امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©

الآية 1، والآية 2: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ﴾: أي عَظُمَتْ بركات الله تعالى، وكَثُرَتْ خيراته، فهو الذي نَزَّلَ القرآن الفارق بين الحق والباطل ﴿ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ أي ليكون مُخَوِّفًا للإنس والجن من عذاب اللهِ ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ﴾ - لغِناهُ سبحانه عن ذلك - ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ أي أعطى كل مخلوق ما يُناسبه من الخَلق، وهذا مِثل قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ أي أعطاهُ خَلْقه اللائق به على أحسن صُنعٍ ﴿ ثُمَّ هَدَى ﴾ يعني أرشَدَ كل مخلوق إلى الانتفاع بما خَلَقَه له.

الآية 3: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾: أي اتّخذ المشركون معبوداتٍ باطلة لا تستطيع أن تخلق شيئاً (وإنْ صَغُر)، ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ يعني: بل هي مصنوعةٌ مِن حجارة، فكيف إذاً يَعبدونها؟!، ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ (فكيف لها أن تَنفع عابِدِيها أو تَضُرّ مَن لم يَعبدها؟!)، ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾: أي لا تستطيع هذه المعبودات أن تَسلب حياة المخلوقات، أو أن تُوجِدهم من العدم، أو أن تُطِيلَ أعمارهم حينَ يأتي أجَلهم، أو أن تبعثهم أحياءً من قبورهم.

الآية 4: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ ﴾ أي ما هذا القرآن إلا كَذِبٌ اختلقه محمد ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ ﴾ ﴿ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ﴾ أي لقد ارتكبوا ظلمًا فظيعًا، وقالوا كذباً قبيحاً؛ فالقرآن لا يستطيع أن يقوله بَشَر (وهُم يَعلمونَ هذا لأنهم أبلغ البشر).

الآية 5، والآية 6: ﴿ وَقَالُوا ﴾ عن القرآن: ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ﴾ أي قصص الأولين المُسَطَّرة في كُتُبهم، وقد نَقَلَها محمدٌ منهم ﴿ فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾: أي فهي تُقْرَأ عليه صباحًا ومساءً، فرَدّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾: يعني إنّ الذي أنزل القرآن هو اللهُ الذي أحاطَ عِلْمه بما في السماوات والأرض، ويَعلم ما يُسِرُّون وما يُعلنون، ﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا ﴾ لمن تاب من الشِرك به وجحود رسالته، ﴿ رَحِيمًا ﴾ بهم حيث لم يُعاجلهم بالعقوبة، (فلولا أنّ رحمته سبقتْ غضبه لأَهلَكَ مَن كَفَرَ به).
♦ ويُذَكِّرني قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ بقول البرُوفِيسُور "يوشيودي كوزان" (مُدير مَرصَد طُوكيُو): (إنَّ هذا القرآن يَصِفُ الكونَ مِن أعلى نقطةٍ في الوجود، فكل شيء أمامه مكشوف، إنَّ الذي قال هذا القرآنَ يرى كل شيء في هذا الكون، فليس هناك شيءٌ قد خَفِيَ عليه).

من الآية 7 إلى الآية 9: ﴿ وَقَالُوا ﴾: ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ﴾ يعني: ما لهذا الذي يَزعم أنه رسول (يَقصدون محمدًا صلى الله عليه وسلم) يأكل الطعام مِثلنا ﴿ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ لطلب الرزق؟ ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ يعني: هَلاّ أرسَلَ اللهُ معه مَلَكًا ليَشهد على صِدقه، ﴿ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ ﴾ من السماء ﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ أي حديقة عظيمة ﴿ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ لتكون دليلاً على اعتناء الله به؟، ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ ﴾ أي قال السادة لِمَتبُوعيهم: ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴾ أي: ما تَتَّبعونَ إلا رَجُلاً قد أصابه السِحرُ فأصبح مَخدوعاً به، فلا تتأثروا بكلامه ولا تلتفتوا إليه.
﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ ﴾: أي تَعَجَّبْ أيها الرسول مِن قولهم عنك بأنك ساحر، حتى يُلقوا الشُكوك حولك، باحثينَ بذلك عن طريقٍ يُخَلِّصهم مِن دعوة التوحيد، ولكنهم لن يستطيعوا، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَضَلُّوا ﴾ أي ضَلُّوا عن طريق الحق بسبب هذه الأقوال الكاذبة ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ أي: فلا يَجدونَ طريقاً يَرجعونَ به إلى الحق الذي تَرَكوه، أو يَتمكنوا به مِن صَرْف الناس عن دَعْوَتك (والذي أَوْقعهم في ذلك كِبْرهم وعِنادهم).

