجد في الأيام التي سيودع يعقوب السجن انتظارًا لقصاصه؟ .. يُتابع يعقوب ليُلقي عليه الطامة الكبرى :" بنتي .. هديل، زوجة ولدك يوسف"
يشل لسانه عن الحركة، يحاول إخراج كلمة وحيدة لكن يعجز .. هديل؟ كان قريبًا منه كل هذه الفترة دون أن يشعر؟ لماذا فعل ذلك؟ وكيف .. يُغطي عينيه بكفيه محاولًا تدارك صدمته ليتابع يعقوب :" ما استقصدته والله، عرف بنتي بمركز علاجي .. ما كنت أدري عن شي، لين صادفته مرة بالمستشفى ولا عرفته .. زوجتي خبرتني إن بنتي تعرف الممرض السعودي واللي اسمه يوسف - يقطع حديثه بابتسامة متعبة ثقيلة- وانت بالذات ما يحتاج أشرح لك تأثير الاسم علي.. بعدها بكم يوم عرفت إنه ولدك من اسمه، ما تعرف شكثر أوجعني الحال .. أشوفه وأجلس معه وأحيانًا وأنا معه يجيه اتصال من مين؟ من نجد .. يحكي لي عن أخوه، عن إنجازاته، تظني بفرط فيه؟ ما قدرت .. كنت أشوف فيه ولدي، أبيه كل يوم حولي يمكن يصادف وقت أسمع فيه ابني بمكالمة ولا فيديو .. كنت أدري إن بنتي تبيه، بوقت عجزي قررت أرجع لموسى وينتهي كل شي .. لمحت له حاجتي له يبقى يسند هديل، كنت أبي أربطه فينا.. ومثل ما تمنيت ربطتهم ببعض، كنت خايف إني ظالمه وظالم بنتي .. بس كل يوم كان يثبت لي إنها اختياره، بنهاية المطاف بيعرف إني يعقوب، ممكن ما يسامحني .. بس أثق إنه ما بيتخلى عن هديل.. أغليه كثر ما أغلي بنتي يا ياسر .. أوجعني قلبي وهو يحكي لي عن كل اللي مر فيه، موت أمه، مرضه .. عرفت إنك كنت شايل ولدي بعيونك بس على حساب من؟ على حساب يوسف"
ماء حار أحرق عينه، لا يعلم هل يبكي لحقيقة إقصائه ليوسف؟ أو لأن يعقوب يجلس أمامه يدّعي بأنه يعرف يوسف أكثر منه؟ يوسف الصامت والمنطوي على نفسه! أو لأنه يُلصق كلمة (ولدي) بنجد؟ لماذا لا يكتفي بنطق اسمه مجردًا؟ يشق صدره ليعصر قلبه كل مرة يقولها .. يكاد يصرخ (هذا نجد! لا تعي ما معنى نجد حتى تقتلني به) غير أن صوته يخرج بزفرة محاولًا كبت ما بداخله :" لا تحاول تثبث لي إنك تعرف ولدي أكثر مني، كلهم عيالي "
أشبه بضحكة صغيرة تخرج منه :" ما جيت عشان نتناقش مين يعرف ولد الثاني أكثر، تعرف .. كفتك بترجح طبعًا .. جيت لأني مابيك تنصدم بكرة، أبي كل شي يمر بسلام .. أبيك تعرف إن هديل أخته قبل لا أموت"
يعض شفته بهم، يفكر مطولًا لينطق بضياع :" مو مضطرين لبكرة، تقدر تعتذر .. أدري صعب عليك يعقوب"
يهز رأسه نفيًا بثقة :" لا، أقدر! .. بيمضي كل شي نفس ما خططنا، و ... - يخفت صوته بوجع- شفته من قبل، بدفن موسى .. فقدت توازني وكنت بطيح بس يده سبقتني، تخيل من بين الناس كلهم جت كفه وأسندتني وسلمني قارورة مويا - يضحك بوجع - ما عرفته لين شفته يترك يدي ويروح لك .. عالجت كفه؟"
