غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 23-02-2019, 12:07 AM
كاترينا 1999 كاترينا 1999 غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
Upload1120a2f436 خبز الفداء/للكاتبة:سميرة عزام


أ
أود أن أشاركم هذه القصة الفلسطينية للكاتبة سميرة عزام

تشكل هذه القصة مثالاً للقصة القصيرة التي رصدت الحالة الفلسطينية إثر النكبة الفلسطينية الأولى
عام 1948، وتحاول القصة تجسيد الفعل الإنساني بحالتيه، حالة القوة المتمثلة في المقاومة وحالة
الضعف البشري والصراع من أجل البقاء في ظروف الحرب!

لم تبتعد القصة في موضوعها عما جاء في الأدب الفلسطيني المقاوم من معالجة أوضاع المقاومين
على الأرض الفلسطينية بعد استيلاء الحركة الصهيونية على أجزاء من فلسطين عام 1948 وتأسيس
إسرائيل، وما بذله الشعب الفلسطيني من تضحيات من أجل التخلص من هذا الخطر الداهم، بالاضافة
الى تجسيد قصة الحب الطاهرة بين البطلين سعاد ورامز.

نبدأ القصة



ودَّ حين جاذبه أطـراف الحديث عـن تلك الأيام لو يدعـه يَتَصَرَّفُ كطفل فيبكي . . . إنَّه يشعر بالدموع
تنبجس
وتُغْرِقُ عـينيه ، فيدير رأسه ويمسحها خِفْيَةً بِطَرَفِ كُمِّه ، ويروح يُداري ألمه الخجول بأنْ يمـدَّ رأسه مـن
فوق المتاريس ، ثم يلتفت لرفاقه فيجد في سكوتهم تَفَجُّعًا يدفع الدمع إلى عينيه ثانية . ويرى في كل شيء
في هـذا الليل الصامت الذي يُطِلُّ عليه هلال غائم بعيد ، ألمًا يُجَسِّدُ انسحاقه . . . وكأنَّ كلَّ ما في الكون يدري بأنَّ له حكاية ، وأنَّ أكثر ما يشتهيه في هـذه اللحظة أنْ يمارس تَرَفَ الحـزن بتلقائية . فهو الساعة أَضعفُ مـن أَنْ يصطنع أي جبروت ، وأكثرُ ما يريده هـو أَنْ يَنْقَضَّ إخـوانه مـن حـوله قليلاً ليعود إنسانًا يخلع قناع الصَّلابة ويبكي بلا خجل . ورفع كُمَّه يمسح عـينيه ، وأحس بخيوط القميص الصوفي تخدش عينيه . . .
وتُذَكّـِرُه بتعويذتها التي يَلْبَسُها والتي سَتَرُدُّ عـنه ـ كما قالت ـ كل رصاصة غَـدَّارة .

لاول.
أجـل إنَّه يَتَذكَّـر تلك الليلة . . .
ليلة كهذه هلالها صغير ، وبردها يقرص الأجساد ، وكان مُكَلَّفًا بحراسة مستشفى صغير أقامه جيش الإنقاذ في بيت مـن بيوت المدينة ، مُؤلَّف مـن أربع غـرف حجرية وحـديقة صغيرة . وكانت أَسِرَّةُ المستشفى الثمانية مشغولةً بثمانية جـرحى حملهم إخـوانهم بعـد معركة انصبَّت النارُ فيها مـن مستعمرة (نَهاريا) اليهودية ، على القـرى العربية في قضاء عكا ، وأحضروهم لِيسْعَفوا بالمستشفى . ثم اختارته لجنة الانضباط ليقوم بحراسة المستشفى الواقع في طَرَف مـن أطـراف المدينة تفرقت فيه البيوت وتباعـدت . أجـل باردة كانت الليلة ، ولم تَحْمِهِ كُوفيَّتُه ولا مِعْطَفُه السَّميك مـن وخزات البرد اللاذع ، فكان لا يفتأ يتمشى ليمنع الدم مـن أن يَتخثَّر في شرايينه ، ثم يعود إذا ما تعب لِيَتَّكِئَ إلى جدار المستشفى قريبًا مـن الباب ، ويراقب مـن بعيد دورالمدينة التي تنام نومًا تهدده أية غارة مفاجـئة ، ولا يدري كم كانت الساعة بالضبط فقد خبت الأنوار إلا تلك التي تتوّج أعمدة الطرق العامة ، وسكت الليل إلا مـن أصوات ابن آوى ، هـذه التي تبلغه مـن بعيد . . .

