غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 101
قديم(ـة) 24-04-2019, 03:26 PM
صورة الكاتبة: M&R الرمزية
الكاتبة: M&R الكاتبة: M&R غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


منتظرين بارت 😍👏🏻

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 102
قديم(ـة) 01-05-2019, 07:33 PM
صورة كـارثة الرمزية
كـارثة كـارثة غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


وييييييننننككك يا أمااااني

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 103
قديم(ـة) 02-05-2019, 05:06 AM
صورة أمانــي الرمزية
أمانــي أمانــي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


مساء اليـوم ..
إن شاء الله ..


.
.

كل عام والجميع بألف خير , بلغكم الله رمضان الكريم لافاقدين ولا مفقودين


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 104
قديم(ـة) 02-05-2019, 01:16 PM
صورة أمانــي الرمزية
أمانــي أمانــي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


-
-
-

( الفصل الأول )
الجُزء الخامس


" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً "



.
.
المرءُ بعدَ الموتِ أُحدوثةٌ ... يَفنى وتبقَى مِنهُ آثارهُ
.
.



الحياة .. رحلة شاقة , الموت .. صالة وصول

يالهذه الحياة , غيرُ مُنصِفه , أم أنه الموت , عاسِفٌ غاشِم , أم أنها قسمة القدرِ الضيزى .
لم الموتُ بهذه الأنانيّة المُطلقه , لم يختار لنفسه كل ماهو طيبٌ صالحٌ نقيّ العِرض مستقيمًا عفيفًا .
لم لا يجتر تلك الروح العاصية , للظالم الطاغية , لم يسلبنا من هم شِفاء أرواحنا من السقم , وبلسم جِراحنا من العلل .

هذا الذي هو أشد من النشر بالمناشير وقرضٍ بالمقاريض وغليٍ بالقدور , أتراه كان رفيقًا وهو يسوقه لمثواه الأخير !

إنه اليوم العبوس القمطرير .
فيهِ صعدت الروح وطوي الكتاب !
كيف كانت لحظة السلبِ والإنتزاع !

أ كسفودٍ جُعِل في صوفٍ رطب ثم جذب ! أم كغصنٍ كثير الشوك أدخل في جوفه فأخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى !

لقد سلبني قرّة عيني , ونورها وضوءها وضياءها .. ضياء الدين .
قدوتي المُثلى ومثلي الذي لاتستقيم حياتي إلا فوق الصراط الذي يمشي , وأخطو سواء السبيل أمينًا نزيهًا فوق الدرب الذي يسلك , وأنهل شريف الأخلاق قويمها من ذات المنهل الذي يغترف ويرتشف .

أشعر بجفاف حلقي , قد أودت بي تلك الشمس الحارقة المُسلطة فوق جبيني .
كما المُشرد الذليل , مطروحٌ أرضًا , ممدد الجسد خائر القوى أمام القصر خارج أسواره .
تحيط بي رمال الصحراء اللاهبة من كل ناح .

قد طلع عليّ شمسان وقمر وضياء الدُنيا بعيني كظلٍ من يحموم , مُدلهم مسودٌ شديد الظلام والحلكة .
أوشكت الشمس أن تغيب في الأفق .

لطالما كان الغياب دومًا مقترنًا بالحضور عدا غياب الموت , وحده قد اكتسب صفة الديمومة , هذا الذي تطوى به الصحيفة وتنغلق .

دموعي هادئة جدًا تنهمر , لا أهتز ولا أنتفض , لا أنشج ولا أنتحب . كنت فقط بصمتٍ وقورٍ أبكي .


بكيت كما لم أبكي يومًا في حياتي , حياتي الملأى بالدموع والأحزان , كان فقد ضياء هو أشدها وطأة وإحزان .

لقد حدثت فجيعة قلبي هذه وطامة كياني الكٌبرى قبل يومِ أمس قُبيل وقت العصر , كنت أذرع غرفة مكتبي داخل مقر عملي بانتظاره , إنه لم يتأخر يومًا واحدًا عن عمله حتى في أعتى الظروف وأشدها وطأة , لم أرى شخصًا منظبطًا مُلتزمًا هكذا مثله .

يومها فقط عزمت على إخباره بالحقيقة كاملة دون نقصان , لأخبره أني لم أرتكب فحشًا بحق تلك الخادمة , ليعلم أن بهاء الدين , شقيقه توأمه .. هو من أذنب وأنا من تحملّت خطئية الإثم , ولكني كنت تراجعت مترددًا إذ أن هذا الإعتراف سيجر وراءه المزيد من الإعترافات حتى تتعرّى الحقيقة كاملة , وإلا لما أزِر أنا وِزرَ بهاء !

دحضت التردد في نفسي وأقدمت على ألا يثنيني شيئ عن الإعتراف لضياء , بل على العكس تمامًا كنت قد أنّبت نفسي كثيرًا لكتماني كل هذه الأسرار عنه وهو صديقي الناصح الأمين , العاصم الصائن حافظ السرّ وفيّ الوعد صادق العهد . إني أثق به ثقة عمياء , ولعلّه يؤازرني منيرًا لي بضياءه سبيل الخروج من كل هذه الأزمات والمآزق . أو لا يفعل , يكفي فقط أن يحل عن عنقي حبل خصامه , ليسامحني ويصفح عني , لينظر داخل عيني ويبتسم لي , لأسمع صوته يحادثني , ليُكلمنّي , لغفر لي ويصافحني .


سوف أدفع ثمن هذا وإن كان من روحي , لا يُمكن أن أدع خصامه هذا لي يستمر لأكثر من هذا الحدّ المؤذي لجنان نفسي ووجدان فؤادي .

قارب مؤشر الساعة الثالثة عصرًا وضياء لم يأتي بعد , لقد فتك بي الإنتظار لم اعد اقوَ على الإحتمال ومماطلة الصبر , غدا هذا السرّ كالعبئ ثقيلاً وقتما عقدت نية كشفه , كل دقيقة تمرّ يصبح أثقل أستعسر كتمانه .

رفعت هاتفي ورُحت أهاتف شمس , على يقينٍ تام أن ضياء الدين لن يجيب اتصالي , فقط أردت التأكد اين هو ولما لم ياتِ حتى هذا الوقت إلى عمله .

شددت على هاتفي وقتما إنتهى رنين الهاتف دون استجابة من شمس فعاودت الإتصال حتى أتاني صوته , بدا هادئًا خفيضًا بخلاف ما اعتدته من شمس ذا الشخصية الحماسيّة الصاخبة ولكني لم أُعر هذا الأمر اهتمامًا فهتفت له مندفعًا: شمس بالله حاكي ضياء شوف وينه ليش تأخر , شوفه بغرفته ولا دق عليه ياشمس مدري بس شوف وينه , ضياء أول مره يسويها وأنا أبي أحاكيه بموضوع مهم

أجابني صمتٌ مٌطبق , تراءى لي إنقطاع شبكة الإتصال فلم يصل لشمس أيًا مما قُلته , فنظرت هاتفي مستغربًا ثم عاوت رفعه لأذني أستنطقه بهدوء متحيّر: شمـــس !!

....: بدر تعال البيت .
بدا الجمود سمة صوته , مذبوحًا باردًا لا روح فيه , وإني والله قد استشعرت أمرًا جللاً استقر بأحشائي فاضطربت ورحت أسأله بنبرة صوت قد اختنق خشية من السوء وعاقبة المضرّة: شمس وش صاير بالبيت !!

....: تعال يابدر ...... شوف ضياء

ارتكزت عيناي على نقطة وهمية في الفراغ , أنظرها هلعًا جمّدني برهة من الوقت قبل أن أنطق متلعثمًا بكلماتي: ضيـ .. ضياء .. علــ .. علامه !!

....: البقى براسك , عطاك عمره .



سقط هاتفي من يدي , لا أعلم هل تحولت بعد شاشته لشظايا زجاجية أم أنه مُتماسك حتى اللحظة , لم أعبئ .
كما الغائب عن الوعي بعينان مفتوحتان وأقدام يحركها شيئ خفي , كنت أسير مغضن الجبين مُتسع العينان الذاهلان ينظران المدى بنظرة حادة ذات صرامة من تأثير الصدمة وعدم الإستيعاب , كنت أسير ولا أرى , أسير ولا أسمع .

تداخلت برأسي أصوات عدّة من فريق العمل , منهم من نادى عليّ فتجاهلته ومنهم من استوقفني وشعر بعدها أنه غير مرئي وقتما تجاوزته .

سألني رجل الأمن الخاص بالشركة شيئًا لم أسمه , كنت خارج نطاق التركيز , أسير دون أن ترتفع قدماي عن الأرض , خُطاي ثقيلة , أشعر بأن جاذبية الأرض قد تضاعفت , تشدني إليها حد الالتصاق , قدماي لا أقوى على رفعهما .

دلفت سيارتي وانطلقت شريد الذهن دميع العين , متخطيًا كل الإشارات المرورية ولم أدري هل خالفت إحداها . لم أكن ابصر غير طريق الصحراء المفضي لقصور آل الدين خاصتنا .

إنها بالتأكيد كذبة من كذبات شمس , إنه أسلوبه الدنيئ لم يتغير , كثير الكذب بقصد المزاح , كان هكذا صغيرًا حتى لازمة هذا الطابع السيئ ولم يعد أيًا منّا يصدقه حتى وإن كان جادًا صادقًا , قد أصدق بفعله ولزامه عليه قول رسول الله , يظل الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذّابا .

ولكني والله ذو العزّة ياشمس إن كنت تكذّب فإني لن أسامحك , أنّى لك أن تكون نذير شؤمٍ على ضياء الحبيب بهذه الكذبة الوضيعة المُنحطّه ! ولكنّي والله أيضًا قد شعرتُ بشيئ من العجز أرداني واهن الإرادة منسحب الروح , شيئ بداخلي قد صدّق ماتفوّه به شمس ولأولِ مرّه .

رفعت عيناي للمراة أعلاي فوجدتني أبكي , بكيت دون أن أشعر .

بقيت باكيًا أمسح كل برهة دموعي بطرف الكُمّ لقميصي , لآ أدري لما الطريق قد تضاعفت مسافته , غدا طويلاً وكأن لا نهاية له , وكأنه السراب بعينه .

التزمت دموعي الصمت حتى صدحت أولى شهقاتي مُنطلقة , شهقة طال كبتها فتحررت جزعة , قويّة حادّة , آلمت أحبالي , إنهمرت من بعدها دموع الفجيعة دون هوادة .

إن بوابة قصرنا مفتوحة على مصراعيها , اقتحمتها دخولاً , ولكم هالني مشهد السيارات الكثيرة المصطفّه وبعضها قد دارت محركاته .

بجنونٍ وعدم سيطرة أوقفت سيارتي وترجلت منها دون أن أغلق بابها أركض تجاه أوّل من رأيت وكان أخي الأكبر "عِزّ الدين" , شددته من كمّ ثوبه أسأله بصوت مُختنق قبل أن يغيب الصوت غارقًا في دوّامة الإنهيار: وين ضياء ياعِـزّ ...

لم يُجبني غير رأسه المُنكسّ , أنستني هذه الفاجعة أن "عز الدين" أصمًا أبكمًا .
أشحت عنه سريعًا أرى زُمرة من إخوتي وأبناء عمومتي يخرجون جميعًا بُخطى رتيبة ثقيلة من بوّابة قصر أبي , بقيت شاخص البصر أنظرهم بذهولٍ وإرتياع حتى زاغ بصري دامعًا ذاهلاً مرتاعًا من هولِ ما رأيت .

لقد كان أبي وأخواي الأكبران عماد وصلاح يحملون جسدًا قد لفّه بياض القطن فوق أكتافهم العِراض فانهرت من وقوفي ضعيفًا خارت قواه متهالكًا أجثو فوق ركبتاي , لم تقو أقدامي على حمل جسدي الهزيل , سالت دموعي صامتة وارتعشت شفتاي , بقي ذقني يهتزّ . إنه ضياء الحبيب , هذا جسده , يحملونه مُكفّن . إن شمس لم يكذب . لا .. لابد أن يكذب , حري به أن يكذب , يكذب هذه المرّة فقط .

إنتفضت من عجزي أقف سريعًا راكضًا باتجاههم أشدّ عماد من جيب الصدر الجانبي لثوبه وأصيح به صارخًا باكيًا ومنهارًا: ضيـاء !! ذا ضيـاء !! بالله كذبونـي هذا ضياء !! نزلـوووه .. نزله ياعمـاد أبغى أشوووفـــه .. نزلــــوووه

حاوط "صفي الدين" شقيقي الأكبر كتفاي من وراء ظهري , يشدّ عليهم بمؤازة يحتوي إنفعالي ويهمس بأذني: ادعي له بالرحمه يابدر , مايجوز تبكي ياخوك

نفضت يداه عن كتفاي وأنا ألتفت عليه صارخًا قد تمكن مني إنهياري: لآ ببكــي , طول حياتي ببكيـــه , مــات !! مــات وهو مزاعلنـي , ماسامحنـي , شهرين مقاطعنـي خصام ولا يكلمنـي .. اليـوم ياصفـي .. اليوم كنت بعترف لـه , وكان بيسامحنـي .. تكفــى آآآآآ .. ياصفي

خرجت مني آخر كلمة استرجاءٍ يليها إسم شقيقي بصوتٍ كسيرٍ مُنهزّم , رقّ له فؤاد أخي وإنكسر , فأطرق رأسه بحزنٍ لا يعلم ماذا يقول فأشحت عنه أبكي لأبي , أتوسله وأسترجيه , قد غالب صوتي الوهن , أطبق الحزن على حنجرتي فلم يقوَ صوتي على الخروج فبقي عصيًا تحت وطأة الإختناق ثم صدح شجيًا يقطر أسىً ولوعة: يبـآآآ , نزله أرجـوك .. بشووفه يبـآآ .. بشوفه أترجاك تكفـى آآآآ

....: وخر يابـدر , خل نمر مايجـوز الله يرضى عليك

كان هذا صوت أخي الشيخ صلاح الدين , إنه يحمل ضياء من قدماه , هو وشقيق ضياء الأصغر , "زين الدين" الذي بدا منظبطًا أكثر من بهاء الذي كان مُسال العينان يبكي , فاضربت الأرض بقدميّ كطفلٍ عنيد رافضٍ ومتشبثٌ بمبتغاه إلى النهاية صائحًا بفظاظة وحِدّة: نزلــــووووه , نزلــو غصــب بشوفـــه .. يبـــآآآآآ

كنت أحادث أبي , وكان وجهي يتقطع من فرط الحزن وشِدّة البكاء .
تهاويت أرضًا محتضنًا ساقا أبي أتوسله بانهزام قد اعتراني الحزن وتلبسني الشجا: سألتلك بالله تنزلة يبــآآ ... بشوفه .. بضمه .. با أبوس عينـه .. تكفــى

أحسست بهذا الظهر الحاني , وتلك الرائحة التي أحب , إنه "شمس" , قد مال على ظهري بجسده محتضنًا إيّاي , يهمس بأذني وقد خرّ باكيًا هو الآخر , كان من شأن صوتي ورقتّه وهذا الشجن الأثيري المستضعف المنساب من ثغري أن يُذيب أقسى حجر , فكيف بهؤلاء القوم غلاظ القلب الجلاف .