من الآية 10 إلى الآية 14: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ اللهُ العظيم ﴿ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ﴾ الذي يَطلبونه منك، إذ لو شاء سبحانه لَجَعَلَ لك في الدنيا ﴿ جَنَّاتٍ ﴾ أي حدائق كثيرة ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ ﴿ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ عظيمة، ولكنه سبحانه لم يَشأ ذلك في الدنيا، لأنها دارُ عمل، وليست دارُ جزاء وراحة ونعيم، والخير فيما يشاؤه سبحانه.
♦ وما كَذَّبوك لأنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق ﴿ بَلْ كَذَّبُوا ﴾ - عِناداً - ﴿ بِالسَّاعَةِ ﴾ التي تقوم فيها القيامة، ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾ أي نارًا حارة تُوقَد عليهم وتَغلي بهم، و﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ ﴾ هذه النار يوم القيامة ﴿ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾: ﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ أي سمعوا صوت غليانها وغَيظها منهم، ﴿ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا ﴾: يعني إذا أُلقوا في مكانٍ شديد الضِيق من جهنم، ﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ يعني: وقد قُيِّدَت أيديهم بالسلاسل إلى أعناقهم: ﴿ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾: أي دَعَوْا على أنفسهم بالهلاك للخَلاص من ذلك العذاب، فحينئذٍ يُقالُ لهم تيئيسًا وتحسيراً: ﴿ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ أي لا تَدْعوا اليوم بالهلاك مرة واحدة، بل ادعوا مراتٍ كثيرة، فإنه لا خَلاصَ لكم.

الآية 15، والآية 16: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿ أَذَلِكَ ﴾ يعني أهذه النار التي وُصِفتْ لكم ﴿ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ﴾ يعني أم جنة النعيم الدائم ﴿ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ أي التي وَعَدَ اللهُ بها الخائفين من عذابه، ﴿ كَانَتْ ﴾ الجنة ﴿ لَهُمْ جَزَاءً ﴾ على أعمالهم، ﴿ وَمَصِيرًا ﴾ يَرجعون إليه في الآخرة، ﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ﴾ مِن كل ما تشتهيه أنفسهم مِمَّا لَذَّ وطابَ من المطاعم والمشارب والملابس والمراكب وغير ذلك مِمَّا لم يَخطر على قلب بَشَر، (وهذا هو مُنتهَى الإكرام، إذ كَون العبد يَجد كل ما يَشتهي، هو نعيمٌ ليس بعده نعيم)، ﴿ خَالِدِينَ ﴾ أي متاعهم فيها دائم، ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴾ أي كان دخولهم الجنة وعدًا مسؤولاً على ربك - أيها الرسول - يسأله عليه عباده المتقون يوم القيامة قائلين: ﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾، والملائكة تقول: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ﴾، فيُنجز اللهُ لهم وعده، والله لا يُخلف الميعاد.

الآية 17: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾ أي اذكر أيها الرسول يوم يَحشر الله المشركين مع آلهتهم التي كانوا يَعبدونها ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ كالملائكة والأنبياء والأولياء والجن ﴿ فَيَقُولُ ﴾ اللهُ لهؤلاء - الذين عَبَدهم المشركون -: ﴿ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ ﴾ عن طريق الحق، وأمَرتموهم بعبادتكم؟، ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ يعني: أم هم الذين ضَلّوا طريق الحق فعبدوكم مِن عند أنفسهم؟ (واعلم أنّ هذا الاستفهام غرضه التقرير والشهادة على المشركين).