أجل، لا يدري كم كانت الساعة بالضبط، حين شعر بها إلى جانبه في ثياب التمريض البيضاء، تسأله إذا كان يريد فنجاناً من الشاي، إنه لم يُفكِّرْ في الشاي و لا في أي شئ آخر...ولكنه أحس بأنه يريد أي جسم حار يشده إلى أصابعه المقرورة. فَقَبِل شاكراً، و لما عادت تحمله إليه، جرعه في أربع رَشَفات حتى لا يدعها تنتظر طويلاً، ولما ردّه إليها فارغاً غمغم بكلمة شكر، و لكنه فكر بعد أن انسحبت بأنه كان من المناسب أن يلاطفها بسؤال، و أدار رأسه يبحث عن ظلها خلف النافذة، و لكنها لم تَلُحْ. و فكر في أَنْ يشكرها في الصباح...
و لكن من عساها تكون؟... إنَّ هناك ممرضتين، و هو لم يَرَ منها إلاّ بياض ثوبها.ولكنَّه في الليلة الثانية عزم أَنْ يكون أكثر طراوة لو حملت له الشاي...وانتظر طويلاً و لكنَّها لم تَحْضُرْ...وقال في نفسه: إنها مشغولة عن شايه بمن هم أحوج إلى عطفها...فلماذا لا يَطْرُقُ الباب و يطلب الشاي بنفسه؟و استحيا أن يفعل...وقد كره أن يكون متطفلاً على وجه ما...
ها قد خَبَت الأنوار، و نامت المدينة، و حَمَّلته و إخوانه مسؤولية السهر. و في مثل هذا الوقت بالأمس شرب شايها...و رفع أصابعه التي أثلجتها ماسورة البندقية، و اشتهى شيئا حارا يبعث فيها الحرارة...و رفع يده إلى فمه لينفخ فيها. وإذ بشبحها الأبيض يَجْبَهُهُ بصوتها يقول: "لقد حَضَّرت لك شايك دون سؤال...لن ترفضه بالطبع..."
و رفع عينه و حدَّق في وجهها.. و مد يده المقرورة ليحمل الفنجان... ورأى من اللياقة أن يقول لها شيئا قبل أن يشرب...

ألا تجدين المهمة شاقة عليكِ؟
و في حدِّة لم يتوقعها ردت عليه:
- هل تجدني أضعف من الواجب؟- أنا...لا أبداً...
ولم يَدْر ما يقول، فرفع الفنجان إلى شفتيه، و جرعه بسرعة سلقت حلقه، و أعاده إليها دون شكر. و لما ابتعدت قليلا...ناداها...لماذا لا يسألها عن اسمها؟...ماذا في الأمر؟
- يا آنسة...ووقفت...
وَتَقدَّمَ لها:
- آسف.. هل يمكن لي أن أعرف اسمك؟
و ضحكت قبل أن تقول:
- لم لا؟ ... نحن إخوة...اسمي سعاد.
- وأنا رامز.. و رفاقي يسمونني العريف... ألا نتصالح؟
و أعطته يدها ضاحكة ثم انسلت بخفة كما جاءت...
سعاد.. عجيب و هذه سعاد أيضاً.. يبدو أن له حظاً مع الاسم.. فقبل أيام قدمت اللجان النسائية في البلد هدية إلى الحرس القومي من القمصان الصوفية و البطانيات..قامت بحياكتها فتيات المدينة و كان في كل جيب بطاقة تحمل اسم الفتاة التي حاكتها و عبارة تشجيعية قصيرة...إنه لا يزال يحتفظ بالبطاقة...وَمَدّ أصابعه و تحسسها و أخرجها ثم أشعل عود ثقاب أضاءت معه الحروف"سعاد وهبي" و تحت الاسم كانت هذه العبارة: (أرجو أن تكون من نصيب بطل).وأكلت النار العود واختفت الكلمات، فأعاد البطاقة إلى جيبه. أتكون هي؟ لو كانت هي نفسها أفلا تكون مصادفة حلوة؟ التفت إلى الباب. ولكنه كان مغلقاً...

