امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©

ثامناً: الحوض

● الحوض موجود الآن:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب ذات يوم في أصحابه، فأقسم قائلا:
«وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن».
رواه البخاري رقم: 6590 ومسلم رقم: 2296
وللنبي صلى الله عليه وسلم منبر يخطب به على الحوض، ففي صحيح البخاري:
«ومنبري على حوضي». صحيح الجامع رقم: 5587
أي يكون للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة منبر، فينصب على الحوض، ثم يصعد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعو أمته إليه: هلموا هلموا، فيتسارع إليه الناس، ويتزاحمون على حوضه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«لتزدحمن هذه الأمة على الحوض ازدحام إبل وردت لخمس». صحيح الجامع رقم: 5068
أَي حُبِسَت هذه الإبل عن الماء أربعة أيام حتَّى اشْتَدَّ عطشها، ثمَّ وردت على الماء في اليوم الخامس، فكما أنَّها تزدحم عليه لشدَّة ظمئها، فكذلك تزدحم هذه الأمة على الحوض يوم القيامة لشدَّة الْحر وقُوَّة العطش، فتخيل نفسك وأنت في شدة هذا الحر والعطش، تلمح ضخما حوضا، ماؤه من الجنة، ولا تجري ماؤه على طين بل على تربة جنة النعيم.


● مساحة الحوض:
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«حوضي كما بين صنعاء والمدينة، فيه الآنية مثل الكواكب» .
صحيح الجامع رقم: 3160
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
«حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء».
صحيح الجامع رقم: 3161
وهو هنا يصف شكله، فأضلاع الحوض متساوية، وهو مربع الشكل.
وفي صحيح مسلم: «عرضه مثل طوله». صحيح مسلم رقم: 2300
صفة مائه وأثره:
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«وماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه، فلا يظمأ أبدا».
صحيح الجامع رقم: 3161
هنا حدٌّ فاصل بين عهدين: عهد العطش المتكرر وعهد الري الأبدي.
هنا يمحو الله الإحساس بالعطش إلى الأبد، ويصبح الشرب للتلذذ فحسب، فكل شراب في الجنة من خمر وعسل ولبن وماء هو لتذوق ألوان المُتَع ليس غير.
وللشارب من الحوض إشراقة وجه مميزة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا، ولم يسودَّ وجهه أبدا ..». صحيح ابن حبان رقم: 6457
فما إن تشرب من الحوض حتى تسري في وجهك إشراقة أبدية وأنوار بهية.


● موارد الحوض:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«فيه ميزابان يمدان من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورِق». صحيح ابن حبان: 6456

من أين في الجنة؟!
من نهر الكوثر، حيث يصُبُّ من الكوثر ميزابان في حوض النبي صلى الله عليه وسلم في موقف القيامة، فماء الحوض دائم متدفق ليس له انقطاع ولا نقصان.

آنية الحوض:
كيف يشرب الناس من الحوض؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إن في حوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء».
صحيح الجامع رقم: 2134
وقال صلى الله عليه وسلم :
«عدد آنية الحوض كعدد نجوم السماء».
صحيح الجامع رقم: 3991
أي أواني كثيرة جدا، والمراد المبالغة لا التساوي في العدد في الحقيقة، فلا خوف من التزاحم، بل كل عبد له آنيته الخاصة به، وهي في انتظاره، لا يأخذها سواه.

● كثرة الواردين على الحوض:
ما نسبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل من يَرِد الحوض؟!
وما هو فرصتنا في الفوز بهذا الكنز؟!
اسمع:
عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ممن يَرِد عليَّ الحوض» . صحيح الجامع رقم: 5557
وفي رواية: قيل لزيد: كم كنتم يومئذ؟! قال: كنا سبعَ مائة أو ثمانَ مائة.
وهذه والله بشارة عظيمة عظيمة، تغري كل مشتاق، وتلهب عزيمة كل كسول.


