slaf elaf ©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©

اضغط على الصورة لرؤيتها بحجمها الطبيعي

صفحة رائعة من صفحات المجد والعروبة والإسلام، وقلعة شامخة من قلاع النضال والثورة.. إنها اليمن العربية السعيدة، صاحبة الجنان والسدود العظام، والتي استحقَّت الذكر في كتاب الله العزيز في أكثر من مناسبة!!

وإن نازع الناس في سبب تسميتها؛ فإن الراجح أنها من اليُمن وهي البركة[1]


حضارات عتيقة ذكرها القرآن

هذه الحدود السياسية المعاصرة لم تكن تعرفها اليمن في تاريخها القديم[2].


قوم سبأ

وقد مرَّ قوم سبأ في تاريخهم بعدَّة أدوار؛ فعُرِفت الفترة ما بين (1300 إلى 620 ق.م) بالدولة المَعِينِيَّة، وظهرت في الجَوْف؛ أي السهل الواقع بين نجران وحضرموت، ثم أخذَتْ تنمو وتتَّسع وتُسيطر وتزدهر، حتى بلغ نفوذها السياسيُّ إلى العُلا ومَعَان من شمالي الحجاز، ويقال: إن مستعمراتها وصلت إلى خارج بلاد العرب، وهم الذين بنَوْا سدَّ مأرب، وهو سدٌّ له شأن كبير في تاريخ اليمن، وهو الذي وفَّر لهم معظم خيرات الأرض، وفي الفترة ما بين (620 ق.م إلى 115 ق.م) عُرفت دولتهم بدولة سبأ[5].


سيل العرم

ومنذ سنة (115 ق.م إلى 300م) غلبت قبيلة حِمْيَر، واستقلَّت بمملكة سبأ، فعُرفت دولتهم بالدولة الحميرية الأولى، وفي هذا العهد بدأ فيهم السقوط والانحدار، والذي تزايد وكثُرت معه الحروب والاضطرابات في الدولة الحميرية الثانية، والتي امتدت منذ (300م إلى أن دخل الإسلام اليمن)، فجعل دولتهم عُرضة للأجانب؛ إذ دخلها الرومان، ثم احتلَّتها الأحباش لأوَّل مرَّة سنة 340م، ثم استقلَّت، ولكن وقع السيل العظيم الذي ذكره القرآن بسَيْل الْعَرِمِ في سنة 451م، وكانت حادثة كبرى، أدَّت إلى خراب العِمران وتشتُّت الشعوب[6].


أصحاب الفيل

وقد دخل الأحباش اليمن مرَّة ثانية سنة 525م، وفي سنة 549م نصَّب أبرهة الأشرم نفسه حاكمًا عليها، وهو الذي أخذ في نشر الديانة النصرانية بأوفر نشاط[7]، حتى بنى كعبة باليمن وذَهَب لهدم الكعبة في مكَّة، فأخزاه الله وأهلكه عقب وقعة الفيل المشهورة، وقد خَلَفَه على اليمن اثنان من أبنائه، كانا شرًّا من أبيهما، وأخبث سيرة منه في اضطهاد أهل اليمن وقهرهم وإذلالهم؛ وهو ما جعل اليمنيُّون يستنجدون بالفُرس ويُقاومون الحبشة، حتى تمَّ إجلاؤهم عن البلاد سنة 575م، ولم تَطِبْ لهم الأيام؛ إذ أصبحت اليمن مستعمرة فارسية يتعاقب عليها ولاة من الفرس، كان آخرهم "باذان" الذي اعتنق الإسلام سنة 628م، وبإسلامه انتهى نفوذ فارس على بلاد اليمن[8].


الإسلام يدخل اليمن

الحقيقة أن إسلام أهل اليمن لم يأتِ دَفْعة واحدة أو في زمن واحد أو بوسيلة واحدة، وإنما كان لكلٍّ قوَّة، ولكلِّ قبيلة في اليمن أسلوب انتهجه واتبعه معها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكانت المقدِّمة حينما أسلم أفراد من قبائلَ مختلفة -كأبي موسى الأشعريِّ في الأشاعرة، والطفيل بن عمرو في دَوْس، وقيس بن نمط الهَمْدَاني في هَمْدَان- فأخذوا يَنْشَطون للدَّعوة في قبائلهم[9].

أما بالنسبة إلى الأبناء[10]، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث رسالة إلى باذان -حاكم اليمن من قِبَلِ الفُرس- دعاه فيها إلى الإسلام، فاستجاب باذان لدعوة الإسلام، وتَبِعَه في ذلك أتباعه[11]، وقد أقرَّه الرسول صلى الله عليه وسلم على اليمن، فلم يزل عاملاً عليها حتى مات[12].


نصارى نجران

وأما نصارى نجران، فإن وَفْدَهم قَدِمَ المدينة ولم يكن مقصودهم الإسلام، وإنما الجدال والمفاخرة والملاعنة، وذلك بعد عرض الإسلام عليهم ومناقشتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، ولمَّا أخلفوا موعدهم في ذلك خيَّرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين الجزية والقتال، فرفضوا القتال، ورفضوا أيضًا (صورة الجزية)، ولكنهم قَبِلُوا أن يَفْرض عليهم شيئًا من المال كلَّ عام، عُرِف بمال الصلح، واشترط عليهم شروطًا أَدْرَج ضمنها يهود نجران[13].


دور اليمنيين في بناء الدولة الإسلامية

وكانت النتيجة أن دخل أهلُ اليمن من جديد في الإسلام، بعد أن قُتِل من قُتِل، وعاد إلى الإسلام من كتب الله له الخير، ومِن بعدها أصبح اليمنيون يتجمَّعون حول مفهوم الأُمَّة وليس مفهوم القبيلة أو العشيرة[22]، وقد كانت لهم انطلاقاتهم فيما بَعْدُ في بناء الخلافة الإسلامية في كل بلاد الإسلام في الأزمان اللاحقة؛ فقد خرجوا مع الفتح الإسلامي في جيش عمرو بن العاص وغيره من الجيوش، واستقرَّ كثير منهم في بلاد الشام ومختلَف أقطار العالم الإسلامي.