و في الليلة الثالثة تعمد أن يبدأ نوبة الحراسة باكراً؛ ليجد مجالاً لدخول المستشفى و السؤال عن الجرحى...كان الباب مفتوحاً فدخل... ورآها تحمل صينية لأحد الجنود فحيّاها...و سألها إذا كان بوسعه أن يزورهم...فقالت:
- لم لا؟...أريدك أن ترى حسّان... لِيَقُصَّ عليك قصة المعركة، لقد سمعتها منه عشرين مرة، ولن يؤذيني أن أسمعها للمرة الحادية والعشرين.
وتبعها...
و أمام سرير حسان المضمد الرأس وقف كما وقفت هي، وضحكا و هما يستمعان إلى الجريح يقول:

- إن الأخت سعاد ممرضة صارمة، تريد له أن يتمدد كالجثة، وَتُحرَّمٌ عليه
التدخين بإخفائه سجائره...و أُتيح لرامز أن يلحظ و هي تضحك أن لها أسنانا شديدة البياض و أن لعينيها بريقا يعكس إرادة لا تُرد...و شجعه الجو أن يسال:

- وَ لكن ألا توافقني على أنها طيبة؟

- طيبة؟
أنها أطيبهن جميعا... أكثر طيبة من أمي العجوز.. ما تفتأ تدور بيننا تسقي هذا، و تطعم ذاك، و تلبي أجراسا تقرع في كل الغرف، فإذا وجدت لحظة للراحة جلست قريبا من الباب، و شغلت نفسها بالحياكة.

- حياكة؟

و تذَّكر القميص، و مد يده فَحَلَّ أزرار معطفه السميك و سترته. و كشف عن قميصه الذي يرتديه، و اقترب خطوة منها وقال:
- أتعرفين هذا القميص؟

- أوه.. أكان من حظك؟

- ألا استحقه؟؟ إنني احتفظ بالبطاقة... لأتذكر دائماً مسؤولية البطولة...

و استدعاها جرسٌ ملحاح، فتركته و حسّان يتحاوران...

و مضى أسبوعان. و تماثل الجرحى للشفاء فغادروا المستشفى إلا واحداً نُقِلَ إلى مستشفى آخر. و انتهت مهمته في الخفارة. وعاد إلى عمله في تدريب طوابير الفتيان على حمل السلاح. و كان يستقبل طابوراً ويودعُ غيره حتى إذا هبط الظلام حمل بندقيته و مضى إلى الخفارة الليلية، فلا يعود إلا و قد تلونت السماء بأضواء فجرية ليرتمي على سريره الحديدي في الغرفة الوحيدة التي يتألف منها بيته...وعندها يجد وقتاً ليفكر بها...


لقد انقضى أسبوع لم يرها خلاله فأين عساها تكون؟ لماذا يحس بأنه مدفوع إلى الاهتمام بها؟ مدفوع إلى محبة القميص الذي حاكته؟...ولقد اكتشف بالأمس شيئا، فحين قام يلبس في الصباح، حمل القميص في يده و راح يتأمله...ولقد عاش أياما بين يديها وهى تبنيه غرزة على غرزة دون أن تدري لمن يكون...لعلها رسمت في ذهنها صورة للرجل الذي سيرتديه، و هي بالتأكيد قد اختارته أن يكون طويلا عريض الكتفين.. رجلاً تُعَلِّقُ عليه أمل البطولة..والتفت إلى نفسه في المرآة المعلقة على الحائط..و تحسس ذراعيه المفتولتين.
وضحك على سخفه و هو يتأمل نفسه. ولكن أي ضير في أن يكون سخيفاً فيرفع مثلاً القميص، وَ يَشُمُّه طويلاً، ويقبِّله أيضًا؟...