....: ياشمـس .. أترجاك .. أبي أشوفه , حرام عليكـــــــــم يانــاااااااس هذا أخوي بعـــد .. نزلــــــــوووه

استلقيت على ظهري أرفس ساقا أبي بقدماي كطفلٍ لم يتجاوز عمر الخامسة بعد و يالحالتي تلك التي يُرثى لها .
أتاني صوت عِماد الحنون الهادئ وهو يحادث أبي: يبه خله يشوفه , تعرف شلون بدر متعلق فيه

....: الميت لا تكفّن ماينكشف , إمشـوا خل نوصل المدينه نصليّ عليه ويندفن .

يالقسوة ماقيل للتوّ , أشعر بأوردة قلبي وكأنها تُشد من طرفان مُتحديّان , أشعر بهذا الإحساس الموجع للتمزّق , لقد استقر الألم بحجرات قلبي وإخترقت الحسرة سويداءه , ماكان لشيئ أن يمزقني هكذا مثل مافعل جـدّي . لقد جهمني بما أكره .

إن كلماته مُتعبّة , متعبة حدّ الحُرقة ووحشة الغُمّة وغلظة الغُصّة .
بقيت أردد كلماته برأسي , - الميّت , تكفّن , يصلون عليه , ويُدفن - , ومن المقصود بكلّ هذا , إنه ضياء .

صرخت صرخة مُدوية بـ -لاءٍ- جزعة كما الهيعة أفزعت من حولي وأنا أرى أبي وعماد يحيدون عني خطواتهم فواريت بكفّاي وجهي وبقيت أصيح باكيًا بانهزام .

ظللتُ هكذا حتى شدّ شمس على كتفي وهمس لي بصوته الشحيح المختنق: قم يابدر , قم نلحقهم

....: راح وهو مزاعلنــي ياشمـــس , راح وقلبه عليّ غاضــب , شلون بعيش حياتي بدونه ياشمــس , ماقــــــــدر .. أبي أكلمه , أبطلبه يسامحني لايروح وهو عليّ متعصّي

....: مات يابــدر خلاص , مايسمع ولا يتكلم .. قـــــم صلي عليــه وادفنــه ..

استفقت من إعصار إنهزامي وانتصبت واقفًا , أنظر ظهورهم المحنيّة , لم أكن لأتركهم هكذا يرحلون .
مسحت بطرف قميصي مخاط أنفي وركضت أصيح بهم أن يتوقفوا , شددت ثوب صلاح الدين أرغمه على التوقف وتقدمته واقفًا أمام أبي أصرخ به وأهدد: والله ماتطلعــــــــون .. نزلـــــــــــوه باشـــــــــووفه .. نزلــــــــه يبــــــآآآآآ الله لا يبارك فيكـــــم نزلـــــــــووه

....: ولــــــــد , ماتحشم أحد إنت حتى وإنّا بهالوضع , وخر ترا إللي فينا كافينا ..

كان هذا عمّي "عابد" يصرخ بي شاتمًا وقاحة قولي وسوء أدبي فأوليته ظهري وأشحت عنه بصري مهرولاً خارج القصر فبقيت بوابتها الواسعة تلك حاجزًا بيننا يُمكن تخطيه بكل سهوله , وقفت أمامهم متحديًا أصيح بهم وأهدد: والله ماتطلعـون , إدعسونـي أوّل ومروا من فوقي .

هكذا قلتها وتمددت مجندل الجسد منطرح القامة أمام البوابة نائمًا على ظهري مُباعد الساقان والذراعان , بقيت هكذا حتى صاح أخي "تقـيّ الدين" معلنًا عن انهياره هو الآخر: وخر يابدر لاتزيدها علينـــا ياخي

لم أجبه , فقط كان باسطاعتي سماع حوقلة البعض واستغفار البعض الآخر حتى شعرت بالظل من فوقي , لقد حجب بوقوفه شعاع الشمس متعامدًا فوق جبيني , كان وحده "شرف الدين" ... جــدّي .

إلتقت عينانا , تشابكت أنظارنا , لن أنسى تلك النظرة ماحييت , لقد حطمنـي جحوده ذاك , بعثر أجزائي , وكأني من ذرّات قد تكونت والأن فقط تناثرت .

لقد أجاب مافرضته من تحدّي بالقبول , دهسنـي واندهس بجمود قلبه قلبي , ليس لذاك الألم الحسيّ من وصفٍ يكفله .
تعداني مارًا من فوقي , وكان هذا هو أمره الإجباري الذي فرضه لِزامًا على كل من ستتقلقل أقدامه من بعده , وما كان لمعشر آل الدين إلا الإنصياع على مضض .

انهرت وإنهار كياني كلّه , إني بلا قيمة الأن فقط , ماخلقتنا ياربنا لُترهق أرواحنا هكذا ونحنُ عيالك , مابال هذا الإحساس من الهزيمة يغمرني , مابال قلبي يعتصره الألم . إني من نفسي أتفكك , أتمزق , وأتقطع , وأموت .

عبر أبي من فوقي هو وعماد فهدأ نبض قلبي وإحتبست داخل رئتاي أنفاسي , ورأيت جسد ضياء يمر هو الآخر من فوقي , لقد غمرني الظل وشعرت ببرودة الزمهرير تلف جسدي , كانت لحظات خاطفة أحسست بها قرنًا من التوقِ ودهرًا من الإرتقاب .

من بعد برودة الصقيع هاهي حرارة الأجيج تذيب جليد جسدي من جديد , أشعر بالإنصهار , إن صلاح الدين الأخير هو و زيـن يمران أخيرًا من فوقي .

لم أنطق , لم أقوَ , لم أتحرك , بقيت ساكنًا محطمًا ومزججًا ولو أن ضياء الدين ذاته قد أفاق من سُباته وانفرج عنه غطاء نعشه , لما قويت على القيام واحتضانه .

بقيت أنظر الشمس أعلاي , لم تؤذني عيناي , قد كانت حرارتها الحارقة تلك عليّ بردًا وسلاما , لم أشعر بأي شيئ غير أن الهدوء يغمرني والسكينة تغشاني .

استشعرت حركة السيارت مُدركًا بأنها تمرّ من جانباي دون أن أقوى على إمالة عنقي والنظر إليها مغادرة , بقي نظري هكذا معلقًا بالسماء وفضاءها وقرص شمسها .

بقيت هكذا مذاك اليوم .... وحتى اللحظـة .



-
-
-


لم أغِب عن القصر سوى خمسة عشر يومًا وتلقيت بالأمس فقط خبرًا أليمًا حسبته فاجعًا قد جثم متربعًا على نفسي , فـ لبِد الحزن لصيقًا بقلبي .

لم يكن سواي وشقيقي "جـاد الدين" من لم يشاركوا رجال العائلة طقوس الدفن والجنازة , في الحقيقة كلانا لم يعلم بهذا الأمر سوى ليلة البارحة , وها أنا ذا موليًا جهتي شطر رُباعية القصر النائيـة .
سبقت "جـاد" إلى المشاركة بجائحة آل الدين وبقي عليه هو فقط تأجيل رحلات عمله أو إكفالها لمن ينوب عنه , لآ أعلم تحديدًا ما الإجراءات المُتخذة في شركة الطيران التي يعمل لديها "جاد" .

اوشكت الوصول , كنت اقود بسرعة متوسطة وهو الشيئ الذي خالف طبيعة قيادتي السريعة المتهورة , إن مأساة فقد ابن عمي ضياء الدين قد خلفّت أحزانها على قلوبنا فكانت نازلة ذات أخذٍ عزيز ووقعٍ مرير .


أرى البوابة مغلقة فهدأت من سرعتي تمامًا حتى يتسنى لحارس الأمن رؤيتي من خلال شاشة المُراقبة ولكني سُرعان ما اجتذب انتباهي هذه الكتلة المُلقاة تمددًا أمام القصر , حسبته حيوانًا بريًا قد لقي مصرعه ولكم ازداد تعجبي لهذا الخاطر إذ كان الحارس سيراه بكل تأكيد وسيسارع حينها بنقل جيفته . كلما اقتربت كلما ازداد طول قامة هذا الشيئ , كانت عيناي تضيقان بروية وعلى مهل وتباطئ حتى كادتا تنغلقان من شدة مارُحتُ أضيقهما حتى اتسعتا ولآخرهما في لحظة واحدة وقتما أدركت أنه جسدًا بشريًا صريعًا طريح الإسفلت مابين مقدمة سيارتي ومقدمة بوابة القصر ولكم هالني هذا المنظر وأرعبني أشد رعب فترجلت سريعًا من سيارتي وهرولت صوبه أشد جذعه حتى انقلب وجهه تجاهي فحملقت فيه مصدومًا مشدوهًا ومُتفاجئًا .. إنه صغيري بـدر .. بدر الدين .


تحسست جبينه المتعرق مستشعرًا إتقاد جسده الذي تأججت فيه الحمرة بسبب نصاعة بياض بشرته , عيناه منغلقة يبدو غائبًا عن الوعي , قد بانت عليه عوارض المرض والهزال , حاوط عينيه هالة داكنة من الظلمة وجفت شفتاه حتى انتفضت قشورهما , أراهما شفتان رقيقتان صغيرتان بيضاوان قد فقدا حمرتهما الورديّه .

ظللت ألطم خدّه أستنطقه بهمس محمومٍ مرتاعٍ ومتخوّف , أخشى عليه من شعاعٍ للشمس لاذع واخاف عليه من ريحٍ ليليٍّ صرد , كلها مشاعر قوية الحضور فقط في حضوره , لا أعلم مايعتريني أمام عينيه وبراءة ملامحه .

تجاهلت كل ماكان يثنيني طوال هذه المُدّة عن الإقتراب نحوه , ولكني بلا حول ولا قوّة وبدون أي إراده أراني أنجذب إليه كما لما أفعل تجاه أي شيئ آخر في كل حياتي .

شرعت في حمل جسده الضئيل على ساعداي لولا أن إندفعت تلك البوابة تنفرج عما توارى خلفها كاشفة عن ثلاث من القلاع , يخرج من خلالها أحد الحرّاس مسرعًا صارخًا عليّ ينهاني فعاودت إنزال بـدر بينما كانت عيناي تنظران هذا الحارس والآخر الذي يلحقة , يبدو جليًا على ملامح وجوههم شديدة الإسمرار أثر الفزع وشيئ من الاكفهرار الجَهِم فرحت أصيح بهم أنّى لهم أن يتركوه هكذا ملقًا على الأرض تحت هذه الأشعة الحارقة للهيب الشمس فوق رأسه , بما كانوا منشغلين حتى لم يتسنّى لهم رؤيته ملقًا هكذا كالكلاب الضآلة المشردّه , أنهكها طول المسير بلا وجهة وأمام أحد الملكيّات اخيًرا قد إستراحت , فعاجلني أحدهم نافيًا عنهم جرم التقصير في إجادة عمله يعزي حالة بدر الدين هذه لأمر كبير العائلة , شرف الدين الذي كان قد ألقى الكلمة الأخيرة بشأن بدر لجميع قاطني القصر رجالاً ونساء . فليتجرأ أحد ذكورها وإن كان حتى أبيه نفسه أن يُدخله محميًا وراء سور الملكيّة , فلتتجرأ أمّه على حمله , إنها لن تبقى دقيقة واحدة على ذمّة فاروق لأجل إبنها بـدر . وكم كان الجميع مُلتزمين بهذا الأمر التعسفيّ شديد الجورِ والضيمِ والإلهاد , الجميع حتى أباه وأمّه وإخوته الأشقاء .

إن شاء هو فليدخل وإن لم يشأ فليبقى هكذا وإن طال به أمد الدهر ومدى الزمان !


إحتدت عيناي تنظرانه بجهامة وعبوس , كم هالني ماسمعت , أجبرني على الصمت الواجمِ قرابة الدقيقة كامله أعيد بذهني وأكرر ماسمعته بلسان هذا الحارس .

أنّى لجدي شرف أن يكون بهذا الطغيان والتجبّر ! وبما أذنب بدر حتى ينال عقوبة كهذه , ولأي جُرم . إنه لم يعاقب بمثلها حتى بعد إرتكابة الفاحشة بإحدى الخادمات , وأنّى لعمّي فاروق وزوجته أن يتركا ضنى روحيهما وهذه القطعة من كبديهما ملقًا هكذا ينصهر تحت لهيب الشمس يفترش رمال الصحراء وتتلحفه السماء .

ازدردت ريقي فشعرت بغصّة قويّة في حلقي إثر طولِ ذهولي فهززت رأسي مجبرًا صوتي العصيّ على الخروج وأنا أسأله: من كم وهو على هالحاله !
....: يومين ..

