غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 261
قديم(ـة) 22-06-2019, 10:52 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي ط±ط¯: ط±ظˆط§ظٹط© ط­ط§ط¯ظٹ ط§ظ„ط¹ظٹط³/ ط¨ظ‚ظ„ظ…ظٹ


ما ودي أكتب الرد وترتفع الرواية ويظهر (آخر رد من البيداء) وتظنون إن الفصل نزل 💔
كالعادة الفصل ما انتهى وباقي جزئية كبيرة منه، ما أعرف هل الأحداث ثقيلة لدرجة تأخيري في إنهائها أو أنا ما زلت بتأثير الانقطاع ومستصعبة الكتابة السريعة!
أظن يحتاج لي زر (refresh) يرجعني للبيداء القديمة الوافية بمواعيدها. 😔
أكتب التعليق وبخاطري جدًا أمسح الرواية من ذاكرتكم حتى ما تضطروا للانتظار كل مرة والخيبة كل مرة. 👀
وبخاطري شيء آخر لو تُضاف للمنتدى خاصية (رواية خاصة) أسوة بمواقع التواصل (حساب خاص) ونقفل على نفسنا ولا يدخل قارئ جديد حتى ما يزيد عدد من أخجل منهم بسبب تأجيل الفصل😭🚶🏾‍♂(القراء الحاليين تلفني معهم مشاعر ألفة وما بيننا هالأمور وأرضى لو يغسلون شراعي)
نقطة أخيرة بعد الفضفضة الطويلة، كنت أقول باقي فصلين بس .. لكن خلال مدة انقطاعي كتبت رؤوس أقلام لجميع الأحداث المتبقية بما فيها الأساسية والثانوية واكتشفت أن الأفضل تُقسم لثلاثة فصول.
آسفة جدًا، بحاول جاهدة خلال الساعات القادمة أكتب كل ما بوسعي وإن شاء الله ينزل بشكل سريع ولا يتأخر.

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 262
قديم(ـة) 23-06-2019, 05:02 AM
نوارة بنت صوصو نوارة بنت صوصو غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: ط±ط¯: ط±ظˆط§ظٹط© ط­ط§ط¯ظٹ ط§ظ„ط¹ظٹط³/ ط¨ظ‚ظ„ظ…ظٹ


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها البيداء. مشاهدة المشاركة
ما ودي أكتب الرد وترتفع الرواية ويظهر (آخر رد من البيداء) وتظنون إن الفصل نزل 💔
كالعادة الفصل ما انتهى وباقي جزئية كبيرة منه، ما أعرف هل الأحداث ثقيلة لدرجة تأخيري في إنهائها أو أنا ما زلت بتأثير الانقطاع ومستصعبة الكتابة السريعة!
أظن يحتاج لي زر (refresh) يرجعني للبيداء القديمة الوافية بمواعيدها. 😔
أكتب التعليق وبخاطري جدًا أمسح الرواية من ذاكرتكم حتى ما تضطروا للانتظار كل مرة والخيبة كل مرة. 👀
وبخاطري شيء آخر لو تُضاف للمنتدى خاصية (رواية خاصة) أسوة بمواقع التواصل (حساب خاص) ونقفل على نفسنا ولا يدخل قارئ جديد حتى ما يزيد عدد من أخجل منهم بسبب تأجيل الفصل😭🚶🏾‍♂(القراء الحاليين تلفني معهم مشاعر ألفة وما بيننا هالأمور وأرضى لو يغسلون شراعي)
نقطة أخيرة بعد الفضفضة الطويلة، كنت أقول باقي فصلين بس .. لكن خلال مدة انقطاعي كتبت رؤوس أقلام لجميع الأحداث المتبقية بما فيها الأساسية والثانوية واكتشفت أن الأفضل تُقسم لثلاثة فصول.
آسفة جدًا، بحاول جاهدة خلال الساعات القادمة أكتب كل ما بوسعي وإن شاء الله ينزل بشكل سريع ولا يتأخر.
ودي اكتب رد طويل بس اللي على بالي ويردده قلبي وانا اقرأ التعليق هو: إني أحبك وأحس بألفة بيننا وبينك
فعشان كذا: خذي راحتك واعرفي وتأكدي إن حنا في انتظارك مهما طال بنا الزمن. ♥

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 263
قديم(ـة) 23-06-2019, 08:19 AM
سهام الحربي سهام الحربي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


موعدنا البارح وين الناس عسى المانع خير

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 264
قديم(ـة) 30-06-2019, 09:29 AM
العدوية العدوية غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


السلام عليكم ورحمة الله ..
شلونچ يا البيداء ؟
اشتقنا ، حتى بلغ الشوق مداه. 💖
وحبيت أقولچ ،،
معاچ وحولچ متابعات تحب حادي العيس ،،
وراح نبقى معاچ بإذن الله إلى أن تنتهي على خير ،،
الله يفتح عليچ ،، وييسر أمورچ،، ويفرج همچ 🤲🏼🍃

نحبكِ في الله . ❤🍃



تعديل العدوية; بتاريخ 30-06-2019 الساعة 01:19 PM.
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 265
قديم(ـة) 03-07-2019, 03:33 PM
صورة زيــــتآ الرمزية
زيــــتآ زيــــتآ غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


تاخررررررتييييي

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 266
قديم(ـة) 04-07-2019, 06:14 AM
سهام الحربي سهام الحربي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


تأخرت حيللللللل اشتقنا

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 267
قديم(ـة) 13-07-2019, 04:47 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي




*•
الورقة الخامسة والعشرون
*•



(قبل ثلاثة أيام)