....
و رآها في الطريق. لم تكن في ثياب الممرضات... فاعترض طريقها قائلاً:
- كِدْتُ لا أعرفكِ، فما كنت يوماً إلا بيضاء..
و أعطته يدها يصافحها و قالت:
- لقد غادرنا المستشفى. إنني لا أجد ما أفعله اليوم. وأنت ماذا تفعل؟
- طوابير تدريب في النهار، خفارة في الليل، ولا شاي
ورنَّتْ ضحكتها الفضية...و ضبطته يتطلع إليها فاحمَّرت...وهمَّت بأن تمضي، و بسرعة قبل أن يضعف أمام خجله، سألها شيئاً:
- أرجو ألا تظنيني وقحاً...هل أستطيع أن ارك في مكان ما...؟
- بلدتنا أصغر من أن تتسع لنا...
- ولكننا إخوان سلاح...إنني أُدَرِّبُ طوابير من الجنسين على استعمال البندقية...تعالي إلى نادي الميناء سنتحدث قليلاً بعد أن افرغ من التدريب...

واتفق على حضورها في الثالثة، ثم انهمك في تدريب طابور ناعم، كيف يقف وقفة لا ترتعش تحت بندقية ثقيلة... ولمحا تَدْلِف... و تجاهلها حتى انتهى و صرف تلميذاته، و اتجه يحييها و يُقَدِّم لها كرسياً و يسحب لنفسه آخر...

- ألست متعباً؟
- و أَيُّنا لا يتعب؟..و لكن بعد أن عرفت ما يدور في مستعمرات الصهاينة من تأهب و تعبئة، تمنيت لو كان يومنا ستين ساعة... أن أمامنا عمليات رهيبة.

- أخائف أنت؟..

- مُتَحَسِّب...لسنا في موقف هَيِّن...يخيل إلىّ أن اليهود زرعوا مواسمهم أسلحة، و ملأوا بطون مستعمراتهم بها، لقد اكتشفنا أشياء كثيرة...

- هل ذهبت بنفسك؟
- كثيراً قبل أن يتوتر الموقف...أما الآن فلا أستطيع، إنني على لائحتهم السوداء...
و رآها تتأمله ثم انفرجت شفتاها، و تألقت في عيناها تلك النظرة الحازمة.

- أتدري لقد بت اصدق انك بطل؟...

- بطل... لا أظن...و لكن بطاقتك توحي إليّ بان أكون..

- أما تزال محتفظا بها؟؟...

- هي ذي.

و أعطاها لها، و لما مد يده ليسترجعها ضغط على يدها قليلاً ثم أرخاها، و تركها تداري خجلها متطلعاً إلى البحر الأزرق أمامه.
كان الوقت ربيعا، و ربيع فلسطين بحر ازرق تتهادى عليه أشرعة المراكب البيضاء نهاراً، و تُرصِّعُه فوانيس قوارب الصيد ليلاً، و بساتين برتقال يكثف عبقها الهواء...و في ربيعها ذلك عرف شيئين...الحب و الحرب... و كان الأول يعطى معنى للثاني، فالحرب ليست عدوا يقتل لشهوة. إنما هي حق حياة للأرض التي يحب، و الفتاة التي يحب، إن فلسطين ليست بحرا و مراكب صيادين، و ليست برتقالا يتعلَّق كالذهب و ليست زيتونا و زيتا يملا الخوابي... إنها عينا سعاد السوداوان أيضا. و في عيني سعاد رأي خير فلسطين كله. رأى ظل بيت سعيد له؛ و زوجة تنجب له أبطالاً صغاراً، و تجعل من حبها معنى لوجوده.

و مع كل إطلالة صباح...كان يستقبل خيالها...جنباً إلى جنب مع إنباء المعارك في صحف الصباح...معركة القسطل، هجوم قومه من مثلث الرعب على قرى الأعداء...غاراته و إخوانه على المصفحات اليهودية المتسللة على طريق حيفا-عكا نهاريا، بطولة قومه في سَلَمَة، في كل مكان.




الجزء الأخير..

ثم كانت كارثة حيفا..
لن ينسى ذلك المساء..
كان مشغولاً بصف التدريب...حين التفت إلى البحر فإذا بعشرات المراكب المُحَمَّلة بالناس...و تجمهر أهل مدينته و في منطقة الميناء يستطلعون...كانوا على علم بالمعارك التي تدور في حيفا. و كانوا يدرون أن سلطات الانتداب قد مَكَّنت الصهاينة من المراكز المُحَصَّنة سراً، في حين ادَّعتْ أنها لن تتخلى عن المدينة إلا بعد انتهاء فترة الانتداب بشهور، ولكن فجأة أعلنت عن اضطرارها الخلاء المدينة.
و انصبَّ الهول من الكرمل على العرب الذين يعيشون في السفوح، وَمَهَّدت السلطة لحالة ذعر بحرب إشاعات فتحت معها الميناء، وأطلقت سفنها تحمل كل راغب في رحيل، فتكدسوا فيها و النار تلفظ هولها عليهم من الجبل، ولفظتهم السفن على ساحل عكا...كتلاً بشرية...يَئِنُّ بعضها من الجروح، و بعضها من الجوع و بعضها من الفزع.