يهز رأسه إيجابًا دون جواب، ليتابع بزفرة طويلة :" للحين محتفظ بقارورة المويا .. - يمسح وجهه المتوجع ليعود بالوجه الواثق- بس لا تخاف .. صدقني عندي قدرة أتجاوز بكـ.."
يُعيد أنظاره ياسر ليعقوب عاقدًا حاجبيه بعدما قطع كلمته ودخل بصمت مريب ليُفاجأ بانقلاب وجهه .. لونه المخطوف، شفتيه الزرقاء، تصبب عرقه وعينيه الشاخصة لخلف ياسر .. بتلقائية يلتفت حيث ينظر يعقوب، يتجمّد .. رجفة مفاجئة تتملّكه على رؤية نجد يصعد العتبات راسمًا ابتسامة صغيرة، يتصبب عرقه .. طنين حاد يفرم رأسه يشبه ما حصل معه قبل سنوات .. يزيده صوت نجد الباسم وهو يدخل المجلس مقتربًا من يعقوب :" السلام عليكم ورحمة الله .. "
يُراقب ياسر ملامح يعقوب ونجد يُدنو منه ينوي السلام عليه، أين القدرة والثقة اللذين يحكي عنهما قبل قليل؟ تحول فجأة إلى شخص آخر .. أشد ضعفًا من ذاك الذي على قبر يوسف يبكي، رجفته لا يمكن أن تغيب عن نجد .. يرفع كمامه باضطراب ليغطي نصف وجهه، عيناه تتشتت في كل مكان إلا عيني نجد .. يرد بهمس أشبه بصمت على سؤال نجد عن أحواله وترحيبه.
يعتقه نجد أخيرًا ليقترب من والده بابتسامة مجاملة وعقدة حاجبين، يتعمّد أن يُدني جسده ليقبّل كتفه وبهمس خاطف :" يبه بخير؟ "
تتعلق عيناه بعيني نجد، لا يعلم ماذا يحصل .. إن كان هناك شيء واحد متأكد منه هو أنه ليس بخير، أبعد ما يكون عن الخير .. شيء ما يشق جسده، موجوع ولا أحد سبب بوجعه غير نجد، هل أتى الوقت الذي لا تُقبل فيه استعاذته من وجع نجد؟
عينا نجد المضطربة تحكي قلقه وخوفه لانتكاس حال والده، يزداد جزعه وهو يرى دماء قليلة تبدأ بالانسياب من أنف والده غير أنه يعتدل سريعًا على صوت الرجل خلفه :" عن أذنك .. ياسر"
ينطق بتلقائية :" وين يا عمي؟ باقي ما ضيفناك "
تزداد ضربات نبض شريان رأسه، يقاوم وجعه وأصواتهما تبتعد أكثر .. إصرار نجد مرددًا (عشاك عندنا) بالمقابل تعذّر يعقوب دون أن ينظر لعيني نجد هاربًا، يصحب صوت يعقوب الثقيل سعال مفاجئ متقطع ليضطر نجد لاعتاقه وحالة والده تشتته.
يُغمض عينيه محاولًا إراحة نفسه على صوت انغلاق الباب، إن كانت مجرد لحظات صغيرة بهذه الصعوبة فكيف سيواجهان الغد؟ كيف لم يفكّر يعقوب بهذا؟ تزويج ابنته بيوسف يعني أن لقاءات مهلكة كهذه ستتكرر كثيرًا .. هل كان يظن نفسه قويًا؟
يفتح عينيه على وقع خطوات نجد السريعة وصوته المتسائل :" ضغطك مرتفـ"
يقاطعه فجأة :" ليه جيت؟ أرسلت لك قلت لك عندي ضيف لا تمرني"
يسحب منديلًا ليقربه من أنف والده قبل أن يسحبه ياسر ويثبته على أنفه مغمضًا عينيه، بضيق يجيب نجد وهو يخرج علبة الدواء من جيبه :" استوعبت إنك ناسي دواك بسيارتي وأنا راجع من صلاة المغرب"