ساعة وينقضي يوم العيد بكل ما فيه، هل هو عيد؟ لا يشبه أبدًا أعيادها السالفة .. أعياد محمّلة برائحة عود والدها وحناء أمها، رائحة حلوى العيد بأفواه أطفال العائلة، ضجة محببة لا تتوقف داخل منزلهم .. تتوسط مجالس النساء بكل ثقة، يفسح لها محارمها من أخوالها وأقارب والديها صدر المجلس أثناء معايدتهم بدًا عن جميع البنات مرددين (هذي ريم بنت الشيخ موسى!)، أما الآن لا أحد .. لا صوت سوى صوت العاملات، تذكر عتاب والدها لها وهي في أول سنين مراهقتها لتذمرها وتململها ليلة العيد .. تذكر حديثه تمامًا (الفرح هذا تثابين عليه، افرحي .. وش أحسن من فرح تستمتعين فيه وبكل ثانية تكسبين مقابله أجر بمجرد فرحك وضحكك؟ إحياء الفرح في العيد سنة يا بنتي، ارقصي العبي استقبلي الناس .. لا تعقدين هالحواجب الحلوة) منذ حديثه ذاك وهي تُقبل على الأعياد بروح طفلة.
أما الآن تبحث عن تلك الطفلة ولا تجدها .. قصدت جامعًا بعيدًا حيث يُصلي عمها وعائلته ليس لتستشعر جزءًا من العيد مع عائلتها الجديدة فحسب، بل لتهرب من أي وجه قد تُصادفه ويتعرف عليها .. لم يدم هروبها طويلًا وهي تقابل وجوه أخوالها الثلاثة في مجلس بيتهم بعد عودتها من الصلاة، كادت تهرب لو لا أن الهرب ليس من شيمها.. لا طاقة لها بحرب جديدة، منذ وصولها الرياض قبل يومين وهي تعد نفسها للحظة لقياهم .. تعلم كم ستكون مواجهة صعبة بعد كل ما خاضته معهم في المحاكم لتُبعد ولايتهم عنها.
لحظة صامتة مرّت تلاها وقوف خالها الأصغر، سلامٌ بارد .. معايدة تحمل نظرة عتاب ثم رحيل مباشر، لحقه خالها الآخر بذات السلام وذات الهروب، ليبقى آخرهم وكبيرهم .. من خاضت معه معظم الحروب، يُسلم عليها، يعايدها بنبرة ثقيلة .. تشتت أنظارها عنه مُجبرة ليعود صوته (ناقصك شي؟)
تكتفي بهز رأسها نفيًا، تغيب أمها لدقائق خلف خالها لتعود بوجه مستبشر سعيد .. لا شيء أعظم في عينيها من حضورهم السريع هذا، مبادرتهم للمعايدة .. عدم خوض أي نقاش يجدد المواجع ويُسقي نار الحرب، تحاول دون ضغط بأن تستميل ريم للذهاب معها لمجلس العيد علّ عقدة عدم المواجهة تنحل لكن دون جدوى .. تعلم تمامًا أن أمها ستلاقي هجومًا عنيفًًا وإن كان لا يتجاوز النظرات وبعض التلميحات، لكنها ستصبر.
يقطع خلوتها صوت هاتفها، عصف بها أستاذها بما ألقاه بمكالمته السريعة، تجلس منذ ساعات تحاول استيعاب ما قاله، ما سيحصل بسبب فعلة عمها .. هديل ويوسف، محاسبة عمها. تفقد القدرة على التركيز وإيجاد حلٍ ما، ماذا تفعل؟ تستبعد فكرة أن تهاتف هديل علّها تجد جوابًا .. موقنة بأن هديل لا تعلم بكل ما يحصل حولها، ولا حتى خطيبها .. لا أحد سوى عمها، تحاول الاتصال به غير أنه لا يجيب .. تصلها رسالة منه قبل صلاة المغرب بقليل (آسف يا عمري ما رديت عليك كنت بالمقبرة، بصلي وبزور خويي وبكلمك بعدها، محتاجة شي ضروري؟) كادت ترد بنعم، أحتاجك وبشدة .. أحتاج لأن ينتهي كل شيء الآن، لكنها تتراجع قبل إرسالها .. غدًا مثل ما أخبرتها هديل موعدهم الأول مع عائلة يوسف .. إذن كل شيء مخطط له، وقد يكون بمباركة من والد يوسف.. ستفهم كل شيء غدًا، تكتفي برد قصير (تقبل الله، مافي شي ضروري لا تشغل بالك كنت بتطمن عليك بس) لتنتقل إلى مكتبة والدها، تغوص بين كومة صناديق قديمة تستخرج ما حفظه والدها مما تبّقى من أخويه قبل رحيلهما .. تمضي ساعات وصبرها ينفد، لا شيء إطلاقًا يُفيدها .. يزيد تعجّبها من عمها (يوسف) هل جمع الجرائد والمجلات من هواياته؟ صندوق كامل يحمل صحفًا قديمة لا تقتصر على الصحف السعودية، صحف كويتية، مصرية، لبنانية .. تتصفح العناوين الكبيرة بمشاعر غريبة (الهلال السعودي بطلًا للأندية الخليجية 1407 - اغتيال السادات - جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز إلى رحمة الله - الفهد: عانيت كما لو أن الطائرة المخطوفة سعودية - وداعًا كوكب الشرق - مجزرة المخيمات: ارتقاء 1400 شهيد في مخيمي صبرا وشاتيلا) كم من ألم عايشه جيل والدها حتى ظنّوا أنها النهاية ليُفاجأوا بتاريخ جديد أكثر ألمًا؟ هل ستكبر لتعيش اللحظات التي تقرأ فيها (بعد ثلاثين عامًا من تخطي الأزمة السورية: يروي السوريون إنجازات وُلدت من رحم المعاناة - بوابات الأقصى تكتظ بمصلين من جميع أنحاء العالم الإسلامي في عيد الفطر المبارك) أو أن الغد كفيل بأن تكره لون الصحف إلى الأبد وهي تُقدم خبر القصاص من عمها؟
تستلقي على السجادة بإنهاك والأوراق حولها متناثرة بكل مكان، لا شيء ذا فائدة لها .. تُعلن استسلامها بالدفاع عن عمها أمام أستاذها، تُغمض عينيها لتنسى كل شيء .. تنتابها أحلام متداخلة، مجازر .. ملاعب كرة قدم.. عمها.. وأستاذها، تفيق بشهقة إثر رنين الجوال الصاخب .. تعتدل مسرعة لتستوعب أنها دخلت بقيلولة دون أن تدرك، تلتقط هاتفها لتجيب مسرعة وهي ترى اسم عمها :" هلا "
تعقد حاجبيها على صوت رجل غريب يُجيب :"بنت الأخ عبدالعزيز؟"
يخفق قلبها بخوف، تتلعثم بالإجابة :" ايه وصلت .. وش فيه؟ وينه؟ صاير شي؟ "
يقاطعها مهدئًا :" تطمني أبوك الحين بخير بس نقلناه المستشفى كان تعبان عالطريق بس معليش الحين مافيه إلا العافية وزين كان مسجل رقمك بالطوارئ"
تتمالك نفسها وهو يدلها على المستشفى، يوصلها سائقها إليه .. ضيق تنفس حاد كاد يُدخله في حالة تشنج، نصف ساعة تفصلها عن لقائها بهديل وأمها .. تسحب هديل المتوترة لها لتطمئنها، تتجمّد عيناها على ذاك الواقف بشحوب بجانب عمتها، يوسف؟ يُذكّرها وجوده بالمصيبة .. وجهه مختلف عن المرات القليلة التي شاهدته بها، شاحب جامد.. لا يملك أدنى تعبير، يتمتم بكلمات قليلة لعمتها .. يزداد شحوبه وهم بحضرة عمها المتعب، يحمل نظرة غريبة حادة لعمها لم يلاحظها أحد سواها ..
يبتسم يعقوب بإنهاك على سريره بعد تحديد الطبيب لموعد خروجه ظهر الغد وكفه تعانق كف ابنته :" زين يعني ما بنفوت موعدنا بكرة"
تتابع بعينيها ملامحه التي تجعّدت بتفحّص وكأنها تحاول إمساك خيط يؤكد لها معرفته بحقيقة عمها، يخرج صوته ثقيلًا وكأنه مُجبر :" عمي .. ما في مشكلة ارتاح، ما بيني وياك هالمجاملات .. أبوي بيتفهم وبنأجلها بعد بكرة"
تؤيده أمها بقلق متزايد :" اي والله يا عزيز، لازم ترتاح"
يهز رأسه نفيًا بذات الابتسامة :" لا أنا بخير، ومتلهف لهاليوم أكثر من هديل .. كلها ساعتين العشاء ما بتأثر"
بعد دقائق يخرج ليترك لريم مساحة خاصة، يجلس في صالة الانتظار وثقل مُهلك يلف رأسه .. عاجز عن تصديق ما بدا واضحًا له، يُخرج اللفافة من جيبه .. يتأمل الوجوه الأربعة، يتحسس وجه أبيه.. يشبهه تمامًا مثلما يشبه نجد وجه خاله، أما التوأم .. يزفر بضيق غير مصدق، الحقيقة تسطع أمامه .. نعم طوال هذه المدة لم يكن سوى أداة لعبدالعزيز .. أو يعقوب كما تُثبت الصورة.
يرفع رأسه للضوضاء القريبة، توافد لمصابين إثر حادث.. تجمع مزدحم لشباب يغطيهم القلق والفوضى، يدسّ اللفافة في جيبه ليقف عائدًا إليهم، يتراءى له وجه يعقوب المتعب وعيناه تذبل بنوم لا يقاومه، بعد إلحاح منه ترضخ هديل للمغادرة مع أمها وريم مطمئنين لحال يعقوب المستقرة ..
يتحرر من شماغه وعقاله ليسلمها لهديل، يشعر بهما يزيدان ثقل رأسه ويعيقان حركته .. ينقل أنظاره لأمها التي اقتربت منه وبنظرة حنونة منكسرة :" يوسف يا عمري تعبناك معنا، مو مضطر تجلس وتوك جاي لأهلك! "
يزم شفتيه بابتسامة صغيرة متعبة :" عمتي .. مو أنا ولدكم؟ تعرفين إن عمي عبدالعزيز بمقام أبوي .. بيجافيني النوم لو بعدت عنه وهو بالمستشفى"
تلمع عيناها بدمعة امتنان كبيرة لتفاجئه وهي تعانقه معانقة الأم لابنها، كهرباء برقت داخله .. هل تُدرك هي كل هذا؟ هل تملك إجابات تزيح همه؟ أتلك النظرة نظرة أسف واعتذار لاستغلاله؟ أم أنها تجهل كل شيء! هل كل هذا كابوس؟
تزيد هواجسه مع اختلائه بيعقوب وحدهما، يبحث فيه عن عبدالعزيز الذي أحبه .. أول من أودع فيه الثقة، من شعر بأنه أب روحي له .. ولدهشته يجده أمامه ينام متعبًا، يحاول تذكّر أحاديث والده عن أصدقائه الثلاثة .. علّه يجد شيئًا ينفي أن يكون عبدالعزيز هو ذاته يعقوب الذي ارتبط اسمه بثوران ناصر.. ناصر؟ للحظة شعر قلبه يكاد يخرج من مكانه، لماذا ينبض قلبه بخوف وخشية الآن؟
يُخيّل إليه جسد عمه جاثيًا وسيف السيّاف يحط على رقبته، يرتعد .. لا مُحال، هذا ليس يعقوب .. وإن كان يعقوب، سيبقى كل شيء كما كان .. من يرقد بجواره عبدالعزيز، والد حبيبته هديل .. كل ما عدا ذلك محض هراء.
لا يعلم كم مضى من الوقت حتى صدح صوت أذان الفجر، يلوذ بالصلاة .. يبتهل في صلاته بأن يُطمئن قلبه، بأن يكون كل ما اكتشفه حلم في منامه، بأن تبقى صورة عمه لامعة ناصعة في قلبه، وألا يفرقه عن هديل أي شيء .. أن تبقى بجواره دائمًا، ألا تغيب ابتسامتها المشعة عن قلبه وناظريه..
تُشرق الشمس مع إضاءة هاتفه برسالة منها (شلونه أبوي؟)
يرفع أنظاره حيث يرقد، ما زال هادئًا مطمئنًا (بخير، لا تشغلين بالك كلها كم ساعة ويكون عندكم)
تكتب سريعًا (الحمدلله .. يوسف، ما أعرف كيف أرد جميلك .. بس أعرف إني ما بتخلى عنك، وبرد لك جميلك بحبي لك .. لو كبرت وما حولك أحد بشيلك بروحي وعيوني)
(هديل، نامي)
-"كم الساعة؟ "
يرفع رأسه سريعًا على صوت يعقوب، يضطرب فجأة .. التقاء عينيهما ولّد داخله إحساس بالخوف، يشتتهما سريعًا باضطراب إلى هاتفه :" 6 وعشر"
تمضي الساعات التالية ثقيلة على قلبه، يبتلع ريقه يعقوب وهو يلحظ اضطرابه .. ليس يوسف الذي يعرفه، يتجاهل النظر في عينيه، أصابعه تتشابك وتنحلّ مرارًا .. كلّما حاول فتح حوار معه يتهرّب، مرة بإحضار قهوة .. ومرة بعطشه، ومرة بحاجته لدورة المياه، يكفّ عن محاولاته .. إن كان ياسر أفشى بأمره فهذا أقل ما يتوقعه من يوسف، عاجلًا سيعرف وينتهي كل شيء..
تهرّب يوسف وصدوده لم يكونا سوى كوخز الإبرة في قلبه أمام هول مفاجأته وهو يقف خارج المستشفى برفقة يوسف الذي نطق وهو يشير لسيارة سوداء :" هذا أخوي نجد جاي يوصلنا"
لا يعلم هل تعرقه الشديد المفاجئ بسبب شمس الرياض أم أنها الحرارة المنبعثة من عيني ذاك الشاب الوسيم بعدما خلع نظارته السوداء قادمًا إليهم، لا يعلم يوسف ولا أحد آخر بما قاساه ليلة البارحة إثر ركوب نجد سيارته وبقربه الموجع وحديثه القاسي .. تدهور حاله بعد خروجه، حاول تمالك نفسه إلا أن اختناقه خذله بمنتصف الطريق لو لا أن بعض الرجال هرعوا إليه واقفين بجانبه حتى وصل إلى المستشفى.
عينا نجد الباسمة سرعان ما ضاقت وما هي إلا ثوانٍ حتى اتسعت، غير معقول! ماذا يفعل هذا بجوار يوسف؟ أين هو والد خطيبته؟ يتبلل جبينه عرقًا خجلًا وهو يستوعب أن ذاك الضيف الذي أساء معاملته البارحة لم يكن سوى (عبدالعزيز) والد هديل! لماذا لم يخبره والده بذلك؟ لو أخبره لما كان في هذا الموقف المحرج! لماذا لم يوضّح له عبدالعزيز سوء الفهم آنذاك! كيف له أن يظهر بتلك الصورة السيئة أمام أنساب أخيه؟! يزدرد ريقه وهو يقترب وصوت يوسف يعلو بابتسامة مشيرًا لنجد :" هذا أخوي نجد.. - يلتفت لنجد بذات النبرة - هذا عمي عبدالعزيز"
سرعان ما عقد يوسف حاجبيه باستغراب وهو يرى توتر نجد الجلي وابتسامته المضطربة، زاد ذهوله ونجد يُقبل كتف عبدالعزيز بابتسامته الغريبة مكررًا :" آسف آسف يا عمي، حقك علي والله .. مدري وين أودي وجهي منك، اعذرني عمي"
يتمالك نفسه زامًا شفتيه مانعًا حرقة موجعة من التأوه، يرفع كفه ببطء ليمسح على ظهر نجد برفق .. وكأنه يرجوه بألا يعتذر، بأنه هو من يتوجب عليه الاعتذار .. ولو أفنى كل عمره في الاعتذار لن يفي بحقه، يتوقف عن تقبيل كتفه ليرتفع مقبلًا رأسه :" والله يا عمي مستحي منك، ما كنت أمس بوعيي وشايل هم أبوي.. ما دريت والله إنك أبو هديل"
يخرج أخيرًا صوته ضئيلًا :" حصل خير يا ولدي"
كلمته الأخيرة كانت ثقيلة على قلبه، تمنّى لو أنها تصل إلى نجد كما خرجت منه .. كاد يقبض على نجد حتى يمنعه من الابتعاد، حتى يحظى بلحظات أبوية واجبة عليه قبل موته.. يتأمله بهذا القُرب بعدما ابتعد نجد قليلًا وبذات ابتسامته المحرجة وهو يشتت عينيه بخجل، تعرّف على ملمح جديد له .. الحنين والشوق وهو في المقبرة، الحيوية عندما كان صغيرًا في المدرسة تذكره بحيوية أخيه يوسف، الخوف والاندهاش عندما كان في باحة منزلهم قبل سنين، وجه باسم في المقبرة، الحقد ليلة الأمس .. أما الآن يجتمع فيه الخجل والصدمة والإحراج معًا، يقطع حبل تأملاته صوت يوسف مستنكرًا :" وش صاير؟ "
يعود صوت نجد المنحرج وهو يعدل شماغه :" سوء فهم، كان ضيف عندنا ولا عرفته "
يُنزل أنظاره يعقوب :" ما صار إلا كل خير، لا عاد تفكر بالموضوع"
يُكرر نجد اعتذاراته وتبريراته في طريقهم إلى السيارة، يفتح باب السيارة الخلفي حتى يركب يعقوب.. يرفع رأسه للواقف خلفهم بوجوم، يكتفي بنظرة اعتذار بالغة الأسف ليوسف .. تسلك السيارة طريق العودة تحت وجوم يوسف وصمت يعقوب، يأخذ نجد زمام الحديث علّه يخفف من إحراجه .. لا يعلم سبب توتر الأجواء، وجه يوسف مسود لا يشبه وجهه البارحة .. يعقد حاجبيه باستغراب على صوت يوسف :" وصّلنا المقبرة"
:" الحين؟ بس أبو هديل تعبان .. - ينقل أنظاره إلى يعقوب- أفضل ترتاح يا عمي وبكرة وعد أوصلكم بنفسي"
ينطق مسرعًا يوسف :" لا عمي هو اللي يبيها ومُصر، نص ساعة بالكثير ونرجع الفندق"
بداخله كاد يصرخ بالرفض، ليس لأن طريق المقبرة طويل ولا طاقة له في النظر بعيني عبدالعزيز أكثر بعدما فعله البارحة وحسب، بل هناك الكثير من الأعمال بانتظاره .. إتمام كل ما ينقص العشاء الليلة، إتمام بعض أمور زفافه الوشيك، والاطمئنان على حال والده .. زيارة ثامر أُجلت للغد مع كل ما ينتظرهم اليوم.. مع هذا تظاهر بالابتسام والرضى حتى وصولهم أسوار المقبرة ..
يهمس نجد ليوسف بعد خروج يعقوب :" أنا بخلص شغلي وبجيكم"
يهز رأسه إيجابًا بهدوء وهو يفك رباط الحزام، ليعود صوت نجد قلقًا :" تعبان؟ "
تزيد عقدة حاجبيه من سواد وجهه :" لا، بس لأني ما نمت من أمس راسي شوي مصدع"
يترك أخاه خلفه ليلحق بيعقوب الواقف أمام بوابة المقبرة، لا يعلم كم مضى من الوقت حتى خرجت حروفه أخيرًا مصحوبة بزفرة :" أدري يا عمي تعبان ومحتاج ترتاح، بس ... "
يفرك جبينه بأصابعه وصداعه يشتد، لا يعلم كيف يقولها .. بات كل شيء واضح، لماذا يزور والده البارحة فجأة ودون أن يعرف أحد؟ منذ متى يعرفه؟ لماذا اجتمعا مسبقًا وبسرية قبل يوم من موعد اجتماع العائلتين؟ لماذا كان نجد جاهلًا بهوية الضيف؟ لماذا لم يخبره والده؟ يحتاج فقط لأن يسمعها منه .. يرفع رأسه بسرعة لصوت يعقوب الهادئ :" يوسف يا ولدي، قول كل اللي بخاطرك.. أنا أسمعك"
يزفر مجددًا بشتات، لينطق مشيرًا إلى طريق يحفظه جيدًا :" أبيك تزور معي قبر .."
يسير برفقته، يكاد يسبق يوسف .. طريق قبرين يعرفهما ويعرف تفاصيلهما، كم من ليلة بكى مشتاقًا لزيارته .. وها هو يقف عليه بجوار يوسف الذي جلس بين القبرين منهيًا كل شيء ..
يرفع رأسه لعمه الواقف، يتصبب جبينه عرقًا .. ينطق باضطراب صوته :" أستحلفك بالعالم بكل شي تقول الحقيقة، احكي لي من البداية .. وش دوري بحياتك؟ - يُخرج الخاتم المحتضن خنصره - أستحلفك باللي قادر يجمعك بصاحب هالخاتم .. وأصحاب هالقبرين .. تصدق معي بكل شي، انت مين؟ "


