غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 25-08-2018, 10:10 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رواية حادي العيس/ بقلمي


[ "]



*•

مدخل

*•

في مكتبته العتيقة، يجلس بصعوبة .. يُمسك بالقلم، يفتح الورقة الأخيرة والمتبقية، ليثبّت نظارته وبكف تهتزّ يكتب
( مرحبًا ..
لا أعلم كيف لشخصٍ أن يكتب رسالته الأخيرة، وكيف يبدأها، كيف يثبّت القلم يمين الصفحة لينشر سواده، سواد أيامه..
لا أعلم لمن أكتب، ومن سيقرأها، بعد كل الفقد الذي سببته لنفسي .. كلّ ما أعلمه أنّي أفنيتُ حياتي وسنين عمري كحادي العيس الذي بحّ صوته وهو منطربٌ يشدو بعيسِه وأقدامه تغوص في الصحراء دون أن يشعر، ولم يفِق من طربه إلا وهو يراها ترحل مبتعدة مع قافلةٍ دخيلة..
كنتَ سألتني وأنت صغير عن معنى (حادي العيس)، ما زلت أذكر هذا السؤال الذي انساب من فمك، ضحكتُ يومها ورحتُ أترنّم وأهدهد وأنا أجرّك إليّ وأقول "حادي العيس هو صاحب الإبل الذي يغنّي لإبله ليلًا لتسير مع القافلة"، قد تستغرب أني ما زلتُ أذكر تفاصيلك وتفاصيلنا، لكن نعم أنا أملك ذاكرة لعينة، كل ما كبرت زادت قوة، لتذكّرني بأنانيتي.. وأنتَ تدرك ذلك أكثر مني، فلا حاجة لي هنا لأن أسرد تفاصيلنا لأثبت لك أني أحمل ذات الذاكرة اللعينة.
اسمح لي الآن أن أقول لك أنا مخطئ بجوابي لك عن حادي العيس، حادي العيس يا حبيبي هو أنا، أغمض عينيك ومرّر ذاكرتك بكل أيامي معك، بحلوها ومرّها -إن مازلت تحفظ حلوها- وأسألك بحقّ يومٍ ضحكت فيه من أجلي ألا تنسى أيامنا، مذ كنت جنينًا حتى خرجتَ من رحم أمك إلى قلبي، مذ كبرت وخطوت أولى خطواتك على روحي، ومذ شببت وجاء دورك لتكون أبي بعد ما كنت أباك، يا ابن قلبي وأبا شيبتي، كل ما كان .. وكل ما كنتُ عليه هو ما يكون عليه حادي العيس، وأنتَ .. وهم، ثلاثتكم، عيسي الثمينة، عيسي المفقودة ..
بالمناسبة لا أعلم لمَ أخاطبك أنت الآن، على أنّي ضيّعت الكثير، وهدمتُ كل شيء، وأتلفتُ الأمانات.. إلا أني موقنٌ بأنك وحدك من قد يكترث برسالتي الهزيلة هذه، وقد أضمّنها حديثًا يتيمًا للبقية..
الموت يا ولدي مرّ مني، تخطّف أحبابي وهجرني، دائمًا ما كنتُ أتساءل مع كلّ موت يمرّ لماذا لم أكن أنا؟ لماذا يتجاوزني الموت ليسرق من أستند عليهم؟ علمتُ الجواب الآن.. كان يُلهيني الموت وأنا أراكم حولي، أحبّ الحياة والله لأنكم معي، كم كنتُ نائمًا ومغفلًا عن غدر الزمن، أجلسني على بساط الريش لأظن أني أمتلك كل شيء، وبعدما هدّني التعب يسحبه مني لأسقط ولا أجد يدًا تتلقفني، وكم كنتُ أمنّي نفسي بذراعك، قد تتساءل لماذا ذراعك بالتحديد؟ لماذا لا تكون ذراع أحدهما؟ سأقول لك الآن لماذا.. لأني طالما سحبتُ يدي من تحت رؤوسهم لأسند رأسك، كنت لا أكترث لأني أؤمن بما يربطني بهما، لكن أنت .. كنت أخشى فقدك، أخشى أن أستيقظ يومًا ولا أجدك، أن أسير إلى صلاة الجمعة دون أن أجد كفك لأمسك بها وأقطع بها الطريق، طريق الحياة الشاق.
عندما يراودني الخوف مما أفعله كنتُ أهدئ نفسي بأني أحفظ الأمانة، لكني كذبت .. أدركت في ذلك اليوم أني لا أحافظ على الأمانة لكونها أمانة، بل بسبب أنانيتي وتملّكي .. أنا أصغر وأحقر من أن أكون مسؤولًا عن أمانة أمام العليم القدير.
كنت مغمضًا عيني حتى استيقظت يومًا ولم أجدك ولم أجدهم، فقدت أماناتي لأنانيتي، هل انتصرتُ لنفسي بعد كل ذلك؟ لا أظن يا ولدي، ها أنا أكتب خسارتي وأقرها ..
ولدي الغالي، أمانتي العظمى... كنتُ أقسى من أن أكون أبًا، أظن أن الجميع يُدرك ذلك، حتى بائع الخضرة العجوز الذي ما زال يقف على خياره مذ عشرات السنين يدرك هذا، وقد أشاح بوجهه عني عندما اقتربت منه قبل أسبوع، هل تُدرك حجم الألم الذي سببته لي نظرته اللائمة؟ هل تدرك كيف لنظرة من غريبٍ ما أن تحطمني وتقتلني لأني أدرك أن سوئي أصبح مكشوفًا للجميع، وأمام المارة..
عذرًا يا حبيبي، وعذرًا يا فؤادي .. وعذرًا يا عهدي ..
أستميحكم عذرًا بأن أصرف فوضاي هذه إلى راحلين قبلكم، ظنّوا أني أهلٌ لضمّكم، وكم أنا خجلٌ من ليلة مواراتي في لحدي، ماذا سأقول لهم؟
ماذا لو عُدنا بالزمن عشرات السنين؟ ماذا لو كنتُ أنا الضحية في تلك الليلة؟ لماذا اختارهم الله ليبتليني؟ هل يحبني الله؟ على ظُلمي وجوري وسوئي يحبني الله؟
قد ضيّعت الأمانات، فمن يُسامح؟ وحدك يالله تعلم كم حاولت، كم ضحيت .. وكم أخطأت وأنا أظنني أصبت، كم تغافلت وأنا أظنني فطنت، كم أهملتُ وأنت تمهلني.
حبر القلم بدأ يجف، ولا أجد من يعيرني قلمه، دمعي يجف، ولا أجد من يعيرني عينه .. وهل توجد عيون تعار للبكاء؟
رسالتي وإن طالت فهي لا تتحمّل حجم حبي وشغفي، أحبكم ويعلم الله كم سخّرت حياتي لكم وإن أخطأت، لم أكن أبًا صالحًا ولا كافلًا محسنًا، ولا صديقًا مخلصًا، لكنّي أؤمن أني كنت محبًا وفيًا ..
لا أعلم إن كان يحقّ لي قول هذا لكن كما كنتم أبناء بارين، كونوا آباءً بارّين، عندما كنا صغارًا لا يفتؤون يذكروننا ببر الوالدين، لكنهم نسوا ما هو أشد وأعظم، نسوا أن يحفروا في قلوبنا أن برّ الآباء للأبناء أشد وأعظم إيلامًا وصعوبة.. لذلك لن أكرر خطأهم وخطأي، لا تنسوا أن تكونوا آباء بارين، لا تنسوا بركم بأبنائكم يا كل بري..
وعلى كل ما سببته لكم، لا أحتاج لأن أقول كم أحبكم، يقيني الوحيد أنكم تدركون ذلك أكثر مني، وهو اليقين الذي مازال يُبقيني أتنفّس.
حادي العيس الضائعة، المذنب *التوقيع*
[/size][/size]