خالد ابو شادي
خطط لمستقبلك

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©

تاسعاًك الصراط

● ما الصراط؟!
جسر حسي منصوب فوق جهنم، يعبر الناس عليه على قدر أعمالهم، وأثناء مرورهم عليه، تُبدَّل الأرض غير الأرض، كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: 48]، فأين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط».
صحيح مسلم رقم: 2791
وينتشر الظلام في هذا اليوم، لكن يُعطى المؤمنون نورهم بيمينهم وبين أيديهم، ليستضيئوا به على الصراط، وليكون لهم دليلاً إلى الجنة، بينما المنافقون في الظلمات يغرقون.
وفي هذا الموضع يفترق المنافقون والمؤمنون، فيتخلف المنافقون، ويسبق المؤمنون، وعندها يفزع المنافقون وينادون: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) [الحديد:13]، فإذا رأى المؤمنون انطفاء نور المنافقين أشفقوا أن ينطفىء نورهم كذلك، فقالوا: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}، ثم يقال للمنافقين: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) [الحديد:13]
أي ارجعوا إلى المكان الذي قسمت فيه الأنوار فيرجعون، فإذا رجعوا، ضُرِب بينهم وبين المؤمنين بسور وحاجز منيع يحول بين الفريقين:{بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13]، فهذا هو الوقت الذي يتميز فيه المنافقون عن المؤمنين.


● الظالمون في الظلمات!
والظلمة التي يغرق فيها المنافقون هي نفسها التي يغرق فيها الظالمون، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«اتقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة».
صحيح الجامع رقم: 101
والظاهر أن عقوبة الظلم يبدأ إنزالها على الظالمين قبيل الصراط، حين يفترق المؤمنون عن المنافقين.
قال الإمام القرطبي:
«ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة، بأن يكون في ظلمات متوالية، يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، حين يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}، فيقال لهم: {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}».


● لكن لماذا هذه العقوبة الشديدة للظالمين؟!
ذكر الحافظ ابن حجر السبب فقال:
«الظلم يشتمل على معصيتين:
- أخذ مال الغير بغير حق.
- ومبارزة الرب بالمخالفة.
والمعصية فيه أشد من غيرها؛ لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار.
وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى، اكتنفت ظلمات الظُّلْم الظالم، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا».


● هل يمر الكفار بالصراط؟!
والجواب: كلا، لأنهم يسقطون في النار قبلها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تُعرَض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم.
ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة، ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم».
صحيح البخاري رقم: 7439


● معنى ورُود النّار
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«وأما الورود المذكور في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا}، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: رواه مسلم في صحيحه عن جابر، بأنه المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكلِّ من يدخل الجنة».


● ما صفات الصراط؟
وصف النبي صلى الله عليه وسلم الصراط بعدة أوصاف:
أولا: مدحضة مزلة
في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قلنا: ما الجسر يا رسول الله؟ قال: «مدحضة مزلة».
البخاري رقم: 7439
ومعنى مدحضة: يعني تزلق فيه الأقدام، ومزلة تعني: تسقط فيه الأجساد، فالصراط مضروب على متن جهنم، من أولها إلى آخرها، ومن الطرف إلى الطرف.
ثانيا: حوله كلاليب وخطاطيف
ومن صفات الجسر الواردة في الحديث الصحيح أن له كلاليب على حافتيه، روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة)، كلاليب فيها حياة وروح، وتتحرك حركة دائبة، ولها تمييز وإدراك، فتميز بين من أمرت بأخذه، ومن أُمِرت بتركه، فهي مأمورة.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الصراط:
«وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنها مثل شوك السَّعْدَانِ ، غير ألا يعلم قدر عظمها إلا الله».
وشوك السعدان نبات له شوك، يرعى البدو إبلهم عنده، وهو مشهور في منطقة نجد، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرِّب لهم صورة تعلق هذه الكلاليب بأجساد الناس، كيف تتخطفهم وتعلق بأجسادهم مثل شوك السعدان الذي يعلق، وإذا نشب بالجسم لا يخرج بسهولة.
ثالثا: حد الصراط مثل حد الموسى
جاء في حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة من تجيز على هذا، فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك».
السلسلة الصحيحة رقم: 941
تصور سمك الطريق الذي تسير عليه، مثل حد الموسى، وهو مع هذا حوله خطاطيف وكلاليب تنهش من يمر عليه، وتهوي به يمينا وشمالاً، فيتساقط في جهنم إلا من شاء الله.