تشهد لهم في الأندلس تلك القلاع التي تُسَمَّى بأسمائهم، كقلعة هَمْدَان في غرناطة، وقلعة خَوْلان في إشبيلية، وقلعة يَحْصُب وغيرها. كما يَشْهد لهم نبوغ كثير منهم بالعراق والشام والأندلس، منهم جماعة من العلماء كالقاضي عامر بن شَرَاحِيل الشَّعْبِيِّ، ومَسْرُوق الهَمْدَاني، وطلحة بن معرق الهمداني الْيَامِيّ، وإبراهيم النخعي المَذْحِجِيِّ، والأشتر النَّخَعِيِّ وغيرهم. وأشهرهم في ذلك: مالك بن أنس الأَصْبَحِيُّ إمام السُّنَّة، والقاضي عياض الْيَحْصُبِيُّ، وعبد الرحمن الغَافِقِيُّ من الأمراء البارزِينَ، ومنصور بن أبي عامر المَعَافِرِيُّ صاحب الأندلس[23].


اليمن في عهد الخلافة الراشدة

وفي زمن الخلافة الراشدة كان اليمن بكُلِّ تقسيماته الإداريَّة ولايةً أو ولاياتٍ تابعة للخلافة الإسلامية، ولم يشهد أحداثًا جسامًا إلا ما كان في زمن الفتنة، والتي تمثَّلتْ في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه (35هـ)، ثم موقعة الجمل (35هـ)، وصِفِّين (37هـ)، والنهروان (38هـ)، ثم مقتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه (40هـ).

اليمن في عهد الدولة الأموية

وفي فترة الخلافة الأموية (41 - 132هـ) وَلِيَ اليمن أكثر من خمسة وعشرين واليًا، لعلَّ أطولهم مدَّة هو يوسف بن عمر الثقفي، الذي ولي اليمن ثلاثَ عشرةَ سنة، ابتداءً من خلافة هشام بن عبد الملك (105هـ)، وقد استأثر الثقفيون عامَّة بثقة بني أمية، فأكثروا من تَوْلِيَتهم ولايات مختلفة من بينها اليمن[26].

وفي خلافة ابن الزبير (64 - 73هـ) تولَّى اليمن من قِبَلِه أكثرُ من عشرة وُلاة، حتى إن فترة بعضهم لم تتجاوز الشهور[27].

وفي كثرة تغيير الولاة في فترة الخلافة الأموية لم نجد وقائع محدَّدة تكون مبررًا لذلك التغيير؛ ولعلَّه كان يجيء لحاجة دار الخلافة إلى تغيير الوالي لأمرٍ يراه الخليفة نفسه، وربما جاء استجابة لشكوى بأحد الولاة[28].


اليمن في عهد الدولة العباسية

ومن بعدها دخلت اليمن في حوزة العباسيين، وقد ساروا فيها من جهة نظام الحكم سيرة الأمويين قبلهم، فأرسلوا الولاة إلى اليمن، والذين تمكَّنوا من ضرب الثورات التي قامت ضدَّهم، مثل التي قامت في حضرموت على يد الخوارج زمن الوالي معن بن زائدة الشيباني، الذي ولي اليمن لأبي جعفر المنصور[30]، وتلك التي قامت في جهات تِهَامة والساحل زمن الوالي حماد البربري، الذي ولي اليمن لهارون الرشيد، والذي عانى من ثورة قام بها الهيصم بن عبد الصمد الحميري استمرَّت فترة طويلة[31].

إلا أن أمر العباسيين في اليمن لم يَدُمْ على القوَّة؛ وذلك لبُعْدِ اليمن عن مركز الحكم، ولطبيعتها الجبلية، ولوعورة أرضها، وللسبب نفسه كانت ملجأً لكثير من الفارِّين من الحكم أو الثائرين عليه؛ فانفصلت اليمن عن الدولة العباسية، ونشأ فيها الدُّويلات المستقلَّة، التي أَخذَت الطابع القبلي أحيانًا، والمذهبي (شيعي على وجه التحديد) أحيانًا كثيرة.


دويلات وثورات

فقامت دولة بني زياد السُّنِّيَّة سنة 204هـ، ودامت نحو قَرْنَيْن إلى أن انقرضت سنة 407هـ، وكان مركزها (زبيد) بِتِهَامة، وحَكَم بنو يَعْفُر الحَوَالِيِّين الحميريين صنعاء من سنة 247هـ وحتى سنة 387هـ، وكانوا على المذهب السُّنِّيِّ، وظهرت تلك الدولة في شبَام ثم في صنعاء في عهد أسعد بن أبي يَعْفُر الحَوَالِيِّ، ثم امتدَّت إلى حاشد في الشمال، وإلى مِخْلاَف جَعْفَر والجند والمَعَافِر في الجنوب، ويُعَدُّ حكم السلطان أسعد بن أبي يَعْفُر من أطول فترات حُكْم سلاطين بني يعفر. وسيطر القرامطة على اليمن بقيادة علي بن الفضل عام 292هـ ونهبوا مدنها، وفعلوا الأفاعيل، واستباحوا المنكرات، وقاموا بكل رذيلة. وقام بعدئذ بنو نَجَاح -وهم من مماليك بني زياد- وحكموا زَبِيدَ وملحقاتها سنة 412هـ. بينما سيطر بنو صُلَيْح على صنعاء 439- 492هـ، وخلفهم بنو هَمْدان حتى 569هـ، وآل أمر زَبِيدَ إلى بني مهدي من 544- 569هـ. وتسلَّم إمارة عدن آل زريع سنة 476هـ، وينتمون إلى المكرم اليامي الهَمْدَاني أول سلاطينها، ويُعْرَفون ببني زُرَيْع، وظلَّت هذه الدولة حتى عام 570هـ/ 1174م، أما صَعْدة فكانت تحت حكم دولة (بني رسّ) الشيعية التي قامت عام 280هـ[32].