تعديل وردة الزيزفون; بتاريخ 27-08-2018 الساعة 02:56 AM. السبب: تعديل حجم الخط
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 25-08-2018, 10:12 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


•*
الآن ..
*•


ينساب صوت القارئ في أذنيه ليتخلل قلبه، الصوت الوحيد القادر على انتشاله من شعور الغربة القاتل، يغمض عينيه ليسترخي على المقعد ويضم يديه .. رغم برودة الجو وتساقط الثلوج إلا أنه يُفضل الجلوس أمام المركز على أن يدخله قبل الموعد ويضطر للحديث مع الناس.
يفتح عينيه فجأة ليفز على صوت نغمة رسائل الواتسآب، يزفر بضيق لمقاطعة سكونه، لا أحد قد يذكره برسالة غير أخيه المزعج فقط، ومثلما توقّع كان هو.. والأسوأ هو أن الرسالة ملاحظة صوتية، يعلم أن أخاه يدرك كرهه للملاحظات الصوتية، لكن كما يقول (ضغطة زر وحدة ولا عشرين).. يفتحها بتململ ليصله صوت أخيه الخالي من الحياة (صباح الخير مدري مساء الخير عندكم، المهم طلعت من المعهد ولا باقي؟ لا طلعت دق علي).
يغلق جواله ليقف وعقربا الساعة ينبئانه عن موعده 7:59 عصرًا، يدخل المركز ليداهمه دفءٌ يُرخي أعصابه، يتوجه للمدرج الكبير .. وقبل أن يتخذ مقعده يخلع معطفه الثقيل ليتركه فوق فخذيه، يداهمه الملل وهو يسمع، لكن عزيمته وإصراره يصبرّانه، تدور عيناه حول الموجودين ليشعر بالاطمئنان وهو يدرك أن جميعهم مثله، جميعهم يتشاركون نفس المعاناة، ونفس الألم .. والعزيمة.
" اكسيوزمي؟ "
يفيق على صوتٍ ناعم صغير، يرفع رأسه ليرى فتاة كما يتضح من شكلها لا تتجاوز العشرين، شعرها الطويل مموج ويميل للخشونة، بشرتها جعلت شريان الحنين ينبض بقلبه بشدة، ليست سمراء ولا بيضاء، لونُ الصحراء يتمرّغ فيها.. لم ينتبه لغوصه فيها إلا عندما رفعت رأسها بعدما كانت منشغلة بهاتفها الجوال، لتصطدم عيناها بعينيه السوداوين..
نظرة خاطفة تفجّرت معها وديان الماضي لتلتقي بمفترق الحاضر، وخزة كهربائية أصابت عينه كما أصابتها، لكن سرعان ما قاطعت اتصال عينيهما وهي تقول مشيرة للورقة أمامه :" please, write your name and number- من فضلك، اكتب اسمك ورقمك"
يستعيد نفسه ليُمسك بالورقة ويدوّن عليها ما طلبت، بينما هو يكتب لم يلحظ حركتها وهي تقرأ حروف اسمه، ببطء شديد وحذر أمسكت بالبطاقة المعلقة على صدرها لتضعها في جيبها، رفع رأسه يسلمها الورقة بابتسامة باردة .. تجاوزته لتكرر ما فعلت مع غيره، زفر بشدة وهو يستند على المقعد، لا يعلم ما السبب الذي جعله يشعر بأنها مألوفة! قد تكون تشبه لشخص يعرفه، أو لأنها ذات ملامح عربية وكأنها ترجع للصحراء، وهذا ما ينقصه، هرب من الشرق إلى الغرب ليصادف في أول أيامه عربية؟ وليست أي عربية .. قلبه يخبره بأنها من الخليج المالح، وخبرته تؤكد له أنها نجدية.. يزم شفتيه ليعيد انتباهه للمتحدث أمامه وهو يخرج فتاة الصحراء من رأسه.
لم تمضي سوى عشرون دقيقة وها هو يقف ليغادر القاعة، وقت صلاة المغرب دخل توًا، ولا مجال لأن يؤجلها .. اتجه لجلسة استراحة صغيرة خالية ليخلع حذاءه ويتجه للقبلة ويُكبّر، وما أن سلّم التسليمة الأخيرة لصلاته حتى سقطت أنظاره على بنت الصحراء الواقفة أمام آلة القهوة وأنظارها مسلطة عليه، يعض شفته بتوتر لأول مرة يضطر للصلاة خارج شقته الصغيرة، يقف :" aaa i’m sorry if****- أأنا آسف إذا ****"
تقاطعه قبل أن يُكمل بابتسامة :" - لا لا بأس- no, it’s ok .. don’t worry"
يبتسم بهدوء ليجلس على المقعد ويلبس حذاءه :"thanks so much” - شكرًا جزيلًا "
يبدو التردد جليًا عليها قبل أن تخطو للأمام خطوة وهي تضع كفيها في جيبها :" are you muslim? - مسلم؟ "
يهز رأسه إيجابًا :" yea “ -نعم"
تهز رأسها بهدوء لتعود لآلة القهوة وتأخذ قهوتها، أما هو زم شفته مترددًا لكن السؤال يراوده .. وبلغة متقنة اللهجة “ عذرًا، امممم .. منذ متى وأنتِ هنا؟ - يرى عقدة حاجبيها ليوضّح - ااا أقصد أنا جديد .. وو أود أن أعرف.. عن ..."
تنفك عقدة حاجبيها لتبتسم :" اووه، نعم فهمت .. أنا متطوعة ولستُ مراجعة"
يهز رأسه بخيبة " اوه سوري "
تهز كتفيها :" أهلًا بك، وأتمنى أن تكون أقوى! "
يعود أدراجه للقاعة، ليتابع مركزًا انتباهه على المتحدثين .. يمضي الوقت سريعًا، وها هي الجلسة تنتهي، يخرج ليقف خارج المركز منتظرًا توقف تساقط الثلج ليواصل سيره مشيًا إلى شقته، وبينما هو ينتظر رآها تخرج وهي توزّع ابتساماتها لبقية المتطوعين معها ومسؤوليها، مليئة بالحياة على نقيضه تمامًا .. تنزل الدرجات بسرعة لتركب سيارة أجرة وقفت أمامها وبداخلها رجلٌ أربعيني..
تلتحم عيناها بعينيه..
تبتسم ..
ترفع كفها ملوحةً بالوداع ..
وترحل..
لو كان يعلم، لو كان يُدرك .. للعن اللحظة التي أوصلته هنا، للصدفة التي جرّته لتحصره في هذه المدينة، للفكرة التي راودته للتسجيل في المركز، لحديثه العابر معها، ولابتسامتها التي ستلازمه طوال حياته وتقتله!
هرب من وسط الجزيرة العربية، من جحيمه الصغير.. إلى وسط القارة الأمريكية، إلى جحيمه الكبير الذي لا يدركه، جحيم يحرق كل ما تبقى منه..
لو كان يعلم ما ينتظره، لتلذذ بجحيمه الصغير!