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 247
قديم(ـة) 06-05-2019, 11:50 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


يسحب الدواء وللتو يُدرك فوات أوانه، ظهور يعقوب سلب عقله .. ينوي فتح علبة الدواء إلا أن نجد يوقفه :" يبه لا تشرب دواك لو نروح المستشفى أفضل، أنفك ينزف"
يرفض ياسر بإصرار الذهاب للمستشفى حتى بعد قياس ضغطه المرتفع، يردد (أنا بخير، الحين بتحسن) لا يجد نجد بدًا من الاتصال بالإسعاف .. عينا والده المحمرة، نفسيته المنقلبة، نزيف أنفه، رجفة يديه كلها تذكّره بليلة قديمة.. ليلة قلبت حال والده ما زال يذكر هلعه وقتها، للحظة تمر في باله صورة ذلك الضيف الملثم .. يمر معه الغيظ الشديد الذي لازمه لذاك الضيف الذي تسبب بانتكاس حال والده، تعود له صورة الرجل المتوسط مجلسهم قبل أقل من ساعة، يزيد غيظه .. شعور شديد يُخبره بأن حالة والده الآن ليست إلا بسبب ضيفه، ذات الضيف القديم .. ممَّ يخاف والده؟ إن كان هناك ما يفقده صوابه أكثر من هوية الضيف هو هذا السؤال.
يترك والده مضطجعًا على سريره بعد فحصه وخروج المسعفين متذكرًا وقوف سيارته بشكل خاطئ، يركب سيارته وقبل تشغيلها يلمح من خلال مرآته ذات الضيف الثقيل يجلس بسيارته مضطربًا .. بدون تفكير يجد نفسه خارجًا من سيارته وها هو يقف بجانب سيارة الضيف يطرق نافذتها بحنق يحاول تمالكه.
يغيب عنه حال يعقوب المستند بإرهاق على مقعد السيارة مغمضًا عينيه وما أن وصله صوت النقرات فز جسده بتلقائية، وهن حاد يتملّكه على رؤية وجه نجد.. ينسى كل شيء، حتى قلقه على ياسر بسبب حضور سيارة الإسعاف، يحاول النظر في عينيه غير أن عجزه يمنعه.. يشتتها بضياع، يعاود نجد طرقاته، يشعر يعقوب بكفين تلف رقبته وتحجب عنه الهواء .. يُقاوم اختناقه، ليس وقت خذلان رئته له ..
يفتح نجد الباب سريعًا بعدما ألغى يعقوب تأمينه، يجلس بجواره واضطراب الرجل الغريب يزيد من جنونه، ماذا بينهما؟ ما الذي يجعلهما بهذه الحالة؟ يفقد عقله وهو ينطق دون تفكير :" أنا ما أدري انت مين ولا أدري بعلاقتك بأبوي بس أبي منك خدمة وحدة .. ابعد عنه - يصمت لبرهة يتمالك أعصابه، يعيد حساباته ليتابع بشتات - مدري وش بينك وبينه ويقلب حاله .. بس أبيك تعرف أبوي كبير وما فيه قوة يتحمل، وأنا ما بسمح يصيبه أي شي .. إذا بينكم أي حسابات أجهلها كلمني أنا .. أنا ولده، أوعدك أنصفك وتاخذ كل حقك، بس أبوي لا تقربه .. ما بسامحك لو تتسبب بأي ضرر له!"
يُخرج قلمه، يسحب علبة منديل بينهما ليدوّن عليها رقمه :" هذا رقمي .. أي حق لك على أبوي أنا متكفل فيه"
يخرج من السيارة بعد أن ألقى نظرة مطولة للرجل الصامت، جامدًا لا يتحرك من مكانه دون أدنى تعبير .. يزفر بضيق عائدًا إلى سيارته، يُعيدها إلى موقفها الصحيح ليترجل عائدًا إلى المنزل وحديث متضارب بداخله يُثقل عليه، هل أخطأ؟ هل ذاك ضيف خاص لوالده أساء معاملته قبل قليل؟ يعرف جميع أصدقاء والده .. هذا ليس من ضمنهم، وجه غريب ومألوف حد الغرابة، انفعل دون تفكير لأنه ما زال يعضّ أصابعه ندمًا على عدم معرفته بذاك الضيف القديم .. خطأ لن يكرره أبدًا بعدما أصبح رجلًا.
يدخل غرفة والده بعدما رسم ابتسامة صغيرة وهو يخلع شماغه : شلونك الحين؟"
يهز رأسه إيجابًا بتعب مغمضًا عينيه، يشعر بنجد يجلس على سريره .. وها هي يده تمتد إلى قدمه، يخلع جوارب والده .. يُدلك قدميه بهدوء :" تعرف يبه؟ قبل يومين كنت أتناقش مع يمام .. تقول إني أبالغ بخوفي عليك، وهالشي يضايقك .. تقول هالخوف يحسسك بإنك كبير وانت باقي بعز شبابك - يضحك ضحكة صغيرة ليتابع بابتسامة واسعة - لا عرفت إني قلت لك كذا بتجلدني أكثر! "