وامتلأت بيوت مدينته، مساجدها، أديرتها، ساحاتها بهم...
و تحملت مدينته الصغيرة عِبء تدبير طعام و مأوى لهذه الآلاف...
و في تلك الليلة رأى سعاد مع عشرات المتطوعات، يستقبلن الجرحى في الميناء، و يوزعنهم على المستشفيات و البيوت...و بدأت حرب الإشاعات تلعب لعبها في الأعصاب...
استيقظ في صباح اليوم التالي على قرع شديد على باب غرفته، وفتح الباب وَذُهِلَ إذ رآها...
كانت تبكي.
قالت له: أن أخاها قد دَبَّر شاحنة حشد فيها كل ما يمكن حمله، ثم وضع فيها زوجته و أطفاله و نفسه ليرحلوا للبنان...و أن عشرين أسرة من حَيّها قد فعلت مثله...
و قد فرض عليها أن تصحبهم فرفضت، و قاومت فضربها، فلم تجد أمامها إلاّ الفرار.
إنها آخر من يسافر...

و أذهلته المفاجأة...لم يدر ما يقول لها و ظل صامتاً، و لما قرعت صدره بقبضتها سأل:
- هل فعلتِ هذا بسببي؟
و انفجرت في وجهه:
- لا ليس بسببك...صحيح أنني احبك...و لكن لست كل شئ؟
قالتها و انصرفت...و فتح الباب و خرج إلى المدينة...

عشرات السيارات كبيرة و صغيرة، محملة و فارغة، أطلقت دواليبها للريح...وَخَلّّته مذهولاً...لا يدري هل يبكي ؟ هل يصيح؟ هل يقذف هذه السيارات بحجارته؟...

و في أسبوع فرغت المدينة إلاّ من شاكي السلاح... و من بعض ممرضات موزعات على المستشفيات الصغيرة، و من النازحين إليها من حيفا أو القرى، و لم يجد وقتاً للقاءاته بسعاد...فأعداؤه في الشمال و في الجنوب يتربصون الفرص لِيُطْبِقوا على المدينة..كان في النهار يتسلل إلى القرى يجمع البنادق و الذخيرة، أما لياليه فللحراسة مع خمسة غيره يقبعون وراء المتاريس المقامة على ظهر مصنع تعطل فيه العمل، كان لابد للمدينة من الصمود حتى تبدأ معركة أخرى على مستوى جيوش بعد انتهاء فترة الانتداب...
هذه هي مهمته التي رسمتها اللجنة القومية للمدينة...و حين كان يجد وقتاً يسترخي فيه، كان يجد وقتاً ليفكر بسعاد و ليتساءل: كيف تراها تعيش؟ و تحت أي ظروف؟ و صعق مرة حين رآها أمامه...
كانت تلتف بمعطف و قد حملت صُرَّة كبيرة...
و حار كيف يتلقاها، هونت عليه الأمر حين فتحت الصُرَّة، و قالت موجهة حديثها لكل الرفاق:
- لقد خشيت اللجنة أن تفرغ مؤونتكم فتطوعت لحمل هذه الأشياء...و فتحت الصرة على خبز و بعض المعلبات و حلوى، و فتحت عينيها على نظرة استقطبت كل شوق العالم، أثارت انفعاله...

و لقد رأى من حقه وحده أن يمشي معها قليلاً و هي عائدة، و أن يمسك بأطراف أصابعها بيد مرتعشة، دون أن يجد ما يقول غير أن يتوسل إليها ألاّ تعاود مثل هذا الجنون، ثم ابتعدت ووقف يرقبها حتى ابتلعها احد المنعطفات.
و تكرّرت زيارتها...
لم تكن تلبث أكثر من دقائق، ولكنها كانت كافية لتشحن أحاسيسه و انفعالاته بشكل يتعبه و يسعده معاً...
إلى أن كان أول الأسبوع...