الدولة الرسولية

وقد كان آخر الولاة الأيوبيين في اليمن السلطان المسعود الأيوبي، الذي تمكَّن من فرض هيبة الأيوبيين على مختلف القوى والمنافِسِينَ في اليمن، والذي عاد إلى الشام عام 626هـ مُخْلِفًا الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول نائبًا له في اليمن، والذي تمكَّن هو وإخوته من السيطرة على الأمور في اليمن، وتحقيق انتصارات مُهِمَّة على المنافِسِينَ؛ فَعَلَتْ بذلك مكانتُهم وعظمت قوَّتهم، والذي مهَّد لظهور الدولة الرسولية[35].

وتُعَدُّ الدولة الرسولية (626- 858هـ/ 1229- 1454م) من أطول الدُّول عُمرًا في تاريخ اليمن الوسيط، وقد حكمها خمسةَ عشرَ ملكًا، أوَّلهم نور الدين عمر الرسولي، وآخرهم المسعود[36].

الدولة الطاهرية وسيادة المماليك

وقد قامت الدولة الطاهرية (855- 923هـ/ 1451- 1517م) على إرث الدولة الرسولية، وأوَّل أمرائها عامر بن طاهر، الذي أخذ البلاد من بني الرسول، وأخذ بعضها من أئمة الزيدية إلى أن قُتِل في حربه معهم قُرْب صنعاء، فخلفه أخوه المجاهد علِيٌّ سنة 870هـ، ثم خلفه ابنه الظافر عامر سنة 894هـ، وكان عادلاً محبًّا للعلم والعلماء، حارب أئمة الزيدية في الجبال وغلبهم، واستولى على صنعاء.

وفي عهد الظافر عامر ظهر البرتغاليون، واستولوا على بعض سواحل الحجاز واليمن والهند، واستفحلت شرورهم، فأخذ بمراسلة المماليك الذين كانوا يجوبون البحر الأحمر وسواحل اليمن لمجابهة قوَّة البرتغاليين، فاستطاع المماليك بقيادة حسين الكردي طرد البرتغاليين من جزر قمران سنة 921هـ، ثم شجَّعه الأئمة الزُّيُود ضدَّ الظافر عامر الذي رفض التعاون معه ضدَّ البرتغاليين، فدخل حسين الكردي المملوكي اليمن واستولى على زَبِيدَ بعد معركة الرحب وذلك سنة 922هـ، ثم انتقل إلى تعز، ومنها إلى المقرانة فصنعاء، وأخيرًا جَرَت المعركة الأخيرة على أبواب صنعاء، وهي معركة الصافية التي قُتل فيها أخو السلطان، وهو عبد الملك بن عبد الوهاب، وفرَّ السلطان الذي قبض عليه أحد الرجال وسلَّمه إلى قائد المماليك الإسكندر بن محمد فقتله سنة 923هـ[38].


عوامل قدوم العثمانيين إلى اليمن

وفي هذه الأثناء التي دخل فيها المماليك صنعاء كان العثمانيون قد هزموهم في بلاد الشام ومصر، وهو ما جعل المماليك في وضع غير ملائم؛ فانسحبوا من صنعاء نحو تعز، ولم يصل الإسكندر بن محمد قائد المماليك إلى تعز إلا بصعوبة كبيرة؛ بسبب قتال اليمنيين له، وهو منسحب بجيشه، وقد اضطرَّ المماليك في اليمن إلى الاعتراف بالسيادة العثمانية[39].

ويُعَدُّ من عوامل قدوم العثمانيين إلى اليمن إخفاق المماليك في مقاتلة البرتغاليين في سواحل الهند، وهزيمة أسطولهم في معركة (ديو) في المياه الهندية عام 915هـ؛ إذ قام العثمانيون يَدْرَءُون الخطر عن ديار الإسلام، ويُلَبُّون نداء مسلمي الهند، ولما رفض المماليك التعاون معهم احتلَّ العثمانيون أرض الدولة المملوكية، وورثوا عنها المهمَّة الملقاة على عاتقها وهي حرب البرتغاليين، ودخلوا اليمن بصفة أن أرضها قاعدة ارتكاز لمحاربة البرتغاليين، سواء أكان ذلك في البحر الأحمر، أم في الخليج العربي، أم في المياه الهندية[40].

وهكذا دخلت اليمن تحت السيادة العثمانية عَبْرَ تبعيَّتها السابقة للمماليك؛ فبعد انهزام المماليك في الشام ومصر أمام السلطان سليم الثالث، قدَّم حاكم اليمن المملوكي الجركسي (إسكندر) وفدًا إلى السلطان سليم ليُقَدِّم فروض الولاء والطاعة له، فوافق السلطان العثماني على إبقائه في منصبه، وكانت اليمن تُشَكِّل بُعْدًا استراتيجيًّا، وتُعتبر مِفتاح البحر الأحمر، وفي سلامتها سلامة للأماكن المقدَّسة في الحجاز، وكانت السيطرة العثمانية في بَدْءِ الأمر ضعيفة؛ بسبب الصراعات الداخلية بين القادة والمماليك، إلى جانب نفوذ الأئمة الزيدية بين قبائل الجبال، هذا فضلاً عن الخطر البرتغالي الذي كان يُهَدِّد السواحل اليمنية، وهذا دفع السلطان إلى إرسال قوَّة بحرية، إلا أنها فشلت بسبب النزاع الذي دبَّ بين قائدها حسين الرومي متصرف جدة والريس سلمان أحد قادة البحر العثمانيين[41].

ثم أرسل السلطان سليمان باشا أرناءوطي حملة سنة 945هـ/ 1538م بهدف احتلال اليمن وبخاصَّة عدن، ثم إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن البرتغالية، ودخل العثمانيون عدن عام 946هـ/ 1539م، وتعز عام 952هـ/ 1545م، وسقطت صنعاء في قبضتهم عام 954هـ/ 1547م، وتحرَّك سليمان باشا بأسطوله ليستولِيَ على بعض الموانئ العربية في حضرموت، ومنها الشحر، والمكلا، واجتاح ساحل الحبشة، وسواكن ومصوع على الجانب الغربي من البحر الأحمر سنة 964هـ/ 1557م[42].