-

تفتح عينيها الناعسة على وقع خطوات قربها، تعقد حاجبيها بضيق وبرودة المكيف تنقطع وها هو الضوء يتسلل لعينيها .. كادت من شدة نعاسها تغفو مجددًا لو لا صوت خالتها :" يمامة! لمتى بتنامين؟ يالله اصحي يكفي نوم! "
تتحرك أخيرًا بتثاقل :" كم الساعة؟"
تجر خالتها مقعدها لتقربه منها :" خمسة، خلاص ما بقى شي ويأذن المغرب "
تتسع عيناها بعدم تصديق لتخرج شهقة وهي تستند على مقعدها :" ليش ما صحيتيني خالتي! "
ترتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة :" أبيك ترتاحين وتنامين كويس، أنتِ عروس أبي وجهك يشرق "
تسحب ثيابها بعجلة :" خالتي! باقي أصلي وأتروش وأضبط شعري والميك اب وأرتب بيت عمي وأشوف وش ناقص، شلون بلحق الحين! "
تسبقها خالتها إلى الباب :" لا تشيلين هم، الترتيبات كلها مخلصينها من أمس باقي أشياء بسيطة يمدينا نخلصها بنص ساعة .. صلي الحين وضبطي نفسك وساعدي باللي تقدرين عليه"
بعتاب وضيق :" خالـتي ليه تتعبين عمرك؟ ما يكفي جاية تعيدين عندي وتاركة سمر تعيد وحدها؟"
لا تسمع لعتابها :" أقول يا بنتي خلصي عمرك بسرعة عشان يمديك تلحقين وتسلمين على يوسف قبل لا يجون الضيوف"
تشهق مجددًا متذكرة سبب إرهاقها، لم تعد من سهرة العيد مع خالتها وبناتها إلا فجرًا .. ليُفاجأها نجد بخبر عودة يوسف، منذ أخبرها كادت تطير فرحًا، انتظرته مطولًا حتى يعود من المستشفى .. تجاوزت الساعة الحادية عشرة وهي تقاوم نعاسها، ملأت هاتف نجد برسالاتها (وينه؟ متى بيجي؟) وذات الرد منه (مع أبو هديل، اصبري شوي، نامي ساعة ووعد أول ما يرجع يمرك) انتهت من صلاة الظهر ويوسف لا يزال مع عمه .. غفت دون إدراك منها لتُفاجأ الآن بأن غفوتها امتدت لساعات ..
تسحب هاتفها لتجد رسائل نجد (يوسف تو رجع وتعبان يبي ينام، إذا جيتِ بيتنا عالمغرب بتلقينه إن شاء الله)
تغتسل وتصلي وتُنهي تجفيف شعرها بعجلة، تسبق خالتها إلى منزل ياسر .. ما أن سارت عجلاتها داخل الممر الداخلي تهادى إلى سمعها صوت نجد ووالده :" مافي أحد مر ثامر اليوم يتطمن عليه؟ "
يُجيب نجد وهو يجوب المكان حاملًا مبخرة تنتشر رائحتها في الأرجاء :" كنت بمره، بس انشغلت .. أرسلت لخالي أذكره لا ينسـ..- يقطع حديثه وابتسامته تتسع لرؤيتها - هلا والله بالنايمة! "
تبتسم متجاهلة حديثه لتقترب من ياسر وتسلم عليه، لم تندهش من وجهه المتعب .. مرهق وكأنه كَبُر عشر سنوات، أخبرها نجد صباح اليوم بتعب والده، ما أثار دهشتها وجه يوسف .. لا يشبه وجهه القديم الرمادي ولا الوجه المشرق الذي ظنّت أنها ستراه، أين هو (يوسف الجديد) كما يردد نجد؟ هل ما زال يُصارع مع سواده؟ وكل ما يردده نجد فقط ليُطمئنهم عليه؟ عيناه محمّرة .. قاطب الحاجبين وكأنه يتجهّز لحرب قادمة، حتى الابتسامة التي رسمها على وجهه وهو يسلّم عليها لم تمحُ حرارة عينيه، تخرج حروفها لا تُخفي دهشتها :" وش فيك؟؟ تعبان؟ "
ما زالت ابتسامته الثقيلة وإبهامه تحك حاجبه بعشوائية :" لا، بس تعب السفر وقلة نوم .. - يسير في أرجاء مجلس النساء وكأنه يتفقده هربًا من عينيها - بعدين شمس الرياض أحسها طبخت راسي! "
تبتسم محاولة إعطاءه دفعةً إيجابية :" بس والله صدمتني! وش هالجسم؟ وش هالعضلات؟ اعترف انت مسافر تدرس ولا تلعب بالجيم؟ "
يمرر يده بتلقائية على بطنه ليتذكّر أن أحد أسباب خموله اليوم هو عدم ممارسته الرياضة منذ يومين، يقاطع حديثهم صوت نجد من خلفهم :" أنا ريكو، بحييكو، وبسلم عليكو"
تتسع عيناها بضحكة دهشة لرؤية ثلاث مغلفات بسكويت قديمة وهي تقترب أكثر منه :" أوووه نجد من أي متحف طلعته! "
يُعطيها أحد مغلفات البسكويت الثلاثة ويرمي الآخر على يوسف الذي تلقاه عاقدًا حاجبيه :" شيّكت على تاريخ الانتهاء"
يفتح نجد مغلفه ليقضم البسكويت بتلذذ :" 1420! وش رايك يعني بيكون منتهي مثلًا؟ .. بعد ما حطيتكم بالمقبرة مريت بقالة صغيرة قريبة منها لا دخلتها ترجع بالزمن ورا مية سنة"
تفتح هي الأخرى قطعتها لتستنشق رائحة الماضي القديم وبحنين كبير :" ثامر كان يحبه مرة"
يُتابع نجد متذكرًا :" كان برمضان يوزي له مجموعة ورا الباب واللي بيفضحه مصيره ينفرش عالأرض"
تُكمل معه بضحكة :" كان ما يرضى ياخذ الأزرق لازم الأحمر"
يُخرج ورقة الملصقات بابتسامة واسعة :" هرموناته الذكورية ذابحته"
على ذكر ثامر تقفز ذكرى غابت عنه فجأة، يتذكر ذلك اليوم بعد عقد قرانه على هديل .. حديث ثامر الغريب وتحذيره من (عبدالعزيز)! هل يُعقل بأنه يعرف؟ وكيف؟
تشهق يمامة متذكرة ما بقي لها :" ما بقى وقت وأنا باقي ما ضبطت الميك اب"
يقف يوسف خارجًا من المجلس وهو يقول :" لا تتكلفين، هديل وعمتي بسيطين لا تشيلين هم وتبالغين"
كادت ترد لو لا أن صوت هاتفها علا لتتذكر خالتها التي تنتظر عند الباب الخارجي، يغادر نجد إلى والده بعدما ألصق ملصق البسكويت الطفولي على ظهر مقعدها بجوار السوار الذي عقده لها قبل مدة ناطقًا :" علامة الجودة، لا تشيلينها"
كان ينوي الرجوع إلى أبيه إلا أن إضاءة مكتبة والده وزاوية الباب الضيقة استوقفته، ما أن أصدر الباب صريرًا توتّرت حركة الواقف خلف المكتب ليُغلق ألبوم الصور الكبير على صوت نجد :" يوسف؟ ظنيتك أبوي"
يحمل الألبوم ليُعيده إلى مكانه دون تعليق، يعود صوت نجد بعد صمت قصير بهدوء :" يوسف .. تكفى إذا في شي علمني، أمس كنت بوجه مختلف! صاير شي؟ "
يزم شفتيه لئلا تُخرج حديثًا لا يرغب به، يزفر بضيق معتدلًا بوقوفه :" ولا شي بس صحة عمي تأثر فيني .. ما كنت متعود أشيل هم أحد، بس معه يختلف الوضع .. أعزه يا نجد وكأنه أبوي"
ترق نظرته لحال يوسف، يرتاح لكون ما يُكدر صفوه ليس إلا حبّه وتعلّقه بعائلته الجديدة .. من كان يظن يوسف سيحمل كل هذا في قلبه؟ مالذي فعلته هديل وعائلتها حتى أعادوا إحياءه؟
يربّت على كتفه بابتسامة :" لا تشيل هم، الله يمده بالعافية .. ابتلاء يؤجر عليه إن شاء الله، اترك عنك التفكير الحين تلقاهم جايين بالطريق"
يهز رأسه موافقًا، كاد يخرج نجد إلا أن صوت يوسف استوقفه مترددًا :" لو طلبتك يوم من الأيام، بتعطيني؟!"
يعقد حاجبيه باستغراب من سؤاله الغريب :" وش عندك يوسف؟ "
يثبّت عينيه بعيني أخيه :" لا تجاوبني بسؤال، عطني كلمتك"
يبتسم بتوجس لحال أخيه :" اللي تبيه اعتبره تم"
يبتسم أخيرًا مطبطبًا على ظهره بخفة قبل أن يغادر :" إذا جاء وقته علّمتك"
تمر الساعة سريعة وها هي سيارة يعقوب تقف قبالة الباب، سرعان ما تلوّن وجه نجد منحرجًا وزوجة أخيه المحجبة تخرج من السيارة متحمسة برفقة أبيها لتسلم على أبيه وأخيه في الشارع.. كاد يغص بضحكته ويوسف يتظاهر بانشغاله بتعديل شماغه، وسرعان ما انسحب من المكان حتى يمنع إحراج يعقوب أكثر، لا ينقصه المزيد من المواقف المحرجة معه ..