[/SIZE]


تعديل وردة الزيزفون; بتاريخ 27-08-2018 الساعة 02:57 AM. السبب: تعديل حجم الخط
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 25-08-2018, 10:23 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


الورقة الأولى

2004م



يجلس متربعًا وأمارات الحنين جلية عليه، يناشد بقلبه أرواحَ أحبابه الراحلة، يشعر بأخيه يربت على كتفه كما فعل ليلته الأخيرة .. ليلة رحيله، حبيبته تبتسم وها هو كفها الرقيق يمسح على عينيه .. يعض شفته بألم مانعًا تأوده أن يخرج، تمتد كف له .. تتشابك مع كفه، تشد عليه بمؤازرة.. هي كف نجد لا محال، مذ كانا طفلين صغيرين يسيران معًا ليقطعا طريق المدرسة وهو يشد على كفه.. ينسى كفه في كف الآخر سنين طويلة حتى خالَها التصقت به ..
همس مبحوح “ يُبـه! “
ترجع روحه له ولواقعها، تتسع بؤرته باحثًا عن أخيه الذي كان يجلس بجانبه يربت على كتفه، لا يجده .. عن حبيبته التي تمسح عينيه، لا يجدها ... عن نجد الذي يشد على كفه، ويجده ! ، نعم هذه كف نجد .. نجد لا أحد سواه، نجد الصغير، الذي سقط من رحم السماء قبل خمسة عشر عامًا إلى جوفه بعد ما جافاه أحباؤه .. تلمع عينا الصغير بانكسار لينزلها سريعًا ولا تزال كفه تشد على كفه “ يلله يبه، تأخرنا .... “
ينهض وهو يحث أباه على النهوض، زفر الحزن عن قلبه ليقف معه .. يدرك تمامًا أن ابنه نجد يكره أن يراه بهذه الحالة وهذا الانكسار، لكنه لا يجد سوى “ نجد “ ليتخلى عن قوته ويرميها بعيدًا ويتعرى بآلامه أمامه، أليس من حق الأب أن يضعف؟ أن يبكي؟ أن يلفظ مشقة السنين أخيرًا في وجه أولاده؟ لا يعلم الجواب.. فهو لم يعش في حياة والده الذي مات وهو لا يزال جنينًا في بطن أمه ... أمه! على ذكرِ أمه راح يتلفت سريعًا عله يراها، لكنها معهم .. مع الراحلين.
يسير به نجد متقدمًا إياه وكأنه هو والده “ نزور قبر خالي يبه؟ “
يهز رأسه إيجابًا وعيناه تضيع في الطريق، لا يحتاج أن يرفعها ليصل إلى وجهته، هو يدرك تمامًا عدد الخطوات التي تفصل قبر حبيبته عن قبر “ خال نجد”، ليصله صوت الصغير من جديد هامسًا “ يبه شوف ... “
ترتفع أنظاره ليظهر له من وراء نظارته ظلٌ أسود يرقد فوق ذلك القبر !
القبر الذي يرقد فيه الجسد الفارق في حياته، وحياة رفاقه، وحبيبته، وناصر، وطفليه.. أو أطفاله الثلاث والأربع، وجميع من تربطهم به الصلة !
مذ حلّ هذا الجسد ضيفًا على هذه المقبرة وموازين هذه الصحراء وما تحتويه من نخلٍ مالت..
هذا القبر هو جار قبر الغالي، ليس من العادة أن يرى زائرين له في مثل هذا اليوم، كل جمعة يرى شقيقه مع أبناء عمه فقط .. أما في ضحى الخميس، فهذه أول مرة .. وهذا الراقد فوق القبر، وصوت نحيبه يصل إليهم، من يكون؟ جسد ضئيل ليس كجسد موسى!
" يُبه! .. "
تنزل عيناه للصغير الكبير بجانبه ولا زال يشد على كفه " يبه أول مرة أشوف أحد يزوره! "
يهمس له " بلى، كل جمعة يجي أخوه"
هز رأسه بتفهم" اييييه، احنا ما نجي الجمعة "
يصمت قليلًا حتى يعود صوته " يُبه! "
" عينه .... "
يبتسم بزهو وهو الذي اعتاد على رد والده هذا إن أطال الحديث، وكأنه يثبت له عدم تململه من ثرثرته " تدوم لي هالعين ... - يعود الحديث الذي أثاره هذا الرجل الجاثي إلى نفسه، وبهمس يخشى أن يصله - يبه الرجال مسكين، حالته ترثى لها .. نروح ونرجع بعدين ولا نحرجه"
تنعقد حاجباه " لا .. بعرف منهو "
يفغر فاهه باندهاش من رد أبيه، اعتاد على كلمة والده دائمًا ( اتركوا عنكم اللقافة) ما باله اليوم يمارسها؟ .. لا يترك له مجالًا وها هو يسير به حتى يصلا إلى قبر خال نجد الملاصق للقبر الذي يجثو عليه رجلٌ ما وينتحب، يقفان على رأس القبر والرجل موليًا ظهره عنهما، تتسلل عينا نجد بحذر علّه يلمح الرجل، بينما يعلو صوت والده " الله يرحمه ويغفر له، والله يصبرك... كان نِعم الرجال"
لا رد .... ويبدو أن روح الرجل تعلّقت بروح (يوسف) صاحب القبر، يبتسم نجد وهو يذكر الرعب الذي عايشه لفترة طويلة كلما زار القبرين إثر الأسطورة التي حكاها (ثامر)، ثامر الذي يهوى إزعاجه وإزعاج أخيه .. كانوا جميعًا في المقبرة للزيارة، والده ابتعد ليلقي السلام على رفاقه وأساتذته في قبورهم، أما هو وأخوه يوسف كانا برفقة ثامر الذي يكبرهم سنًا أمام قبري (خاله نجد) وجاره (يوسف)، أخبرهم ثامر بخبث أن هذين القبرين هما قبريهما في المستقبل، وأنّ هذه الأجساد التي تقطن القبرين هي أجسادهما! وأن أرواحهما ميتة وما هما إلا جسدان حضرت من الماضي! ودليل ذلك أنهما يحملان ذات الاسمين. عاشا رعبًا مخيفًا طيلة فترة طويلة، إلى أن تجاوزها نجد .. أما يوسف ما زال يكره ويخشى زيارة المقبرة مذ كان صغيرًا حتى اللحظة.