المذهب الزيدي في اليمن

وقد ظلَّت اليمن في فترة هيمنة الدولة العثمانية عليها (1538 – 1635م) تتنازعها قوى العثمانيين والأئمة الزيدية، فلم يستطع العثمانيون السيطرة كلية على البلاد؛ بسبب تمرُّد بعض القبائل وحركات المقاومة، ويهمُّنا هنا أن نلقِيَ الضوءَ على دولة الأئمة الزيديين في بدايتها.

فقد جاءت تسميتهم نسبة إلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (79- 122هـ/ 698- 740م)، الذي خالف الإمام جعفر الصادق في مَبْدَأَي التقية والاستتار، وأَسَّس لمبدأ الثورة على الظلم متى ما وُجِد هذا الظلم، وهو شرط الخروج والثورة. ويتميَّز المذهب الزيدي بصفة عامَّة باعتداله وانفتاحه على المذاهب الأخرى، وهو أقرب المذاهب الشيعية إلى السُّنَّة، التي تأخذ عليهم حَصْرَهم الإمامة في أولاد الحسن والحسين، ومع ذلك فإنهم يُجَوِّزُون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، كما يَنْبُذُون مبدأ العصمة والتقية، ويُجِيزُون الخروج على الظلم، كما يُجيزون خروج إمامَيْن في وقت واحد؛ وهو ما أدَّى في فترات كثيرة من تاريخ الدول الزيدية في اليمن إلى خروج أكثر من إمام، دارت بينهم صراعات عنيفة أراقت الدماء، وأهلكت الزرع والضرع. لكنَّ مبدأ الخروج هذا -رغم ويلاته- هو الذي احتفظ للطامحين من الأئمة الزيدِيين بجذوة الثورة، فمكَّنتهم من قيادة محاولاتٍ متعاقبة لتأسيس حكم علوي وراثي.

وقد اتخذت الدولة الزيدية الأولى بزعامة مؤسِّس الدولة والمذهب الزيدي في اليمن العلوي يحيى بن الحسين الرسي المنعوت بالهادي إلى الحقِّ، من صعدة مركزًا لها، وقد ابتدأ حكمهم باليمن من سنة 280هـ، وقد عاصروا بني أيوب والصليحيين والرسوليين والمماليك والعثمانيين، ودولة الأئمة الزيدية من البداية كانت منافسة للحكم العباسي، كما أنها كانت تجسيدًا لطموح العلويين في الحكم مُعْتَبِرِين أنفسهم أهل حقٍّ في قيادة المسلمين، ومُتَّهِمِين العباسيين باغتصاب السلطة من أهلها[43].

وقد بقي سلطان الزيديين محصورًا في الجهة الشمالية من اليمن، وإن تمكَّن أئمتهم في بعض الظروف من السيطرة على صنعاء وذمار في أيام المتوكل المطهر بن يحيى (676- 697هـ)، وابنه المهدي محمد (697- 908)، وكانت الخلافات شِبْهَ دائمة بينهم وبين سلاطين بني رسول وبني طاهر لمَّا كانوا معاصرين لهم، ولم يكن هناك إمام واحد يلتفُّ حوله الزيديون جميعًا، وإنما كان يوجد أكثر من إمام في بعض الأحيان، وقد يختلف الأئمة بعضهم مع بعض، حيث لكلِّ واحد منهم منطقة نفوذ وأتباع، كما حدث أيام الواثق المطهر بن محمد، والمؤيد يحيى بن حمزة، والمهدي علي بن صلاح، والداعي أحمد بن علي الفتحي، وكلهم في المدَّة المحصورة بين (730 - 750)، وقد تَمُرُّ سنوات دون أن يقوم إمام من علماء الزيدية بالأمر، وخاصَّة بعد هزيمة إمامٍ أو إلقاء القبض عليه، أو قتله من قِبَلِ خصومه.

ويُقَدَّرُ عدد أئمة اليمن تسعة وخمسين إمامًا، حكموا اليمن منذ عام 898م إلى 1962م، حين أُطِيحَ بحكمهم في يوم 26 من سبتمبر 1962م، وأُعْلِنَ النظام الجمهوري[44].


ثورة الزيدية ضد العثمانيين

وعلى الرَّغم من السيادة العثمانية في اليمن، والتنظيم الإداري العثماني فيه، وقوَّة الدولة العثمانية وشبابها وقتذاك، إلا أن نفوذ أئمة اليمن من الزيديين ظلَّ قويًّا وفاعلاً، وامتدَّ إلى مناطقَ كبيرةٍ من البلاد اليمنية، خاصَّة في المناطق الجبلية، وحَصَّن الأئمة الزيديون مدينة تعز التي احتلَّها الوالي العثماني الجديد على اليمن أُوَيس باشا، الذي وصل إلى اليمن عام 953هـ/ 1546م، واستطاع هذا الوالي أن يُوَطِّد السيادة العثمانية على منطقةٍ أوسعَ، وخاصَّة في المناطق الجبلية التي لم يصل إليها العثمانيون، كما استطاع الوالي أن ينظِّم جندًا محليًّا من اليمنيين، يعملون جنبًا إلى جنب مع القوَّات العثمانية، لكن العسكر غدروا به وقتلوه، فتولَّى الأمر أزدمر باشا، وهو من العسكر العثمانيين في اليمن، وأزدمر باشا مملوكي من الشركس، انتظم في خدمة العثمانيين، وعُيِّنَ واليًا على اليمن، ومن أعماله في اليمن: محاربة الأئمة الزيديين، ودخول صنعاء، وجعلها مركزًا للولاية العثمانية ومكانًا لإقامة مَلِك اليمن، وقد ظلَّ أزدمر هذا في الباشوية حتى عام 964هـ/ 1556م، فخلفه على باشوية (ملك) اليمن مصطفى باشا المعروف بالنشار، وهكذا توالى تعيين الولاة العثمانيين على اليمن بشكل منتظم.