دون أن يفتح عينيه يبتسم ابتسامة متعبة :" ما غلط قلبك باختيارها"
تتسع عيناه باتساع ابتسامته المذهولة :" يعني توافقها؟ - يترك قدم والده ليعتدل بجلسته باندفاع مازحًا - لا يبه لا تخليها تلعب بعقلك، انت بالذات تعرف إن خوفي عليك شي يجري بدمي من صغري"
يُبعد ذراعه عن عينه، يسأم هروبه من عيني نجد .. يبتسم :" كنت إذا تأخرت بالليل أرجع وألقاك نايم بالحوش .. وإذا جيت أشيلك غرفتك تصحى وتسوي نفسك صاحي من زمان تنتظرني وتهاوش بعد ليه أتأخر، حتى أمك وأمي الله يرحمهم ما كانوا يشرهون كثرك"
يضحك متذكرًا معاملته لأبيه منذ كان صغيرًا، ينشرح صدره بتبسّم أبيه بعد وجومه .. يتناسى الضيف وما فعله بأبيه وحديثه الحاد معه مكرسًا تركيزه على والده، يقطع حبل ذكريات الماضي صوت قرع الجرس .. يترك والده على سريره متجهًا إلى الباب، يتجمّد للحظات مندهشًا بالجسد الواقف أمامه .. وسرعان ما علت أصواتهما وهما يتعانقان بشوق كبير.
تصل أصوات ضحكاتهما لياسر، يترك سريره منقادًا إليهما بذهول.. هل يتوهم صوت يوسف؟ لا يترك له نجد مجالًا للتفكير وهو يتقدم مسرعًا يجر كف يوسف :" يبه طالع مين هنا! "
يضحك يوسف بحنين كبير وهو يسحب والده المندهش إليه، يعانقه مطولًا .. يُقبل رأسه وكتفيه وكفيه بشوق :" شرايك بالمفاجأة يابو يوسف؟ "
يُعيده إلى كتفه :" والله هذا هو عيدي"
يحمل نجد حقيبته عنه، يلتف ثلاثتهم حول بعضهم في غرفة ياسر .. يتأمل إشراق يوسف، ابتسامته المختلفة .. كيف غدا شخصًا آخر، يتوجّع لما أوقع ابنه فيه .. هل سيُسلب من ابنه إشراقه هذا مثل ما تُسلب الآن فرحته باجتماعهم هذا؟
" كنت أتوقع أجي وما ألقى أحد بالبيت وأدخل وبس ترجعون تتفاجؤون، بس استوعبت إن ما عندي مفتاح وباكل تبن وأنا أنتظركم وكرهت المفاجأة أكثر وأنا واقف بالمستشفى ويمنعوني أشوف ثامر"
يُقاطعه نجد :" رحت تشوفه؟"
يهز رأسه إيجابًا :" ما توقعت مشددين بالزيارة، بس ترجيتهم وطليت عليه ثانية وحدة بس"
يطمئنه والده بهدوء :" بكرة إن شاء الله تشوفه معنا"
يحوّل نجد دفة الحديث وهو يسحب كف أخيه :" خاتم جديد؟ - ينتزع الخاتم من خنصره بإعجاب شديد - أهنيك على ذوقك"
تتسع ابتسامته :" من عمي عبدالعزيز"
عند هذه النقطة تغيب أصواتهما عنه، يضيق صدره .. يستوعب أن (عبدالعزيز) واقع وليس وهمًا، أصبح جزءًا من عائلته، يزداد ضيقه مع حديثهما عن عبدالعزيز وعائلته ولقاء الغد المرتقب .. لساعة ثم ساعتين يحتل نقاش زفاف نجد ويمامة وأهل خطيبة يوسف كل حديثهما، لا يعلمان ما يسببانه لوالدهما .. يُبالغ يوسف بمديحه لأهل هديل بحب كبير لا إرادي، كيف أصبحوا عائلته حتى قبل خطبته.. حديثه عن مرض والدها ومستجداته.
يُعاود ياسر وجع رأسه إلى أن يُعتقه يوسف أخيرًا وهو يستأذن للاغتسال، يلوذ إلى فراشه .. يتظاهر بالنوم حتى يُكفّ اسم يعقوب أو عبدالعزيز عن التردد إلى أذنه وحتى ينفرد بنفسه علّه يهدّئها.
يغلق نجد الباب خلفه بعدما أطفأ الإضاءة، يلتفت على صوت يوسف خلفه ملتفًا بالمنشفة وشعره المبلل بحالة فوضى:" أبوي نايم؟"
يهز رأسه إيجابًا :" ايه توه نايم "
يزم شفتيه بضيق ليُعود مجددًا إلى غرفة نجد وبهمس :" زين تعال لا نزعجه"
يتبعه إلى الغرفة، يجلس على السرير مقابلًا ليوسف الذي يجفف شعره :" ليه ما علمتني إن أبوي تعبان؟ "
يبتسم مطمئنًا :" لا هو بخير، بس اليوم مدري شفيه .. نوبة مفاجئة"
يعقد حاجبيه بضيق :"أكيد؟ مو من زمان؟ "
يهز رأسه نفيًا :" لا لا تشيل هم، بس بداية رمضان تعب يوم اختفى ثامر لكن بعدها رجع طبيعي "
يزفر بقوة :" ايه هذا هو، كان كل خوفي تأثر عليه أزمة ثامر"