-


يترجّل من سيارته حاملًا بين يديه مجموعة أوراق نسخها من هاتف ثامر، ليس من عادته اللجوء لطريق انتهاك الخصوصية.. لكنه ومنذ الأمس ليس هو، يدسّها في جيبه .. يتأمل السيارة الغريبة أمام منزل ياسر، يرفع ناظريه إلى الباب .. خصمه وأخيرًا قُربه، لا يفصله عنه سوى بضع مترات .. لا يعلم كيف سيقابله، وكيف سيتصرف .. ما يهمه الآن أن هذه الساعة ستحسم تعب سنين طويلة.
يرن الجرس، تقترب الخطوات .. وها هو نجد يطل بملامحه المتفاجئة والمبتسمة معًا :" هلاااااااا هلا بخالي"
يعلم تمامًا أن لا أحد توقع حضوره، أول عشاء خاص يجمعهم بعائلة خطيبة يوسف .. يبتسم مرتديًا قناعًا لا يمثّل ما بداخله :" مرحّب فيني ولا أدور لي مطعم أتعشى فيه؟ "
يسحبه للداخل ليغلق الباب خلفه وبصدق :" انت من أهل البيت لا تسوي نفسك ضيف"
يزم شفتيه وعيناه تتسلط على المجلس :" وصلوا؟ "
يضحك بخفة :" يا خالي احنا شوي ونفرش العشاء وتسأل وصلوا! "
ترتفع نبضات قلبه مع كل خطوة تقرّبه إلى المجلس، صدره يهبط ويرتفع .. شقاء ما يقارب الثلاثين عامًا يتهاوى أمامه، تلتصق بعينيه صورة أخيه نجد .. بكاء أبيه.. ما حلّ بأخته، يرمي غصة اختناقه جانبًا .. هذا ليس يوم البكاء والنحيب، هذا يوم نصره .. يوم الحق، إن سُلب حق أخيه وأبيه وأخته وهو صغير عاجز عن أخذه .. فسينتزعه اليوم بأظافره وإن سال منها الدم.
مع صعوده عتبات الدرج ترتفع أنظاره لداخل المجلس المشرّع أبوابه، ارتجافة قلبه تتضاعف .. يرفع كفه بتلقائية إلى قلبه وكأنه يهدّئه ويعيده إلى مكانه، يغيب عن ناظريه ياسر الجالس .. يتفحّص الواقف ملقّيًا ظهره للباب يصبّ القهوة، جسده يحجب عن الداخل رؤية الجالس في صدر المجلس .. لا يظهر منه إلا طرف ثوبه، يشد على يده المرتجفة .. يخرج صوته هامسًا دون أن يشعر :" السلام عليكم .."
لحظة، هذا ليس وقت ضعفه .. هو القوي اليوم، هو صاحب الحق .. لا ينبغي أن يكون بهذا الضعف، يُعيد سلامه بصوت مرتفع جهور وكأنه يُعلم من يجهل بحضوره .. :" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
تلتفت جميع الأنظار إليه .. ناظرَين تعلوهما الصدمة وناظرٌ يعلوه التفحص والجهل بصاحب الصوت، يقف يوسف في مكانه حاجزًا بين عمه وناصر مدهوشًا تعلوه الصدمة .. يترك القهوة على الطاولة وما زالت ملامحه ليسير دون إدراك إلى ناصر، كاد ينطق دون وعي (وش جابك؟) إلا أن ابتسامة غريبة تعلو ناصر أعادته إلى وعيه وهو يقترب ليُسلّم على يوسف :" الحمدلله على سلامتك"
من خلف كتف يوسف يظهر له أخيرًا ذاك الوجه، وجه قاتل أخيه الفار من العدالة .. كم كان يُخمن شكله، هل كبُر؟ ماذا فعل به ذنب نجد؟ هل صيّره ذليلًا قصيرًا؟ أم أن كبرياءه ذاك ما زال ملطخًا بدماء نجد؟ ما وجده لا يشبه إلا رجل سلبته الدنيا عافيته .. هل هذا نتاج دعاء الجوزاء؟ أو نتاج حجته قبل سنين طويلة وهو يردد (يارب إن كان حي طوّل عمره بشقاء وتعب، اسلب عافيته مثل ما سلب حياة أهلي)
يحرر يوسف منه ليتقدم إلى صدر المجلس بثبات، يتمنّى لو تُقطع يده قبل أن يصافح عدوه .. لكن لا بأس، سيُصافحه .. سيُثبت له قوته، يُسلّم عليه بنيران تتأجج داخله مقابل تحيّر يعقوب الذي يجهل من يكون، وكأن كهرباء صعقته وياسر ينطق بتنهيدة ثقل واضح :" ناصر .. ناصر بن متعب، نسيبي"
لم يكن بحاجة لأن يؤكد عليه ياسر بكلمته الأخيرة، ناصر لن يكون سوى ناصر ذاك .. من سيسلبه حياته، مالذي أتى به؟ هل تعمّد ياسر حضوره؟ هل يعلم بهويته الحقيقية؟
يجلس ناصر بهدوء لا يعكسه اضطراب عروقه، يسمع انفجار سعال يعقوب المفاجئ .. يقفز إليه يوسف بتوتر بالغ يُسقيه الماء مرددًا :" عمي بخير؟ شربت دواك؟"
يشرب الماء بهدوء ليهز رأسه إيجابًا، ينقل أنظاره إلى ياسر .. يستنجد به، ليراه لا يقلّ سوءًا عنه، قُرب ناصر سلب منه النظرات الدافئة التي يرميها لنجد بين الفينة والأخرى، سلب منه ابتسامته لضحكة من نجد .. إصغاءه لكل كلمة تصدر منه وكأنه أب يسمع الحروف الأولى من طفله، حضور ناصر كان ثقيلًا على قلبه كما لم يظن .. ازداد ثقله وهو يرى وجه نجد الوجه الوحيد الذي يحمل ترحيبًا وسعادة لحضور ناصر .. وها هو يجلس بجواره ليُثبت ليعقوب أن لا أحد في هذه الغرفة أكثر شبهًا به من خاله، وأن لا أحد يحب ناصر أكثر منه ..
يثبّت أنظاره بين يوسف وياسر بعدما كان نجد يأخذ النصيب الأكبر، يبحث بهما عن مخرج من تعبه .. ينطق بعينيه لرفيقه بأنه ضعيف جدًا أمام كل هذا، بأنه مخطئ بشأن تحمّله .. ناصر ونجد يمتصان قوته ولا يستغرب سقوطه قريبًا .. يرد عليه رفيقه بتشتيت نظراته، وكأنه يخبره بعجزه .. وكأنه يلومه (هذا ما جنيته على نفسك).
يلحق نجد بيوسف ينوي مساعدته بتقديم الضيافة، لتتسع أحداقه لكلمة يوسف الغاضبة والهامسة :" وش جابه؟ "
يعقد حاجبيه مباشرة، هل يقصد خاله؟ ناصر ومنذ كان صغيرًا هو أحد أفراد هذا المنزل .. يعلم يوسف هذا جيدًا وكبر عليه، مالذي يجعله يُقابل وجوده بهذه الفضاضة؟ .. يرد له الهمس :" خالي؟ "
يزم شفتيه بضيق محاولًا تمالك نفسه .. ناصر يجهل كل شي، لكن تأثير حضوره على يعقوب جليّ للأعمى .. يتمتم قبل عودته :" ولا شي، انسى .. كلمهم يجهزون العشاء"
ليعود أدراجه إلى المجلس وحنقه يشتد على ناصر، ما أن جلس تضيق عيناه وناصر يُكمل حديثه أو (استجوابه) كما يتضح :" سنين طويلة ما فكرت فيها ترجع لبلدك وتعرف بنتك على أصلها ووطنها وأرضها؟"
يسحب كوب الماء ليرتشفه علّه ينسى أن هذا ناصر، شقيق نجد .. وشقيق الجوزاء، كاد يُجيب إلا أن صوت يوسف أنقذه معلقًا بلا مبالاة :" وين ما يكون رزقك بتعيش، ولا عمي؟"
ما أن هزّ رأسه إيجابًا تتصلب حركته، تجحط عيونه، يختنق وكلمة ناصر تقتله :" كــذّاب"
يدخل نجد على كلمة خاله الأخيرة، تتجمّد حركته بدهشة .. تشلّ الصدمة ألسنة الثلاثة، يوسف ويعقوب وياسر.. هل هذا يعني أن ناصر يعرف كل شيء؟
يغمض عينيه يعقوب برجاء داخلي، يرجو ناصر أن يعتقه حتى زفاف نجد .. وبعدها يعده بأن يسير إليه بنفسه، لن يُبرر ولن يدافع .. سيكون رهن يديه، لكن فقط بعد زفاف نجد ..
أما ناصر، يفقد نفسه .. لم يعد يعي بشيء، كل ما يراه الآن هو زيف يحرق قلبه .. يزيد من اشتعاله ياسر وهو يقطع الصمت أخيرًا :" ناصر، عبدالعزيز ضيفـ.."
يقطع كلمته بانفعال مضطرب، قهر .. خيبة.. رغبة بتفتيت رأس الجالس قربه :" عبدالعزيز؟! تكفى يا ياسر لا تقول عبدالعزيز.. قل يعقوب! قولها! تكفى.. لا تشاركه بجرمه، جرمه بحق صاحبك وزوجتك واللي عديته أبوك.. - يقف مشيرًا إلى يوسف فجأة - جرمه بحق ولدك! .. يوسف تعرف أي وهم عيّشوك فيه؟ تعرف إن عبدالعزيز مجرد ورقة؟ انت عارف إن هذا اللي استغلك عشان يحمي روحه قاتل وهار.."
لم يُفرّغ بعد، قاتل وهارب كلمتان لا تصفان شيئًا .. يعقوب لم يقتل أخاه وحسب، يتّمه .. سلب من والده عقله حتى بات مجنونًا، سلب الحياة من أخته .. حرمه من أسرته كاملة، حتى بات مصطلح الأسرة شيئًا غريبًا عليه، كان يرغب بسرد كل فضاعة يعقوب بحياته وإن كلّفه سرده سنين طويلة حتى يتفهّمه يوسف.. إلا أن كفّي يوسف أخرسته وهي ترميه على الجدار وتقبض على ياقته، من كان يقف أمامه يشد على ياقة ثوبه ليس يوسف .. شيطان آخر تلبّسه وفحيحه يصل إلى مسامع الجميع :" مافي أحد استغلني .. كنت أعرف، من البداية أعرف .. وايه .. ما يهمني ماضيه! ولا يهمني حقدك! ولا أسمح لك تمسّه بلسانك الأسود .. والله ما تلمسه إلا إذا صرت أنا تحت التراب"


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 268
قديم(ـة) 13-07-2019, 04:49 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