ثار الأئمة الزيديون ضدَّ العثمانيين عام 954هـ/ 1547م بقيادة الإمام مطهر بن شرف الدين الزيدي، وساعده عدد من العسكر العثمانيين الذين تمرَّدوا على السلطة العثمانية في اليمن بسبب ضَعْف رواتبهم، وتعمَّقت الثورة اليمنية بسبب الخلاف القائم بين الوالي العثماني في زَبِيدَ وتِهَامة والوالي العثماني في صنعاء والمناطق الجبلية، ونَمَتِ الثورة الزيدية وازدهرت بعد وفاة السلطان سليمان القانوني، فدخل الإمام مطهر الزيدي مدينة صنعاء عام 975هـ/ 1567م، مما جعل السلطان سليم الثاني يُرْسِل سنان باشا والي مصر إلى اليمن على رأس حملة عسكرية لإعادة الأمن والنظام فيها، وكان ذلك عام 977هـ/ 1569م، وتمكن سنان باشا من دخول صنعاء وإرساء قواعد الأمن والنظام العثماني في اليمن، وبِناء عليه عُدَّ هذا الإنجاز العثماني الجديد في اليمن الفتح العثماني الثاني لليمن؛ حيث إن الفتح الأول بدأ عام 946هـ/ 1539م.

ومع هذا كله ظلَّ الأئمة الزيديون على حالهم، فتعاملوا مع الولاة العثمانيين أحيانًا بشكل حسن، وظلُّوا يحافظون على استقلالهم في مناطقهم، وظل الأئمة الزيديون في أوقات كثيرة يثورون ضدَّ السلطة العثمانية؛ فثار الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، وشملت ثورته مناطق يمنية واسعة، مما أدَّى بالدولة العثمانية إلى إرسال حملات عسكرية ضدَّ ثورته، ثم قامت ثورة أخرى بقيادة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم ضدَّ الوالي العثماني أحمد فضلي عام 1031هـ/ 1621م، فاستولى على صنعاء وتعز وعدن، واستطاع إخراج العثمانيين من اليمن عام 1046هـ/ 1636م، وقد تمكَّن من ترسيخ دولة الإمامة الزيدية في اليمن، ومن هنا أصبح الأئمة الزيديون رمز الثورة اليمنية ضدَّ العثمانيين.

كانت الدولة العثمانية قد قرَّرت تعيين واليَيْنِ على اليمن عام 974هـ/ 1566م، أحدهما في ولاية اليمن من التهائم والسواحل ومركزها مدينة زَبِيد، والثاني في ولاية اليمن من تعز وصنعاء ومناطق الجبال، وهي محاولة هدف منها تثبيت دعائم الحكم العثماني في اليمن، وإرساء دعائم الأمن والنظام والاستقرار في المنطقة اليمنية التي ظلَّت تثور ضدَّ الدولة على مدى التاريخ والوجود العثماني في اليمن.


احتلال عدن

وعادت القوة إلى عسير بعد محمد بن أحمد المتحمي وقيام سعيد بن مسلط بأمر العسيريين ومن بعده علي بن مجثل، وعائض بن مرعي، فتوالت الحملات على المنقطة وجاءت حملة عام 1215هـ = 1835م بقيادة إبراهيم يكن، وتمكنت من القضاء على الثورة التي اندلعت في تعز ضد الإمام علي بن عبد الله المهدي وذلك عام 1253هـ = 1837م، كما استطاعت بعض فرق الحملة العثمانية من دخول عدن.

واحتل الإنكليز عدن عام 1255هـ = 1839م وعسير بعد هزيمة محمد علي في بلاد الشام، وعقد معاهدة لندن عام 1256هـ = 1840م التي حدَّدت نفوذ وحكم محمد علي في ولاية مصر فقط.

وضعف أمر الأئمة في هذه المدة إذ بدأ الخلاف بينهم، واستنجد الإمام محمد بن يحيى بالأمير عائض بن مرعي لنصرته فأرسل إليه قوة سارت عن طريق صحار، والأخرى عن طريق صعدة وكانت الثانية بإمرة الشريف حسين بن علي بن حيدر شريف (أبو عريش)، والأولى بإمرة يحيى بن مرعي أخي عائض بن مرعي، وتمكنت القوتان من دعم محمد ابن يحيى وتثبيته في صنعاء وعد واليًا للأمير عائض بن مرعي، ولكن ما إن عادت القوة العسيرية حتى تنكر الإمام محمد بن يحيى للعسيريين فكلف عائض بن مرعي عامله على أبي عريش حسين بن علي حيدر بتأديب إمام صنعاء، إلا أن الحيدري قد هزم ووقع أسيرًا بيد اليمنيين، وأراد عائض مرعي أن يسير إلى صنعاء لإنقاذ واليه إلا أن العثمانيين كانوا قد وصلوا إلى اليمن.


أطماع استعمارية في اليمن

ولأن عدن تُعَدُّ منطقة استراتيجية مُهِمَّة، وخاصَّة بالنسبة للدُّول الكبرى ذات المصالح التِّجارية والملاحية في البحار الدافئة، وفي مناطق شرقي آسيا، خاصة الهند، فإن بريطانيا كانت تهتم إلى حدٍّ كبير بها؛ وخاصة لأنها واقعة على طريق مواصلات الإمبراطورية البريطانية في الشرق، وكانت عدن مُهِمَّة أيضًا بالنسبة لشركة الهند الشرقية الإنجليزية العاملة في المنطقة، كما يُعَدُّ ميناء عدن، وجزيرة بريم الواقعة في فوهة مضيق باب المندب، وجزيرة كمران في البحر الأحمر، وجزيرة سوقطرى في المحيط الهندي من المواقع الرئيسية بالنسبة للمصالح البريطانية.