يقف حاملًا هاتفه :" لا تشغل بالك أبوي بخير .. إذا تبي تنام نام هنا، غرفتك.."
يقاطعه وهو يفتح خزانته :" لا مابي غرفتك أبي ثوبك وشماغك"
يعقد حاجبيه باستغراب :" رايح مكان؟ "
يبتسم وهو يفتّش ثياب نجد :" أول موعد مع هديل وأهلها بالرياض، لازم أكشخ"
تتسع عيناه بضحكة :" ياخي اصبر لا تصير مشفوح توك واصل وبكرة تلاقيهم"
تتسع ابتسامته وهو يسحب أحد الثياب :" عطيتها وعد"
يستسلم له، يُساعده بتجهيزه .. يُطيبه، يعدّل شماغه، وها هو أمامه بكامل زينته .. ينطق يوسف وهو يرى نجد يرتدي حذاءه باستغراب :" وين رايح؟ بتترك أبوي؟ "
يعقد حاجبيه :" لا بوصلك! "
يزم شفتيه :" لا طلبت أوبر، خليك عند أبوي .. - يطلق ضحكة خفيفة على ملامح نجد المتفاجئة - ايه عادي، صح للحين أحارب .. بس بتغلب على هالخوف في النهاية"
لا يُخفي نجد دهشته وتردده، يردد (إذا صار شي دق علي، إذا غيرت رأيك كلمني، إذا تحس ما ودك عادي باخذك) لا يكفّ قلقه عند هذا الحد .. يستمر بإرسال رسائل ليوسف وهو بالطريق (كل شي بخير؟ تبيني أجيك؟ باقي مطول؟) لم يكن الطريق سهلًا أبدًا، للحظة كاد يأمر السائق بالتوقف ويكمل طريقه الطويل على قدميه .. زاد الأمر صعوبة مروره بالشارع الأكثر رعبًا بحياته، عند ذاك العمود كانت أمه مستلقية بدمائها .. يشد على يديه، يعبث بهاتفه محاولًا نسيان وجوده داخل السيارة .. يتخيّل أنه على سريره، في المستشفى حيث يتدرب، في أي مكان عدا مقعد السيارة ..
يلتقط شهيقًا قويًا ليزفره بأقوى ما يمكن على توقف السيارة أخيرًا، يخرج منها وهو يمسح جبينه .. يُعدّل شماغه أمام باب الجناح وقبل أن يطرقه يُفتح، لا تدع له مجالًا لأن يستوعب وهي تُلقي بثقلها عليه .. تحتضنه بشدة، يُبادلها الاحتضان ضاحكًا .. لا شيء يصف شوقه لها، يدفعها للداخل مستوعبًا أنها بلا حجابها .. يُغلق الباب بقدمه :" كل ذا شوق يعني؟ "
تخرج ضحكتها أخيرًا وهي تُبعد رأسها عنه حتى تتسنى لها رؤيته :" مدري والله"
يُقبل جبينها :" يعلم الله إني أكثر"
تتأمل هيأته الجديدة، تعبث بشماغه :" شكثر طالع حلو! ما عرفتك"
يرفع حاجبه بعدم تصديق :" ما عرفتيني وأنتِ هجمتِ علي قبل حتى لا أطق الباب - يُبعد يدها العابثة بشماغه - بعدين اتركي عنك اللعب، ترى نسيت شلون أنسفه هذا نجد الله يخليه ضبطه لي"
تنوي العبث أكثر غير أن صوت والدتها يوقفها وهي ترحب بيوسف، يُبعدها عنه حاثًا خطاه إلى أمها .. يُسلم عليها بشوق كبير، يتلفّت في الجناح :" وينه عمي؟ "
يأتي صوت هديل من خلفه :"طلع قبل المغرب يشوف أصحابه ومعارفه وللحين ما رجع"
تصب له القهوة أمها بابتسامة وهي ترى هديل تتعلّق بكتفه:" تدري إنها من الساعة تسعة حالفة ما تطلع مكان ولا تتحرك من عند الباب تنتظرك؟"
تحرّك حاجبيها بسرعة :" بس مين فاز بالرهان في النهاية؟ أنا "
يأخذ القهوة من أمها قبل أن ينقل أنظاره بينهما :" بعد في رهان؟ "
تضحك أمها بينما تسحبه هي لتُجلسه على المقعد وتجلس بجواره :" كانت تقول مستحيل تجي أكيد منشغل مع أهلك وبكرة بنشوفكم، بس أنا كنت واثقة بجيتك"
يُخرج هاتفه، يفتح الشاشة ليثبتها أمام وجهها :" الساعة 11 و54 .. أنا دايمًا عند وعدي"
تستلم لهما أمها وهي تقف لتتركهما جالسين بخصوصية، للحظة حلّ الصمت بينهما غير أشواق تحكيها عيناهما، شكله الجديد بالثوب والشماغ يدغدغان عواطفها .. تقطع هذا الصمت بابتسامة وهي تشتت أنظارها عنه:" الرياض حلوة"
" أتفق"
تُعيد أنظارها سريعًا باستنكار :" وين اللي كان يقول كريهة؟ لدرجة خوفني منها؟"
يضحك بخفة وهو يقربها منه:" لا فعلًا اليوم شفتها حلوة، مدري ليه! "