لا يقاومه، ولا نية له بذلك .. ما يهمه أن يُثبت للجميع أن الحق بجانبه، كفا يوسف الغليظة على صدره لم تمنعه من إخراج الأوراق المصفوفة بداخل جيبه ليرميها على نجد الواقف بلا حراك تشلّه الصدمة وعدم الاستيعاب لأي شيء :" وأم أخوك؟ زوجة أبوك! ما يهمك كل اللي عانته لين ماتت بقهرها وأخوك طفل صغير؟؟ - يعود ليوجّه حديثه لنجد الذي التقط الأوراق بتلقائية يتفحّصها بوجه سُلبت ملامحه - ايه يا نجد .. هذا يعقوب اللي سلب منا كل شي! بصدر مجلسكم تضيفونه وأمك تحت التراب أخذ منها شبابها وأهلها وأخذها منك"
عند هذه النقطة يفقد يوسف السيطرة على نفسه، يرفع قبضته عاليًا بغية تفتيت جمجمة ناصر .. إن فقد ناصر رشده فيوسف فقد عقله وبصيرته، منذ ليلة البارحة.. وعندما ظهرت تلك القصاصة الصغيرة بيد هديل وهو يفقد نفسه تباعًا، في المقبرة بجوار يعقوب أدرك ذلك .. ليتفجّر الآن حمايةً لما تبقّى منه، يرفض تصديق أن يعقوب استغلّه .. أنه وهديل ليسا سوى حلقة وصل لماضٍ هُدم، لن يسمح لأي شيء أن يسلب منه قُرب هديل (مرسول سمائه) هدية الله له بعد كل ما خاضه منذ كان صغيرًا ..
تتجمّد حركته وقبضته وعيناه تتسع لصوت صفعة حارة قُربه، لحظة هذه ليست صفعة من يده لوجه ناصر .. ما زالت قبضته معلقة تنوي الانقضاض على جمجمة ناصر، وليست كف ناصر إلى خده .. فناصر ما زال تحت قبضته الأخرى دون حراك يشتعل نارًا مستعدًا لتلقّي القبضة .. يُحرر ناصر من قبضته وهو يلتفت بتلقائية باحثًا عن صاحب الصفعة، لن يكون سوى أحد الثلاثة خلفه.. نجد أو يعقوب أو والده.
تتسع أحداقه، عمّه ومن عدّه أبًا آخر يُصفع أمامه! وممن؟ من أخيه؟! يغيب عنه كل شيء عدا وجه نجد الواجم والواقف أمام يعقوب بملامح لا تُشبه سوى ملامح حِقد ناصر .. حقدٌ دفين مترسّب داخله لذاك الذي يُدعى (يعقوب) تشرّب هذا الكره بداخله دون أن يعلم، حاول كتمانه ومواراته عن والده حتى صدّق أن قاتل خاله ومن تسبب بكل مأساة أمه وجده وخاله ناصر لا يعني له شيئًا، ليتفجّر الآن كل هذا الحقد والكره دفعة واحدة، ولأول مرة.. ينسى وجود والده، كاد يُلقي صفعة أخرى وثالثة ورابعة إلى أن يُشفى غليله، غير أنه وجد نفسه فجأة مرتصًا على الجدار يكاد يدخل به، لم يستعد وعيه بسبب قبضة يوسف حول رقبته يكاد يسحقها .. ولا بسبب صرخة خاله بيوسف، بل بسبب عيني يوسف المشتعلة.. يكاد يجزم أن هذا ليس أخاه، هذا شخص غريب أحضره ذاك القاتل معه من المقبرة .. أين يوسف؟ ماذا يفعل؟ سيرضى بيوسف القديم .. يوسف المكتئب، الرمادي .. لكن المهم أن يعود يوسف، ردّوا إليه يوسف ..
يزيد من قبضته على عنق نجد حتى ظنه كُسر، تغيب عنه جميع الأصوات التي تصرخ باسمه.. لا يرى شيئًا سوى عيني أخيه التي بدأت تستنجد به أن يُعتقه، فجأة يُغشّي عينيه الدمع دون أن يتحرر من مقلتيه .. يخرج صوته مزيجًا بين ضعف وقوة :" عطيتني كلمتك نجد! هذا اللي أطلبه منك .. روح انت وخالك بعيد عن عمي، وينها كلمتك! كثير عليك؟ أنا بعد كثير علي أأذيك، بس لجل عمي يهون علي كل كثير!"
يعود الجنون ليتملّك يوسف أكثر وهو يزيد من خنقه لأخيه، كلاهما لا يلقيان بالًا للأصوات حولهما .. ولا للأجساد الدخيلة.. يختنق نجد أكثر وهو يحاول أن تخرج حروفه وتوسله ليوسف غير أن اختناقه يزيد، يزرقّ وجهه .. رئته تستنجد الهواء .. يوسف المجنون يكاد يقتله .. يغيب عنه جنون يوسف الذي يبدو أنه فقد السيطرة على نفسه .. يغيب عنه خاله الذي يحاول تحريره من يوسف بوجه مذهول كمن لم يتوقع جنون يوسف، يغيب عنه وجود (اليمام) وهي تحاول دفع يوسف عنه وتحريره بمقعدها ويديها التي لا تصل لذراعي يوسف، تغيب عنه الأجساد الأنثوية الثلاثة الواقفة بصدمة عند باب المجلس.. تغيب عنه قفزة (القاتل) محاولًا دسّ جسده ليحيل بينه وبين جنون يوسف وصوته يخرج كمجنون هو الآخر، مرتعش، باكٍ :" يوسف اتركه! اترك ولدي .. بتقتل نجد! بتقتل ولدي .. ابعد عنه"
يغيب عنه كل هذا، ولا شيء يحضر داخله منذ جنون يوسف سوى وجه واحد، والده! .. عيناه لم تستوعب أي شيء وهي تبحث عن أبيه، والده الذي أُصيب بنوبة ارتفاع ضغط دمه ليلة البارحة .. كيف سيكون حاله الآن وهو يشهد كل هذا؟ كان يلعن اللحظة التي حضر فيها خاله، لا بأس سيتنازل عن كل شيء وسيُصافح القاتل، المهم ألا يشهد والده كل هذا .. لم يكن يرى كل ما حوله، كلهم ضباب .. ووالده الجالس بسكون في مكانه وحده الحقيقة، اختنق أكثر وهو يراه مستندًا على المقعد ولحيته يغطيها الدم .. ولا يبدو بوعيه.. كان يحاول إخراج كلمة واحدة (أبوي) حتى يُعيد الوعي ليوسف أو ليُنبّه أحدهم لحال أبيه حتى يسارعوا لنجدته .. لكن وكأن الجميع نسوا وجود من يملك كل وجود عظيم.
لا شيء ردع يوسف .. ولا حتى كلمات يعقوب التي ظنّها يوسف محاولة منه لتحرير نجد ليس إلا، لم يجعل يديه تتحرر من خنق نجد سوى الصوت الذي طغى على جميع الأصوات ليفجّر :" يوسف اتركه لا تذبحه! أخو هديل يا يوسف! ابعد عنه هذا ولد عمك عبدالعزيز"
وكأن كلمات (منى) أم هديل كانت ثلجًا جمّد الجميع، لم يعلُ بعد صوتها أي صوت .. الضجة التي كانت تهزّ أرض المجلس اختفت وكأنها لم تكن، للحظة صُمّت آذانهم .. لم يحرّكها سوى صوت نشيج من صدر يعقوب الذي انتشل جسد نجد المختنق من بين يدي يوسف ليدسّه في صدره ويبكي .. يختلط صوت بكائه باستعبار زوجته الواقفة عند الباب تبكي.
يسعل نجد بتلقائية بعد مرور الهواء إلى رئتيه على صدرٍ غريب يضمه وينشج، يتجاهل عقله كل شيء باستثناء وجه أبيه.. ليقفز متحررًا من يعقوب إلى صدر المجلس وأنفاسه تضطرب أكثر، يجلس أمامه بسرعة ليهوله منظر والده.. يصرخ به دون وعي ولا جواب منه سوى بإيماءة ثقيلة، يعجز عقله عن تذكّر كل نصائح الطبيب .. يلتفت مستنجدًا بالمتجمّدين حوله لا تصدر منهم حركة، يقفز إلى عقله أخيرًا أن يوسف ممرض ليصرخ به :" يوسف! شف أبوي! بسرعة الحقه"
لا استجابة من يوسف الواقف في مكانه متجمدًا بملامح باردة، يفقد صبره ليصرخ بخاله الواقف بذهول هو الآخر :" خالي كلم الإسعاف وشغل السيارة بسرعة"
وكأن صرخة نجد به هزّته لتعيد إليه حركته وتُذيب تجمّده، يستغرق وقتًا وهو يبحث عن هاتفه في جيبه.. يُمسكه عشرات المرات ليُعيد البحث عنه بعقل مشوش، لتعود صرخة نجد وتهزّه مجددًا .. يُخرج الهاتف ليتوقّف متأملًا شاشته لثوانٍ لا يعلم ماذا يفعل، يُسحب منه الهاتف بقوة .. وكأن كل قوة جسده سُحبت معه ليهوي جسده جالسًا على المقعد.
لا أحد يعلم ماذا حصل بعدما أسعف المسعفون ياسر برفقة نجد، خلا المكان منهما .. وبقية الأجساد السبعة ما زالت في مكانها لا تتحرك، وكأن أحدٌ ما أوقف شريط حركتهم..
لم تشعر يمامة بموقفها ولا بوجودها الغريب داخل المجلس بمقعدها بدون حجابها والرجل الغريب يقف قُربها حيث كان يقف نجد يستند على الجدار ونشيجه لا يتوقف ويوسف في مكانه ذاته أمامها يقف برجفة تسري بكفيه، لم تشعر بموقفها الخاطئ وناصر يجلس في مكانه بلا حراك عيناه تضيع في فراغ قاتل، لم تستنكر وقوف خالتها بعباءتها خلف منى وهديل الملتفتان بحجابيهما .. لم تستوعب ما حلّ بياسر ولا حضور الإسعاف ومغادرة نجد معهم .. لم تستوعب كل هذا الخرس إلا عندما شعرت بعجلات مقعدها تُسحب وتتحرك بسرعة مخيفة لتُخرجها من المجلس، قاومت خالتها بجنون حتى تُعيدها إلى المجلس دون جدوى.. صراخهما أذاب الثلج عن شفتي هديل لتنطق أخيرًا بعد صمت طويل برجفة واستنكار :" يمه .. وش كنتِ تقولين؟ "
" ايه نجد أخوك يا بنتي .. "
كانت تُجهز نفسها لصوت أمها، ليصلها صوت والدها بدلًا عنها .. يفجّر كلامه تباعًا، يُلقي بطامته على يوسف وناصر وهديل ويمامة التي قاومت خالتها لتعود أخيرًا .. يثبّت عينيه بناصر الذي لا يبدو بأنه يعي أي شيء ليُؤكد له بأن نجد ابنه هو .. وبأن والده وأم ياسر ونورة يعلمون بكل هذا ..
لا صوت يُقاطعه سوى صوتين باكيين مكذّبين، يمامة وهديل .. يستنجدان بيوسف علّه يؤازرهما ويكذّب كل شيء لكن لا جواب منه سوى رجفة قوية تتملّك يديه، يقف يعقوب أخيرًا متحاملًا بثقل كبير ليتّجه إلى ناصر، يجثو على ركبتيه أمامه .. يرق صوته حدّ الهمس، يصارع بكاءه وهو يضع كفيه على ركبتي ناصر :" أبيك تعرف إن مافي وجع سلبني حياتي أكثر من وجعي على أخوي يوسف إلا وجع نجد .. كنت جبان، بس الحين أسلّم لله كل أمري.. جيت الرياض لسبب واحد، عشان ينتهي كل شي وأتطهر من ذنبي .. ما جيت أهدم فوق كل هالركام، جيت آخذ الغفران من ربي قبل أي أحد "
يقف تاركًا ناصر على جموده، لا يتحرّك حتى لارتفاع الأصوات بعد اختفاء يعقوب .. بكاء هديل وأمها التي تحتضنها وتمنعها من اللحاق بأبيها، لا يعلم كم مضى من الوقت وهو يجلس على المقعد دون حراك .. ساعة، ساعتان، لا يعلم .. يرفع رأسه عن الفراغ بثقل ليجد يوسف جالسًا قُرب باب المجلس بجمود مشابه له وابنة يعقوب تنهال على صدره بضربات قبضتها الناعمة وهي تبكي بضعف .. وكأنها تستنجده لفعل شيء ما، أو اللحاق بوالدها الذي غادر ..
فجأة يشعر بدوار حاد، يقف مسرعًا ليخرج من المجلس إلى دورة المياه .. يستفرغ كل ما في جوفه، تمنّى لو استفرغ قلبه وعقله وكل ما فيه حتى يتخفف من ثقله، ما أن خرج من دورة المياه تضيق عيناه وهو يرى هديل وأمها بعباءاتهم قُرب الباب الخارجي وفتاة أخرى بعباءتها تستقبل هديل بأحضانها لتسندها محاولةً تهدئتها، لو لا صوتها ونظرتها المطولة ذات المعنى له لما أدرك أنها ريم .. تجر هديل خارجًا ليختفي صوت النحيب مخلفًا صمم مخيف في أرجاء المنزل.