وعليه احتلَّت القوَّات البريطانية جزيرة بريم عام 1214هـ/ 1799م، وفي عام 1255هـ/ 1839م احتلَّت هذه القوَّات مدينة عدن بعد مقاومة محلية عنيفة، ثم أخذت بريطانيا توسع حدود منطقة استعمارها بشكل تدريجي، في الوقت الذي انشغلت فيه الدولة العثمانية في حربها مع القوى المحلية اليمنية بزعامة الأئمة الزيديين؛ فوسَّعت نفوذها الاستعماري على سواحل اليمن الغربية، وفي عام 1333هـ/ 1915م أصبحت كل المقاطعات الشرقية والغربية تابعة لحكم بريطاني، وأشرف عليها نائب الملك البريطاني في الهند، وكانت عدن تابعة لنفوذه أيضًا، وفي المقاطعات الشرقية توجد: سلطنة القعيطي وقاعدتها المكلا، والكثيري وقاعدتها سيون، والمهد وقاعدتها المهد، وقشن وسوقطرى ومركزها سوقطرى، ومشيخة بير علي ومركزها بير علي، ومشيخة حورة السفلى ومركزها حورة، وهناك محميَّات ومقاطعات غربية منها: سلطنة لحج وقاعدتها الحوطة، والصبيحة وقاعدتها الطور، والعقارب وقاعدتها بير أحمد، والحواشب وقاعدتها مسيمير، والعوالق العليا ومركزها مضاب، والعوالق السفلى ومركزها أحور، وإمارة الفضلي ومركزها شقرة، ويافع العليا وقاعدتها المجحنة، ويافع السفلى وقاعدتها القارة، وإمارة الضالع ومركزها الضالع، وإمارة بيحان ومركزها القبض.

انضمَّت ستُّ سلطنات في اتحاد فيما بينها عام 1378هـ/ 1958م بدعم من بريطانيا ومؤازرتها، ثم انضمَّت إلى هذا الاتحاد لحج، ثم تتابع انضمام السلطنات والمشيخات والإمارات، ثم انضمَّت إليه مستعمرة عدن عام 1382هـ/ 1962م، وسُمِّيَ هذا التكوين السياسي الاتحادي باسم اتحاد الجنوب العربي.


جبهة التحرير الوطنية

وفي عام 1388هـ/ 1968م، قرَّرت بريطانيا الانسحاب من جنوب اليمن المحتلِّ، وتنافست القوى اليمنية على مَن سيتولى أمور البلاد بعد الانسحاب البريطاني، وظهرت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتلِّ بقيادة عبد القوي مكاوي، وجبهة التحرير الوطنية بقيادة قحطان الشعبي، وحارب أتباع الجبهتين الإنجليز، وتحاربوا أيضًا فيما بينهم، وفي آخر المطاف سلَّمت بريطانيا مقاليد الحكم في اليمن الجنوبي إلى جبهة التحرير الوطنية بزعامة قحطان الشعبي، وغادرت القوات البريطانية جنوب اليمن عام 1387هـ/ 1967م، وأعلن اليمنيون الجنوبيون قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، جمهورية عربية مستقلَّة.


انقلابات متوالية


وهكذا ظلَّت الأمور في اليمن الجنوبي مضطربة رِدْحًا من الزمن، وقد أثَّر ذلك على الوضع الاقتصادي في البلاد.

وكان قد حدث خلاف بين الأئمة الزيديين، وطلب الإمام محمد بن يحيى النجدة والمساعدة من الأمير عائض بن مرعي حاكم عسير، فأرسل عائض بن مرعي قوَّة عسكرية لمساعدة الإمام محمد بن يحيى، واستطاعت هذه النجدة دعم الإمام محمد بن يحيى وتثبيت سلطته في صنعاء على أن يكون تابعًا لسيادة عائض بن مرعي، وكان عائض بن مرعي مؤيَّدًا ومدعومًا من قِبَلِ الدولة السعودية.

ولم تَدُم العلاقة الحَسَنَة بين الإمام محمد بن يحيى وبين عائض بن مرعي؛ ممَّا أدَّى بابن مرعي إلى أن يُرْسِلَ حملة عسكرية تحت زعامة الشريف حسين بن علي حيدر، عامل ابن مرعي على (أبو عريش) لتأديب الإمام محمد بن يحيى، لكن اليمنيين هزموا جيش الشريف حسين بن علي حيدر، وأسروا قائده ابن حيدر.

انتهز العثمانيون في الحجاز فرصة الخلاف الناشب بين آل مرعي والإمامة الزيدية في اليمن، فأرسلوا جيشًا عثمانيًّا احتلَّ الحديدة وبعض أجزاء من تهامة سنة 1266هـ/ 1849م، وتمكن توفيق باشا والي جدة العثماني من دخول صنعاء دون أن يَلقى مقاومة تُذْكَرُ، وحدث تفاهم بين الوالي العثماني توفيق باشا والإمام محمد بن يحيى، مما أغضب اليمنيين الذين ثاروا على الإمام محمد بن يحيى وألقوا القبض عليه، ونصَّبوا الإمام الزيدي علي بن المهدي بديلاً عنه، وقد تمكَّن الثُّوَّار اليمنيون من إخراج القُوَّات العثمانية من صنعاء.

ووجَّه العثمانيون حملة جديدة إلى اليمن عام (1285هـ= 1868م) لتأديب الثوار اليمنيين، وأبدى اليمنيون بسالةً في مقاومة هذه الحملة، وفرضوا على العثمانيين الحصار حتى اضطرُّوهم إلى الاستسلام.