الآية 18، والآية 19: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال المعبودون من دون الله: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ أي تنزيهًا لك يا ربنا عَمَّا فعل هؤلاء، فـ ﴿ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي لا يَصِحُّ أن نَتَّخِذ تابعينَ لنا نأمرهم بعبادتنا وترْك عبادتك ﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ ﴾ بطول الأعمار وسعة الأرزاق، فانغمسوا في الشهوات والمَلَذّات ﴿ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ أي حتى نَسوا ذِكْرك وعبادتك وما جاءتهم به رُسُلك، ﴿ وَكَانُوا ﴾ بذلك ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ أي قومًا هالكينَ خاسرين، فحينئذٍ يُقال للمشركين: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾: أي لقد كَذَّبكم الذين عبدتموهم في ادِّعائكم عليهم، ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ﴾: أي فها أنتم الآن لا تستطيعون دَفْعًا للعذاب عن أنفسكم، ﴿ وَلَا نَصْرًا ﴾ أي: ولا تجدون مَن يَنصركم فيَمنع عنكم العذاب، ﴿ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ﴾ أيها الناس، بأن يُشرِك بربه - فيَعبد غيره ويَمُت على ذلك -: ﴿ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾ أي نُعَذّبه عذابًا شديدًا في جهنم.

الآية 20: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ ﴾ - أيها الرسول - أحدًا ﴿ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ مِثلك ﴿ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ إذاً فلا تهتم بقول المشركين لك: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام)، فإنهم يَعرفون ذلك ولكنهم يُعاندون، ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ - أيها الناس- ﴿ فِتْنَةً ﴾ أي ابتلاءً واختبارًا بالغِنى والفقر، والصحة والمرض وغير ذلك (فالفقير يقول: ما لي لا أكون كالغني؟، والمريض يقول: مالي لا أكون كالصحيح؟، وكذلك فإنّ الغني مُبتلَى بإعطاء الفقير، وهكذا).
﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ يعني: هل تصبرون على هذه الابتلاءات، وتصبرون على القيام بما أوجبه الله عليكم أو لا تصبرون؟، (واعلم أنّ هذا الاستفهام غرضه الحث على الصبر والأمر به، فهو مِثل قوله تعالى - عندما حَرَّم الخمر والميسر -: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾؟ أي: انتهوا عمَّا حرّم الله)، ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ بمن يَسخَط أو يصبر، وبمن يَكفر أو يَشكر، فيَجزي الصابرين أجرهم بغير حساب، ويَجزي الساخطين بما يَستحقون من العذاب.
♦ واعلم أنّ قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ يَحمل تصبيراً للرسول صلى عليه وسلم والمؤمنين، مِن أجل ما يُلاقونه مِن عِناد المشركين وأذاهم..

الآية 21: ﴿ وَقَالَ ﴾ المُكَذِّبون ﴿ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾ أي الذين لا ينتظرون لقائنا في الآخرة (لأنهم لا يؤمنون بذلك): ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ﴾ يعني: هَلاَّ أنزل اللهُ علينا الملائكة، لتُخْبِرنا بأنّ محمدًا صادق ﴿ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ﴾ فيُخبرنا بصدق رسالته.
♦ ثم وَضّحَ سبحانه سبب جُرأتهم على هذا القول بقوله: ﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ يعني إنهم أخفوا التكبر عن قبول الحق في أنفسهم المغرورة، فلذلك لجؤوا لتلك المَطالب على سبيل العِناد ﴿ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ أي تجاوزوا الحدَّ في طغيانهم وكُفرهم.


الآية 22: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ ﴾ - عند الاحتضار، وفي القبر، وفي القيامة - ولكنْ ﴿ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾: أي لن تبشرهم الملائكة بالجنة، بل ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ لهم: ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾: أي حرامًا مُحَرمًا عليكم أن تدخلوا الجنة، (واعلم أنّ كلمة (مَحجورًا) هي صفة مؤكِّدة للمعنى).


الآية 23: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ﴾ مِن أعمال الخير والبر - كَصِلة الرحم وإطعام الطعام وفَكّ الأَسرَى وغير ذلك - ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ (وهو الغبار الخفيف الذي يُرَى في ضوء الشمس)، وذلك لأن العمل لا ينفع في الآخرة إلا إذا توفرت في صاحبه هذه الشروط: (الإسلام، وإخلاص العمل لله وحده، واتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم).




الآية 24: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ من أهل النار ﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ أي أحسن منزلاً في الجنة، (فراحتهم تامة، ونعيمهم لا يُكَدَّر، وسعادتهم لا تَنقص).
♦ وهنا قد يقول قائل: كيف وَصَفَ اللهُ الجنة بأنها ﴿ أَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ أي مِن النار، ولا خيرَ أصلاً في النار حتى تُقارَن بالجنة؟
• والجواب: أنّ هذا من باب قول العرب: (الشقاء أحب إليك أم السعادة؟) وقد عُلِمَ أن السعادة أحَبُّ إليه.