تزيد التفاتة نجد رغبة منه برؤية وجه الرجل الغريب، إلا أن شماغ الرجل يغطيه متلثمًا به كأغلب الرجال في المقبرة، دائمًا يأبى الرجل الشرقي أن يظهر ضعفه وبكاءه، متلثمين أشمغتهم يدارون دمعهم حتى بين قبور أحبائهم!، تعود أنظاره إلى والده الذي يتمتم بالدعاء، يتبعه بحركته وهو يرفع كفيه “ يارب .. يا سميع الدعاء .. ارحم خالي نجد واجمعه مع أمي ومع نبيك في الفردوس الأعلى .. يارب أنا ما أعرفه بس انت تعرفه وتعرف إن أبوي يحبه فاسمع دعاءه .. آمين “
ينهي دعاءه المعتاد بعجلة لتتحرك خطاه نحو الرجل بفضول شديد لتسبقه كف والده وهو يشد عليه ونظراته تنهره بشدة ...
يشعر بعطف شديد ونشيج الرجل يصله وصوته الحزين يتسلل له رغم همسه وتأتأته" يا دواي وروحي.. تعبت من الهجر! ، والله ما فيني أكمل وحدي يا يوسف... عمري راح وأنا باقي واقف انتظرك! ... - يزيد بكاؤه - يا يوسف، أنا فقدت نفسي ... وين قميصك يرد ليعقوب روحه؟ وين ريحك ترجع لي الحياة؟ ما عاد بقى لي أي نَفَس ..... - يحتضن نفسه ليلوذ ببكائه، ويهدّئ من نفسه ، يرفع رأسه من جديد ليناجي بصوت متأود- يارب، رد لي روحي .. ردها لي يا رب "
يشعر به نجد يوشك على الوقوف ليعتدل بوقفته سريعًا متظاهرًا بالدعاء لخاله، ليفتح عينيه بصدمة وهو لا يرى والده، ليخرج صوته بتلقائية " يبــه ؟؟؟ "
يلتفت عليه الرجل الملثم بتلقائية أكبر، وسرعان ما يبعد عينيه وهو يعدل شماغه إثر رؤيته لرجل قادم وبيده الماء..
أما نجد يهدأ اضطرابه وهو يرى والده قادمًا إليه وبيده قارورتي ماء، يزفر بشدة " يبه، لا تبعد ثاني مرة بدون ما تقولي! "
تتسع ابتسامة والده على أمره المتعالي، يهمس وهو يعطيه الماء " ابشر .... - يفتح القارورة ليبدأ بسقي قبر الخال، وباعتياد يأخذ نجد الماء ليلتف إلى قبر الجار يوسف ويسقيه بالماء، يصله صوت والده - راح ؟ “
يشير نجد نحو بوابة المقبرة “ ايه هذا هو طالع “
ينتهي بسرعة من رش القبر ليمسك بكف نجد ويحث خطاه مسرعًا نحو البوابة، لا بد أن يعرف من خلف اللثام!، ولسرعة خطواته وبطء خطوات الملثم وتعثرها، يدركه أخيرًا ... يسير حذوه، وبحذر شديد يحاول أن يكشف ملامحه، لكن اللثام يعيقه، والنظارات السوداء كذلك..
“ يا عم ... “
يفز والد نجد على صوته، بينما تتجمد خطوات الملثم وتتلعثم، تبدو الربكة جلية عليه ... وبحركة مفاجئة يزيد من سرعة خطواته وهو يحكم اللثام وكأنه لا يسمع، تنسل يدا نجد عن والده ليهرول بخفة “ يا عم ... نسيت هذي عند قبر يوسف! "
تتوقف خطاه فجأة، ليدخل يديه في جيوبه مفتشًا عن شيء يخشى فقدانه ولا يزال موليًا ظهره عنهما، وكأن تماسًا أصابه يلتفت بسرعة ليجد ضالته الغالية بكف الصغير .. صورة صغيرة غير ملونة لشاب عشريني بابتسامة بيضاء، الصورة الوحيدة التي ما زالت تحفظ ملامحه وتفاصيله، يسحب الصورة بسرعة وفي جزء من الثانية تتعلق عيناه بالطفل الصغير لترتفع بتلقائية للرجل الواقف خلف الصغير يدقق بتوجس وخيفة...
جزء من الثانية تتوقف عنده الساعة، جزء من الثانية يشعر بأنفاسه تكاد تخرج من جوفه.. هو، ياسر! لا محال .. على الرغم من السنين التي فصلتهما عن بعضهما إلا أن هذه عينيه! لا يمكن لأي شخص أن يخطئ بعيني ياسر العذبة!
فجأة عاد إلى واقعه وصوت شقيقه يتردد في أذنيه “لا تقرب من الرياض ... - بس بزور قبر يوسف! - لا تفكر! انسى انسى المقبرة والرياض وكل محافظاتها... أكثر مكان أخاف عليك منه هو قبر يوسف! “
تنتابه رجفة شديدة ليُحكم لثامه وبتعثر أكبر يحث خطاه مسرعًا تاركًا خلفه الدنيا كلها.
تلعثم الملثم حجب عنه رؤية رجفة ياسر الذي سحب كف نجد بتلقائية وشدها إليه، تحت دهشة نجد الذي لا يعلم سبب حركة والده، رعشة مزلزلة أصابته من مظهر ذلك الرجل .. لن تكون هذه الرعشة إلا ليعقوب! أيُعقل ؟
بعد ستة عشر عامًا ... يعود؟
بعد كل تلك الفوضى ... يعود؟
بعدما ترك خلفه الدنيا كلها ... يعود؟
بعدما ظن الجميع أن الأرض لفظته، والسماء جذبته، والبحر ابتلعه ... يعود؟
بعدما كرّس ناصر حياته للبحث عنه وأضاع عمره لهذه الغاية، وما أن بدأ يتناساها ... يعود؟
“ يُبــه! “
لوهلة شعر نجد بأنه كان يصرخ من رعشة والده الذي قفز بخوف وعيناه جاحظة! مالذي يحدث؟
والده يلهث بسرعة وها هو ينقض عليه ليحتضنه بشدة آلمته، وكأنه يخشى بأن ينسل من بين يديه ويغوص تحت تربة القبور!
“ يُبـــــــه ! “
صوت نجد المتألم جعل ياسر يبتعد قليلًا عنه والدهشة/ الخوف لا يزالان يتربعان على عينيه، ازدرق ريقه ليمحي الجفاف الذي أصابه وها هو يعتدل بوقفته وبخطى سريعة يسحب نجد معه بقوة وسرعة .. يخرجان من المقبرة لتسقط أنظارهما على السيارة الزرقاء التي خطّت مسرعة وكأنها تعكس اضطراب سائقها.
طُبعت لوحة السيارة في ذهنه بتلقائية، وها هو يسحب نجد معه ليدخلان سيارته، يقود بسرعة متتبعًا السيارة الزرقاء ..
خيط الذكريات ينسل من ذاكرته، لتتساقط الصور واحدةً تلو الأخرى ...
“ ملعب المدرسة القديمة، وطفلان صغيران يركضان فيه بلا هوادة .. وعلى الجدار يقف طفلان آخران يترقبان بلا ملل، صراخ مزلزل، يركض اللاعبان لتتلقفهما يدا الآخرَين .. وتتشابك ثمانية أيادي مكونين حلقة قفز معًا .. أربعة لا خامس لهم“