وتحت ضغط الثورة الزيدية والأئمة الزيدية على العثمانيين في اليمن، اضطر الوالي العثماني عزة باشا أن يعقد صلحًا مع الإمام الزيدي اليمني يحيى حميد الدين عام 1329هـ/ 1911م في دَعَّان، وهي قرية غربي مدينة عمران، وأهم شروط اتفاقية دعان هي: أن يُشرف الإمام يحيى حميد الدين على شئون القضاء والأوقاف، وتعيين الحكام والمرشدين، وتشكيل محكمة مؤلَّفة من هيئة شرعية تكون في الواقع محكمة استئناف للنظر في الشكاوى التي يعرضها الإمام، وأن يكون مركز المحكمة الاستئنافية في مدينة صنعاء، ويَنْتَخِب الإمام رئيسها وأعضاءها، وتُصَدِّق على هذا التعيين الدولة العثمانية، وأنه في حال صدور أحكام بالقصاص لا بُدَّ أن تصادق عليها الحكومة العثمانية في الآستانة وصدور الإرادة السَّنِيَّة بذلك، بشرط ألاّ يتجاوز زمن تلك الإجراءات أربعة أشهر، وأن تكون في اليمن ولاية عثمانية يتَّصل الإمام بها مباشرة، وهي بدورها تُحِيل الأمر إلى الآستانة، ويحقُّ للحكومة العثمانية أن تُعَيِّن قضاة شرعيين في المناطق التي يوجد فيها سكان شوافع وأحناف، وتشكيل محاكم شرعية مختلطة من قِبَلِ قضاة وعلماء من الشوافع والزيديين للنظر في الدعاوى التي تقام من قِبَلِ المذاهب المختلفة، وتُعَيِّن الحكومة العثمانية محافظين تحت اسم مباشرين للمحاكم السيَّارة التي تتجوَّل في القرى؛ لفصل الدعاوى الشرعية هناك، وذلك دفعًا للمَشَقَّات التي يتكبَّدها أصحاب المصالح في الذهاب والإياب إلى مراكز الحكومة في المدن، وصدور عفو عام عن الجرائم السياسية، ولا تجبى الضرائب من أهالي أرحب وخولان وجبل الشرق مدَّة عشر سنوات بسبب فقرهم وخراب بلادهم، ولا تؤخذ أي ضرائب غير التي وردت في الشرع الإسلامي، وأنه على الإمام أن يُعطِيَ الدولة العثمانية عُشر حاصلاته، كما يحقُّ لمأموري الدولة العثمانية في اليمن أن يتجوَّلوا في أنحاء اليمن بشرط ألا يُخِلُّوا بالسكينة والأمن.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوالي محمود نديم باشا الذي خلف الوالي عزة باشا، هو آخر الولاة العثمانيين في اليمن؛ لأن الإمام الزيدي يحيى حميد الدين دخل مدينة صنعاء عام 1336هـ/ 1918م، وأعلن نفسه حاكمًا مستقلاًّ على اليمن، وأصبح الإمام بهذا الإعلان سيد الموقف في اليمن، وأصبح عليه المسئولية الأولى في التصدِّي للمشكلات والمتاعب الكثيرة الموجودة في البلاد داخليًّا، ومشكلات الحدود مع جيرانه، والمشاكل التي نجمت عن احتلال بريطانيا لبلاد اليمن الجنوبي، ومشكلات الحرب العالمية الأولى وغيرها من القضايا الأساسية، مثل حادثة ضرب ميناء الحديدة اليمني بمدفعية الأسطول البريطاني في البحر الأحمر، ثم احتلاله من قِبَلِ القوات البريطانية، بمساعدة الإدريسي حاكم تهامة عسير (المقاطعة الإدريسية) على ساحل البحر الأحمر.

بعد أن قذف الأسطول البريطاني ميناء الحديدة بالمدفعية واحتلَّه عام 1336هـ/ 1918م أرسلت الحكومة البريطانية بعثة الكولونيل جاكوب عام 1337هـ/ 1919م إلى صنعاء، لكن جاكوب وأفراد بَعْثَته أُسِرُوا من قِبَلِ القبائل، ولم يتمكَّن جاكوب من الوصول إلى صنعاء، حاول الإمام يحيى حميد الدين أن يصفي عَلاقته بالبريطانيين جيرانه في اليمن الجنوبي المحتلِّ، فأرسل القاضي عبد الله العرشي مندوبًا له مقيمًا في عدن، لكن الإمام فوجئ بتسليم بريطانيا الحديدة إلى السيد الإدريسي في أعقاب الحرب العالمية الأولى؛ مما أدَّى إلى توتُّر العَلاقات بين الإمام يحيى حميد الدين وبريطانيا عام 1338هـ/ 1920م.

واستدعى الإمام يحيى حميد الدين مندوبه العرشي من عدن، ثم شنَّ هجومًا يمنيًّا على المحميات الجنوبية المحتلَّة من قِبَلِ بريطانيا، مثل محمية الضالع والشعيب والقعيطي وغيرها، واحتلَّ مدينة البيضاء، مما جعل بريطانيا ترسل بعثة السير جلبرت كلايتون إلى صنعاء عام 1921م للتباحث مع الإمام يحيى في هذا الأمر، إلاَّ أنها لم تنجح، وقام كلايتون بزيارة ثانية إلى صنعاء عام 1925م، وفاوض خلالها الإمام مدَّة شهر دون أن تُؤَدِّيَ هذه المفاوضات إلى اتِّفاق مُرْضٍ.

شنَّ الإمام هجمات جديدة على المحميات المجاورة، ولجأ بعض شيوخها إلى عدن، فَرَدَّت الطائرات البريطانية على هذا الهجوم بقيام غارات جوِّيَّة على المدن اليمنية عام 1347هـ/ 1928م، ومع هذا جَرَتْ محاولة لتسوية الموضوع بين اليمن وبريطانيا، وتَوَصَّل المفاوضون إلى صيغة معاهدة عام 1350هـ/ 1931م، وقَّعتها بريطانيا بعد ثلاثة أعوام، أي عام 1353هـ/ 1934م، وتُبُودِلَتْ وثائق التصديق على المعاهدة بين الطرفين، وأهمُّ بنود تلك المعاهدة: اعتراف بريطانيا بالإمام يحيى حميد الدين ملكًا مستقلاًّ على اليمن، ويُقْصَدُ بذلك اليمن الشمالي، وأن يحافظ الطرفان المتعاهدان على سياسة حُسْنِ الجوار والصداقة بينهما، وأن يعمل الطرفان على تخطيط الحدود بينهما، وتسوية مشكلاتهما عن طريق المفاوضات السلميَّة.

وفي عام 1951م عُقِدَتْ معاهدة جديدة بين اليمن وبريطانيا، إلا أنها لم تُؤَدِّ إلى حلِّ الخلافات الحدودية بين الدولتَيْنِ، وبِنَاءً عليه ظلَّت العَلاقات متوتِّرة.