الآية 25: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ﴾: أي اذكر أيها الرسول يوم القيامة، حينَ تتشقق السماء، ويَظهر من فتحاتها السحاب الأبيض الرقيق الذي يُشبه الضباب، ﴿ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴾ من السموات، حتى يُحيطوا بالخلائق في أرض المَحشر، ويأتي اللهُ تبارك وتعالى لفصل القضاء بين العباد، إتيانًا يليق بجلاله وكماله.


الآية 26: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ يعني: المُلْك الحق في هذا اليوم يكونُ للرحمن وحده دونَ غيره، (إذ لم يَبقَ لملوك الأرض شيء من المُلك)، ﴿ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ أي صعبًا شديدًا (لِما فيه من العذاب والأهوال)، (ويُفهَم مِن ذلك أن هذا اليوم يكونُ على المؤمنين غيرَ عسير، بل يكونُ سهلًا خفيفًا عليهم).

الآية 27، والآية 28، والآية 29: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ (نَدَمًا وحسرةً على ما قَدَّمَ في حق الله تعالى)، فـ ﴿ يَقُولُ ﴾: ﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ يعني: يا ليتني اتَّبعتُ الرسولَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، واتّخذتُ الإسلام طريقًا إلى الجنة، ثم يَتحسَّر قائلاً: ﴿ يَا وَيْلَتَى ﴾ يعني: يا هَلاكِي (والمقصود أنه يَدعو على نفسه بالهلاك والموت، لمُشاهدته لعَظائم الأهوال وما يَنتظره من أصناف العذاب)، ويقول: يا ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ ﴾ الكافر ﴿ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾ أي صديقًا أتَّبعه وأُحِبُّه، فـ ﴿ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ﴾ أي عن القرآن وما فيه من الهدى ﴿ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ﴾ من ربي، ﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ أي يَخذله عند حاجته إليه (والمقصود أنه يُوَرِّطه ثم يتخلى عنه)، (وفي هذه الآيات تحذير من مصاحبة صديق السوء، فإنه يؤدي بصاحبه إلى النار).

♦ واعلم أنّ في هذه الآيات دليل على أنّ العِبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن الآية نزلتْ في "عُقبة بن أبي مُعَيْط" عندما أسلم، ثم لامَهُ صديقه المُشرِك "أُبَيّ بن خَلَف" على إسلامه، فأطاعه "عُقبة" وارتد عن الإسلام، فهو النادم المتحسر في الآية، ومع هذا فإن الله قال: ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾، ولم يَذكر اسم "أُبَيّ بن خَلَف"، لتَبقى الآية على عمومها في كل زمان.

الآية 30: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ ﴾ - شاكيًا لربه ما صَنَعَ قومه -: ﴿ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴾ أي هَجَروا القرآن، وتركوا تدبُّره والعمل به وتبليغه، (وفي الآية تخويف عظيم لمن هَجَرَ القرآن ولم يَعمل به).

الآية 31: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ يعني: وكما جعلنا لك - أيها الرسول - أعداءً مِن مُجرِمي قومك، فكذلك جعلنا لكل نبيٍّ عدوًّا مِن مُجرِمي قومه، فاصبر كما صَبَرَ هؤلاء الأنبياء ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا ﴾ إلى طريق الفوز والنجاة ﴿ وَنَصِيرًا ﴾ لك على أعدائك، (وفي هذا تصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يُلاقيه مِن أذى قومه).


الآية 32: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ يعني: هَلَّا أُنزِلَ القرآن على محمد دُفعةً واحدة (كما نَزَلت التوراة والإنجيل)، فرَدَّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يعني كذلك أنزلناه آية بعد آية - بحسب الحوادث والأحوال - ﴿ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾: أي لنُقَوِّي به قلبك أيها الرسول، حتى تتحمل أعباء الرسالة، وتزداد به طمأنينةً أنت وأصحابك، (إذ كلما نَزَلَ قرآن: ازدادَ المؤمنون إيمانًا، فقلوبهم تحيا بالقرآن، كما تحيا الأرض بالمطر)، ﴿ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾: أي قرأناه عليك في تمَهُّل، (ويُحتمَل أن يكون المعنى: أنّ اللهَ أنزله مُرَتَّلًا (أي شيئًا بعد شيء)، ليَتيَسَّر حِفظه وفَهمه والعمل به).