صورة أخرى ... “ أربعة مراهقين تحت شجرة سدر كبيرة، يُخرِجُ أطولهم سيجارة ليشعلها بنشوة، وها هي السيجارة تدور بينهم، رشفةً رشفة .. لكل نفس، يقفزون بهلع إثر سماعهم صوت خطوات قادمة.. ليتفرقوا بخوف تاركين خلفهم سيجارة ..”

“ شابان يافعان يدخلان بوابة جامعة الملك سعود في أعرق أحياء العاصمة، يمرّ بجانبهما أحد الأربعة الذين قفزوا معًا متعاضدين أطفالًا، أحد الأربعة الذين تشاركوا (سيجارة الشجرة) كما أطلقوا عليها لاحقًا ... يمرّ مرورًا خفيفًا، يلقي السلام، خطاب رسمي يدور فيما بينهم، وها هو يوليهم ظهره، نعم ... هذا ما لم يكن في الحسبان، رياح الهجر تلقي بخرابها عليهم إثر احتدام النزاع بين عائلاتهم، يدركون من خلال الحديث العابر معه بأن رابعهم حلّق بعيدًا إلى الجزء الآخر من العالم، حيث كان يحلم دائمًا .. إلى أمريكا! كأول فردٍ من محيطهم يلتحق بركب المغتربين
نعم هكذا كبروا فجأة، وانحلّ تشابك الأذرع الصغيرة ”

تسير السيارة بسرعة كبيرة، حتى تنحى منحى اليمين وصوت ارتطام الحجارة أسفلها يهزّها.. يوقفها فجأة إثر استرجاعه لنفسه .. ماذا لو كان يتوهم؟ قد يكون طيفًا من طيوف الماضي التي ما فتأت تلاحقه، يرده إلى واقعه صوت ابنه القلِق :" يبه بخير؟ أدق على خالي ناصر؟ "
بسرعة كبيرة يهز رأسه نفيًا وهو يعيد تشغيل السيارة :" لا لا بخير يا خَلَفْهم"
آخر من يجب أن يعلم هو ناصر! لا طاقة له بتحمل وجع أكبر قد يجدده ناصر!
يتلفت ولا يجد أي أثر للسيارة، لا بد أنها رحلت .. ورحل معها آخر خيط!
يسير بصمت وشرود كبيرين، حتى يصله صوت نجد وكأنه استنتج شيئًا :" اللي كان عند قبر يوسف، شكله أبوه! "
همس بلا وعي منه :" توه صغير ليكون أبوه! "
لم يدرك خطأه إلا بعد سؤال نجد المستنكر :" شلون عرفت؟ "
استدرك نفسه ليتنفس بعمق :" يوسف الله يرحمه مات شاب"
عقد حاجبيه نجد :" كنت تعرفه يبه؟ "
أغمض عينيه لوهلة، وبأسى هزّ رأسه نفيًا :" يابوي على أيامنا كانوا أهل وسط الرياض كلهم يعرفون بعض.. وكان زميل دراسة بس.. - يلتفت عليه بتعجب - ووشلون وصلت لهالنتيجة! "
نجد بإحباط يدس نفسه بالمقعد :" بس سمعته يقول وين قميصك يرد ليعقوب روحه، وتذكرت النبي يوسف وأبوه يعقوب! "
يختنق ياسر، لماذا لا يسكت نجد؟ لماذا يتلذذ بتمزيق والده وهو الذي يشعر بكل ما يلم به من طرفة واحدة؟ ما باله اليوم! .. يلتفت عليه " تعبير مجازي يبه"