-


تنفسه يعلو ويهبط، صداع حاد يفتت رأسه .. طنين حاد يخترق أذنه، كل هذه الفوضى بداخله لا تعكس الوجوم الذي يغطيه.. يجلس منذ ساعات بمكانه دون حراك، يرفع رأسه بتلقائية للممرضة :" are you ok? "
يقف بإرهاق ليُسند ذراعيه لأقرب طاولة ماسحًا وجهه المرهق بكفيه .. كإجابة لسؤالها، لا ليس بخير أبدًا، كيف يكون بخير وهو لم يحافظ على والده؟ منذ إصابة والده بنوبات ارتفاع ضغط دم وهاجس كهذا يسيطر عليه، ماذا لو أُصيب والده بجلطة؟ لن يُسامح نفسه أبدًا .. أتت تلك اللحظة سريعًا، كاد يجنّ عندما أخبره الطبيب بتعرض والده لسكتة دماغية.. احتضنه مطولًاً وهو يبكي قبل دخوله غرفة العمليات كمن يخاف فقدان هذا الحضن، قبّل جبينه قبلة طويلة وهو يردد ( الله لا يوجعني فيك، الله لا يوجعني فيك، أعوذ بالله من وجعي عليك .. ) ومنذ ذلك الحين وإجراءات طويلة لا تتوقف .. أشعة، فحوصات، اجتماعات طبية .. إجراء عملية عاجلة..
حتى بعد انتهاء العملية وطمأنة الطبيب له لا يشعر بأنه بخير، لن يكون بخير حتى يجلس بجواره والده .. يحدّثه ويبتسم له.
يحاول أن يجمع تركيزه والطبيب يبدأ نصائحه :" نجد، أبوك بخير لا تخاف .. احمد الله ما صارت مضاعفات أشد، بعد التوكل على الله وبعد العملية كل شي يقوم عليكم وعلى تقبله ونفسيته .. بيرجع طبيعي ويتحسن وممكن خلال كم شهر بس كل هذا يعتمد على عزيمته ومساندتكم له .. - يصمت قليلًا متذكرًا ليتابع - أفضّل تنادي أحد من العايلة يسمع النصايح والتنبيهات معك"
يقاطعه بتركيز :" اعتمد علي - يُخرج هاتفه - بسجّل صوت وبدوّن وبرتّب كل شي"
ليعود صوت الطبيب مجددًا :" خذ راحتك سجّل، وأنا بدوّن لك كل شي خارجي وبعطيك كتيب تمشي عليه .. أهم نقطة حاليًا مساندتكم المعنوية له، لا تعرضونه للضغط وبيسهل تعافيه .. في فريق كامل بيتابع معكم طول مدة علاجه، إخصائي نفسي، إخصائي علاج طبيعي، ومن حسن الحظ ما تعرض جانب اللغة والتخاطب عنده لضرر ..."
يُتابع كل حرف يصدر من طبيب والده، يسأل عن كل صغيرة وكبيرة .. يطلب ورقة من الدكتور ليدوّن فيها -تحسبًا- (أخاف يضيع علي التسجيل أو أنسى، بكتب لو صار شي) لا يكتفي بالتدوين والتسجيل، ما أن انتهى حديث الطبيب يُرسل المقطع الصوتي الطويل إلى واتس آب أبيه ويوسف ويمامة وثامر وناصر، لا يكتفي بالواتس آب .. يُعيد إرسال ذات المقطع إلى بريدهم جميعًا بما فيهم نفسه.
يُعيد هاتفه إلى جيبه بزفرة حارة، يُسند رأسه على المقعد مغمضًا عينيه.. تهاجم رأسه أصوات ضبابية كأنها داخل قعر بئر، صوت خاله، يوسف، يمامة، وذاك الضيف الثقيل ..
" نجـد "
كان نداء اسمه باردًا خافتًا إلا أن جسده فزّ سريعًا، يعقد حاجبيه غير واعٍ لوجود يوسف أمامه .. يوسف والرياض؟ منذ متى ويوسف في الرياض؟ ليهجم على عقله كل شيء .. عودة يوسف المفاجئة، حضور الضيـ... وكأن طنين رأسه شكّل حاجزًا عند هذه النقطة وعند كل ما حصل بالأمس.
" نجد؟! "
يقف مسرعًا متجاهلًا طنين عروق رأسه لينطلق بوجه يوسف :" وين كنت؟ ليه تأخرت! تعرف إن أبوي سوى عملية؟ صابته جلطة! وينكم؟ كان تعبان! ما يتحـ.."
يقاطعه يوسف ممسكًا بكتفه ليُجبره على الجلوس وتنفسه مضطرب :" نجد انت مو بخير .. مو بخير .. كلنا مو بخير، ما في أحد بخير.. شلون نكون بخير؟ "
قُرب يوسف يُزيد طنين رأسه حتى ظنّ أن عينيه انفجرت، يُغمضها بشدة مسندًا رأسه على الجدار .. لم يعد يسمع ماذا يقول يوسف، يشعر بخطى يوسف تبتعد وصداها يدوس على رأسه ليزيد الطين بلة.
لا يعلم كم ساعة مضت وكم من صلاة فاتته نسيانًا وفي أي يوم هو حتى سُمح له أخيرًا بالدخول حيث يرقد والده .. ما أن دخل سكنت جميع عروق جسده، طنين رأسه اختفى .. ضخّ دمائه المتفجّر رَكد لتنساب بهدوء، وكأنه نسيَ الدنيا كلها عند باب الغرفة ليلوذ إلى جنته، وإن كانت رؤية والده بهذه الحالة توجع قلبه إلا أن رؤيته يتنفّس وينظر إليه تُزيح وجعه..
يأخذ نفسًا عميقًا ليكبت كل صراعاته ويرسم ابتسامة دافئة مقبلًا على والده يقبّل رأسه وكفّيه :" الحمدلله على سلامتك يبه، تبي تخوفنا عليك الله يسامحك؟ - يعتدل جالسًا بجواره يمسح على رأسه وابتسامته ذاتها - الحمدلله عداك السوء وكلها كم يوم وتصير أفضل"
يزم شفتيه لعدم استجابة والده، عيناه ذابلة وكأن لا حياة فيها .. يتابع مصطنعًا المرح حتى يبث الحيوية فيها :" زواجي بنأجله لين تصحى، عشان كذا نبيك تصحصح وتلبّسني البشت بسرعة .. تعرف ما فيني حيل أنتظر يمام أكثر"
يشعر بذراع والده السليمة ترتفع بثقل خلفه لتحط على ظهره بخفّة، يستجيب لاحتضان والده العاجز .. يُسلّم رأسه لصدر والده، يكبت بكاءً أرهقه مستشعرًا وجع والده .. والده موجوع، يقاسي ألم جسده .. وهو بكل ضعف لا يملك من أمره شيئًا سوى استجابته لعناق والده.
يحاول جاهدًا ألا يضع ثقله على والده حتى لا يتألم، لا يعلم كم دام هذا العناق الحار على خفّته .. يفتح عينيه بانتباه شديد على صوت والده الثقيل :" نجد ... برسالة الغفران .. ورقة.. خذها"
يبتعد عن والده قليلًا :" أبشر يبه، بس تستقر حالتك أجيب الكتاب لك بكرة، ولو تبي أجيب المكتبة كلها بس .."
يعقد حاجبيه بتركيز لصوت والده الضعيف يُقاطعه بإنهاك :" الحين "
كان ينوي الاعتراض، إلا أنه كبت اعتراضه .. لا بأس، ما يأمر به والده سيُنفذ، لا يرغب بتركه وإن كانت دقائق معدودة .. إلا أن رغبته بتنفيذ جميع طلبات والده الآن تسيطر عليه.
يقبّل والده مجددًا، يمسح دمعة يتيمة عانقت خد أبيه ليسير مسرعًا إلى الخارج.. يجد يوسف في مكانه وعلى حاله منذ أتى ليجلس بجواره جامدًا لا يتحرك ينطق بسرعة وعجلة :" يوسف، ادخل عند أبوي .. بس أحذرك تفتح معه أي سيرة تضيق صدره، إذا ما عندك سوالف اسكت بس لا تتركه وحده"
لا يعطي يوسف مجالًا للرد ليطير مسرعًا إلى سيارته، يحاول تذكّر أسماء كتب قد تُسلي والده أثناء مكوثه في المستشفى .. طوق الحمامة، أحد مجلدات الأغاني، تأويل مشكل القرآن، البخلاء .. جميعها كتب قد حفظها والده صغيرًا، حفظها كذلك نجد على يديه عندما كان في المرحلة المتوسطة .. لكنها أفضل سلوة له في أزمته هذه.
يصل إلى المنزل الخالي، لا وجود لأي أحد .. يسحب الكتب التي يحفظ مكانها جيدًا، إلا كتاب رسالة الغفران .. يستغرق وقتًا يبحث عنه، غير موجود في ترتيبه المعتاد .. يبحث على مكتب والده، لا يجده .. يضطر لفتح قفل درج المكتب ليبحث فيه، يزفر براحة وهو يجد الكتاب أمامه .. يُخرجه ليظهر له ظرف أبيض وسط الكتاب، يفتح الصفحة بتلقائية ليظهر له كامل الظرف يتربّع فوق صفحة 49 التي تحمل كلامًا صغيرًا:
(أملى أبو العلاء المعرّي هذه الرسالة سنة 424 هـ، وذلك ردًا على رسالة ابن القارح، وقد أملى هذه الرسالة، وهو في السن التشاؤم والانهزام من الحياة ...)
يعقد حاجبيه بتركيز شديد وهو يقرأ ما خطّه والده على الظرف (فلذّة كبدي، وأكرم عيسي .. حبيبي نجد)، يُزيح الكتب التي جمعها جانبًا ليجلس متربعًا على الأرض يستخرج الورقة التي بداخل الظرف.


-


تقف بتردد واضح أمام موظفة الاستقبال :" امممم عندكم مريض اسمه ثامر عمر العمر ممكن أعرف إذا خرج أو باقي موجود؟ "
ترفع الموظفة رأسها أخيرًا :" أنتِ من الأهل؟ "
هزت رأسها إيجابًا بتلقائية لتستوعب خطأها وتتراجع وهي تحك جبينها :" لا! بس بسـ.."
تقاطعها الموظفة وهي تعود لانشغالها :" أجل ارتاحي، ما أقدر أفيدك بشي"
تزم شفتيها بضيق، ترجع خطوتين للخلف إلا أنها تعود مجددًا :" اوك أنا قريبة له، بس من بعيد "
كادت تركض هربًا بسبب نظرات الموظفة التي بدا أنها ضاقت ذرعًا إلا أنها نطقت بسرعة وربكة لتزيد الطين بلة :" اوك اوك طيب عبدالله؟ كان ضمن المصابين "
تقف الموظفة بقلة صبر :" يا حبيبتي إذا ما وقفتِ أسئلتك المشبوهة بتخذ طريقة ثانية .. مو معقولة ما تعرفين إن إجراءات اللي تسألين عنهم أمنية"
ابتلعت غصتها داخلها لتبتعد، لا تعلم هذه الموظفة الغبية بالمصيبة التي حلّت عليها.. تحتاج ثامر، هل كل هذا كثير؟ هل أصبح غريبًا كما يقول ناصر وكما تقول الاستشارية النفسية حتى أنها لا تستطيع معرفة حالته؟ تحتاجه بشدة .. تحتاج لشخص يعرفها تمامًا ليتشارك معها صدمتها، يقف بذهول معها غير مصدّق .. ثامر الذي عرف أتفه وأبسط تفاصيلها، كيف يفوته أمرٌ كهذا؟
تلجأ للشخص الوحيد الذي بقي لها، لن يُشاركها صدمتها .. لن يفكّر بحلول جهنمية كما يفعل دائمًا، عاجزٌ هو عن فتح عينيه وإدراك ما حوله، لكن لا بأس ستثرثر عن صدمتها أمامه علّها تخف ..
تفتح البوابة، لتسير وذهنها مشتت .. هل يعرف ثامر بحال خالد؟ ماذا حصل ذلك اليوم؟ سمعت ذلك مرارًا من الجميع لكنها لم تسمعها منه.. هل كان خائفًا؟ هل يتوجّع الآن؟
تتجمّد في منتصف طريقها إلى غرفة خالها، لحظة! .. هل خرج ثامر من مخيلتها ليسير بعيدًا عنها! هل من رأته ثامر؟
تخرج منها شهقة بابتسامة عريضة لا تُسيطر عليها، تلتفت بسرعة حتى تلحق بالطيف .. ليغيب عنها خلف البوابة المتأرجحة، تترك كل شيء خلفها لتُسرع خطاها إليه بفرحة طفل يلتقي بأمه بعد سفر طويل..
تفتح الباب بسرعة وشفتاها تكاد تخرج أقوى صرخة (ثامــــر) إلا أن صرختها تموت داخلها وابتسامتها تختفي ليحلّ محلها الذهول على رؤيته يحتضن اليمامة التي تبكي بكاءً مفجعًا.
ماذا حصل؟ بكاؤها هذا ينبئ عن كارثة حلّت، هل أُصيب عمّ ثامر بمكروه؟ صادفته ثلاث مرات متفرقة في المستشفى أثناء زياراتها لخالها.. كان يبدو كل يوم بحالٍ أفضل عن سابقه، هل تدهورت حالته فجأة؟ تسمعها وهي تردد كلامًا لا تفهم منه سوى (نجد)، وهل تصدر مصيبة من (نجد)؟ على حدّ علمها نجد أكثرهم حظًا وأكثرهم بُعدًا عن المصائب (أبوه راضي عنه وداعي له) كما يقول ثامر دائمًا، أي مصيبة تلحق اسم نجد؟ هل طلّقها خطيبها؟ تدور في مخيلتها جميع الأوهام .. ويبدو ثامر مثلها تمامًا لا يعي شيء غير أن الهلع والخوف يتملّكانه راجيًا من اليمامة الهدوء حتى يفهم ما تقول.
كادت تقترب لتُشارك ثامر في تهدئة اليمامة وربما تهدئته هو، إلا أنّ امرأة أخرى اقتربت بسرعة لينطق ثامر مستنجدًا :" خالة! وش صار؟ "
تعقد حاجبيها بعدم استيعاب، خالته؟ لا تعرف خالة سوى اليمامة.. لتتفجّر إلى ذاكرتها فجأة (زوجة خال أمه) ابنتها سمر! تنفض اسم سمر من رأسها لتركز على ارتباكهم، ثامر يعود لضمّ يمامة له مهدئًا دون أن يفهم ماذا حصل مرددًا :" لا تخافين .. كل شي بخير، نجد بخير، يكفي يمامة .. لا تفكرين"
كادت تموت ضحكًا ولو لا وجود عقلها لذهبت إلى اليمامة لتخبرها أنها أعلم الناس بماذا تعني (كل شي بخير) عند ثامر، كل شي بخير هذه تعني أن لا شيء بخير وأن كوارث حصلت وستحصل .. إذن فلتربط اليمامة على قلبها، ثامر يجب أن تُصدر بحقه منع صارم لنطق هذه الكلمة، وإلا سيبتلع الكرة الأرضية ثقب أسود!
تتجمّد في مكانها وهم يبتعدون، ثامر على وجعه يُسيّر مقعد اليمامة وهو لا ينفكّ عن تهدئتها .. تعجز عن اللحاق بهم، ومن هي حتى تلحق بهم؟ تدعو الله بقلبها أن يُصيب ثامر هذه المرة ليكون كل شيء بخير .. صدق ثامر عندما أخبرها بأنهما يجلبان المصائب، ما أن خرج من المستشفى تهجم عليه مصيبة أخرى تجهلها ..
تعود أدراجها إلى غرفة خالها على أمل أن ترى ثامر يومًا ما هنا .. بات المستشفى المكان الوحيد الذي ترجو لقياه فيه.