أغمضت بسرعة عيناي أشدّ من إطباق فكيّ أسناني مستشعرًا تعاظم غيظي , لقد بدأت الدماء تفور بعروقي , أنّى لي الأن أن أحرر هذه الطاقة الغاضبة المحتقنة والممتعضة . إنه ثالث عصر يخرج عليه وهو صريعٌ أمام القصر كأحد الدواب بلا قيمة . كيف ذلك ! ألم يخرج أحد من القصر في هذان اليومان ! أهم على أتم إستعداد لهذا الحد إلى فقدٍ آخـر . أدركت لتوّي أن الحياة خلف هذه القضبان , حياة خُلَّب , يدالسنا الثراء والغِنى , يغرر بنا رغد الحياة ورخاؤها , إن ماوراء هذا الترف والبذخ والرفاهيّة هو في الحقيقة شيئًا خاويًا خاليًا بلا قيمة . إن روح ساكني هذا القصر أبخس من ترابه الذي تطاله ذات الأقدام .

رفعته على ساعداي وبحركة لم أستشعر أي جهدٍ بها قد قلبت جذعه على لوح كتفي الأيسر وبيمناي المنقبضة سددت لكمة لأنفِ الحارس أودت به مترنحًا يقاوم إختلال إتزانة وهذا الدم النازف من فتحتي منخاره , أحادثه وأنا أوليه ظهري هاتفًا ألقنه ما سيقول: لا كلمك أحد قل بـاز الدين تعدّا عليّ وأدخل بـدر بالقوّه .


-
-
-


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 105
قديم(ـة) 02-05-2019, 01:23 PM
صورة أمانــي الرمزية
أمانــي أمانــي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


-
-
-


ليست هذه المرّة الأولى التي ادلف بها قصر عمي هاشم ولكنها المرّة الأولى التي يكن بها دخولي مُختلف المقصد .

إن اجتماع مجلس رجال العائلة لا يحدث إلا بمجلس جدي شرف الدين , المربوع في بيت عمي هاشم . ولسخرية الأمر إنهم الأن على اجتماع لفرض قرار تُرى من الذي سيقُهر به ويُضام !

نفخت من منخاريّ وأنا أنفض عن جسدي سُترتي الخفيفة إثر إحتقاني سائمًا من طوال فترة الإنتظار المقيتة هذه وأنا على أعتاب قصر عميّ هاشم بانتظار العاملة التي ستقودني لغرفة "بـاز الدين" , يبدو أني سأغير نظرتي الخاصة بشأنه , إنه ذا جسارة مُتحديّ وغير مُبالي , قد ضرب بعرض الحائط أمر جديّ وخالفه , تُرى أي عقوبة سيهتدي إليها جديّ لمجازاته !


قبيل دقائق كانت المرّة الأولى التي يحتدم فيها شجارًا قائمًا بيني وأمي أجبرني على الصراخ بوجهها , اضطرني حقيقة على التمادي وأرغمني على التطاول , فدفعتها حتى اختل إتزانها فارتمت على الأريكة المتموضعة خلف وقوفها أمامي , كانت تنظرني ذاهلة غير مصدقة فعلي , حقيقة الأمر لم أصدّق أنا الآخر نفسي .

إنها أمي , تلك المُتجبّرة التي طالما استأثرت نفسها , تلك التي كانت متأهبة دومًا على أتم إستعداد للتضحيّة بِنا فقط من أجل إفتداء شخصها .
أنّى لها أن تتمادى في هذا الجفاء وتسترسل في هذه القساوة ! وعلى من ! على بدر ! الضنى الأقرب منا لها , أو هكذا ظننت .

مضى يومان وهو ملقىً ينكمش مستغيثًا من الألم , لايعلم حاله إلا الله وحده ولم يطرف لها جفن , لاتعبئ حقًا سوى لمكانتها الوقورة المُبجلّة المرتهنة فقط بانقيادها لأوآمر جدّي .

عزمت وقتها على مخالفة هذا الأمر التعسفي وإدخال شقيقي بدر للقصر وإن كانت العاقبة خروج أمي وحتى أبي منه , حتى أني قد تأخرت .
حاولت أمي
تثنيتي عن الأمر بعقلانيتها المعهودة فأبيت هذه المرّه أن يسري عليّ مفعول الخدر لمنطق لسانها ومعسول منطوقها , فالتجأت لتعنيفي صارخة مُهددة فقابلت إنفعالها بآخرٍ أشدّ غضبًا وإهتياجًا فما كان لها من بدّ غير محاولة إجتراري وتقييدي فأسرعت دون وعيٍ مني أدفعها وخرجت أصفق الباب بقوّة من ورائي أذرع الأرض التي أمشي فوقها غضبان أسِفا وصولاً لمقدمة قصورنا العتيدة صائحًا بالحارس أن يعاجل بفتح البوابّة حتى يتسنّى لي إدخال بـدر , فما كان له إلا أن يدهشني بقوله , أن باز الدين قد استبقنى عصرًا وأدخله !



مسحت جبيني وأنا أنظر الأرض موطئ قدماي وأزفر بتملل سائم حتى أتاني صوتها بلغة عربيّة لم تُجِدها حتى اللحظة وهي تتقدمني صعودًا على الدرج الرخامي شاسع المساحة مما أثار إستغرابي , لما لا نستقلّ المصعد , لم هذه العاملة بليدة مُتراخية العصبِ إلى هذا الحدّ , لم لا تُرشدني شفويًا إلي مكان غرفة باز وانا بنفسي سأهتدي إليها , بالنهاية قصر عميّ هاشم يخلو من وجود أيّة إناث غير أختاي أريحا وأرام زوجتا شهاب وعلـم . وزوجة عمي هاشم فقط . ما العائق هنا الأن .

تأففت وأنا أتبع خطواتها البطيئة التي توقفت عند الطابق الثالث فـ رُحت أشهق بصعوبة مستشعرًا شدّة إنهاكي فقط من إرتقاء ثلاثة طوابق وللتوّ أدرك فداحة ما إقترفته بحق نفسي وجسدي هذا الهزيل المتراخِ الذي لايقوّ القيام بأي نشاطٍ أو ممارسة, متوانٍ عن أي جهدٍ وكدٍ , ومتقاعسٍ عن كل دأبٍ وسعي .

إني كسولٌ ثقيل الحركة خامل الهِمّة , لآ أُبارح غرفتي مطلقًا سوى لدوام عملي القصير جدًا والذي لا أمارس فيه أيّة مِران أو نشاطٍ حركيّ يُذكر .

إلتفت للعاملة أنظر ظهرها وأميل بـ فمي المطبق إمتعاضًا من برود أعصابها تزامنًا مع طرقي للباب الذي لم يأتني منه أي جواب حتى بعد تكرار الطرق وبشدّة مما أفضى بنهاية الأمر لفتحي له دون أن أتلقى الإذن بذلك فدلفت أمط عنقي أولاً مستكشفًا هذا المكان الغريب والمثير حدّ العجبِ والدهشة .
إن غرفته جناحًا واسعًا , عالمًا خاصًا به إستأثر فيه بكل مايمكن أن يمثل له شغفًا و تتيّـم .

أرى الحوائط مصبوغة بألوان فاقعة صارخة متداخلة بطريقة عشوائية على نحوٍ جيد , وكثير من أعلام البلدان معلقّة وصور شخصيّة كبيرة الحجم لعدد من أشهر ملاكمي العالم مُلصقة , إنما الأكثر إبهارًا كان ذاك الجدار الذي ترتب فيه رفوف زجاجيّة بالتعامد قد اصطف فوقها ميدالياتٍ لا حصر لها وعدد من الأحزمة كتلك التي أراها على شاشة التلفاز وقت إنتصار البطل في حلبة الملاكمة على أخصامه .
أرى له العديد من الأطر قد حوت صورًا له حاملاً فوزه يبدو فيها بحالة يُرثى لها , تسيل الدماء من كل وجهه الذي لم يعد يُعرف له ملامح , يبدو أنها صورًا تذكارية بعد إنتهاء كل بطولة له وإنتصاره أخيرًا فيها .

مال عنقي من فتحة الباب الذي قد كان مواربًا ففطنت أنها غرفة النوم التي دفعت بابها بأطراف يُمناي مترددًا في الدخول . ولم تكد عيناي تجولان على شيئٍ فيها حتى إستقرتا على ذاك الجسد النائم الذي يُشابه وكثيرًا بنية جسدي .

حسنًا , إنه بـدر . كما يبدو دائمًا أثناء نومه , هادئًا لآيتحرك , منكمشًا على نفسه متوسدًا يداه أسفل صدغه نائمًا وكأنه أبدًا لن يصحو .
لا أعلم أنّى لنا أن نتشابه إلى هذا الحد الكبير المتماثل ظاهرًا بينما إختلفت كل سلوكياتنا وتصرفاتنا وحتى كثير من النوازع والميول والإهتمامات .

كنت نقيض بدر في نومه الهادئ المُسالم . إبتسمت لاشعوريًا وأنا أنظره لبرهة مُتأملاً ملامح وجهه الحزين , لم تخفى عني تلك اللؤلؤة المُنحدره من عينه والتي إستقرت فوق جانب أنفه فجلست بجواره فوق السرير , أقابل وجهه الجميل وأهمس له برفقٍ استنطق به صحوه: بــدر ....

تفتحّت لي عيناه ذات النظرة الحزينة , ممتلئة بالدموع , إنه مجروحٌ ومُتألم , أعلم كم كان يعني له ضياء الدين . وإن هذا الفقد بمثابة فاجعة لقلبه لايقوَ احتماله .

رفعت كفي الأيسر فوق صدغه ورحت أتحسس خدّه الأمرد بحنوٍ وأهمس له بمواساة: قم يابدر , صلي وادعيله .. لاتنهار هالقد ..

....: حيالله شمــس الديـن

إنتفض جسدي تفاجئًا أنظر خلفي لأرى ذاك الملاكم عاري الجسد من نصفه الأعلى , لم يرتدي غير بنطالٍ واسعٍ ذا خصرٍ مُنخفض , كان باستطاعتي رؤية تقاسيم عضلات الصدر والبطن لديه , تبدو قاسية كالحجارة , إنه صلب الجسد , صلدٌ مفتولٌ ذا قوّة .

أشحت عنه بصري أهمس بصوتٍ خفيضٍ يكادُ يُسمع: الله يحييك ..
....: التوأم بدر وشمس ويّا بعض بغرفتي .. جديد هالوضع ..

مال ثغري بإبتسامة جانبيّة خافتة اردفتها بشكري ممتنًا له: مشكور ..
استقام جذعه من بعد انحناءٍ وهو يلتقط له قميصًا خفيفًا قد شرع في إرتداءه ينظرني بعدم فهم لمقصد شكري: على وشـو !

....: إنك رديت بدر من برا القصـر , خالفت أمر جدي ..
....: وإن خالفته يعني شفيها ؟! الحين نازل المجلس أسمع وشهي جزوتي .. بس إللي قاهرني كلكم , كلكم بدون استثناء .. لو خالفتوا جدي وش بيصير يعني ؟! وش حكمـه ! يذبحه ولا ينفيه ولا يفصله من شغله , يقطع أكله وشربه ولا يتبرأ منه ولا ينبذه مثل اخوانك إللي تعرفهم منبوذين ! وشهي العقوبه يعني إللي تخلي رجال بشنبات أجبن من الجربوع ؟! حسافـه


....: أبوي مايعصي جديّ لو إن الضحيّه ولده من صُلبه , وجدي حلف على أمي الطلاق من أبوي لو دزتني أو أي أحد من إخواني لبـدر ..

....: إسمع ياولـد , ترا منكم ورعان , إنت مغير أصغر مني بسنتين , وذا أخوك .. توأمك , توّ تتذكره الحين بعد ثلاث أيّام ! لو إنت ماتقدر , إخوانك صفيّ وتقيّ .. أها سالفة طلاق أمك من أبوك , أمك بنفسها يابدر لو إن بدر صدق يهمها أمره كان طلبت بنفسها الطلاق من أبوك بس بدر يرد داخل بيته ماهوب راقد بلا حول ولا قوّة قدام الباب مثل الجيفه , حسبي الله عليكم من عيله مدري شقصتها .. المهم شتبي إنت الحين ؟!

نكسّت رأسي لا أدري ما أقول , إن باز لم يخطئ بكلمة واحدة , كنا جميعًا الخاطئين , إبتداءًا من أبي ثم أمي وأنا وشقيقاي التوأم الآخرآن تقي الدين وصفيّ . ثلّة من الجبناء المتخاذلين .

وكأنه قد شعر بخجلي من نفسي فعاجلني وهو يُمشّط شعره معدلاً هندامه: ع العموم خذ راحتك مع أخوك , أنا نازل تحت المجلس , مطلوب بالإسم , وأكيد تعرف ليش ..

استرعى انتباهي قوله فبقيت أنظره باستغرابٍ مغضن الجبين مقارب الحاجبان , ففطن للتعجّب من قوله في عيناي فسألني مستغربًا هو الآخر ردّة فعلي: علامـك !

....: ظني مجلس اليوم لبهـاء الدين مو إنت ..

تقوست شفتاه للحظة بعدم إستيعابٍ ثم سألني وهو يهزّ رأسه مستغربًا مستفهمًا: ليش بهاء ! , أنا جايني خبر إن جدي يبيني أنا ..

....: بس إللي عرفته من أمي اليوم إن جدي طالب بهـاء مخصوص وقدام الكل لأنه قد ربط اسمه بـ "سجود" , وبعد عدتها بيعقد عليها ..

فور إغلاقي لشفتاي إنتفض بدر ينظرني بصرامة نظراتٍ ناريّة ترمي بشرر يهمس لي مستهجنًا بصوتٍ مبحوحٍ ملأه الإستنكار يكاد يسمع: وشــوو !!

إرتبكت أنا الآخر ولا أعلم لما فتقدم باز تجاهنا يسألني بفضول: منهـي سجـود !!
أجبته ببديهيّة دون تردد: سجـود زوجة ضيـ ......

سكتت لبرهة مترددًا أنظر بدر بشيئ من الإحتراز والحيطة بينما كان ينظرني بغضب كان في طور الإستعار فاستطردت أكمل مابقي ناقصًا من قولي: زوجة ضياء الدين , الله يرحمه ...
قلتها برويّة وأنا متخوّف من ردّ الفعل لبدر ثم أطرقت رأسي منزويًا ولم أكد ألبث حتى أفجعني صراخه وهو ينتفض من سرير باز , يشد عليه قميصه الذي بدا وكأنه لا يناسبه إطلاقًا إذ كان طويلاً واسعًا وفضفاضًا قد غمره حتى غرق فيه .