في حارة تتوسط مدينة الرياض، وسعف النخيل يتدلى من أحواش البيوت الملتصقة ناشرًا الظلال في زقاقها الضيق ..
تجمع مثير يتوسطها، مجموعة صبيان الحي ينقسمون قسمين، تتوسطهم كرة زال لونها من شدة ركلها يمينًا وشمالًا .. وعلى الأبواب تنتشر فتيات الحي كل منهم تشجّع أخاها أو ابن عمها أو فارس أحلامها ، وعلى النوافذ تطلّ الأمهات والشابات مترقبين نتائج هذا الحدث الكبير.. وكبار سن يجتمعون معًا على الرصيف ليرفّهوا على أنفسهم ويعودوا بذكريات الطفولة.
جميع الأنظار تتجه لذاك المراهق الحافي، الذي يقف متوسطًا صخرتين كبيرتين وُضِعت كحدود للمرمى الوهمي.. يتنفس بتوتر، يصله صوت أخيه الكبير مهددًا :" والله تدخل الكرة ويسجلون هدف أتوطى ببطنك وأفرشك! "
يبتلع ريقه والعرق يتصبب منه خوفًا من بطش الكبير، صمت كبير يعمّ أرجاء الحي .. الجميع يترقب الضربة القاضية، قدمٌ شهباء تتحرك لتركل الكرة ويهتز الحي إثر صراخ المشجعين .. تطير الكُرة متجهة للصبي الخائف، جميع الآمال متعلقة به، حياته تتعلق بصد هذه الكُرة اللعينة، إما ينجح ويصدها وحينها سيُحلق به الجميع ويهتفون باسمه أسابيع، وإما يفشل و ( يفرشه ) أخوه الكبير ويجلس أيامًا لا يقوى على خطو خطوة واحدة...
وفجأة ....
جسدٌ ضئيل يخرج من اللا وجود لترتطم بوجهه الكُرة حتى يهتزّ ويسقط أرضًا ويصرخ متألّمًا،
صمت جديد يعمّ أرجاء المكان ...
من هذا؟
ما الذي حدث؟
وما هي إلا لحظات حتى يصرخ الجميع بغضب، يتجمهرون حول الفتى المُلقى على الأرض وهو يتحسس أنفه بوجع كبير: "اااخ! "
يفتح عينيه بألم والدموع تغطيها مجبرًا، لينصدم من الأجساد التي تشتعل نارًا من شدة العضب قادمةً إليه .. يحاول الوقوف، يفشل ...
" يا حمار وش سويت ؟! "
" والله والله لأذبحك! "
" غشاشين! "
تنهال الشتائم عليه وهو غير مستوعب لما يحدث، تمتد يد غليظة تنوي صفعه وتكسير عظامه.. لكن ....
" اتركه يا محمد ! "
صوت يزلزل الجميع، بوجوده ينقطع صوت تجبر صبيان الحي
أما هو ... يبتلع خوفه ليولد خوف جديد وهو يرى (ثامر) قادم نحوه، تنفرج الدائرة الملتفة نحوه، ليمرّ ثامر وعيناه تنبئ عن فيضان من غضب، بذراعه الطويلة تمتد كفه لياقة ثوب الآخر ويحمله بكل سهولة، يدخل من بين الجموع الصبي الآخر الذي كان يحرس المرمى ليهمس برجاء وهو يُمسك بكف أخيه الكبير وبهمس :" تكفى ثامر، بعدين.. في البيت مو هنا "
تنتقل عيناه بين عينيهما، شهوة التجبر والسيطرة تبلغ ذروتها عنده، كيف لا وهو رئيس عصابة أبناء الحي؟ .. لكن يطغى عليها شعور الحمية والمثل القائل (أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب)
يصله صوت غاضب :" ثامر هذا ظلم، الركلة كانت علينا وضاعت بسببه! خذ بالحق! "
شعور آخر يتفاقم داخله، شعور الرئاسة والقيادة! .. لكن وقبل أن يقرر مالذي يفعله، يتدارك نفسه بسرعة وهو يرى عمه يمشي على قدميه بعدما ترك سيارته في طرف الحارة، يترك ياقة الصبي وهو يرميه بغضب لتتلقفه يد الحارس، متظاهرًا بالحكمة وهو يخفي بداخله رغبة ضرب الصبي وخوفه من عمه إن رآه بهذه الصورة :" نعيد الركلة ونزودكم ركلة ثانية "
يهتف الجميع بما فيهم الفتيات الصغيرات وكبار السن بموافقة على قراره الصائب، ليلتفت على الصبي ويرميه بنظرة وعيد حارقة وبهمس لا يصل لأحد سوى المراهقَين المتعاضدَين" روح ادعي لربك، لو خسرنا بفرشك في البيت وأتوطاك! .. "
يتنفس الصعداء الآخر، يصلهم صوت بعيد :" يلله يا يوسف"
ينطق بسرعة وبهمس :" روح تخبى ببيتكم، وأنا بنام عندكم اليوم.. ثامر بيفرشنا ويتوطانا كلنا الليلة "
نجد بأسى واستسلام :" أبوي يقول أنام عندكم اليوم، وراه مشوار بيتأخر "
تتسع عيناه بوجل، إذن.. لا مجال للهرب من ثامر!
يترك نجد ليسرع إلى المرمى ويتأهب، أما نجد يمشي بخطوات سريعة إلى المنزل.. يسد باب المنزل كرسي أسود بعجلات متحركة، تجلس عليه فتاة صغيرة .. يتقدم ليفسحها عن الطريق بغضب من سوء اليوم، ليصله صوتها الضاحك والشامت :" هههههه شوف شوف كيف وجهك! "
يسحب كرسيها ليدخل المنزل ويعيدها من جديد حيث كانت، متجاهلًا حديثها، لتعود من جديد بخبث :" يا ويلك من ثامر! روح دوّر لك مكان تتوزى فيه! "
يقطب حاجبيه بغضب :" مو فايق لك يمام! انطمي "
تشعر بغضبه، يأنبها ضميرها لتحرّك عجلات كرسيها وتتقدم إليه، بينما هو يجلس على عتبات الباب الداخلي ويخلع حذاءه بغضب .. تقترب منه وتدني بجسدها إليه لتخطف من خده الذي بدأ يتخشن قبلة سريعة بيضاء كبياض سريرتها :" آسفة .."
رعشة مزلزلة أصابته مذ شعر بملمس شفتيها الصغيرة ليرفع رأسه سريعًا إليها وعيناه تتسع، لتصطدم بعينيها البريئة وصوتها الصغير:" اليوم رسمت رسمة -تحرك سبابتها صعودًا لعينيها ونزولًا إلى دقنها- تجنننننن"
يزم شفتيه وسرعان ما يرتبك وهو يرى والده خلفها عند الباب الخارجي، لا بد أنه رآه .. ليقف سريعًا وهو يفتح باب المدخل :" بشوفها بعدين يمام .. أبي أنام الحين "
يصله صوتها متحمسًا :" بتنام عندنا اليوم؟ "
يهز رأسه إيجابًا وبقدر المستطاع يتحاشى النظر لوالده الصامت والشارد، يخطو أولى خطواته للداخل ليصله صوت والده :" نجد يبوي نادي خالتك نورة "
يدخل للداخل ليعلو صوته :" أمي نورة ... "
تخرج إليه سريعًا وهي تلف جلالها عليها :" متى جيت ؟ "
ترى انكسارًا بعينيه وصوته يهدأ " قبل شوي ... أبوي يبيك عند الباب"
تهز رأسها وهي تشير للمطبخ :" سخّن لك الغدا، احنا تغدينا "
يزفر بشدة ليتجه إلى المطبخ الصغير، يبدأ بتسخين المرقوق .. يتكئ على الدولاب أمامه بضيق وهو يترقب الفقاعات تخرج من غدائه، (أمه نورة) منذ أن بلغ الحلم أصبحت تتحجب عنه، وهذا كفيلٌ بأن يجعله يبكي ليله كله .. لا يعلم لماذا تصرّ على الحجاب؟ هو محرمٌ لها .. حتى وإن انفصلت عن والده، لا يزال محرمًا لها، يعللّ ذلك يوسف وأبوه بأنها (تخجل)! ولا بد أن يراعي خجلها، كيف تخجل منه هو الذي ربته مذ كان بالتاسعة من عمره؟
ربته سويًا مع يوسف، وكأنها أمه .. يدرك تمامًا حياءها الزائد، فهي في أغلب الأحيان تلتف بجلالها حتى وإن كانوا ضيوفها نساء فقط! لكن نجد ابن طليقها وأخٌ لابنها! .. ليس غريبًا وأجنبيًا عنها.
لماذا تصر على أن تزيد نفسها عمرًا وكأنها جدة؟ ، لا يفهم سبب البؤس الذي يلازمها وكأنها حملت الدنيا على عاتقها وصارعت مخاضها!
يفيق على شهقة عالية:" حرقت الأكل !!!! "
ينتبه ليزفر بضيق :" اووووف! "
تسرع إليه لتطفئ النار وتقلب طبق المرقوق، يزم شفتيه :" آسف أمي نورة .."
تهز رأسها بقلة حيلة لتضعه بوعاء آخر .. :" أبوك يقول عنده مشوار ويمكن يطول، نام الليلة وبكرة هنا"
يهز رأسه إيجابًا بتململ، يحمل وعاء المرقوق إلى الصالة ليأكل بهدوء..