● أول من يجتاز الصراط
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها».
وفي رواية:
فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته»، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: «إلى أن تمر أمتي كلها، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم».
وهذا من شفقته على أمته، وكذلك الأنبياء كما جاء في رواية أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والأنبياء بجنبتي الصراط، وأكثر قولهم: اللهم سلِّم سلِّم».
وعند الصراط لا أحد ينطق من هول الموقف، ولا يتلفظ أحد بكلمة، ما عدا الرسل عندهم القدرة على الكلام، لكن كلامهم محدود بعبارة من ثلاث كلمات: «اللهم سلِّم سلِّم».


● تفاوت النور وسرعة العبور
في حديث بن مسعود:
«ثم يُقال لهم: انجوا على قدر نوركم».
لا يستطيع أحد أن يمشي في الظلمة، فإذا أضيء له مشى، وإذا أظلم قام واقفا، لأنه إن غامر بالسير في الظلام سقط، فهو يقوم على صراط كشفرة الموسى في الحِدَّة، والكلاليب حوله، يطفئ نوره فيقف، ثم يوقد مرة فيمشي، وذلك بحسب عمله، ولذا تتفاوت أحوال العباد على الصراط في أمرين أساسيين:
في قدر النور، وسرعة العبور.
أما قدر النور، فمنهم من يُعطَى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يُعطَى نوره فوق ذلك، ومنهم من يُعطَى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك، حتى يكون آخر من يُعطَى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ، ويطفئ مرة.
وأما سرعة العبور، فتختلف سرعات الناس في المرور على الصراط باختلاف قوة النور الذي يعطونه، فالنور تابع للسرعة، جاء في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم :
«ويقال لهم : امضوا على قدر نوركم ، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كشد الرِّجل ، يرمل رملاً على قدر أعمالهم ، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتُعلَّق يد، وتخر رجل، وتُعلَّق رجل، وتصيب جوانبه النار».
والمراد والدرس المستفاد:
كلما كانت حسناتك أكثر كان مرورك أسرع، وكلما كانت أقل كان مرورك أبطأ، وصرتَ إلى الخطر أقرب، وما زال بيدك اليوم تحديد سرعة الغد، وبإمكانك تسريع نجاتك.


● أحوال الناس على الصراط.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مُسلَّم، ومخدوش به ثم ناج، ومحتبس به، ومنكوس فيها».
صحيح الجامع رقم: 8189

أصناف المارين على الصراط أربعة:
الأول: ناجٍ مُسلَّم
أي من الأذى بلا خدوش، وهؤلاء هم صفوة المؤمنين.
الثاني: ناجٍ مخدوش
أي أصابه لفح جهنم أو نالته الكلاليب والخطاطيف بخدوش، قبل أن ينجو، وفي رواية: «مخدوجٌ به»، والخدْج: النقص أي يُنقَص من جسمه، بسبب ما تقتطعه منه الخطاطيف والكلاليب المأمورة به.
الثالث: محتبس به
أي يُحبس على الصراط، فيظل في رعب وخوف حتى يطلق سراحه، فيجتاز الصراط.
والرابع: الهالك في النار
وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأوصاف، منها: «منكوس فيها»، ومنها: «مكرْدَس في النار»، وقال: «مكدوسٌ في نار جهنم» أو «مكدوش».
والمنكوس هو المقلوب على رأسه، فرأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى أعلى، ليخر بهذه الصورة إلى قعر النار.
والمكَرْدَس هو من جُمِعَت يداه ورجلاه، قبل أن يُلقَى في جهنم.
والمكدوس هو الذي تكدَّس، أي دُفِع من وراءه، فسقط في النار.
والمكدوش هو الذي يساق سوقا شديدا حتى يُكبَّ على وجهه في النار.


● الواجب العملي:
الاستقامة على الصراط المعنوي في الدنيا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153] ، هو شرط عبور الصراط الحسي المنصوب فوق النار في الآخرة، فالصراط الثاني يعبره الناس غدا بحسب أعمالهم وأحوالهم اليوم، وكلاهما صعب، لذا قال الإمام أبو حامد الغزالي:
«الاستقامة على الصراط في الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم، وكل واحد منهما أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف»، ومما يؤيِّد صعوبة الاستقامة قول النبي صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصوا».
أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة، ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة، فما لا يدرك كله لا يُترَك كله.

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©

عاشراً: القنطرة

في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، فيُقَصُّ لبعضهم مِنْ بَعْضٍ مظالم كانت بينهم في الدُّنيا، حتى هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة». صحيح البخاري رقم: 6535

ذكر الإمام القرطبي أن الصراط صراطان، فقال في كتابه التذكرة:
اعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين:
أحدهما: مجاز لأهل المحشر كلهم، ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب، أو من يلتقطه عنق النار، فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه -ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم- حبسوا على صراط آخر خاص لهم، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء الله؛ لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه».