-


طول طريق العودة يسمع أنين اليمامة وبكاءها وخالتها لا تنفكّ تردد :" مصيبة"
كل ما فهمه بأن نجد ويوسف اختفيا منذ الأمس بعدما كانا في المستشفى بصحبة عمه المصاب بجلطة! جلطة؟ اختفاء؟ يوسف ونجد؟ كل هذا ثقيل على رأسه .. أي كارثة حصلت؟ يدخل اسم يعقوب وهديل بين المصائب، ليتضح له جزءًا يسيرًا .. ظهور يعقوب وراء جلطة عمه، لكن ماذا عن اختفاء نجد؟ وفي وضع والده الحرج!
يتوقف عن طرح الأسئلة مهدئًا اليمامة علّه يسترخي قليلًا حتى يتمكّن من الاستيعاب، يتركهم في منزله ليستقل سيارته المركونة منذ فترة وينطلق بها إلى المستشفى الذي يرقد فيه عمه، رؤيته لعمه لم تجدِ نفعًا .. كان كالجثة الهامدة، لا يتحرك .. سوى عينيه التي تنطق حزنًا وحروفًا ثقيلة يرجو بها ثامر (نجد ويوسف يا ثامر)
كان يظن بأنه سيجد ناصر برفقة عمه .. لكن لم يكن هناك سوى خال أمه الذي فجّر عليه قنبلة استعصى عليه فهمها (يعقوب يقول نجد ولده!) تجحظ ملامحه، لا يصدق هذا الهراء .. يردد محاولًا إقناع خال اليمامة (صدقني انت مو فاهم، انت فهمت خطأ .. )
ليخرج من المستشفى بدهشة كيف لرجل كبير أن يُصدق كلامًا كهذا؟ يُرخي رأسه على المقود .. أوجاع جسده المصابة تعود، صداع رأسه يتجدد .. يتذكر أدويته التي ألقى بها في المنزل، لينفض عنه وجعه يقود السيارة إلى شخص وحيد يلعم تمامًا أنه سيجد الجواب عنده، شخص وحيد سيقف معه ويسانده .. مثلما يفعل دائمًا.
ليزداد ذهوله وهو يرى تجمّع سيارات فارهة ورجال أمام باب منزل ناصر! يوقف سيارته خلف منزل ناصر ليترجل منها .. يتجه نحو مجموعة مراهقين يراقبون المشهد عن بُعد :" وش صاير؟ "
تهجم أصواتهم كلٌّ يريد سرد الحدث كما سمعه (صار لهم أربع ساعات ينتظرونه! جايين يبون ياخذون منه عفو وتنازل، قالوا بيعطونه ثلاثين مليون! ، أبوي يقول زمان انقتل أخو المحامي وهو صغير والحين رجع القاتل، مهوب رجال وهو ببيته مقفل بابه بوجيهم، تخيل موجود معهم الشيخ عبدالرحمن! وفلان وفلان..)
يهز رأسه إيجابًا ليحاول التملص منهم، ما أن يبتعد ينتقلون لآخر ساردين له كل ما حصل كنشرة إخبارية، بدا كل شيء واضح أمامه.. ما أثار دهشته تطور الأحداث سريعًا، إذن أمر يعقوب كُشف للجميع.
ما يهمه الآن كيف يصل لناصر؟ وهل هو حقًا في المنزل؟ يقف متأملًا الباب الخلفي الصغير .. يحسب حساباته سريعًا وما هي إلا أقل من دقيقة حتى صعد فوق سيارته، يتمالك وجعه متسلقًا الباب.. ليست المرة الأولى التي يستخدم هذه الطريقة، مراهقته حافلة بتسلق جدران المدرسة .. علاوة على ذلك لم ينقضِ شهر على تسلقه منزل ناصر.
ما أن هبطت قدماه أرضًا يُطلق صرخة تألم، يجلس مستندًا على الباب ليهدّأ وجعه .. يرجو الله أن يجد ناصر بعد كل هذا لا أن يذهب تعبه سدى، يقف ليسير إلى الداخل بعرج..
من رآه في الداخل لا يُشبه ناصر، هالات عينيه تُخفي ملامحه .. وشعره المبعثر لا يرتبط بناصر الذي يعرفه، مستلقيًا على المقعد وعلى الأرض تنتشر أكواب قهوة ورقية حوله .. والشاشة الكبيرة أمامه تعرض ما تنقله كاميرات المراقبة الموزعة على أبواب المنزل، لا يُصدر ردة فعل لوقوف ثامر .. يسحب بطانية خفيفة ليتلحف بها على صوت ثامر :" ناصـــر! وش صاير؟ "
يضيق ذرعًا من حالته، يتقدم متخطيًا أكوام الأكواب ليسحب لحاف ناصر بقلة صبر :" اصحى! أنا ما عندي غيرك يشرح لي اللي صار! عمي صابته جلطة ومرمي وحده بالمستشفى ونجد ويوسف ما ينعرف لهم مكان وانت هنا وأمة محمد كلها واقفة عند بابك ومنسدح لي ببرود؟! علمني وش صار؟ احكي لي يمكن أقدر أفهم شي واحد وألحق اللي باقي ما راح! "
يقف أخيرًا بتثاقل، يتجه نحو آلة القهوة ليعدّ كوبًا جديدًا وبصوتٍ مبحوح :" وش صار؟ قل وش ما صار"
يرتمي على المقعد مسترخيًا علّ أوجاع إصابته تخفّ محاولًا التركيز على كل كلمة تخرج من ناصر :" كنت أعرف إن لكل شي ضريبة .. وكنت من سنين طويلة أحسب حساب اليوم اللي بقتص فيه من يعقوب، حاسب حساب ياسر .. خويه، حاسب حساب أهله .. بس اللي ما حسبت حسابه.. "
يُغطي وجهه بكفيه كمن يُصارع ألمًا لبرهة من الوقت، تضيق عينا ثامر .. هل ارتكب خطأً جسيمًا بإخباره عن هوية يعقوب؟ هل ما حصل ويجهله يستدعي كل هذه الفوضى والحزن؟ يصله الجواب من ملامح ناصر المسودّة بعدما أزاح كفيه عن وجهه :" تعرف وش اللي يقتلني؟ إني قضيت عمري جازم إن سبب وجع الجوزا وجنون أبوي هو يعقوب .. والحين بعد كل هالعمر أكتشف إن اللي موجعهم نجد؟! .. طيب ليه كذبوا علي؟! لأني كنت وقتها صغير جاهل ما يحق لي أعرف! زين أبوي بآخر عمره ما كان بوعيه، ياسر شلون كان ينام الليل وهو يعرف إن نجد أحق الناس بهويته! ويعرف إني أقرب الناس له!"
يهز رأسه نفيًا بعدم تصديق وبذهول :" تكفى ناصر .. لا تقول إنك مصدق السوالف ذي؟!"
" سوالف؟! .. - يضحك بسخرية موجعة ليرمي ورقة قديمة بحضن ثامر، وكمن فقد السيطرة يصرخ- ليه عقد زواجهم بهالتاريخ؟! بعد ولادة نجد بشهرين؟! "
يقاطعه مجددًا :" لأنك تعرف إنهم كانوا بهجرة مهجورة ومنعزلين عن كل البشر وما وثقوا أي شي رسمي إلا بعد ما رجعوا داخل الرياض"
يسحب الأوراق من ثامر الذي لا يبدو عليه استيعاب أي شيء :" روح يا ثامر .. مو ناقصك"
يقف متجهًا إلى الخارج بقلة صبر، لا ينقصه جنون ناصر.. أي وباء حلّ على الجميع حتى يصدقوا غباءً كهذا؟ أي سحر يملكه يعقوب ليزرع في عقولهم كلامًا فارغًا حتى ينفذ بجلده؟! حتى ناصر لم يسلم من سحره..
" نجد ويوسف .. بالمزرعة"
تتوقف خطاه قُرب الباب على صوت ناصر، ليعود مجددًا إليه بعجلة ليجده مستلقيًا بلحافه على ذات المقعد، ينطق بعدم تصديق :" متأكد؟! "
يسحب كوبًا آخر ليرتشفه، يومئ رأسه إيجابًا بثقل .. وكأن ثقلًا كبيرًا انزاح عن كاهل ثامر يطلق زفرة ارتياح كبيرة :" الحمدلله .. "
وقبل رحيله يلتفت مجددًا لناصر بهدوء :" تبيني أطلعك؟ "
يسحب مفتاحًا على الطاولة الصغيرة ليرميه نحو ثامر الذي تلقّاه بتعجّب ليعود إلى استلقائه :" مفتاح الباب الثاني، روح واعتقني"