-




*•
استدعاء ..

يا حادي العيسِ في ترحالك الأملُ “
يا حادي العيسِ قد نفنى وقد نصلُ
قد يحتوينا سهيلٌ أو يرافقنا
وقد يمدُّ لنا أبعادَه زحلُ
قد نحضنُ الفجرَ أو نحظى بقلبتِه
وقد تجفُّ على أفواهنا القبلُ
إذا انتهينا على الأيام حجّتنا
وإن وصلنا يغنّي الرحلُ والجملُ
يا حادي العيسِ -فلنرحل- هلمّ بنا
فالحائرون كثير، قبلنا رحلوا

- سيد البيد (محمد الثبيتي)



تعديل وردة الزيزفون; بتاريخ 27-08-2018 الساعة 02:58 AM. السبب: تعديل حجم الخط
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 25-08-2018, 11:11 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


السلام عليكم ورحمة الله ..

كما في الرسالة الأولى في المدخل فأنا لا أعلم كيف أبدأ، وكيف أقدم روايتي المتواضعة.
ما زالت غير مكتملة عندي، لكن ملامحها في قلبي وعقلي، كتبت شطرًا لا بأس به منها ..
في البداية أحب أن أنوّه أن الأجزاء الأولى منها ستتناول الماضي، كما هو واضح (2004) حتى تتشكل ملامح الشخصيات والأحداث فيها، كون الماضي هو المحرك الأساسي في الرواية ..
إن شاء الله لقاؤنا القادم يوم الأربعاء، الجزء جاهز عندي لكن أود أخذ بعض الوقت لمراجعته ولأنسقه مع بقية الأجزاء الجاهزة ..
سعيدة لهذه الفرصة التي مكّنتني من أن أضع جزءًا مني (حادي العيس) في متناول الجميع ..

للتواصل:
حسابي على تويتر : @seen_na
صارحوني هنا : https://seen1baydaa.sarahah.com

لقاؤنا عمّا قريب ❤

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 5
قديم(ـة) 26-08-2018, 12:45 AM
تنوين ضم تنوين ضم غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


*
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
-بداية موفقة ، يبدو أن هنالك الكثير من المتعة:
تختبأ بين طيات روايتك..