ومعنى كلام الإمام القرطبي أن الكل سيمر على الصراط، فلا يخلص من الصراط بسلام إلا المؤمنون الذين علم الله أن القصاص لا يستنفد حسناتهم، فإذا مروا على الصراط حُبِسوا بعده على القنطرة، حيث يُقتَصُّ للمظلوم من الظالم.
ولا يرجع أحد من القنطرة إلى النار ، فكل من عبَر الصراط المضروب فوق جهنم نجا، ويسقط على الصراط في النار من أثقلته ذنوبه ومظالم العباد، وعلِم الله أنَّ القصاص سيستنفد حسناته حتى ترجح كفة سيئاته، لذا يهوي به في جهنم.
وصدق أحمد بن حرب حين قال:
«يخرج من الدنيا أقوام أغنياء من كثرة الحسنات، فيأتون يوم القيامة مفاليس من أجل تبِعات الناس».

القصاص للبهائم فكيف بالبشر؟!
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال:
«لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». صحيح مسلم رقم: 2582
والشاة الجلحاء هي الجمّاء التي لا قرن لها، فهذه يقتص الله لها من الشاة التي نطحتها، فكيف لا يقتص الله للمضروب ظلما من عباده، أو للمقتول ظلما من أوليائه؟!
وقد علَّم النبي ﷺ الصحابة حتمية هذا القصاص بصورة عملية من خلال تعليقه على مواقف حياتية يومية يتعرضون لها، لم تلفت نظر أحد، لكن رسول الله ﷺ استخلص منها الدروس والعِبَر، ثم أهداها لنا، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان، فقال:
«يا أبا ذر .. هل تدري فيم تنتطحان؟».
قال: لا. قال:
«لكن الله يدري، وسيقضي بينهما».
رواه أحمد رقم: 21438 وإسناده حسن

وعجيبٌ حال اليوم من يظلمون، ثم إلى رحلات الحج والعمرة يتسابقون، وعلى الصلوات والصدقات يحرصون! وكأنهم ببعض الكتاب يؤمنون وببعضه يكفرون، وتغافلوا عن أن الله قد يغفر ما كان من حقه، لكن لا يتسامح في حقوق عباده وهم يُظلَمون، فقال رسول الله ﷺ:
«الظلم ثلاثة فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه.
فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك. قال الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
وأما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم.
وأما الظلم الذي لا يتركه الله، فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدبر لبعضهم من بعض» .
صحيح الجامع رقم: 3961 والصحيحة رقم: 1927

● واجبك إن كنت ظالما؟!
أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«من كانت له مظلمة لأخيه من عِرْضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فحُمِل عليه». صحيح البخاري رقم: 2449
أي فليبادر إلى استرضاء من ظلمه، ويسأله أن يجعله في حلٍّ، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، وتكون إعادة الحقوق بالحسنات والسيئات، فإن لم يتمكن من تحلله مما أصاب من عِرْضه بغيبة وغيرها، فليدْعُ له وليستغفر له.
وأعدل خلق الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي حكم على نفسه قبل أن يحكم عليه غيره، وأنصف الناس من نفسه، فكان في آخر أيام حياته يقول للناس:
«اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة».
صحيح مسلم رقم: 2601
وقد أجاب العلماء عن سؤال: كيف يسب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أو يلعنهم، فقالوا:
المراد بذلك من استحق منهم السب واللعن بظاهر الأمر، لكنه لم يكن أهلا لذلك في الباطن، والرسول صلى الله عليه وسلم مأمورٌ بالحكم بالظاهر، أو أن ما وقع من سبِّه ودعائه عليهم ليس بمقصود، بل مما جرت به عادة العرب في كلامهم بغير نية.

● القصاص من صاحب الدَّيْن
بل حتى الذي مات وعليه دَيْن، يأخذ أصحاب الأموال من حسناته بمقدار ما لهم عنده، ففي سنن ابن ماجه بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«من مات وعليه دينارٌ أو درهم قُضِي من حسناته، ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهم».
صحيح الجامع رقم: 6546

أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع و منتديات غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1