....: تو ماكمّـل موته ثلاث أيام ويفكـرون بزواج !!! كذا خبط لـزق بياخذون مرته يزوجونها الواطـــي أخـوه

وقفت أنا الآخر مذبهلاً من حموّ إنفعاله ولكني سارعت أردّ عليه: بـدر هدي شفيك ! بهاء الدين أخونا .. وهو توأم ضياء , وأرمـل بعـد .. هالشيّ بديهي يصير .. مالنا دخل بهالموضوع

لأوّل مرّة تُطال يدا بدر عليّ , دفعني بكلتا يديه اللتان استشعرت بهما قوّة اهتياجه فارتددت ملقًا على السرير ورائي بينما هرول هو خارج الغرفه يلحقـه باز محاولاً إيقافه أو حتى تهدئة إنفعاله بينما بقيت مكاني شريد الذهن خاوي العقل لآ أعلم ماحدث للتوّ ولأي سبب قد استثار بدر بهذه الطريقة . لقد فعل بي للتوّ مافعلته اليوم قبلاً بأمـي .


-
-
-


لكم تعاظم غضبي حتى اشتد أوجه وقارب ذروته , إمتلأت به حتى لم يعد له بداخلي من متسعّ , كفـى , ماهذا الطغيان . اكتفيت والله , لم يعد بإمكاني الصمت أكثر مما فعلت .

بكلتا راحتاي دفعت الباب ودلفت أصيح بالجمع المئتلف , كنت أعلم أين جديّ , لم يتغيّر مكانه التشريفي بصدر المجلس منذ فجرِ تأسيسه .

لأوّل مرّة بحياتي أقف أمامه بهذا الغضب العارم , أنظره بجرأة وأهدد بجسارة , أرفع بوجهه إصبعي السبابّة منتصبًا مهتزًا وحالِفًا بالله العظيم قسمًا , كنت خارج الشرنقة تمامًا وماكان لشيئ بمقدورة ايقافي: وآلله .. وآلله ثم والله ياجديّ مايمشي هالزواج , سجود زوجة ضيـاء وآللـــــــــــــه مايتزوجها أحدّ

....: ولــــــــــــــد , بـــــــــــدر .. شهالمصخـــره ياقليل الخاتمة ! ترا زودتها

كان هذا صوت عمّي عابد , أتاني صارخًا فصرخت به هو الآخر كما لم أفعل يومًا: وشـــــــــــووو , إنتم شاللي تفكرون فيـه بالظبـــــط , أخوي تو ترابه منـديّ وإنتم مجتمعين تزوجون مرته لأخــوه ! ومنـو أخوه ! هـــــــــــذا !!!

قلت – هذا – الأخيرة طافحة بالمقت والكراهة وأنا أنظر بهاء الدين المنزويّ مُنكسّ الهامة , لأوّل مرّة أرى إنهزامه صريحًا جليّا وكأنه يعبئ فعلاً وبحقٍ لشيئٍ في هذه الحياه ويكترث له , ربما فقد توأمه ضياء قد أثر به صدقًا . ولكني وإن بكى بهاء الدين أمامي دمًا بدل الدموع لألف عام لن أغفر له أبدًا مافعـل , لقد عانت منه زوجته "جهراء" أشد معاناة من تصرفاته الهوجاء ذات الرعونة والطيش , إنه وضيع ذا علاقاتٍ نسائية مُشينة متعددة لم يُراعي الله أبدًا فيها ولكم كانت صابرة مثابرة تكد وتشقى لمحاولة إصلاحه ولكن الله قد قضى أمره فقضت حتفها أثناء وضعها لبكرها , بكرًا أتى لأبٍ ماجنٍ مفتون بالفتيات الصغيرات اليافعات , رافق "سِدرة" إبنة صفوان الأخت الصُغرى لزوجته المتوفاه , وأفحش بـ "سلا" إبنة عمّة عابد , وأجرم بحق "سمراء" الخادمة , غير ما اقترف من آثامٍ رذائل لاتُعدُ ولا تُحصى , كان مسافحته للفتيات في طليعة هذه الكبائر وصدارتها , كم له من علاقاتٍ آثمة خارج رُباعيّة قصورنا كنت أنا في وقتٍ ما ضحيّة إنتقام ممن أجرم ذات يومٍ بحق فتاة من فتياتهم , والأن وبكل تلك الأريحيّة والسلاسة يقرر جديّ أن يُلقي بـ "سجود" في شباك الخِسّة و مكامن الإنحطاط زوجة لـ الوضيع بهاء .


أنّى لـ بهاء الدين أن يعامل "سجود" بمثل ماكان ضياء معها يفعل ! إنه لن يصل لذلك المستوى من دماثة الخلق ونُبل التصرفات ولطافة المعشر وإن أفنى كل عمره لمحاولة تحقيق ذلك .
لن أسمح أن تُذل أو تُضر زوجة ضيـاء أبـدًا , وماحييـــت .


نظرت لعينيّ جديّ متماديًا في نظراتي , كنت عنيدًا ومُصرًا وماكان لشيئ أن يثنيني عما عزمت على قوله أبدًا .
بقيت أنظره لفترة وجيزة دام فيها الصمت مطبقًا , كان الجميع حضورًا , ماكان أحدنا غائبًا .

عمي عابد وأبناءه الخمس ماعدا "فخر" المُردى بأحد المعتقلات , عمي هاشم وأبناءه الخمس , عمي صفوان أبا الفتيات العشر الحيّات , وأبي وكل إخوتي , كنا عشرة أبناء بما فيهم أنا , فقدنا للتوّ واحدًا منا , وثلاث منبوذين يزيدون على العشرة , أحدهم والي الدين الذي لم يشهد يومًا أيًا من مجالسنا , وإثنان آخران لا أعلم بأي أرضٍ يُرزقون .

....: أبي أتزوج سجــود , أبيها لـي .

هكذا نطقت , بمنتهى العزمِ والحزمِ والإقدام , وكأنني رجلٌ يبلغ من العمر أربعينه ولستُ فتىٍ ذا أربعة وعشرون من الأعوام بشكلٍ طفوليٍ صبياني ووصفٍ بذيئ قد التصق فيه كناية عن أنه ليس بـ رجل .

كان باستطاعتي الشعور بالصدمة جليّة على قسمات الجميع , الجميع دون استثناء , حتى بهاء الدين الذي رفع رأسه لي تبدو عليه المُفاجأة ينظرني بدهشة .

....: تبي الزواج هـاه !

هكذا ردّ عليّ جديّ هازئًا فأجبته: مابي الزواج , أبي سجـود مخصوص زوجة . ولأجلها بتزوج . أبيهـا .

ضحك عمي عابد وراح يصفق يديه ببعضها فتعالت من بعد ضحكته ضحكات البعض واستطاع آخرون الكبح .

أحسست بقواي تتضاءل , لم أحتمل هذا الكمّ من الهزء بي والإستخفاف بقولي والانتقاص من شأني , لم أحتمل رؤية أن يضحك أحدهم بوجهي وأنا أعاني كل هذه الآلام لفراق ضيـاء , نسوا موته بهذه السرعة وهاهم الأن يضحكـون .

تخضلت عيناي , فانهرت باكيًا فتعالى صوت عمي عابد الضاحك , أحسست بأني سأسقط الأن أمامهم جميعًا مغشيًا عليّ لولا يدا باز اللتان شدتا من أزري وهو يشدّ على لوحيّ كتفي , لقد بت أشعر به سندًا حليفًا , منحني الثبات هذا الملمس الصلب الخشن ليداه القاسية فوق عظامي الهشّة , كان واقفًا ورائي , بينما تقدم شمس من خلفي حتى صار جواري , همس لي همسًا لم يسمعه غير كلانا: إمش يابدر معي خل نطلـع ..

....: مانب طـــــــــــالع , كافــــــــــي .. كافـــــــي ماعاد فينــــي , حسبي الله عليكـــــــم .. والله ما أسكــــــــــــت , والله لا أقـــــــول إللي ســوّاه بهــــاء .. تعرف ياجدي شمسوي بهاء إللي تبي تبلي زوجة ضياء فيه ! شذمبها المسكينة تنضام مع واحد واطي ووصـخ ونذل مثلـه ..

هكذا صحت منفجرًا قد أطلقت لساني شاتمًا دون أن أعبئ بأحد فصاح بي أبي مغتاظًا سخِطًا: بـــــــــدر , إلــزم حــدّك

....: ليش وأنا متى تعديت حدودي , الحين أنا إللي ألزم حـديّ وإنتو وسواتكم إللي تعدت من زمان كل الحـــــــدود .. ولا هو لكـم بس ماشي ولنا لآآآآ ...

أغاظني تقييد شمس لجسدي , قاومته أركل الهواء , أرفس وأرفش وكأنني إن تُركت فسأثب وسأنقض , كان شمس يشد جسدي للخلف يدفعني عليه يجبرني على الإرتداد وهو يصيح بي محاولاً تهدئة إنفعالي هذا الذي انفلت وماعاد لي أي سلطة عليه: خلاص يابــــــدر .. وقــــــــــف


....: وخــر ياشمــس , فكنــي .. بهــاء , بهــاء السـبب بكل شيّ .. تدري إنه مرافق سـدره بنت عمي صفـوان .. تعرف ياعم عابـد إن سـ ...................


كنت سألفظها , سأنطق اسم "سلا" ابنته علنًا وصراحتًا لولا أن لثم شمس فمي بكلتا يديه حتى شعرت بأني أختنق وأحسست بروحي تُزهق وبأني على وشك أن ألفظ آخر أنفاسي لولا أن تناهى لسمعي صوته الهامس في أذني: مجنون إنت ! بتقوم القيامة يابـدر .. لاتهدم كل شيّ بلحظة غضب ..


كانت كلماته كجليد الماء فوق رأسي المشتعل , هدأ إنفعالي وتوقفت حركة قدماي الرافسة للهواء فأحل شمس عن فمي لثام يداه فسقطت أرضًا بانهزام , واقفًا على ركبتاي مباعدًا بين ساقاي أنظر الأرض مهطع الرأس , يُرهق وجهي قترٌ وذِلّة , لكم أوحت هيأتي هذه بالتحطمّ , كنت مُنكسِرًا , مهيض الجناح مُنهزمًا .


أغمضت عيناي تنسال منهما دموع القهر والإذلال , إن الموضوع ليس بـ سِرٍ دفين , إن شمس يعلم , تُرى من أيضًا يعلم بهذه الأمور التي ظننتها سِرًا لم يخرج من فاه أمي غير لأذنـي . أم أن شمس يعلم ابتداءًا وهو الكفيل بمراقبتي ورصد حركاتي ومتابعة تصرفاتي .


استرحت من وقوفي على ركبتاي مدقوق العُنق متخدًا وضع الجلوس للتشهد في صلاة مسلم , دموعي تسقط من عيناي دون أن تمرّ بخداي , تسقط فوق الأرض أُجاجًا تُبللها , فصدح صوت جديّ , تلك النبرة الصارمة التي تؤخذ بكثيرٍ من التقدير , أتى مخاطبًا بهاء كـ لبيبٍ عليه بالإشارة أن يفهم: أرملة أخـوك يابهـاء بعد عدتها إبتعقد عليها .. أبي بعد تسع شهـور ولـد من سجـود ... إنت أبـوه .

-
-
-


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 106
قديم(ـة) 02-05-2019, 01:31 PM
صورة أمانــي الرمزية
أمانــي أمانــي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


-
-
-

أرهقني هذا الاجتماع , أشعر برأسي كقنبلة موقوتة , أحس بنبضها مسموعًا قد أتلف إيقاعها الرتيب ذاك دماغي . باغتني الألم متلبسًا رداء صداع الرأس الموجع .
انه اليوم الخامس عشر مذ أن فقدتها .


بقيت هكذا مُسبل الهامة انظر اشتباك أصابع يداي مُتجاهلاً كل عوارض الإرهاق التي تبدت في . منذ خمس أيامٍ لم أنم , لم يدخل جوفي شيئًا من شأنه أن يساهم في استقواء جسدي .

أعياني التفكير وشدته , ارهقني طول البحث بلا جدوى .

آهـٍ من تلك النظرة القاسية التي طفحت بخيبة الأمل التي رماني بها جِدّي . وهذا الإحتقار الذي يرمقني به أبي . عاظم من شعور أسفي على نفسي .

ابتلعت ريقي فأحسست به متكورًا ينسل بصعوبة في مجرى حلقي وكما المُذنب الذي يفتك به شعور الحرج من فداحة الجُرم وعِظم الجريرة , سارعت بتشتيت نظراتي عنهما نحو الأرض أوليها , أهلكني شعور الإخفاق الذي لم أجربه يومًا , ها أنا أتجرع مرار علقمه الأن .

كم من الشتم واللعن قد صببته على نفسي ولم أكتفِ بعد , أنّى لإمرأة أن تفعل بي مافعلت .

تيجان .

تلك التي نقبت في البلاد هل من محيص ,
ولّت الإدبار فاتبعناها حتى انكفأت إلينا .

أوقعها جدّي في حماي المنيعة فصاحوا هاقد اهتمط الذئب الشاة فأنى لها من مناص .
وأنا الذي ظننت بأن جموحها قد أفِل , وأن حُرُونها قد خفِت .
أتحسب أن لن يقدر عليها أحد ! فوالله الذي خلقنا في كبد , لألُفّن حول جيدها حبلٌ من مسد .



-
-
-

سدرة المُنتهى .

عندها جنّة المأوى .
هكذا قال ربنا في العزيزِ كتابه عنها في الحياة الآخرة , وهكذا رأتها عيناي في الحياة الدُنيا , عندها الجنة .
فـ ليشهد وهو فوق سمواته السبع اسفل السدره , اني قد فُتنت بها .
امسيت سفيهًا يموج الحب في قلبي لمراهقة في طور الثالثة عشر لم تبلغ بعد .
جميلة ولم أرَ في حياتي مايضاهي جمالاً بديعًا كاللذي حباها الله به فسبحانه .