الآية 33، والآية 34: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ﴾ أي: لا يأتيك المشركون بشُبهةٍ معينة أو اقتراح معين - كقولهم: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟)، وقولهم: (لولا نُزِّلَ عليه القرآن جُملةً واحدة) - ﴿ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾: يعني إلا جئناك بالجواب الحق - الذي يَقطع حُجَّتهم - وبأحسن بيان له، (وهذا أحد أسباب نزول القرآن شيئًا بعد شيء، أنهم كلما شَكَّكوا في شيء، يَنزل القرآن بإبطال شُبهتهم، وإقامة الحُجة عليهم).
♦ أولئك المشركون هم ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ أي تَسحبهم الملائكة على وجوههم ﴿ إِلَى جَهَنَّمَ ﴾، و﴿ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ﴾ أي: هُم شَرُّ الناسِ مَنزلةً ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ يعني: وهُم أبعد الناس عن طريق الحق.


الآية 35، والآية 36: ﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ وهو التوراة ﴿ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴾ أي جَعَلناهُ مُعِينًا له على تبليغ الرسالة، (والمقصود مِن أنّ هارون وزير أي يَشُدّ أَزْر موسى (يعني يُقوِّيه ويَتحمل معه أعباء الدعوة))، ﴿ فَقُلْنَا ﴾ لهما: ﴿ اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾ (وهُم فرعون وقومه) الذين كذَّبوا بأدلة توحيد الله تعالى التي جاءهم بها يوسف عليه السلام، (كما قال تعالى - حِكايةً عن مؤمن آل فرعون -: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ﴾، فذَهَب موسى وهارون إليهم فكذَّبوهما أيضًا ﴿ فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ﴾ أي تدميرًا عظيمًا، حيثُ أغرقناهم جميعًا في البحر.


الآية 37: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ﴾ أي لَمَّا كذبوا نوحًا عليه السلام؛ (لأن مَن كَذَّبَ رسولاً فقد كَذّبَ الرسُل جميعًا، إذ دعوتهم واحدة وهي التوحيد)، فحينئذٍ ﴿ أَغْرَقْنَاهُمْ ﴾ بالطوفان ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً ﴾ أي عِبرة عظيمة على إهلاك المشركين وإنجاء المُوَحِّدين، ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ أي أعَدَّ اللهُ للمشركينَ الظالمين ﴿ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ في جهنم.

الآية 38: ﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ ﴾ أهلكناهم عندما كذَّبوا رُسُلهم ﴿ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ﴾ (وهُم أصحاب البئر الذين قتلوا نَبِيَّهم وألقوه في البئر فأهلكناهم)، ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴾ يعني: وأهلكنا أممًا كثيرة - بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب البئر - لا يَعلمهم إلا الله.


الآية 39: ﴿ وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ﴾ يعني: وكل الأمم قد وضَّحنا لهم الأدلة والبراهين، ومع ذلك لم يؤمنوا، ﴿ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴾: أي أهلكناهم بالعذاب إهلاكًا عظيمًا.

الآية 40: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾: أي لقد كان مُشرِكو "مكة" يَمُرُّون في أسفارهم على قرية قوم لوط التي أُهلِكَت بالحجارة من السماء، ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ﴾؟! (بلى لقد رأوها)، ﴿ بَلْ ﴾ مَنَعهم من الاعتبار بها أنهم ﴿ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ أي كانوا لا يَنتظرون مَعادًا يوم القيامة يُجازون فيه على أعمالهم، فلذلك لم تنفعهم المواعظ ولم تؤثر فيهم العِبَر.

الآية 41، والآية 42: ﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ﴾ يعني: إذا رآك هؤلاء المشركون - أيها الرسول - استهزؤوا بك قائلين: ﴿ أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾ يعني: أهذا الذي يَزعم أن الله بعثه رسولًا إلينا؟ ﴿ إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا ﴾ أي لقد قارَبَ أن يَصرفنا عن عبادة أصنامنا بقوة حُجَّته وبيانه ﴿ لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ يعني: لولا أننا ثَبَتْنا على عبادتها، ﴿ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ في الآخرة: ﴿ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ يعني مَن أضَلُّ دينًا؟ أهُم أم محمد صلى الله عليه وسلم؟