و اشتدت المعركة و جأرت النار طيلة ليلتين و نهار كامل و قسم من النهار الثاني...

كانت سيارات الأعداء المصفَّحة تتجه على الطريق العمومي إلى نهاريا، و كان عليهم أن يقطعوا عليها الطريق بالمدافع المبثوثة على الدور القريبة من الطريق...

و لم تهدأ المعركة إلاّ في الثالثة من عصر اليوم التالي، فانقضّوا على المتاريس، و استلقى بعضهم على الأرض، و نزل هو يغتسل من حنفية الحديقة تمهيداً لزيارة المدينة، يستفهم فيها عن خطة الحرس القومي في سحب السيارات المصابة إلى داخل المدينة...
وكان الصابون يغمر وجهه حين انبعث صوت رصاصة فثانية، فسارع يزيل الصابون عن عينيه حين ثقب أذنيه صوتها...
والتفت إلى باب الحديقة فرآها تمرق منه... و صُرَّتها بيدها، أما الأخرى فكانت على صدرها...لم يُصَدِّق أن بها شيئاً، و قد كانت واقفة على قدميها، و لكنها ما لبثت أن ارتمت عليه، و بدأ الدم يندلق على صدرها، فسد جرحها بيده، و نادى على رفاقه الذين سارعوا بإلقاء ستراتهم لتمتص دمها المسكوب.
و فتحت فمها لتقول شيئاً، ولكن الحشرجة خنقت كلماتها.
ثم انتهى كل شئ بشهقة‍ ! ....
حدث هذا بسرعة لم يصدقها...دقائق وضعت حداً لكل شئ، فكيف، لم يُجمِّد الزمن...كيف تركها تموت؟كيف لم ترتعش تلك الجفون و هي تشرب كلمات حبه الأولى؟
ماتت...كيف و رائحة شعرها في أنفه ما تزال...و حرارة يدها تأكل كفه، لم يكن في نظراتها موت، في عينيها اللتين تتحديان أي شئ...فيهما حب ووعد بالحياة...
و يفرك عينيه، يطرد الكابوس و يشدّ على الغليون الذي قدمه له إبراهيم فلا تنغرز إظفاره في راحته، وهو يقرأ عيون رفاقه...
اجل ماتت، و انتزعناها منك و دفنّاها على الرابية هناك، و زرعنا على قبرها علماً، و كرّسناها بطلة...
كانت تحبك فباتت رمزنا جميعاً...إبراهيم، ووديع، و صالح، و احمد، و عبد الله...
خطّ أصفر نحيل و بضع نجيمات...ولا شئ إلا العتمة و أصوات الوحوش من بعيد، و هم أمام المتاريس بلا نوم أو طعام أو شراب...
و انقضت الليلة هادئة إلا من مناوشات في الفجر، ثم سكت كل شئ، و استسلمت الرؤوس المتعبة إلى النوم يفسده الجوع و توقع الخطر...
و مع الفجر فر ك عبد الله عينيه و سأل و هو يتطلّع في الصناديق الخشبية المركونة جانباً:
- أما من شئ نأكله؟...وردّ وديع:
- أجل هناك جوعنا...
و سكت...
و هناك أرغفة سعاد...لماذا لا يقولونها؟ و كانت ممتزجة بدمها، فأي إدام تعس لخبزهم؟...
لقد بدأوا يجوعون بشكل لا يطاق، و باتوا عاجزين حتى عن الوقوف...