فتنة العينان , والثغر البهيّ , الابتسامة المُتدللة والصوت المغناج , الجسد الريّان والرائحة الزاكية . إنها كتلة من الكمال الأخآذ .

لو تدري أنها في تلك الليلة قد امتلكت قلبًا من فرط الوجد بها قد اكتوى ومن فيض الصبابة قد اصطلى , لو تدري أن بإمكانها أن تفعل بي ماشائت ويا ليتها بي تشأ .

انحزت لصفها مُرغمًا , لعيناها انقاد طواعية , ولأمرها انساق تلبية .

يالرقتها الوادعة وهي ترق لأختها , وددت أن ازيح كل الآم تيجان لأجل عيناها فقط .

لم أنسَ أبدًا ذاك الحدث منذ خمسة عشر يومًا .
تجلس جواري منذ قرابة النصف ساعة ومايزيد , أوشكنا الوصول لأعتاب المدينة , بدأ نور الصباح ينشق كاشفًا عن دُجى الليل .

ما أجمل هذه الصباحات التي تُشرق على جمال بهيٍّ كهذا يجاورني .

لم تنطق بكلمة عدا تلك القصيرة المقتضبة وهي تشكرني فور مغادرتنا القصر وانطلاقنا نحو المدينة .
آثرت بعدها الصمت تنظر من النافذة , لكم نقمت على رمال الصحراء تلك التي إكتسبت قيمة من العدم فقط من تحديق عيناها بها .

حضورها قوي , بالرغم من أنها طفلة مُراهقة بعد إلا أنها ذات بأس , أشعر معها بالضعف العاطفيّ الكامل , لم أكن أتخيل أني رجلٌ سهل المراس هكذا , مطاوعٍ منقادٍ , لو علم أبي بشأني لتبرأ منّي , بالطبع كان ليطمح أن أكون خليفة لأخوتي في شدة بؤسهم وصلابتهم وتحجر أفئدتهم حتى أمام أنثى بهذا الابداع الخُلقي المُتكامل .

حين رأيتها تعنى وتشقى من أجل فقط الإطمئنان على أختها وهي في عقر أسرها , ادركت فداحة الفعل بنبذ أخي "فخر الدين" , هذا الذي لم أره منذ سبع سنوات , أنّى لي أن أنساه هكذا مردًا في غياهب السجون واقع عليه من العذاب والعنت مالا يقدر على إحتماله أعتى رجل , لا بُدّ أن أنتفض لأجله . إن كنتُ رجلاً بحق فـ عليّ فعلها وإلا بما تفوقني سِدره هذه الطفله حتى تجاهد لأجل أختها بينما أنا تنوء يدي بالأصفاد متخاذلاً عن أخي !

لمحت تلك اللافتة الإرشادية التي تفيد دخولنا في نطاق المدينة , أوشكنا الوصول وإلى اللحظة لم أقوى على مصارحتها , حتى أني لم استطع مفاتحتها في الموضوع ابتداءًا .

إنها على ترقب لأن تطأ قدماها أرض السجن , عيناها تواقتان لرؤية أختها , أنى لي الأن أن آتيها بمثل تلك الأنباء المُفجعة . ألا غفر الله لك ياتاج مافعلت .

ابتلعت ريقي متوترًا حاملاً عبئ رد الفعل لها وانا أولي وجهة سيارتي شطر المشفى , إنها بكل حالٍ لاتعلم أي الطرق ستودي إلى السجون وأيها إلى المشافي .

تنتشر على الطرقات عربات جمع القمامة من صناديقها وينتشر كذلك عمّال النظافة متجولين لجمع ما اتسخت به الشوارع والأرصفة وعربات أخرى كانت لنشر المُبيدات .
هكذا كان روتين المدينة الصباحي قبل أن تبدأ سلسلة التلوث والاتساخ البشريّ من جديد .

أبطأت من سرعة سيارتي تمهيدًا لإيقافها وأنا أصطف بها داخل حرم المشفى .
ذاك المبنى العتيد الذي عرّف عن نفسه .

كان باستطاعتي قراءة الاستغراب في عينيها وهي تنظرني مستفهمة , لقد حان وقت الإفصاح إذًا .
تنهدت عميقًا فبدى عليّ العجز من ثقل ما أحمل من أنباء .

لم تنطق حتى بالسؤال , بقيت هكذا تنظرني دون أن تطرب اذناي بصوتها الذي هِمت به وان كان لمجرد سؤالٍ تافهٍ عن سبب توقفنا في باحة مبنى المشفى وليس بناية السجن .

عاودت ازدراد ريقي خافضًا بصري لنقطة في عباءتها السوداء وهمست مترددًا كمن يوشك بالإفصاح عن أوخام العواقب وشدائد الوبُل: فيه شيّ بقوله لك ياسدره بخصوص تيجان أختك ..

نظرت اليها شِزرًا إثر التزامها صمتًا طويلاً فأربكتني تلك النظرات الحادة المُترقبة لشرح مُستفيض لاتؤهلني له حالتي هذه في ظل هذا الموقف العصيب , شهقت عميقًا وبصوتٍ مسموع أطلقت زفرة مُحبطة توحي بفقدان حيلتي ثم استطردت: أختك داخل هالمستشفى مو بالسجن .

هل أبدت أي تعليق ! لم تفعل , إن صمتها حقًا مهيب , قد وضعني كل ثباتها ذاك في موقفٍ عسيرٍ حرج لم أعش مثله يومًا فأكملت دفعة واحدة وكأني أتقيأ مابداخلي أنشد الراحه من هذا الثقل الجاثم فوق صدري والعالق بمنتصف حلقي .

....: قبل أمس , سجينات تعرضوا لها .. بـ .. الحمّام .. تحـر .. تحرش .. أو .. إغتصاب .. اغتصبوها .. ادخـ .....

يا إلهي , كيف أنطقها , ترددت كثيرًا , لم أجد مايسعفني من مرادفات لغويّه تبدو لبقة منمقة أو ربما قصدت أن تكون أكثر تحفظًا على الأغلب , لم أدري ماذا أقول وبأي طريقة أقولها , أكان لزامًا عليّ أن أستفيض بالشرح هكذا !

رطبت بلساني شفتاي وأكملت بنبرة بدت عصبيّة أكثر ضيقًا وإحتقانًا: أفقدوها عذريتها , وكملوّا عليها من ....... من ..... أفففف معرف كيف أقولها , أختك صابها نزيف حاد وتشخيصها تهتك في المستقيم , وتمزق في الفتحه الشرجيّه ..

لم ترد عليّ , فقط كانت تنظرني بحدّة وشدّة ذاهلة وغير مُصدقة . بدأت الدموع تترقرق .
لم أقوى على كل هذا الأسى , إن داخلي يتمزق , وللتوّ قد تبدى فيّ جانب عاطفيّ خاشعٌ خاضعٌ ومتواضع .

وخز حثيث في أناملي يدفع يداي أن تمتد لرأسها وترفعه , لـ بنان إبهاماي أن تلامس ورديّة تلك الوجنتان , هل لي أن أشبع نهم حواسي بملمس حريريّة خديها ومسح ملح عينيها .

أنّى لهاتان الجوهرتان الذهبيتان أن تنسكب منهما دموع الحزن , ألا قهر الله من أبكاها يومًا .

ابتلعت صرخاتي الداخليّة المحمومة مستغفرًا الله ربيّ وأنا أشدّ على أسناني مغلقًا عيناي حد الإعتصار مقاومًا كل آلامي الحسيّه الطافحة تجاهها حتى فزّت النواشز ونفرت الرواهش وانتفخت الأوداج فعلمت أن آخرًا خفيًا مُستترًا قد إنتصب ويا ويلاه من جموح الرغبة وماتفعله .

زفرت بقوّة ثم ترجلت سريعًا من سيارتي أنظر زرقة السماء فوقي , إن الهواء صفيًا نقيًا مُنعشًا , تنسمّت رائحة زاكية للنباتات المزروعة حول مبنى المشفى أشتم عبقها النديّ في بكرة صباح مثيرٍ كهذا .

لم يدم انتظاري لها طويلاً إذ رأيتها تغلق الباب بهدوء وتقبل صوبي هامسه: وصلني لها ياسِراج ..
آهـ , يا لوقع إسمي من بين شفتيها من إغراء فاتك هدّام .. وددت فقط أن أرى شفتيها وهما تنفغران لنطق إسمي دون أن تتلامسا .

آهٍ من عقلي , إن كل ماتفعله هذه الفتاه يُترجمه دماغي لأوامر عصبيّه حسيّه تسري بكل جسدي , أشعر بأن كل حواسي مستنفرة وأعضائي مصلبّة وعضلاتي مُشنجة .

حريًا بي أن أنفصل عنها بأسرع مايُمكن , أن أمسح على وجهي بماء بارد مُثلج أو أن أغرق تحته رأسي , تبدو فكرة حسنة من شأنها تخفيف تلك الإنفعالات الفاضحة .
أشرت لها برأسي تجاه بوابة الدخول وتقدمتها مردفًا: فيه حارس برا غرفتها بحاول ألهيه وانتي اسرعي وشوفيها

لحقتني مسرعة كطفلة تشد مرفقي تجتذبني أن أنظر خلفًا لها ويا لتلك اللمسة السطحية من تأثيرٍ متلاف , كفى ياسِدره لآ اقوى إحتمال كبت كل تلك الآلام الداخليّة في هذه اللحظه .
عضضت على شفتي السفلى مغتاظًا أنظرها بهيأة أوحت بنفاذ صبري .

هيأة قد تبددت سريعًا واستبدلت بأخرى وادعة حانية وأنا أرى القلق بعيناها تسألني مستفهمة: انت بتوقف مع الحارس برا !

أجبتها منبهًا: لا , الحارس لازم مايشوفك ولا يشوفني , ان قال الحارس لتاج إني جيت المستشفى وش ببرر وقتها لتاج ؟

....: وتاج بعد اللي صار بتيجان وش سواته مع هالنسوان ؟

صعقني سؤالها فتجمدت واقفًا أنظرها وقد غادر الانفعال وجهي وشحب لوني وعجز لساني عن النطق فبقيت أخرسًا لايقو على الكلمة ولفظ الحرف .

بماذا أجيب ! أأخبرها بأن تاج الدين نفسه هو من أمر نسوته بفعل مافعلوا !

إن تاج حقيقة والله شاهد قد أنزل بهم سوء العذاب واذاقهم من الأوجاع صنوفًا وأشكال .
ان السجن بأكمله لم يغمض له جفن منذ يومان بعد قسم تاج بأن يحيل حياتهم لجحيم مستعر حتى تنطق احداهن معترفة بالجرم الواقع على تيجان أو تنطق أخرى واشية وتريحهم من هذا التنكيل .

منذ يومان وقد انقطع عنهم الطعام وامتنع لهم الشرب وقطعت المياه في دوراتها بالإضافة لعقوبة الجلد المُدمي إلا أن إحداهن لم تنطق وجميعهن لايعرفن من أٌقدم على تلك الفعلة واقترفها .



آثرت الصمت وانا أعرض عنها وجهي هربًا من ثقل هذا الاعتراف , فـ لتبح لها اختها اذا ما رأتها , لاطاقة لدي حقًا لكشف سِتار هذا الخزي من الفعلِ وحدي .

لم يكن أمرًا عسيرًا دفع احدى الممرضات برشوة مالية أن تحاول إشغال ذاك الحارس عن غرفة تيجان تحت مرأى من ناظري جانبًا , أراهم وقد انشغلوا بحديث حميمي تشوبه ابتسامات إغراءٍ آثمة ونظرات غزلٍ فاحشة بينما كانت صغيرتي سِدره بكل جرأتها المعهودة قد ولجت الغرفه دون تحرّز , انها على ثقة كاملة بي فلم تلتفت تجاهي أو تجاه الحارس , او لربما شوقها الجارف العارم لأختها دفعها دون حتى ان تتحرّى النظر حولها .


بقيت هكذا والتوتر يفتك بي بعد مرور قرابة الخمس دقائق , يا إلهي ماذا تفعل كل هذا الوقت , حسنًا انه ليس بالوقت الطويل ولكنه كافي وللغاية في ظل هذا الظرف , قد بدا على الممرضة اثر التوتر هي الأخرى وهي تختلس لي النظر بين الفينة والأخرى تسألني بعيناها إن اكتفيت بهذا القدر فأؤشر لها أن تصبر قليلاً بعد حتى أفاجئ بالأخرى وعن بُعد , قد خرجت من الغرفة وبجوارها أختها قد بان قصر قامتها بالمقارنة مع سِدره التي كشفت غطاء وجهها فأحسست بجسدي يشتعل غيظًا من فعلتها تلك , كادت عيناي تبزغان خروجًا من شدّة الحنق غاضبًا بـ سخط مستعرٍ مُتقد أججته نيران الغيرة حتى غابتا عن عيناي في ممرٍ آخر فأسرعت وراءهما مهرولاً حتى لحقت بهما ثم ناديتها بنبرة صوت مختنقة , كانت حروفي تقاوم الخروج من بين انطباق أسناني حتى تكونت محتقنة تقاوم إنفعال الغضب فتكونت بإسمها صائحه: سِـــــدره

إلتفتت إليّ , تبدو مختلفة على نحوٍ غريب , وجهها نقيًا صافيًا قد تخلّت عن كل زينة المستحضرات التجميليّة , تبدو حقًا طفلة بهذا الوجه النقي النظيف .

آآهـ , يا أيها الجمال العبقريّ , ياتفرّد البهاء في الصورة معقدة البساطة .
مايبغي المرء في دنياه غير هداية القلب وصلاحه وولدٌ صالحٌ ووجه كهذا يراه فينصلح به كل شأنه .


لم تلتفت لي فتجاوزتها وأختها التي كانت تعرج بحركة بطيئة آلمت شيئًا في داخلي , استصعبت مامرّت به وما أحسته .

....: وش مسويه إنتي , مجنونه !! وين ماخذتهـا !