الآية 43، والآية 44: ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ أيها الرسول ﴿ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ أي جَعَل طاعته لهواه كطاعة المؤمن لله ﴿ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾ حتى تردَّه إلى الإيمان؟! ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ﴾ القرآنَ سَماعَ تدبُّر ﴿ أَوْ يَعْقِلُونَ ﴾ أي يَتفكرونَ فيه ليَهتدوا؟! ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ﴾ أي: ما هم إلا كالبهائم في عدم الانتفاع بما يسمعونه ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ يعني: بل هم أضَلُّ طريقًا منها؛ (لأن الأنعام تعرف طريق مَرعاها وتستجيب لنداء راعيها، أما هم فقد جَهلوا ربهم الحق، ولم يستجيبوا لنداء رسوله).

الآية 45، والآية 46: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ ﴾ يعني ألم تَرَ إلى صَنِيعِ ربك ﴿ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ أي مَدَّهُ في الكون (منذ طلوع الفجر إلى شروق الشمس)؟ ﴿ وَلَوْ شَاءَ ﴾ سبحانه ﴿ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ﴾ أي ثابتًا مستقرًّا لا تزيله الشمس، ولكنه جعل أحواله متغيرة (لتُعرَف به ساعات النهار وأوقات الصلوات، وغير ذلك من مصالح العباد)، ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾ أي جعلنا الشمس علامة على وجوده (إذ لولا الشمس: ما عُرِفَ الظل)، ﴿ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ أي أزَلنا الظل شيئًا فشيئًا بضوء الشمس (إذ كلما ازداد ارتفاع الشمس:ازداد نقصان الظل، حتى يَنتهي ويَحِل مَحَلَّه الظلام)، (وهذا من الأدلة على قدرة الله تعالى وحِكمته، وعنايته بمصالح خلقه، وأنه وحده الذي يَستحق أن يَعبدوه).
♦ واعلم أنّ قوله تعالى: ﴿ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا ﴾ فيه تشبيهٌ للظل بثوبٍ بَسَطَه صاحبه ثم طَواهُ، فسبحان الخَلاَّق القدير.

الآية 47: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾ أي ساترًا يَستركم بظلامه (كما تَستركم الثياب)، ﴿ وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ﴾ أي جعل سبحانه النوم راحةً لأبدانكم ﴿ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴾ أي جعل النهار لتنتشروا في الأرض، وتسعوا في طلب رزقكم.
♦ واعلم أنّ المقصود بوصف النهار بالنشور (وهو البَعث) - أنَّ الله جعل النهارَ حياةً بعد وفاة النوم (إذ النوم بالليل كالموت، والانتشار بالنهار كالبعث)، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا استيقظ مِن نومه: "الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور".

الآية 48، والآية 49: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ ﴾ (التي تحمل السحاب)، لتكونَ ﴿ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي لتُبَشِّر الناس بالمطر (رحمةً منه سبحانه)، ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾، (والماء الطهور هو الماء الطاهر الذي يَتطهر به الناس من النجاسات)، وقد أنزلناهُ ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾: أي لنُخرج به النبات في مكانٍ يابس ميت، ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ﴾ أي: ولِنُسْقي بذلك الماء كثيرًا مِمّن خَلَقنا من الحيوانات والناس، (ففي إنزال اللهِ للماء، وفي هداية خَلقه لتناوله، وفي إحياء الأرض المَيتة به، دليلٌ على استحقاق الله وحده للعبادة، وأنه القادرُ على بَعث الخلائق بعد موتهم).

الآية 50: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي أنزلنا المطر على أرضٍ دونَ أخرى ﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ أي ليَتذكر الذين أنزلنا عليهم المطر نعمة الله عليهم فيشكروه، وليَتذكر الذين مُنِعوا المطر مَعصيتهم، فيُسارعوا بالتوبة إلى ربهم، ليَرحمهم ويَسقيهم، ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾ أي فلم يَقبل أكثر الناس إلا الجحود بنعمنا عليهم، كقولهم: (مُطِرْنا بفضل كوكب كذا وكذا).