تُشبك أصابعها بأصابعه :" لأني موجودة، لا تنكر"
يهز رأسه إيجابًا :" أتفق"
يُفاجئها برده لتخرج منها ضحكة بتلقائية، يُتابع :" جد اليوم من طلعت من الطيارة وأنا أشوف الرياض بعين جديدة، ما عمري حبيت الرياض بعد موت أمي إلا اليوم "
تغرق بضحكة مستمتعة لإطرائه، يُتابع بهدوء مبتسمًا :" هديل، اليوم جيتك بأوبر"
تتسع عيناها بصدمة سرعان ما تحولت لابتسامة فخر وهو يُكمل :" ومن الطيارة للمستشفى بباص، ومن المستشفى لبيتنا بتاكسي .. شرايك بطالبك؟ "
تسحبه لتحتضنه بفرح حقيقي :" ياااا عُمر عمري طالبي المكافح - تبتعد عنه قليلًا بهدوء - بس لا تضغط على نفسك، خذ وقتك"
يهز رأسه نفيًا :" لا معليك مستعد.. بس لاحظي إني أغرقك مدح وأخبار حلوة عشان أمهد لك إني مضطر أطلع الحين"
تقطع ضحكتها بذهول سرعان ما تحوّل لحزن شديد :" تمزح؟ توك داخل! "
يزم شفتيه :" أبوي شوي تعبان .."
تقطع حبل تبريراته سريعًا بتفهم وابتسامة :" أجل لا تتأخر عليه، بكرة قدامنا "
لا يطفئ شوفها بحضوره لدقائق معدودة مع هذا اضطرت لتفهمه، من حقه أن يحظى بوقت مع عائلته بعد انقطاع طويل .. لن تنسى وفاءه بحضوره لدقائق من أجلها ..
يقف، تلحقه حتى باب .. وقبل فتحه يلتفت سريعًا متذكرًا :" صحيح، وش صار على السبحة؟ "
تشهق شهقة صغيرة متذكرة أمر السبحة :" كنت بنسى زين ذكرتني "
تُخرج القطعة الطويلة من جيبها، تسلمها له .. يلمح جزء من الورقة الملفوفة خارجًا من المنارة، تنطق بابتسامة بريئة :" والله ما فتحتها، كنت ناوية بس قلت أنتظرك "
يسحب الورقة ليحررها من مخبأها، ورقة قديمة محمية بلاصق شفاف يحفظها .. ينطق وهو يفتحها بلا مبالاة :" صدقيني بتطلع ورقة غبية بالنهايـ.."
تقاطعه وهي تسحب الورقة بذهول لتظهر أمامها ورقة مقتصة من مجلة قديمة تحمل أربعة وجوه شابة، يعقد حاجبيه ليقترب منها متأملًا الوجوه .. تُقربها أكثر لها وعيناها تتسع :" مستحيل، أكيد هذي مو نفس الورقة .. أكيد في أحد بدلها"
يُمسك بالورقة متمعنًا، ينظق أخيرًا بثقة :" لا هي نفس الورقة، لنجد الله يرحمه"
تسحبها منه وصدمتها ما زالت تسيطر عليها :" مستحيل! أنا متأكدة"
تُقرب الورقة منه وهي تُشير على وجهين متطابقين :" لأن هذا أبوي! "
ينقل أنظاره لها بعدم تصديق، يسحب الورقة مركزًا على الوجهين الآخرين وسرعان ما هزّ رأسه نفيًا بابتسامة :" صدقيني غلطانة"
بثقة مطلقة :" مستحيل أغلط بأبوي وتوأمه، شف توأم اللي هنا"
يسحب الورقة بثقة تقابل ثقتها :" وأنا مستحيل أغلط بأبوي، لو غلطت بنجد خال أخوي يمكن لأني ما أعرفه إلا صور بس .. لكن هذا أبوي، أعرف صوره بهالعمر"
تنطق بسرعة وهو يثني الورقة :" لحظة لحظة اصبر .. في كلام مكتوب ورا"
يُعيد فتح الورقة من الجهة الخلفية، يقرأ معها المكتوب بخط قديم (افتح باب الوصل ولا ترده) .. تتسع عيناها بينما هو يُشير لكلمة متكررة بخط متقطع (نجد) :" هنا الدليل القاطع بصدقي وتوهمك"
تهز رأسها نفيًا بضياع وهي تشير على كلمة وحيدة بزاوية الورقة :" شف مكتوب يوسف .. عمي! قلت لك هو اللي بالصورة! "
عند هذه النقطة تتشتت الدنيا بعينيه، يوسف .. نجد .. أسطورة ثامر القديمة والقبرين المتجاورين، عمها يوسف الذي يرتدي خاتمه .. توأم أبيها، يعقوب ويوسف التوأمين ونجد رفاق أبيه .. خوف أبيها من قصاص ينتظره، وجه ناصر وهو يردد طلبه بأخذ قصاصه من يعقوب رفيق والده الهارب منذ حوالي ثلاثين سنة، هل يُعقل!
لا يسمعها وهي تسحب الورقة :" بسأل أمي وبتأكد لك إن هذا أبوي"
تغيب عنه للحظات، تعود بوجه واجم .. وبصوت قلق يقاوم البكاء :" أبوي تعبان، ريم كلمتنا من المستشفى .. "