ردت عليّ بذات الصوت المختنق غضبًا تجاهد مثلي ألا يعلو صوتها سخطًا ويحتد: مجنونه إذا خليت أختي دقيقة وحده بيد أخوك الحيوان ..

....: احفظي أدبك ياسِدره لاتندميـن
....: والله مايندم أحد غير أخوك على سواته , والله لا أفضحه قليل المروّه والشرف .

احكمت يمناي على مرفقها فاختل إتزان أختها التي كانت تستند كليّة عليها قد وارى وجهها غطاء تلك التي كشفت عن وجهها لتواري وجه اختها .

انفعال الغضب واستشاطته كان سينفلت من تحت قيد ارادتي لولا ان اغمضت بقوة عيناي مستنشقًا بحدّة مسموعة وبعمقِ زفرت استغفاري وابتعدت عنها اهمس بحنق مكتوم وغيظ مكظوم: امشوا معي ..

من الحظ الوافر هو هذا التوقيت الصباحي المبكر والذي كان مثاليا وللغاية لمحاولة تهريب مريضة تحت الحراسة دون أن يلحظ أحد . إذ لم يكن يتواجد أحد , يبدو القسم فارغًا أو هادئًا بطريقة اعتيادية في بكرة الصباح , لازال المرضى نيامًا والأطباء المتخصصين لم يبدأ عمل الكثير منهم بعد , حمدت الله أننا في منأى عن قسم الطوارئ .

سارعت بفتح الباب الخلفي وتنحيت جانبًا أحثها باهتمام: خلها تمدد
قلتها بحسن نية أرفق بها فرمقتني بنظرة حادة , سميّة قاتله وهي تعقب بجفاء: طبعًا بمددها , بفضل اخوك ماتعرف تجلس أصلاً ..

تجاهلتها كاظمًا غيظي وأنا ألتف حول سيارتي مكورًا قبضتاي مشددًا من إنطباق فكيّ أفكر بـ أخي تاج وماسيفعله بنا , بل ماسيفعله جديّ وأبي بنا , يالهذه المصيبة الغاشية التي اجتلبتها لنفسي .

بقيت أتلصص عليها من المرآة أعلاي وهي تعدل برفق وحذر تمدد جسد أختها التي كانت تأن في أحيان وتتأوه في أحيانٍ أخرى بينما كانت صغيرتي تتأسف مِرارًا وتكرارًا يوحي صوتها ببادرة بكاء مكتوم حتى إنتهت وأغلقت الباب وعادت لجواري فأدرت محرك السيّارة لتبادرني على عجلة: ودينا فندق بسرعه , السياره مو مريحه تيجان تتألم

....: أي فندق ؟!

صاحت بي منهارة صارخة قد انفلت زمام تحكمها في أعصابها حتى سالت دموعها من أطراف لحاظها: فندق عادي , شقه مفروشه , أي شيّ ياسِراج مدري


....: ماتقدر تتحمل لين نوصل البيت !

لن أنسى ماحييت تلك النظرة شديدة الصرامة والاستنكار التي حدجتني بها , للحظات قبل أن تتبدل لإستهزاء ساخر تشكل في سؤال: ليش منو قال بوديها البيت ! أرجع أردها لأخوك وأبوك وجدك ! إنتو ظالميـــــــن ياسِـراج , ظالمين ياويلكم من ربّي , قامت القيامه لأنها شردت , طاحت قلوبكم وفشّت كبودكم لتكون أخطت , تأكدتوا إنها بنت , توها بشرفها عشان بالأخير كم وحده وصخه تأخذ منها هالشرف جوات الحمام وبعصا ممسحه ! والله ما أردها , والحين ودينا فندق أو شقه وإنت إللي بترعاها , أكلها وشربها وعلاجها وكل إللي تبيه يوصلها ياسِراج وإنت إللي بتوصلـه .


بقيت أنظرها مُتسع العينان لم أعي بعد ماقالته حتى باغتتني برفعها لإصبعها السبابة مهتزة أمام وجهي بتنبيه شديد اللهجة: ولا تفكر تقول شيّ لـ تاج الدين ولا وينها فيه تيجان , ماعندي شيّ أخسره , وتيجان مارح تخسر قد إللي خسرته , إنت الخاسر الوحيد .


هل صدق بدر الدين فيما قاله منذ قليلٍ عنها وبهاء أم أنه إفترى !
أكاد أختنق من فرط مايدق قلبي , أشعر به متضخمًا لم يعد يتسعه صدري .

غير آلآم قلبي الحسيّه , أشعر بألم رأسي معنويًا يكاد يرديني صريخًا أعاني من شِدته وعدم قدرتي على تحملّه .
دقائق الإنتظار هذه طويله , قد أتلفتني , لم يعد باستطاعتي الإنتظار أكثر مما عانيته مترقبًا في تلك الدقائق الآنفة .

لأولِ مرّة تستدعى فتاة لمجلس رجالنا , وأن تكون سدرة هي المعنيّه بهذا الإستدعاء إنه لأمر على قلبي جلل .

أرجو أن يكون إفتراءًا يا الله , أرجوك .


-
-
-


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 107
قديم(ـة) 02-05-2019, 01:41 PM
صورة أمانــي الرمزية
أمانــي أمانــي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


-
-
-


كان لابُدّ من الحُزن .

الجميع حضور متأثرون , مأخوذون بمأساة فقد "ضياء الدين" , لقد اختطفه الموت خطفًا دون أن نشعر .

كنا قد صحونا على وقع هذا الخبر الصادم لوفاته . وكان يومها قد فوّت صلاة الفجر لم يؤدِها , فاستغرب هذا الأمر البعض منّا . إذ أن ضياء الدين لم يفعلها يومًا ويفوّت صلاة الفجر حاضرًا بل لم يفعلها مرّة واحدة ويتأخر . هذا إن لم يكن من أول حضور المصلين المصطفين في مسجد القصر .
يئومنا جميعًا كل يوم الشيخ صلاح الدين ابن عمي فاروق , عقب انتهاء الصلاة كان قد التفت لنا ينظر الجميع , وبنظرة ثاقبة كان قد أدرك غياب ضياء فسأل مندهشًا أين هو ليجيبنا بعد ذلك صرخاتٍ مُدوية ونحيب متواصل ونشيج مرير مصدره قاطني قصر عمي فاروق من النسوة . قد أسلم لحظتها ضياء الدين روحه للبارئ وهو في سريره لم يشكو من أي عارض . إنه روح مؤمن تقيّ نزيه ولكني والله قد دبّ الخوف بأحشائي مستذكرًا قول عليّ رضي الله عنه , والذي نفس محمدٍ بيده لألف ضربة بالسيف أهونُ من موتٍ على فِراش .


زفرت نفسًا مهمومًا بدا وكأنه يمتد إلى مالا نهاية , كان طويلاً ثقيلاً معبأً بالشجوِ والهموم , بقيت أنظر ذاك الفتى بدر الدين , كان بحالة يُرثى لها , ولو أن أحدًا لم يتأثر بفقد ضياء فبالتأكيد قد تأثر بنحيب بدر الدين على فقده لضياء .

إنه قويّ الشعور والإدراك , مُرهف الحِسّ جيّاش العاطفة .
يبدو رقيقًا وادعًا , لايخجل أبدًا من إظهار مشاعر حزنه والتفريط بـ رثاءه , مُستهتر لأقصى حدّ في اراقة دموعه , لا يهمه أبدًا ما يطاله من كلماتٍ بذيئة معيبة قد أغضى دومًا عينًا على القذى .

لطالما نال التنقيص من شأنه وشأن أخيه ذاك الذي يشبهه , إنهما صغيران جدًا , كـ غلامان لما يبلغا الحلم بعد .

أرى بدر الدين مُنهزمًا , ولكنه قد هدأ من روعه وبدأ يكفكف دمعه بعدما كان قد صاح منفعلاً رافضًا قرار جدّي بتزويج الأرمل بهاء الدين من الأرملة سجود , لقد قعت الضحكات وقتها ودوت القهقهات حينما صرّح عن رغبته بالزواج منها , ولكم أثر بي تحطمّه ذاك وقتما هزء به جدي واستصغره , إنه برغم كل تلك الإهانات إلا أن جُرأته وتماديه ينمّان عن رجولة طافحة , إنه رجلُ قويّ العاطفة نعم ولكنّه ذا رأي صلبٍ مُتحديّ , لايهاب شيئًا وإن كان في كل مرّة يجاب بالرفض والتهميش ويقابل بالتحطيم والتهشيم .

يستند برأسه لكتف توأمه , أرى يداهما متشابكتا الأصابع , إنهما حقًا صبيّان , يبدوان جميلان , بريئان وعذبان , ينضح الصفو والصِبا من وجهيهما الصغيران .

شددت شفتاي أسفًا وأنا أنظر بهاء الدين هو الآخر , لو أني غريبٌ عنه لما عرفته أو استطعت تمييزه وهو بهذه الحالة , يبدو محطمًا على غير حقيقته , إن لبهاء الدين شخصية صاخبة , قد اشتهر بطيشـه وعنفوان شبابه , دائم الضحكة , مزوحٌ ذا نوازع فكاهيّة رقيعة وسلوكيات ماجنة تنضح بالسفاهة والنزق , أهوج الشخصيّة الذكوريّة التي فيها من النقص مالا يُعدّ ولا يحصى . يبدو الأن حزينًا خائرًا ومنكسر . إن من الصعب حقًا رؤية رجالنا بهذا الإنهزام العاطفيّ الذي ولغرابة الأمر قد طال شقيقي الذي ماكنت يومًا لأصدق أحدًا إن قال بأن "تاج الدين" مدقوق العنق مُسبل الهامة .

قد حدث وكان اليوم , وها انا أراه عاجزًا يبدو عصبيًا غاضبًا , يقاوم إنفعالاً ما , يواري أماراته بذاك الرأس المطرق وهاتان العينان الهاربتان من أي إشتباك .

إن اجتماع اليوم كان معنيًا به أربع لم يسبق لهم سابقة , بهاء الدين , وباز الدين وتاج و............ سِدره .

ناهزت الأربعة وأربعون عامًا واليوم فقط ولأوّل مرّة ستلج فتاة مجلس رجال آل الدين . إنها بالتأكيد أعظم سابقة .

قد بعث في طلبها جدي وماهي لحظات حتى تدخل لنتبين حقيقة الأمر الذي تفوّه به ذاك الصبي بدر الدين . تُرى هل حقيقة أنها على علاقة بـ بهاء ! لم لم يسأل جدي بهاء الدين مُباشرة ! لم هي تحديدًا !

آه , إن داخلي ممتلئ منها , أكاد أميز من الغيظ كلما أتى إسمها , تلك العابثة .
إن أحدًا في حياتي لم يجرؤ أن تطال يداه جزءًا مني , كيف الأن وقد صفعتني .

فواللذي نفسي بيده لتتجرع مُرّ هذه الفعله حنظلاً شريًّا مابقي لها من عُمر , لست نصر الدين إن لم أفعلها .

لقد أمر جدي بأن يمكث بدر الدين مع باز , بما أن الأخير قد خالف أمره وحمله من فوق التراب لفوق الفِراش فليأنس به إذًا , أدهشني كثيرًا هذا الأمر من جدي , إنها لا تبدو كـ عقوبة حقيقية لباز الدين بعد مخالفته مافرضه علينا علنًا وصراحتًا . أيمكن أن يكون باز الدين محظيًا بمحبّة جدّي وإيثاره ! كيف ذلك وهو لم يعر يومًا هذا القصر وساكنيه أي إهتمام . إن أيامه خارج القصر أطول من تلك وهو داخله .

كان الحديث قائمًا في هذه اللحظة بشأن أخي العاتية "تاج الدين" ويالفعلته المذمومة المذؤومة تلك , إن أحدًا منا لم يجرؤ يومًا على الإقدام بنكير فعلٍ مثلما فعل , لقد تخطى حقًا كل الحدود والظوابط .

إن تاج الدين هو خليفة مِراس الدين , أخانا الأكبر , إنه عاتية باغٍ , ذا غلظة قاهرٌ شديد القسوة .

إن الاستنكار باديًا على كل الوجوه , بعضهم من يرمق تاج بالازدراء والاحتقار , وغيرهم بالاستنقاص والاستعياب .... والبعض كان غارقًا في حزنه الخاص لايعنيه شيئ .

كان النقاش بين أبي وعمي هاشم محتدمًا يوشك أن يصبح شجارًا بين الأخوين , أبي يبرر مافعله تاج وعمّي هاشم يدحضه بينما إلتزم عمّي فاروق الصمت , ذاك الذي يتقنه عمي صفوان هو الآخر وبشدّه .
حتى في أعتى المواقف التي قد تودي بحياة إبنة من بناته , يجلس مخذولاً منزويًا ساكنًا لايتحرّك , صامتًا لاينطِق . ما أقبح الصمت في هذه المواقف .


هذا الصمت الذي حلّ على رؤوس الجميع وقتما هتف جدّي حانقًا ممتعضًا من طول إحتدام الجدال بين أبي وعمّي فصاح هو الآخر منفعلاً تبدو عليه أمارات الضيق والسأم ..

....: من شهرين هجّت تيجان بنت صفوان , وكلنا تكاتفنا لين حصلناها ورديناها بنت بنوت ماحدّ مسّها بسوء ولا ضرّ وهي برّا القصر أربع أيام .
وبعد أربعين يوم وهي بعصمة تاج , مسّتها بدال اليدّ عشر . تاج الدين عطى الأمر لنسوانه الداعرات يلعبون بمرته بس لايفتحونها . صار وإفتحوها . إبعصا الممسحه .. البديل لقضبانكم اللي تتفاخرون فيها يارجال الدين . النسوان إفتحوا بنت من بناتكم بعصا الممسحه . تسلوا عليها من القُبل والدُبر . تيجان وللمرّه الثانيه تشرد . بس هالمرّه ماحد بيردها , ولا أحد بيساعد فـ إنه يردها , لأنها من يوم ماسلّمناها لتاج وهي تلزمه وحده وتخصه إهو وحده , قدر يردها بنفسه كفوو , ماقدر ! إعتبروا بنت صفوان .. الثالثه .. مــاتــت .