و كان رامز يشعر بأن الظروف تتكاثف لامتحانه بشكل مذل، و بأنه ما من واحد من رفاقه سيجرؤ على أن يفكر في الأرغفة إلا إذا عرضها هو...
و غطّى عينيه بيديه، أهناك تعاسة بعد تعاسة اضطراره إلى أن يطعم دمها رفاقه؟...
و تطلّع إلى إخوانه. كان عبد الله مستلقياً على بطانية، و كذلك صالح، وكان احمد جالساً على كيس من الرمل و هو يضغط بطنه بيديه...
أن واحد منهم مستعد لأن يأكل جثة كلب، و لكنَّ يداً منهم لم تمتد إلى الأرغفة الممتزجة بالدم...لقد كان عليه أن تأتي البادرة منه...ماذا يقول لرفاقه...خذوا فقد وهبتنا سعاد الخبز والإدام...
و أطرق قليلاً، ثم تحامل على نفسه ووقف...إذا كان هو يستفظع الفكرة، فإن عليه أن يمضى إلى المدينة ليتدبَّر لهم ما يأكلونه...
و حاول أن يقف، و لكنه كان ظاهر الخَوَر... و أدرك رفاقه ماذا يبغى من وراء ذهابه للمدينة، أن أية رصاصة ستصطاده كعصفور صغير، فالمنطقة الخلاء بين مركزهم و العمران كبيرة و مكشوفة، و مرور سيارات مصفّحة تحمي نفسها بإطلاق الرصاص في كل الاتجاهات متوقع في أي لحظة، فأمسك صالح به من كتفه واضطره إلى الجلوس...
فجلس للتوثب في رأسه طيوف معركة بين جوعه و جوع رفاقه و بين الأرغفة الحمراء...
كانت ما تزال مكومة في الزاوية، مصرورة كما حملتها سعاد...إن التجربة شئ يجرح أعصابه، ولكن شراء حياة خمسة، يجب ألا يخضع لإحساسه الرهيف...
ولكن أي ثمنْ سيدفع؟ أين الأعصاب التي تتحمل أن ترى يداً تمتد لتمزق رغيفاً، و أسنانا تدور لتلوك خبزها مغموساً بدمها؟ و أغمض عينيه....لا.هذا لن يكون...ولو ماتوا جميعاً..إنهم لا يفضلونها بشئ...وماذا لو ماتوا؟ تموت و هي تحمل خبزهم، و يموتون لأنهم لن يَمسّوا خبزاتها، فلا يشتري موتها حياتهم.يرفضون خبزات الفداء...و قد امتدت إليهم ممتحنة إنسانيتهم..أو إنسانيته هو على الأقل...فما ذنب هؤلاء ليجوعوا...؟ليحسبوا ألاّ خبز هناك...إنهم على كل حال لا يتطلعون إليه. لقد عفّوا و أقنعوا أنفسهم بأن ينتظروا رزقاً غير هذا...أو يموتوا... و يموت معهم ثارها...
ثارها؟ صحيح كيف ينسى ذلك...؟كيف يختار أن يموت جوعاً ككلب و يميت معه خمسة؟ حقاً إن كثرة تعاملهم مع الموت قد سلبته تلك الصورة المستفظعة، و لكن مهما كان له الحق في اختيار الميتة التي يشاء، فلن يختار أن يموت جوعاً...سعاد نفسها ترفض ذلك لبطل...
و ارتعش بألم...
لقد اكتشف أنه في الليلة الأخيرة، قد فكر في جوعه أكثر مما فَكَّّر في سعاد. لقد عطلت غريزة الجوع كل أحاسيسه الأخرى. يا إلهي ما أفظع التجربة!
و نادى إخوانه ففتحوا عيوناً تكاد تكون من إعيائها لا تنفتح، سيدعوهم واحداً واحداً...
إبراهيم، و وديع، و صالح، و أحمد، و عبد الله، و سيلتفون حوله في حلقة...ثم ينهض و هو يحضر الأرغفة... وحين تمتد يده ليفك الصرة، سيحكي لهم قصة عتيقة تعرفها هذه الأرض...ويعيها ناسها...قصة افتداء الحياة بالجسد و الدم...ثم يحمل خبزاتها و بكل الجو الشعائري سيقول لهم: "كلوا، هذه هو جسدي...و هذا هو دمي فاشربوا..." و سيأكل هو الإكسير أيضا... و سيستقر شئ من سعاد في أحشائه...شئ منها... أجل كيف لم يفطن إلى ذلك قبلاً...شئ ما يفتأ يتململ و يضج و يطالب و يذكره أن عليه أن يفعل شيئاً لهذا الجسد الثاوي في طرف الحديقة...
و قام متحاملاً على نفسه إلى الزاوية تتبعه عشرة عيون، شعر بنظراتها توثق رجليه...فتناول الصرة بيد ترتجف...وفتحها و أدنى الأرغفة من شفتيه، ثم اقترب من رفاقه و قدمها راكعاً وقال: " إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعاً..."
و غامت الدنيا في عينيه، ووقع على الأرض فاقد الشعور .

انتهت


الرد باقتباس
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1