-


بعد ثلاثة أيام ..

قلق متفاقم يقتله، ماذا حصل؟ هل نُسي؟ هل تخلّصوا أخيرًا من جالب المصائب؟ لماذا اختفى الجميع فجأة؟ إن غاب عن ذكراهم الأيام الماضية فهل سيغيب عنهم موعد خروجه؟ ألن يأتي نجد لاصطحابه؟ ما زال يتوجّع بسبب آثار الحريق .. قدمه اليسرى متعبة لا يُمكنه السير عليها إلا ببطء، ماذا عن ناصر؟ من كان يزوره كل يوم لمتابعة حالته الأمنية هل أخلف وعده بوقوفه بجواره؟ هل أفسد كل شيء بإخباره عن هوية يعقوب؟ إن تخلّى عنه ناصر سيتفهّم السبب .. لكن أين عمه؟ من كان يدعو فوق رأسه ويهمس بآيات القرآن؟ يمامة أين هي؟ هل تجهيزها لزفافها بعد غد أهم من إلقاء نظرة خاطفة لحال الجريح ابن أختها؟ يوسف .. ألم يره قبل ثلاثة أيام؟ هل كان يتوهمه؟ لماذا لم يعاود زيارته؟ لا بأس لا يطلب منهم أي زيارة .. فقط يرجو من أحدهم أن يتذكر موعد خروجه اليوم ليصحبه إلى المنزل .. هل هو مهمش إلى هذا الحد؟ لماذا لا يرد أحد على اتصالاته بعد تفاقم قلقه؟ من شدة يأسه حاول الاتصال برقمها .. لكنها معهم .. مع الملتهين عنه.
يزفر بضيق ولا شيء يصف حجم خذلانه، يقف بصعوبة بمساعدة الممرضة .. إن خذله الجميع فلن يسمح بأن يشعر خالد بهذا الخذلان وإن لم يكن يعي .. زيارته مقتصرة على أهله، كيف له أن يشرح لهم بأنه كل أهل خالد؟ بأنه عائلته .. لا يُمكن لأحد أن يستوعب ما يعنيه هو لخالد وما يعنيه له، بعد رجاءات يُسمح له أخيرًا برؤية خالد قبل مغادرته المستشفى.
يدخل الغرفة الكئيبة الممتلئة بالأجهزة، صامتة عدا عن أصوات المنبهات .. انهيارات داخلية زلزلته جرّاء رؤيته له، لا يكاد يسلم عضو في جسده من توصيله بأحد الأجهزة، ملامح وجهه ساكنة بسلام .. كاد ينحني متحاملًا على وجعه ليُقبل جبينه إلا أن الممرضة نهته، يطلق زفرة حارة باستسلام :" من العايدين .. خالد .. أدري ما تسمعني، بس أبيك تعرف إني معك وأنتظرك"
لا شيء يملكه سوى هذه الكلمات، يخرج برفقة الممرضة .. وقبل أن يتعدى بوابة القسم، تُفتح البوابة على مصراعيها، دخول عصف بقلبه .. إن كانت رؤية خالد زلزلته فحضورها ولّد براكين داخله، يُحبس صوته .. يتمنى لو يخرج مناديًا (رغــد) إلا أنه خذله هو الآخر.
تمرّ منه سريعًا دون أن تنتبه له .. تقوده الممرضة للخارج مجبرًا، يحول بينهما الباب .. لتغيب عنه مجددًا ..
" ثامـــر"
يلتفت بسرعة على الصوت الباكي، تتسع عيناه على رؤية يمامة تبكي بكاء مرًا أفجعه .. يتلفت يمينًا ويسارًا لا يجد برفقتها أحد ليزداد ذهوله.



*•
- إني رأيت.. ألم ترَ؟!
- عيناي خانهما الكرى.
وسهيل ألقى في يمين الشمس مهجته.. وولّى.
- سيد البيد

(اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عنّا)




تعديل البيداء.; بتاريخ 07-05-2019 الساعة 12:43 AM.
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 248
قديم(ـة) 07-05-2019, 12:06 AM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي




مبارك عليكم الشهر الكريم، أسأل الله أن يتقبّلنا فيه ويكتبنا مع الصالحين العتقاء من النار.
نزل الفصل بعد مدة طويلة من الانقطاع، تبقّت لنا ورقتان وتنتهي الرواية، وصدقًا حتى لا ينتظرني أحد أجهل موعد نزولهم، مهما حاولت أحدد موعد أدري إني ما بوفي به، الفصول الأخيرة مثل ما لاحظ الجميع صرت عاجزة عن تحديد موعد والوفاء به .. ما أدري يجهز خلال أسبوعين أو ثلاثة أو يومين، لكن المتأكدة منه مستحيل أنزله إلا وأنا راضية عنه تمام الرضا مهما أخذ مني وقت.
الفصول الماضية ممكن البعض يشوف إن ثامر ورغد (مسحوب) عليهم لكن لا .. عقدتهم شبه انتهت، لكن الفصل القادم لهم نصيب مثل باقي الشخصيات ..
أعذروني لانقطاعي، تعمدت ما أدخل مواقع التواصل الاجتماعي حتى ما أتشتت .. أعرف إن للجميع الحق في السؤال عن موعد الفصل لكنه سؤال يشتتني أحاول أستعجل وأجمع كل الحروف وأكتب في النهاية يعلّق مخي بسبب العجلة وكأني جهاز الكتروني 🙂 لذلك توقفت عن الدخول مع إيماني التام إن لكل قارئة الحق بمعرفة الموعد.

شهر مبارك، لا تنسوني من دعائكم 💙


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 249
قديم(ـة) 07-05-2019, 06:30 AM
نوارة بنت صوصو نوارة بنت صوصو غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها البيداء. مشاهدة المشاركة


مبارك عليكم الشهر الكريم، أسأل الله أن يتقبّلنا فيه ويكتبنا مع الصالحين العتقاء من النار.
نزل الفصل بعد مدة طويلة من الانقطاع، تبقّت لنا ورقتان وتنتهي الرواية، وصدقًا حتى لا ينتظرني أحد أجهل موعد نزولهم، مهما حاولت أحدد موعد أدري إني ما بوفي به، الفصول الأخيرة مثل ما لاحظ الجميع صرت عاجزة عن تحديد موعد والوفاء به .. ما أدري يجهز خلال أسبوعين أو ثلاثة أو يومين، لكن المتأكدة منه مستحيل أنزله إلا وأنا راضية عنه تمام الرضا مهما أخذ مني وقت.
الفصول الماضية ممكن البعض يشوف إن ثامر ورغد (مسحوب) عليهم لكن لا .. عقدتهم شبه انتهت، لكن الفصل القادم لهم نصيب مثل باقي الشخصيات ..
أعذروني لانقطاعي، تعمدت ما أدخل مواقع التواصل الاجتماعي حتى ما أتشتت .. أعرف إن للجميع الحق في السؤال عن موعد الفصل لكنه سؤال يشتتني أحاول أستعجل وأجمع كل الحروف وأكتب في النهاية يعلّق مخي بسبب العجلة وكأني جهاز الكتروني 🙂 لذلك توقفت عن الدخول مع إيماني التام إن لكل قارئة الحق بمعرفة الموعد.

شهر مبارك، لا تنسوني من دعائكم 💙
أهلاً بك البيداء، أهلاً يا غالية.. ‏
مبارك عليك هذا الشهر الفضيل، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنك صالح الأعمال.
كما أسأله سبحانه أن يبارك لنا في سائر أوقاتنا 🤲
أما بخصوص الرواية: فلك كامل الحرية عزيزتي، وكما قلت سابقًا: "يكفي أن تكوني متواجدة بيننا" ‏ويكفينا أنك تدخلين بين الفينة والأخرى كي تعتذري لنا، ونحن ويعلم الله أننا نقدر ونعلم أن لكل شخص ظروفه والتزاماته وارتباطاته.. ‏
وأسأل الله أن يبارك لنا فيك وفيما يخطه لنا قلمك العذب يا راقية.❤

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 250
قديم(ـة) 07-05-2019, 10:34 AM
العدوية العدوية غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


حيّ الله البيداء ،، أسفرت وأنورت 😍
وحمداً لله على سلامتك يا غالية .🤲🏼
المهم أنتِ بخير ؟ و كل شي بعده يهون .
لكِ كل الحق يا البيداء في أخذ إجازة ، تريحين فيها بالك،وتتفرغين للعبادة ،ما نبي نشغلك في رمضان .

لي عودة بإذن الله للتعليق على الجزء .🍃


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية حادي العيس/ بقلمي

الوسوم
العيس/ , بقلمي , ياخد , رواية
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية أنتقام العشاق / بقلمي رَحيقْ روايات - طويلة 9 08-05-2018 03:14 PM
رواية : حب مخلوق من الندم / بقلمي. امجاد العنزي. روايات - طويلة 8 17-02-2018 03:58 PM
رواية مقيدون بالريش/ بقلمي ريحانة الشرق~ روايات - طويلة 53 11-01-2018 05:01 PM
رواية غدر الحب بقلمي omnia reda Omnia reda روايات - طويلة 3 21-12-2015 07:15 AM
رواية : قلص ساعتك أيها الليل المنهك خلصني من وحدة اهلكتني/ بقلمي sajarashid روايات - طويلة 26 19-12-2015 09:16 PM

الساعة الآن +3: 10:08 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1