يا إلهي .
كان بإمكاني والجميع سماع حتى النأمة من شدّة المهابة التي ظللت علينا غلالها فأمسى المجلس يصفر صمتًا جللاً يعمّه سكون هائل .

إنه موقف عسير حَرِج , لايتمنى أحد أن يُجبر على المثول فيه , وإن تاج الدين حقًا لايحسده أحد على هكذا موقف .

لم يجرؤ منا أحد على النظر لتاج الذي أطرق رأسه ومنذ لحظة ولوجه للمجلس , لم أكترث بسؤاله , عزيت الأمر للحالة العامة التي تخيم علينا جميعًا من فقد ضياء .

نعم قد أثار هذا الأمر إستغرابي وقليلاً من الشك قد جاس بخاطري , حقًا منذ متى وتاج قد يبدو عليه التأثر بهذه الطريقة الفاضحة لأي شأن من شؤون مملكتنا التي تعج بالنوائب والمصائب .

كنت قد نويت التقصيّ عن حالته هذه بسؤاله لولا جلوسه أمامي مقابلاً لي بينما اتخذ أخي الأصغر سِراج له مكانًا جواري , فـ أجلّت قليلاً مارغِبته حتى إنتهاء المجلس وهاهي الأنباء تأتيني دون أن أسعى للإستقصاء عنها .

لا أعلم لِم أرَ تاج مظلمومًا في هذه المسألة كلها عن بكرة أبيها , فما ذنبه منذ البداية من أن يُربط إسمه هو بـ تيجان الهاربة يومذاك .

يبدو أنها إمرأة قويّة جامحة ويالفتنة امرأة بهذه الصفات , أأحسـد الأن تاج أم أشفق عليه !
إن لكلاً منا أساليبه الخاصه لترويض نساؤه ولكن تاج بأفاعيله تلك قد تفوق ساديّة على الجميع , تلك الساديّة التي أصفها بالبرود , ساديّة باردة , ينتشي بها دون أن يتحمل أي كربٍ أوعناء , فهو يأمر غيره ويبقى هو مطلعًا مستلذًا منتشيًا , يراقب من بعيد .

كيف فرّت من قبضته تلك الجامحة !

بكل تأكيد إن تاج قد انحط حتى احتل مكانًا دونيًا في ترتيب رجال العائلة أيهم أعلاهم شأنًا , قد قبع الأن في دركِ الخسّة وحضيض الحقارة , أمسى أدنى شأنًا من كل رجال العائلة أجمع , أراهن حتى بأنه الأن في نظر كبار رجالنا أقل شأنًا من هذان المخنثان الباكيان بدر الدين وشمس , آه إن رؤيتهما بكل هذا الإنهزام تثير تقززي , على الرجال أن يخشوشنوا قليلاً دون تجبّر , فليبكوا ولكن ليس بهذا الإستهتار وليس أمام كل هذا الملأ .


إنتفض جسدي مقشعرًا من صوت شق بغلظتة السكون , قد علا فجأة صاخبًا في وسط هذا الصمت الوقور , كان وحده صوت الشيخ "صلاح الدين" الذي صاح مكبرًا الله يدنو بعنقه نحو الأرض بينما قد مُطت أعناقٌ أخرى كلها تنظر شطر من اقتحمت سكون المكان بطوفانٍ من الصخبِ والجلبة .

تلك الفاتنة وصيفة أجمل من رأت عيناي من النساء .
سِدره أخت قمره , بنتا صفوان الأجمل , ويُقال أن الثالثة هي تيماء , من كانت مسماة لي قبل أن تقع برأسي الأقبح على الإطلاق , آهـ لثقل هذا الأمر وذكراه , أكاد أبكي وأنا الذي لم أفعلها يومًا كلما تذكرت ما آل إليه نصيبي في الختام .

كانت زوجتي قمره المرأة التي يُضرب بها المثل في الجمال والفتنة ليس فقط في مملكتنا بل تعدا هذا الأمر شائعًا خارج نطاق أسوار قصورنا في كل أرجاء المدينة وداخل كل بيوتها .

كنت محظيًا بها وكم أسأت تقدير هذه الحظوه , وتلك النعمة حتى زالت , ليس فقط زوالها كان العقاب , قريبًا فقط قد تبينت العقاب الفعلي بعدما وقعت هتون برأسي , المرأة الأقبح من بعد المرأة الأجمل .

تقف أمامي شبيهة أختها الفاتنة إنما بصورة مُصغرّه , إنها جامحة , قويّة , مُفترسة وشرسه , ما أجمل من هكذا صفات لشخصية قيادية صلبة صلدة بجانب فتنة الوجه الحسن .

كانت قمره فاتنه ولكنها ذات شخصيّة ضعيفة هشّه , تكسرها نظرة الإستهانة وتُبكيها الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ومالها من قرار . كل ماكانت تطمح إليه علاقة قائمة على الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء , وأنا لستُ بـ رجل خطرفة وكلام , أمقت الحديث وأزدريه , يغضبني طوله ويفقدني صوابي تكراره . ماكنا لنتفق يومًا . قد أسلمت الروح مُنتحرة , فليغفر الله لها ما أجرمت بحق نفسها .

أما هذه , التي صفعتني دفاعًا عن الدميمة أختها في أول إلتقاء بها . فـ شِتّـان .

لم تكد عيناي تتشبعان بها حتى حجب عني رؤيتها سِراج الدين بظهره الذي استقام منتصبًا ملتفًا تجاهها بكامل جسده .

ماباله هذا الأحمق , نعم جميعنا قد اندهشنا لدخولها علينا عنوة بهذه الهيأة السافرة إلا أن الجميع قد تسلحوّا بالثبات الإنفعالي غير ما تمرد منهم من نظرات الدهشة والصدمة , إنما هو لا أعلم ما به , لقد أوشك على الوقوف ورُبما يهرول إليها , يا إلهي إنه سهل المنال وللغاية .
لا أعلم لما إنتابني الضحك في موقف لايُستدعى فيه أبدًا .

....: شقلة هالحيا يابنت ! ما تدرين إنك داشة مجلس رجال !
هكذا صاح أبي بها صارخًا تقدح عيناه شرر الغيظ بينما أجابته هي بنبرة كان جليًا بها الهُزء , مِغناجٌ مُتلكعة , يظهر فيها مضغها للعلك , يا الله ياقادر , يامُقتدر .

....: بلى أدري , أدري إن هالمجلس فيه كــــــــل رجال الدين , من أكبر راس فيهم لأصغرهم .

....: ماشالله وردك بعد على طرف لسانك صج إنك قليلة ربا ماتستحين انقلعي تستري ياقليلة الخاتمه عساك الماحي ....... شقصة بنات صفوان بالظبط !!

هكذا سأل سؤاله الأخير لعمي صفوان لتتناول هي الإجابة عن أبيها وتلقيها على أبي بذات الهُزء والطيش والإستهتار: علامهم بنات صفوان , خلك ياعمي بعيالك وبلاهم مالك خص بعيال غيرك ..

إتسعت عيناي صدمة وحانت مني إلتفاتة متمردة صوبها لم أقو قبلها على غض البصر كما فعل الكثير , لقد تعدت حقًا كل الحدود , ومازال جدّي إلى اللحظة ملتزمًا الصمت بينما وقف أبي ثائرًا ووقف معه أخي سراج لا أعلم لِما . مابه سِراج هذا الأبله !

....: إلزمي حدك يابنــت ..
....: وإن مالتزمته ياعمـوو وش عقابي ؟!


....: بنــــــــــــــــت
هكذا صاح "صلاح الدين" بـ -بنت- الأخيره , إن صلاح منفلت اللسان لايقو على تطاول أحد على غيره ممن يكبره , دائم الإنفعال , ان سكت الجميع تكلم هو . ويالهول الرد الذي أتاه من هذه الـ -بنت- التي إلتفتت له ترفع حاجبًا واحدًا بينما كانت بـ اصبعها السبابه تلف عليه خصلة من شعر رأسها المكشوف .
....: هلا والله شيخ صلاح , عسى عجبك قميص النوم الأصفر , ترا أنا إللي أهديته لتسبيح زوجتك بمناسبة ختمتها لحفظ القرءان قبل أمس .. بشرني طلع مقاسك ولا !

يا عزيزُ ياجبّار ياقهّار ..
قد لذع القيحُ القرحة ..
فليسقط أحد إبرة حتى يسمع الجميع وقع رنينها .

ياقوم إنه الردّ الأكثر فُحشًا وإلتواء , يبدو أن لسان هذه الفتاه يصفع بحرقة أكثر مما تصفع يداها . تحاملت على نفسي حتى أمنع إنفغار فمي من الصدمة كحال الجميع .

وقف أخي الأكبر "مِراس الدين" يحدجها بصرامة قد أثارت الهلع داخل صدري وهو الذي يكبرني بعامان فقط وأعلم ماهيته , فما بال هذه الطائشة التي ارتفعت شفتها العليا تنظره باحتقار وتعقب: عينك عني يامِراس , الأولى أنا إللي أهددك بهالنظرات مو إنت , ترا أدري بلاك إنت بعد لاتحدني أتكلم

....: لااااااا هُزلـــــــــت ..

هكذا صرخ أبي وهو يصفق يداه فردت عليه بذات الصراخ الذي يسبقة ضرب الأرض بقدمها كحال الصِغار الغاضبين تعندًا قبل أن تصيح: هُزلــــــت منكم كلبوكــم , هُزلت منـك ومن عيالك أول عن آخـر .. مِراس وبلاه الأزرق راعي الحشيش والمخدرات ولا إللي مايتسمّـى نصــر الدين قليل المروءه إللي يبي يذبح أختي هتون مثل ماذبح قمـره , علمك ابنك نصر إني سطرته ! صفقته بعد ماصفق هتون بأول مره يشوفها .. وبصفقه بعد ثاني وثالث ومليون , ولا تـاج وحقارته , النذل إللي قط مرته بالسجن وسط حريم الدعاره , لاااا ومو كافي بعد أمرهم يلعبون فيها لين جابوا ناهيتها ..


....: تغطي ياسِدره أول وبعدين تعالي نتفاهم .

هكذا قالها عمي فاروق بصوتٍ هادئ رخيم ونبرة رائقة ذات وضوحٍ وصفاوة .
لطالما كان عمي فاروق رجلاً رائق المزاج , هادئًا لايمكن لشيئ أن يعكر صفو مزاجه أو أن يحطّ من علوّ كيفه , لربما هو من تأثير تعدد نسائه الأجمل على الإطلاق , أنى له أن يتكدر يومًا وهو بصحبة الفاتنات اللاتي يسعين جاهدات فقط لمحاولة إرضاءه .


ثار فضول الجميع لسماع صوت الصغيرة وردها على عمي فاروق , ترى هل ستحترم له قولاً أم ستتمادى , أقسم أن عناكبًا لاسعة لادغة تمشي متقافزة تحت اثواب الجميع , لاطاقة لنا للإنتظار , كانت محض ثواني خاطفة إلا انها ثقيلة وطويلة أمام اشتعال حماس الجميع وفضولهم تجاه ماستعقب به أصغر رأس بالعائلة القادرة على اسكات افواه كبار رؤوس ذات العائلة . فما كان لها إلا ان تُعقب بنبرة مُتدللة ذات لحن , شابها شيئ من الهُزء وكأنها تغيظ بها الطرف الآخر: توّ مابلغت , البنت لا حاضت صارت مره ..... وانا ,, توني ,, ماحضت


ثلاث كلمات كانت مكنون جملتها الأخيره التي قالتها بطريقة متلكعة متباطئة الإيقاع قد أدارت اثناء لفظها عيناها على جميع رجال الدين في المجلس حتى استقرتا على سراج الدين اخي , إرتفع حاجبًا لها وكأنها تنظره بتحديّ أو هكذا أحسست .. بقيت تنظره مطولاً ثم أشاحت عنه بصرها أخيرًا معاودة النظر لعمي فاروق بالتزامن مع نفضها لشعرها ذاك الطويل الغزير انسيابا واعقبت الفعل المغيظ بابتسامة صفراء مالبثت حتى اختفت ثم استطردت: ظنتي هنا بسبة بهاء الدين ولدك وإني مرافقته , شفيها ! هاه ! بتحاسبون ابنيه توها بزر ومخلين الشايب بس لانه واحد منكم !.. خلاص ماعاد لي حاجه برجّال قد تسمّى لأختي .. لو إنه حرام شلون بهاء يجي بدال ضياء .. مسكينة سجود أختي .. حسبي الله عليكم وعلى احكامكم .. يلا استرخصكم


قالت ماقالت وانصرفت حتى دون سماع اذن انصرافها , يالها من شموسٍ جامحة , نفورٌ جريئة غير مردوعة , لم يهضم احدنا بعد هذا الموقف وماتم فيه من حوار حتى صاح أبي منفعلاً يكلم جدّي باستثارة وحموّ: يابو فاروق وش قولك ببنت صفوان , ذا البنت ان خلينها بكيفها الحين ان كبرت تمردت


تدخل عمي هاشم وكأنه قد فطن لأبي ومايرمي له من مُراد: شقصدك يعني يابو مراس ! البنت توها بزر ماتفهم شي , كلهم بهالعمر فيهم طيش وتمرد , ولا تبينا يعني نوئدها , ماصارت ذي وينا عايشين فيه ..


أعقب ابي بذات الحرقة والانفعال: ماشفت ياهاشم خواتها ؟ تيما ولا تيجان اللي هجت بدال المرّه ثنتين , تتوقع مصيبة الله ذي بعد سنه ولا ثنتين وش بيصير فيها ! أي بلا بتجيبه فوق روسنا كلبونا وأي عار .. هذاني قلت اللي عندي , الله يقص اعمار البنات وهن ببطون امهاتهن مايجينا من وراهن غير البلا وسواد الوجيه قليلات الخاتمه .