استمري..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 6
قديم(ـة) 26-08-2018, 12:52 AM
صورة ضيّ خالد الرمزية
ضيّ خالد ضيّ خالد غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


السلام عليكم

رواية رائعة جدا ماشاء الله
وبداية واعدة برواية جبارة

وايضا اسم الرواية جمميل جمميل للغاية وفقتي في الأختيار

تسلسل الرواية جميل ورائع جدا

ولكن عندي ملاحظتين:

1- الخط صغير جدا أأمل أنك تكبرينه على الأقل حطيه 5 الخط الصغير يتعب العين

2- النصوص الانقليزية "بوجهة نظري" لو تحطينها على طول فصحى أجمل بكثير
أحس ما يخدم الرواية.

تحياتي لك
وسجليني من متابعاتك.



تعديل ضيّ خالد; بتاريخ 26-08-2018 الساعة 01:23 AM.
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 7
قديم(ـة) 26-08-2018, 05:29 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها ضيّ خالد مشاهدة المشاركة
السلام عليكم

رواية رائعة جدا ماشاء الله
وبداية واعدة برواية جبارة

وايضا اسم الرواية جمميل جمميل للغاية وفقتي في الأختيار

تسلسل الرواية جميل ورائع جدا

ولكن عندي ملاحظتين:

1- الخط صغير جدا أأمل أنك تكبرينه على الأقل حطيه 5 الخط الصغير يتعب العين

2- النصوص الانقليزية "بوجهة نظري" لو تحطينها على طول فصحى أجمل بكثير
أحس ما يخدم الرواية.

تحياتي لك
وسجليني من متابعاتك.

وعليكم السلام، أهلًا أهلًا بالضي ❤
سعيدة جدًا كون شخص مثلك مرّ من هنا
وأسعد بملاحظاتك، مشكلة الخط ما انتبهت لها كوني أستخدم الجوال بتنزيل الجزء، وأظن من كلامك الخط صغير لمن يقرأ من اللاب توب، شكرًا جدًا لتنبيهي، مشكلة المنتدى لا يتيح خاصية التعديل بعد مرور وقت، لكن بتواصل مع مشرفات يعدلونه إن شاء الله ..
جدًا سعيدة لردك وفعلًا أنا محتاجة لملاحظات مثل ملاحظاتك ❤
وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 8
قديم(ـة) 26-08-2018, 05:31 PM
البيداء. البيداء. غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها تنوين ضم مشاهدة المشاركة
*
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
-بداية موفقة ، يبدو أن هنالك الكثير من المتعة:
تختبأ بين طيات روايتك..

استمري..
شكرًا لإطرائك وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك ❤
حضورك مميز كاسمك تمامًا ❤

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 9
قديم(ـة) 26-08-2018, 08:25 PM
فــــرح •.• فــــرح •.• غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
11302798202 رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


يا جمال الاسلوب والطرح يا جمالك
احساس روقان ومزاج العالي لما قريت روايتك
ماابيها تخلص ماشاءالله تبارك الله باانتظارك ❤

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 10
قديم(ـة) 26-08-2018, 08:26 PM
لامــارا لامــارا غير متصل
©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية حادي العيس/ بقلمي


السلام عليكم

ماشاء الله تبارك الله عودة جميلة لروايات صرنا لا نرى مثلها للأسف

اللهم صلي وبارك على رسوله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم

جميلة تبارك الله شخصياً تعجبني هذه الروايات

التي بها فلاش باك يعني عودة خاطفة للماضي ثم الرجوع للحاضر

للامانة لا يزال فيها غموض مع لخبطة في فهم الشخصيات ليست واضحة

الآن شخصين متوفين نجد ويوسف

تربطهم علاقة

هل هي قرابة هل نسب هل صداقة ليس واضح

هل هم شباب أم مراهقين حين توفوا ؟؟

//

الأب يحب إبنه نجد ؟؟

هل الإبن الآخر يوسف ؟؟

وثامر اخ يوسف بدون ما يكون اخ لنجد

//

هل البنت إللي على كرسي متحرك هي من رآها في امريكا ؟؟

يجوز

لأنها خبأت هويتها عنه

فهي قد عرفته من اسمه وادعت عدم المعرفة حين سألته انت مسلم ؟؟

//

تشابك في الأحداث أنا أعلم انه ستتضح الأمور فيما بعد لذلك منتظرة بكل حب وشوق

المهم عزيزتي استمتع بهذا الفصل وأتطلع للمزيد رجاء خاص إنك تكملينها ولا تتركينها صاير عندي أزمات نفسية متتالية بسبب الروايات المهجور

خاصة الجميلة مثل روايتك.....

أختم كلامي بهذا الشعر

يا حادي العيس

لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم . . . وحملوها وسارت بالدجى الإبل

فأرسلت من خلال السجف ناظرها . . . ترنو إلي ودمع العين ينهمل

وودعت ببنان خلته علمٌ ناديت . . . لا حملت رجلاك يا جمل

يا حادي العيس عرج كي نودعهم . . . يا حادي العيس في ترحالك الأجل

ويلي من البين ماذا حل بي وبها . . . من نازلي البين حل البين و ارتحلو

إني على العهد لم أنقض موتدهم . . . يا ليت شعري بطول الدهر ما فعلوا


كلمات: محمد ابن القاسم



تعديل لامــارا; بتاريخ 26-08-2018 الساعة 08:31 PM.
الرد باقتباس
إضافة رد

رواية حادي العيس/ بقلمي

الوسوم
العيس/ , بقلمي , ياخد , رواية
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية أنتقام العشاق / بقلمي رَحيقْ روايات - طويلة 9 08-05-2018 03:14 PM
رواية : حب مخلوق من الندم / بقلمي. امجاد العنزي. روايات - طويلة 8 17-02-2018 03:58 PM
رواية مقيدون بالريش/ بقلمي ريحانة الشرق~ روايات - طويلة 53 11-01-2018 05:01 PM
رواية غدر الحب بقلمي omnia reda Omnia reda روايات - طويلة 3 21-12-2015 07:15 AM
رواية : قلص ساعتك أيها الليل المنهك خلصني من وحدة اهلكتني/ بقلمي sajarashid روايات - طويلة 26 19-12-2015 09:16 PM

الساعة الآن +3: 11:49 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1