الجمهورية اليمنية

وبالنسبة إلى حركة المعارضة اليمنية ضدّ حكم الإمام، فقد تمرَّدت بعض القبائل عام 1344هـ/ 1925م على حكم الإمام يحيى حميد الدين، وقد أُخمدت حركة التمرُّد هذه على يَدِ قوَّة عسكرية قادها عبد الله بن أحمد الوزير، وقامت حركة تمرُّدية أخرى ضدَّ الإمام الزيدي، كانت من قِبَلِ قبيلة الزرانيق عام 1348هـ، 1929م، وبَقِيَت الثورة مشتعلة عامين، تمكَّن بعدها سيف الإسلام أحمد بن الإمام يحيى حميد الدين من القضاء عليها بالقوَّة.

كما قامت حركة معارضة أخرى ضدَّ الإمام يحيى قادها محمد الدباغ في مدينة البيضاء عام 1359هـ/ 1940م، وقضى عليها هي الأخرى بالقوة العسكرية، ثم قامت ثورة أخرى ضد الإمام سنة 1368هـ/ 1948م اشترك فيها بعض أبناء الإمام يحيى، ومعهم عبد الله بن أحمد الوزير، ونجحت في الإطاحة بالإمام، إلاَّ أنَّ ابنه سيف الإسلام أحمد تمكَّن من القضاء على الثورة، وانتزع الحكم من الثوار بالقوة، وأصبح إمامًا على اليمن، وتُوُفِّيَ الإمام أحمد بن يحيى عام 1382هـ/ 1962م، وخلفه ابنه الإمام سيف الإسلام محمد البدر الذي لُقِّبَ بالمنصور بالله، ولكن حدث انقلاب عسكري ضدَّه بعد ثمانية أيام من توليه الإمامة، قامت به جماعة من الضباط بزعامة عبد الله السلال، وأعلن السلال ومجموعته نهاية حكم الإمامة الزيدية في اليمن وقيام الجمهورية اليمنية.


التدخل العسكري المصري

وهنا اسْتَنْجَدَ السلال بمصر، فأمدَّه الرئيس جمال عبد الناصر بقوات مصرية، ومعدَّات حربية، فوقع في اليمن صراع طويل ومرير بين أنصار الإمام أو مَنْ يُعرفون بأنصار المَلَكِيَّة اليمنية وأنصار الجمهورية، ودام الصراع مدَّة سبع سنوات، ولم ينتهِ إلا عام 1389هـ/ 1969م، وقد انسحبت القوات المصرية من اليمن عام 1387هـ/ 1967م بعد لقاء تمَّ بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية في مدينة الخرطوم في مؤتمر القمَّة العربي في أعقاب هزيمة عام 1387هـ/ 1967م في الحرب العربيَّة - الصهيونية.

وما إن تمَّ انسحاب القوات المصرية من اليمن حتى قامت حركة جديدة أطاحت بالسلال الذي لجأ إلى بغداد، وشكَّل الانقلابيون مجلسًا رئاسيًّا لإدارة البلاد برئاسة عبد الرحمن الإيرياني، وكان القتال قد استمرَّ في أجزاء من اليمن حتى عام 1389هـ/ 1969م، على الرغم من انسحاب القوات المصرية من البلاد اليمنية عام 1387هـ/ 1967م، وقد توقَّف القتال اليمني في أواخر عام 1389هـ/ 1969م، ثم خرج عبد الرحمن الإيرياني من اليمن في عام 1394هـ/ 1974م، وتسلَّم رئاسة الوزراء المقدّم إبراهيم الحمدي، وبعد مرور ثلاث سنوات تم اغتيال إبراهيم الحمدي وتسلَّم رئاسة الجمهورية رئيس الأركان العقيد أحمد الغشمي، وهو من رؤساء قبيلة هَمْدان. وبعد عام واحد، في عام 1398هـ/ 1978م اغْتِيل الغشمي، وتسلَّم علي عبد الله صالح رئاسة الدولة.


توحيد شطري اليمن

وقد جرت في اليمنَيْنِ (الشمال والجنوب) عدَّة محاولات لقيام وَحدة بينهما، تضمُّ اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، وبفضل المساعي المشتركة بين الحكومتين اليمنيَّتين توحّد شطرا اليمن في 22 من مايو عام 1990م، وتسلَّم رئاسة الدولة رئيس اليمن الشمالي علي عبد الله صالح، وأصبح نائب الرئيس علي سالم البيض، ومرَّت على الوَحدة أربع سنوات، بدأت تظهر خلالها الصعوبات والمعوِّقات التي يحتاج حلُّها إلى صبر ورويَّة ونكران الذات خدمة للشعب اليمني، وقد تعمَّقت الخلافات إلى حدٍّ اندلعت فيه الحروب والمعارك بين الشطرين الموحَّدَيْنِ رغم تدخُّل بعض الدول العربية للمصالحة بينهما، وتَوَسُّط جامعة الدول العربية، وتَوْقِيعُ وثيقة العهد والاتفاق بين الرئيس علي عبد الله صالح ونائبه علي سالم البيض في مدينة عَمَّان بالأردن.

توسَّع مجال الخلاف بين الطرفين بعد أن أعلن اليمن الجنوبي انفصاله عن اليمن الشمالي مُستعيدًا اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ممَّا أتاح فرصة قيام تدخُّل دُولي، فأصدر مجلس الأمن الدُّولي في يوم الأربعاء في مطلع شهر يونيو عام 1994م قرارًا بوقف القتال الدائر فورًا، وقيام لجنة من هيئة الأمم لتَقَصِّي الحقائق، وفَرْضِ حصار على توريد الأسلحة للطرفين المتصارعين.

انتهت الحرب بهزيمة مجموعة علي سالم البيض، وإعادة توحيد الشطرين في دولة واحدة يرأسها علي عبد الله صالح، وعاصمتها صنعاء.



قصة الإسلام

أدوات الموضوع
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1