كان النقاش بهذا الشأن واقدٌ مستعر لولا أن تنبهت لوقوف سراج من جواري وخروجه مهرولاً تبدو عليه امارات السخط واستشاطته بالغضب , استهجنته لثواني خاطفة ومالبثت حتى نهضت أنا الاخر مترددًا بين اكمال حضور مجلس العائله أو الانصراف خلف سراج الحق به , وما كان لي غير أن هرولت أنا الآخر ألعن هذه الأيام السيئة التي تتواثب علينا دون أن نلحقها وهي تجر الينا من هاماتها حتى ذيولها اكوامًا من الكروب والبوائق .


سارعت خطاي خارجًا قد أوشكت قدماي تتخطان البوابّة الرئيسية حتى تناهى لسمعي شجارًا قائمًا بين كلاً من سراج وتلك الصغيرة سِدره التي طغى صوتها صارخًا مهددًا ومحذرًا: شوف ترا والله ماهمني شيّ ياسراج , لاتهددني , ترا ماحد خسران إلا إنت , إن كنت هربّت تيجان فهو بمساعدتك إنت , خل نشوف شراي جدي وأبوك وتاج أخوك لامنهم دروا إنك إنت إللي خاش عنهم تيجان , يلا دش داخل وعلمهم ...

يالهول ماسمعت , إتسعت عيناي لآخرهم صدمة وذهولاً لم أعي بعد فظاعة الموقف إن كان صدقًا , أعلم أن سراج الدين أخرقًا أحمقًا ولكني لم أعلم أنه على هذا القدر الكبير من الغباء والعته والسذاجة , أنّى له أن يفعل أمرًا كهذا , وما الرابط بينه وبين تلك البذيئة سِدرة , وماشأنه بـ تيجان زوجة أخيه .
تعاظم شعور الغيظ بداخلي وأنا أرَ سراج يقف أمامها قليل الحيلة مغلوبًا على أمره , لكم استصعبت هذا الأمر ولم ترضاه نفسي , وودت في هذه اللحظة فقط أن أقدم على ما اقترحه أبي بأن توئد هذه الفتاة حيّة .


رأيتها تغادر غاضبة تاركة أخي وراءها منهزمًا ينظرها بضعف ووهن , فأسرعت بفتح الباب ثم قابضًا على كتفه حتى التفت إليّ ينظرني بدهشة فأردفت مباشرة ودون أي إلتواء: وينهي زوجة أخوك تاج !

أخفض بصره متحرجًا وخجلاً من فعلته الشائنة فشددت من قبض يدي على كتفه وكأنما أؤازه هامسًا له معاتبًا إيّاه: مو عيب تلعب عليك بزر مثلها !

....: عاجبتني يانصـر , من يوم شفتها وإهي داشه براسي ومعششه فيه , ماقدرت أعصيها

لم أقوّ على كبت هذا الإنفعال الساخر بداخلي فنفثت ضحكة ثم اتسعت ابتسامتي أعقب قوله: قسم بالله إنك خبـل , الحين طار عقلك بسبة بزر

لم يرد عليّ فتحولت نبرة صوتي المازحة لأخرى جادة صارمة: علمني وين مكانها وأنا بردها , بدون لايدري أحد , لا جدك ولا أبوك ولا تاج ولا حتى النسره أم لسانين ذيك

كان على وشك أن يلفظ شيئًا ما قد استدركته بادئًا من سرعة فتحه لـ فاه فعاجلت مقاطعًا له منبهًا إياه: زوجة أخوك مالنا خصّ فيها ياسراج , تاج وحده حرّ معها , لاتخلي الدنيا تنقلب فوق راسك والسبه بزر تلعبك بأصابعيها , خزيتنا حسبي الله على ابليسك , ذي سلوم وفعايل رياجيل ؟! .. اخلص علي وينهي تيجـان ؟!


-
-
-


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 108
قديم(ـة) 02-05-2019, 01:47 PM
صورة أمانــي الرمزية
أمانــي أمانــي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


-
-
-

آن لي الأن أن أُجاهر بإسمي , أن أعرّف عن نفسي , وأن أعلن عن وجودي .

قد مضى من عمري ثمانٍ وثلاثون , كنت أشحذ فيهن الصبر والهمّه كما لم يفعل أحدّ .
لكم كانت حياتي بائسة , كابدت فيها أوجاع الحرمان وعذابات العُسر والعَوز .

لن أغفر أبدًا للقدر تحاتيمه وللدهر تصاريفه .
لا شيئ بإمكانه إصلاح ماخُلق من قلب المفسدة .

سنواتٌ عِجاف من الجوع والعطش أتجرع فيهن مرار ايّامٍ ذات مسغبه , كنت يتيم الأب فقيرًا مدقعًا ذا متربة , بينما في نفس هذه الحياة , وبنفس الوقت , وتحت نفس الكنية والنسب , جوقة يتنعمون .
كان لهم فاكهة مما يتخيرون , ولحم طيرٍ مما يشتهون , في ظلالٍ على الأرائك مُتكئون .
بينما كان وجودهم يتعاظم كنت أنا عليلاً ذليلاً ضعيف الوجود .

الحياة تمر وجمر , لم يكن لي من بُد غير إختيار الجمر من بعد حرمانٍ طويلٍ لم أذق فيه يومًا حلو التمر .


لم يوغل أحدًا فيّ بذرة الشرّ , لم تفعلها أمي قطّ , ولكني كنت إبنًا للشيطان حتى قبل ولادتي فخرجت لهذه الدنيا دون أن أطلق أوّل صرخة باكية كحال سائر المواليد . استقبلت دُنياي بعينان مفتوحتان لم تنغلقا على مدى ثلاث أيّام .
لم أكن عاديًا , هكذا قالت أمي , وهكذا استقر بذهني .

لستُ عاديًا رغم الفقر المدقع الذي لم يحاوطني غيره , رغم خصاصة كل ما نشأت عليه , ورغم مخمصة العيش التي لم أتجانف عنها يومًا , لم أكن عاديًا , أبدًا .

كنت ذا خيالٍ خصبٍ جامحٍ قادني لعوالم لم ترتبط أبدًا بعالمنا الذي لم أره يومًا غير ذا قترٍ ونصب , كان عقلي مُعقدًا , شديد التعقيد , كمعادلة كيميائية قد استحال ظبطها , أو نظرية فيزيائية يصعب إثباتها , أو معضلة رياضيّة يتعسّر تحقيق برهانها .

كنتُ مجوعة من المعطيات أنهكني لم شتاتها حتى غدت مُسلمّة لم يتبقى لي غير حلّها ومحاولة إثباتها .

المعطيات بين يداي هي إسمي , شريف الدين فاروق شرف الدين . ثلاثية إسمي الذي طالما اعتقدت بأنه إسمًا استثنائيًا لرجلٍ غير عاديّ . وهذا هو المطلوب إثباته .


قد سجلت ذاكرتي الفريدة الفذّة حادثة بدت للكثير إعتياديّة ولكنّها ومذ أن حدثت لم تترك إلا أثرًا غير إعتياديّ شأن الحدس الآخر الذي طالما كان لصيقًا بذهني لم يبارحه .

إنه استجداء , منذ سبع سنوات , من فتىً فتيّ , قال أن عمره آنذاك سبعة وعشرون , إسمه فخر الدين عابد شرف الدين , يطالب أحد الدول الأوروبيّة باللجوء السياسي .

إنه هذا الوقع المهيب في النفس , أمسيت هائمًا يومها لآ أعلم ماحدث لي . لن أنسى ذاك الخفق العنفواني وتلك القشعرة التي سرت بي والحرارة التي استشرت بعدها فيّ .

إن أبي هو فاروق وأباه عابـد ولكلانا ذات الإسم للجد , شرف الدين , ولكلانا أيضًا ذات التركيب للإسم . كنت للدين شريفًا بينما كان هو فخـرًا .


استنفذت كل محاولاتي للوصول إليه والإتصال به ولكنه كـ قطرة حبر تماهت مع المحيط , إختفى وكأنه لم يكـن ولم يُخلق .

ومن محاولة إستجداءٍ سمعتها بطريقة عرضيّة عابرة على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي كنت قد اهتديت إلى أوّل الطريق لعالمي الآخر الموازي .

يفصلنا بحرًا ضيقًا أحمرًا , وطرقًا سوداء واعرة , ومساحات رملية صفراء شاسعة .


نشأت في - مصر - التي أشار الله على قومِ نبيه موسى أن يهبطوا فيها فإن لهم ما سألوا , الله وحده يعلم أني عانيت شقاء العوز وبؤس الحاجة وقهر السؤال ولم أُجب .


لم أقتت طوال سنوات عمري غير الخبز الجاف والماء , كنت وحيدًا معدمًا بلا نسب , بينما على الضفّة الأخرى كان لي عائلة ذات صولة وصيتٍ ذائع , عريضة الجاه زاخرة المال والبنون , موسرين مترفين مُنعمي الحال .


منذ سبعة أعوام مذ سمعت ذاك الطلب باللجوء السياسي لذاك الفتى وأنا أتأهب لهذا اليوم , آن لهذا الغيمِ المُلبّد فوق إسمي ونسبي أن ينقشع .

أودعت أمي المريضة اليوم في دارٍ للعجزة المُسنين , لقد كان جسدها طوال عامين مترعًا للمرض وغذاءًا للسقم . أودعتها وودّعتها , ما كان لشيئ أن يثنيني عما عزمت على فعله حتى أمي . إن أقصى مايُمكن أن تناله مني الأن هو مسامحتها على كل تلك السنوات من عمري التي قضيتها محرومًا أصيح بوجهها أن تغرب عن وجهي بعد محاولة لها إيغال اليأسِ في قلبي , كم أفرطت في اسهاب القنوط لروحي .


يوم بلغت الثامنة عشر واستخرجت بطاقتي الشخصيّة , بقيت أتأمل إسمي كاملاً يومها بعينان قد طفر منهما ألق الهيبة والإعتزاز , كنت أعلم أنه إسمٌ فريدٌ ألمعيّ . شريف الدين فاروق شرف الدين . هكذا بقيت أتأمله وأردده , طوال يومي لم أبارح مكاني ولم أنزل من يداي تلك البطاقة .

مرّ على يوم البطاقة هذا عشرون عامًا , واليوم فقط رفعتها بوجه أمي أطلبها أن تقرأ إسمي , أن تعيه , أن تتذكره , كنت قد إمتلأت غيظًا منها وحقدًا عليها .

إمرأة ذليلة صاغرة ارتضت الهوان كصفعة على الخد لم تكد تلبث حتى تنفتل للخد الآخر , منذ ثمانٍ وثلاثون عامًا وقد ضُربِت عليها الذلة والمسكنة , حتى اليوم ..
اليوم فقط , وقفت أمامها اليوم متعجرفًا شامخًا مُنتصرًا عليها مُتشفيًا بها .

انظري يا أمي , بت الأن أعلم من أنا , أعلم من أبي ومن جديّ .
اليوم , سأودعك , وربما تكون المرّة الأخيرة التي سأراكِ فيها ماحييتُ أنا أو ماحييتِ أنتِ ولكني بصدق لا أريد أن أراك أبدًا .

أودعك مودعًا معك سنوات عُمري العِجاف وإلى أبي أعـود مستقبلاً سنوات عُمري السِمان .

ولكنّي قبل أن أفعلها كان لابُدّ لي من رفيق درب , وحيدًا , فقيرًا , مُعدمًا , ومنبوذًا .. كان لابُدّ لي من أخ يهيم في هذه الدُنيا ولا يعلم أن أباه الذي لم يره بحياته هو أبي , وأن لأبي من البنون غيره وغيري .


من جنوب شبه الجزيرة العربيّه , حيث نشأ وترعرع من كان منبوذًا طوال أعوام عمرة الأربعة والثلاثون .
ذا العينان المُداهامتـان ... أخـي ... جلال الدين .




« تم »





الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 109
قديم(ـة) 02-05-2019, 10:06 PM
صورة بـنــت حـــرب الرمزية
بـنــت حـــرب بـنــت حـــرب غير متصل
©؛°¨غرامي مبدع¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


بارت جميل سلمت يداك عسوله
ما عندي توقعات غير يمكن يمسكون تيجان

متى البارت الجاي ؟

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 110
قديم(ـة) 03-05-2019, 03:42 AM
صورة كـارثة الرمزية
كـارثة كـارثة غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي


سبب موت ضياء مجهول وغريب جداً .. ياحياتي يابدر الضعيف المسكين يلقاها من مين بس ..
وسراج هذا شكله جاب العيد وأهله كله لعيون سدرة
معقولة سدرة للحين مابلغت ..!! اذا كان كل هالجمال الفاتن ولا بلغت كيف بعد البلوغ ؟!
وصراحة باز هذا وضعه جداً غلط غلط غلط .. يقهرررنننييي ..
متحمسة متى يكتشف بدر انه بنت بالاساس..
والمسكينة تيجان مدري وش راح بيصير عليها ياخوفي تاج يدري ويعذبها زيادة ..
مرة متحمسة للبارت القادم ياليت تحددين موعد ارحمي قلبي كل يوم ادخل اشيك اشوف فيه شي ولا لا .. لأن مو معقول بارت كل شهر على كذا مو مخلصين الا بعد ثلاث سنين هههههههههههههههههههههههه
يعطيك العافية بارت خوراااااافي

الرد باقتباس
إضافة رد

رواية رِجالُ الدينْ / بقلمي

الوسوم
الدَّينْ , بقلمي , رواية , رِجالُ
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
. . .| | مَلِڪة الإِحسَّاس الرَّاقِي | |. . . fayza al jebrty سكون الضجيج - مملكة العضو 1188 21-07-2019 06:01 AM
رواية أنتقام العشاق / بقلمي رَحيقْ روايات - طويلة 9 08-05-2018 03:14 PM
رواية غدر الحب بقلمي omnia reda Omnia reda روايات - طويلة 3 21-12-2015 07:15 AM
رواية : قلص ساعتك أيها الليل المنهك خلصني من وحدة اهلكتني/ بقلمي sajarashid روايات - طويلة 26 19-12-2015 09:16 PM
رواية والله ان عمري بدا من يوم حبيتك واعرف انه ينتهي لو قلت تنساني / بقلمي طبع ملكه!! روايات - طويلة 21 22-07-2015 09:06 PM

الساعة الآن +3: 02:07 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1