-

سوادٌ حالك كل ما يراه، لا يعلم هل هو نائم؟ أو في دوامة دوار حاد؟ أو أن هذا هو الموت؟! لا يسمع سوى صوت قديم، يعود لأحد عشر عامًا .. صرخة أمه، أنينها، صوت احتكاك السيارة .. ومشهدٌ واحد لم يزره منذ فترة طويلة ليعاود الظهور منذ الأمس.. أصابع كفه تعانق زجاجة حادة ودماء حارة تغطي رسغ يده، نجا من الموت في المرة الأولى ليسير إليه بقدميه في المرة الثانية ..
منذ الأمس يُصارع غرقه القديم، ينهزم آلاف المرات.. ومرة يفوق من غرقه، منذ نطق والده (الحق نجد) وهذا الغرق يُنهكه ويسلب طاقته ..
خوفٌ حدّ الهلع أصابه ومنذ فترة طويلة لم يزره وهو في سيارة أجرة تتبع طريق نجد من خلال تتبع موقعه عبر الهاتف، هلعٌ كاد يخنق أنفاسه.. حاربه مرحبًا بفكرة الموت، تلك الخردة الحديدية التي كبر متوجسًا منها لا بأس أن تُنهي حياته في هذه الليلة ليختفي كل شيء بما فيها هذا الخوف.
للحظة، كاد يُنهي طريقه عائدًا إلى المنزل تاركًا نجد خلفه يواجه صدمته وحيدًا .. ما أسوأ شيء قد يفعله بنفسه؟ يُنهي حياته؟ يقتل نفسه كما حاول هو مسبقًا؟ فكرة سديدة .. لا شيء في هذه الحياة يستحق العيش فيها، حياة نجد مُلكه وحده .. كيف سيعيش فيها بعد كل هذه الخدعة؟! وحده من يملك حقّ تقرير حياته وموته، لا يحق لأحدٍ أبدًا بما فيهم والده منعه من اتخاذ قراره .. والده؟!
تضيق أنفاسه عند هذه النقطة، ينبض رأسه بصداع حاد.. دوامة بدأ باستيعابها تفتك به.
" يوسف "
يفتح عينيه سريعًا على صوتٍ هادئ مرتعد يُنادي باسمه، لتقابله حشرة صغيرة حمراء تسير فوق خده .. يعقد حاجبيه لتتضح له الرؤية، شجرة سدر تُلقي بظلالها عليه .. يشتمّ رائحة الغبار، نعم .. هو في مزرعة ناصر الصغيرة، ينام فوق بساط مهترئ تُغطيه التربة .. وسادته الرمل ولحافه الشجر، يعقد حاجبيه لرؤية الجسد الجالس قُربه على البساط متكئًا على الشجرة وبيده ورقةً يتأملها بضياع .. ثامر؟! منذ متى لم يرَ هذا الوجه؟! الوجه الباقي من أمه.
يطوي الورقة المكتوبة بخط يد عمه، الورقة التي تهدم كل شيء .. يطوي معها صدمته بما فيها، كل ما فيها كذب .. يعلم هذا تمامًا ومتأكد منه، ليعود بأنظاره إلى أخيه المستلقي ينظر إليه بعقدة حاجب :" وينه؟"
ما زال يحملق فيه دون أي ردة فعل، يفقد صوابه .. يقف فوق رأس أخيه ليطبطب على خده بسرعة علّه يستعيد وعيه :" يوسف!! وين نجد؟؟ جاوبني! "
يُغمض عينيه بقوة، نجد؟! أين هو نجد؟! لم يتحدث معه أبدًا البارحة .. لحقه إلى المزرعة ليجده ملقىً على الأرض فوق هذا البساط دون حراك والورقة بيده .. ارتمى هو الآخر بجانبه، لم يُلقي بالًا للعامل الذي أتى خائفًا يُحادث نجد إلى أن ملّ من صمتهما ورحل.
يفزّ جالسًا مستعيدًا وعيه مشتتًا أنظاره عمّا حوله :" كان هنا .. وينه؟! "
يطلق ثامر زفرة حارة بإرهاق، ما إن ظن بأنه وصل إليه يكتشف اختفاءه مجددًا .. ينقذه العامل وهو يخبره بأن نجد غادر على قدميه منذ نصف ساعة، ينسى يوسف خلفه ليلحق بنجد ..
تجمّد في مكانه للحظة على رؤية نجد يقف على حافة الجبل، هل هو بوعيه؟! لا يبدو كذلك أبدًا .. يقفز إليه مسرعًا بصرخة :" نجـــــــــــد.."
وكأنه مصابٌ بالصمم لا يسمعه، يُتابع خطواته إلى الحافة .. لا يعلم ثامر كيف انبثقت منه هذه السرعة اللا شعورية، كان كل ما يراه هو جسد نجد .. كاد يُمسك به، إلا أن ذراعًا غليظة امتدت إليه لتسحبه وتُلقي به بعيدًا عن نجد ..
اتسعت أحداقه غير مستوعب لما يفعله يوسف، لماذا يمنعه عن نجدة نجد؟! ليصطدم بنظرات باهتة رمادية من يوسف وهو يقبض على كتفي ثامر مانعًا حركته :" اتركه .."
لوهلة تجمّد في مكانه، هل هذا يوسف؟ مالذي يقوله؟ ليهتز جسده إثر صراخ يوسف :" مافي أحد له علاقة باللي يسويه نجد.. اتركوه ينهي حياته مثل ما يبي.. عطوه خياره الوحيد .. بعد كل اللي صار تبونه يعيش؟ شلون تبيه يعيش يا ثامر؟ الموت أرحم له .. صدقني مافي أحد يعرف هالشي كثـ.."
يبتلع كلمته مجبرًا إثر لكمة قوية فجّرت الدماء من فمه، وها هو جسده يرتطم على الأرض بقوة .. عندما فتح عينيه كان ثامر قد طار كقذيفة إلى نجد ليسحبه هو الآخر بقوة مبتعدًا عن الحافة .. يعود ليُغمض عينيه، تعود له الصور الضبابية .. دماء شريانه، نجدة نجد له، بكاؤه، وجوده في المستشفى برفقة نجد، نجد وهو يُمسك بكفه يلفّ حول رسغه سبحة خاله ..
يُغطّي وجهه بكفيه، لو أن نجد فقط تأخر ذلك اليوم قبل ثلاث سنوات .. لو تركه يموت، يتحرر من وجعه.. لكان الآن بخير .. لتخلّص من سواد نفسه، نجد لم يكن يعلم أبدًا ماذا يعني أن يبتلع روحه ثقب أسود داخل جسده، أن لا فرار من هذا الثقب .. ظنّ نفسه تخلص من سواده، ليكتشف الآن أن كل ما كان فيه مجرد كذبة .. ليته لم يصدّقها.
يعقد حاجبيه بوجع، ما هذا التعب الذي يفتك بروحه وجسده؟ ماذا يقول؟ ماذا كان ينوي فعله؟ هل كان سيدعم موت نجد قبل قليل؟ ماهذه الدوامة المقزّزة؟
فجأة شعر بكفّي ثامر تسحبه وتنتشله، تهزّه بقوة :" يوسف! انت مو بوعيك .. اصحى، أنا بحاجتك الحين .. تكفى اصحى .. مو وقت ضياعك، صدقني اللي فيني مكفيني .. بس ننتهي من كل هذا أوعدك أتركك براحتك، بعتقك بس ساعدني .. لو بيدي أقسّم نفسي لأجزاء بقسّمها، بس مو بيدي! تكفى الحين صحصح .. مالي غيرك"
يبتلع ثامر بقية رجاءاته بذهول سرعان ما تحول إلى ضعف ويوسف يُلقي برأسه على كتفه ليبكي بكاءً موجعًا، لا بأس في أن يبكي .. سيطبطب على كتفه ورأسه حتى يُفرغ كل بكائه على كتفه، المهم أن يفوق من صدمته ..
يُسنده واقفًا، يُسيّره معه إلى السيارة .. حيث نجد يجلس في مكانه تائهًا دون أي ردة فعل، لا يبكي .. لا يصرخ، لا يتكلم، لا يسمع، لا يتحرك .. كأنه تحوّل إلى آلة يحرّكها ثامر كيفما يشاء.
يسير بالسيارة تحت وطأة الصمت، لا صوت سوى صوت أنفاس يوسف المضطربة خلفهم .. يتلفّت للخلف كثيرًا يطمئن على أخيه ليجده في كل مرة ملصقًا رأسه في مقعد نجد الأمامي، لا يعلم هل هذا بسبب فوبيا السيارات التي يُعاني منها أم ليهرب من صدمته ..
يوقف السيارة أمام مجمع سكني افتقده كثيرًا حتى ظنّ أنه سيُفارقه إلى الأبد، يُسيّر نجد إلى باب الشقة.. يدخلها ليجدها كما كانت عليه، لوحات خالد ورغد .. يُدثّر نجد بفراش خالد، يتركه خلفه مسيّرًا بحنين متأملًا بقايا خالد ورغد .. يتلفّت كثيرًا متوهمًا صوتهما، ليعود إلى واقعه الخالي منهما .. كانت أولويته الأولى بعد خروجه من المستشفى رؤيتها والاطمئنان عليها، ليتفاجأ بفوضى كل شيء .. كم كان يتهرّب من مسؤوليته صغيرًا اتجاه أهله، ليجد أربعتهم الآن على عاتقه .. حتى ناصر ينضم إلى همومه الكبيرة، اشتاق للوقت الذي كانت رغد أكبر همومه .. همٌّ أحبه واستملحه حتى أصبح يسير إليه بنفسه، همّ يولّد فيه الحياة لا هموم تجعله يقف عاجزًا عن فعل أي شيء ..


*•

يا حادي العيس قد نفنى وقد نصلُ ..

*•


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 269
قديم(ـة) 13-07-2019, 04:55 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي



أعتذر لتأخري وعدم ردي، لكن الفصل أخذ مني مجهود كبير ومن فترة طويلة ما رضيت عن فصل مثل رضاي هالمرة .. كنت أتعمد ما أدخل هنا أو الانستا أو تويتر حتى ما أتحمس وأنزل الفصل وهو باقي ما انتهى وأضطر أقسمه لقسمين ..
لكن الحمدلله والحمممدلله انتهى على خير.
الفصل القادم ما أقدر أحدد موعده، ودي أكتبه بنفس طويل نفس هالفصل .. أظن بيكون قصير مو نفس طول هالفصل، لكن بحاول جاهدة يظهر بأفضل شكل.
الفصل الجاي بيكون الفصل ما قبل الأخير، بعده يتبقّى لنا صفحة أخيرة تنهي هذا المشوار الطويل اللذيذ.
وإن شاء الله تكون النهاية قبل عيد الأضحى.
شكرًا لتفهمكم وكلامكم الحلو 💘
ومثل دايمًا .. محظوظة فيكم ♥


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 270
قديم(ـة) 13-07-2019, 04:56 PM
صورة شتات الكون الرمزية
شتات الكون شتات الكون غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: ط±ط¯: ط±ظˆط§ظٹط© ط­ط§ط¯ظٹ ط§ظ„ط¹ظٹط³/ ط¨ظ‚ظ„ظ…ظٹ


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها البيداء. مشاهدة المشاركة
ما ودي أكتب الرد وترتفع الرواية ويظهر (آخر رد من البيداء) وتظنون إن الفصل نزل 💔
كالعادة الفصل ما انتهى وباقي جزئية كبيرة منه، ما أعرف هل الأحداث ثقيلة لدرجة تأخيري في إنهائها أو أنا ما زلت بتأثير الانقطاع ومستصعبة الكتابة السريعة!
أظن يحتاج لي زر (refresh) يرجعني للبيداء القديمة الوافية بمواعيدها. 😔
أكتب التعليق وبخاطري جدًا أمسح الرواية من ذاكرتكم حتى ما تضطروا للانتظار كل مرة والخيبة كل مرة. 👀
وبخاطري شيء آخر لو تُضاف للمنتدى خاصية (رواية خاصة) أسوة بمواقع التواصل (حساب خاص) ونقفل على نفسنا ولا يدخل قارئ جديد حتى ما يزيد عدد من أخجل منهم بسبب تأجيل الفصل😭🚶🏾‍♂(القراء الحاليين تلفني معهم مشاعر ألفة وما بيننا هالأمور وأرضى لو يغسلون شراعي)
نقطة أخيرة بعد الفضفضة الطويلة، كنت أقول باقي فصلين بس .. لكن خلال مدة انقطاعي كتبت رؤوس أقلام لجميع الأحداث المتبقية بما فيها الأساسية والثانوية واكتشفت أن الأفضل تُقسم لثلاثة فصول.
آسفة جدًا، بحاول جاهدة خلال الساعات القادمة أكتب كل ما بوسعي وإن شاء الله ينزل بشكل سريع ولا يتأخر.

أهلا البيداء

صراحةً لم ابتدأ في قراءت روايتك التي من الواضح تملك كاريزما وجاذبية من العنوان
ولكن لم استطع قراءتها بسبب كتابتي لروايتي !
ولكن جذبني ردك هذا

إيّاكِ ثم إيّاك من التوقف عن الكتابة
هذه المرحلة اظن جميعنا قد مرّرنا بها
فأنا اسميها
فترة ترتيب الافكار وإعادة صياغتها
فمن الطبيعي الانقطاع عنها لفترة بدلا من الاستعجال في كتابة الاحداث بصورة سريعة لا تعطي الصورة الحقيقة لها!!!
افهم شعورك لانني مررت في هذه المرحلة
وكنت ع خوف من قرائي وإصابتهم بالملل
ولكن ما إن تكتبين شيئا بسيطا حتى تسهبين في كتابة الباقي!
هذا الشعورر بالخمول يجدد الافكار عند العوده!
والكتابة ليس بالأمر السهل
تحتاج لوقت طويل
كما انها تحتاج الى صبر
وعدم التسرّع
استمري في الكتابة عزيزتي

تحياتي لك زينب❤


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية حادي العيس/ بقلمي

الوسوم
العيس/ , بقلمي , ياخد , رواية
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية أنتقام العشاق / بقلمي رَحيقْ روايات - طويلة 9 08-05-2018 03:14 PM
رواية : حب مخلوق من الندم / بقلمي. امجاد العنزي. روايات - طويلة 8 17-02-2018 03:58 PM
رواية مقيدون بالريش/ بقلمي ريحانة الشرق~ روايات - طويلة 53 11-01-2018 05:01 PM
رواية غدر الحب بقلمي omnia reda Omnia reda روايات - طويلة 3 21-12-2015 07:15 AM
رواية : قلص ساعتك أيها الليل المنهك خلصني من وحدة اهلكتني/ بقلمي sajarashid روايات - طويلة 26 19-12-2015 09:16 PM

الساعة الآن +3: 08:42 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1