الآية 51، والآية 52: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ (يَدعوهم إلى توحيد ربهم ويُنذرهم عذابه)، ولكننا جعلناك - أيها الرسول - مَبعوثًا إلى جميع أهل الأرض، وأَمَرناك أن تُبلغهم هذا القرآن،﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ﴾ في ترْك شيءٍ مِمّا أرسلناك به، بل ابذل كل جهدك فيتبليغ الرسالة ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ﴾ أي بهذا القرآن وما فيه من الحُجَج والأدلة ﴿ جِهَادًا كَبِيرًا


• الآية 53: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ﴾ أي خَلَطَ البحرين (يعني جَعَلهما يجريان معًا في مكانٍ واحد)، فـ ﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ﴾ أي عذبٌ سائغٌ شُربه، ﴿ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ أي شديد الملوحة لا يُشرَب، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ﴾ أي حاجزًا يَمنع كل واحدٍ منهما من إفساد الآخر (رغم أنهما مختلطان)، ﴿ وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾: أي: وحرامًا مُحَرَّمًا أن يَصلأحدهما إلى الآخر.

• الآية 54، والآية 55: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ ﴾ أي خَلَقَ مِن مَنِيِّ الرجل: ﴿ بَشَرًا ﴾ (ذكورًا وإناثًا) ﴿ فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾ أي: فنَشَأ مِن هذا البَشَرقَرابة النَسَب وقَرابة المُصاهَرة (بالزواج)، (ويُحتمَل أن يكون المعنى: أنه سبحانه أنشأ من هذه النُطفة: ذَكَرًا وأنثى، فالذكَر يُنسَب إليه الأبناء، والأنثى يُصهَر إليها (أي يُتزوَّج منها لتُنجِب الأبناء)، ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ على خَلق ما يشاء، (واعلم أن أصهار الرجل هم أقارب زوجته).
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ يعني: ورغم هذه الأدلة على قدرة الله وإنعامه على خلقه، فإن الكفار يَعبدون من دون اللهِ ﴿ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ إنْ عَبَدوه، ﴿ وَلَا يَضُرُّهُمْ ﴾ إنْ تَرَكوا عبادته، ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ أي مُعِينًا للشيطان على معصية الرحمن.

• الآية 56، والآية 57: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ﴾ أيها الرسول ﴿ إِلَّا مُبَشِّرًا ﴾ للمؤمنين بالجنة ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ للكافرينمن النار، أما هداية القلوب فهي إلى الله وحده، (إذ يَهدي سبحانه مَن طَلَبَ الهداية بصِدق، وسَعَى في تحصيل أسبابها)، (ولا يُضِلُّ سبحانه إلا مَن رَغِبَ في الضلال، وسَعَى إليه وأحَبَّه)، ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لمُشرِكي قومك: ﴿ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾: أي لا أطلب منكم أجرًا على تبليغرسالة ربي ﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ يعني: لكنْ مَن أراد أن يَسلك طريق الحق ويُنفق في سبيل ربه، فإنما هو خيرٌلنفسه.

• الآية 58، والآية 59: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ ﴾ أي صاحب الحياة الكاملة (التي تليق بجلاله) ﴿ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ (وكُلُّ حَيٍّ غيره مَسبوقٌ بالعدم ويَلحقه الفَناء)، (واعلم أن التوكل هو الاعتماد على اللهِ تعالى - مع الأخذ بالأسباب - ولكنْ مع تعلق القلببمُسَبّب الأسباب (فالجَوارحُ تعمل والقلوبُتتوكل)، ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أي أكثِر مِن قول: (سبحان اللهِ وبحمده)، (وهي تعادل في المعنى: (سبحان الله والحمد لله)، (فأمّا كلمة (سبحان الله): فمَعناها أنك تَنفي عن اللهِ تعالى كل ما لا يَليقُ به، وأمَّا معنى (الحمد لله): أنك تشكرُ اللهَ تعالى على نِعَمه، وتُثنِي على جلاله وكماله)، ﴿ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ أي كفى باللهِ خبيرًا بذنوب خلقه، إذ لا يَخفى عليهشيءٌ منها، وسوف يُحاسبهم عليها ويُجازيهم بها، (وفي هذا تصبيرٌ للنبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه وعِنادهم).
♦ وهو سبحانه ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ أي عَلا وارتفع على العرش (استواءً يليق بجلالهوعظمته)، وهو سبحانه ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ الذي وَسِعَت رحمته كل شيء، ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾: أي اسأل أيها النبي بذلك خبيرًا (يَقصد سبحانه بذلك نفسه الكريمة)، أي اسأل ربك عن نفسه، فهو سبحانه الخبير الذي يَعلم صفات نفسه.

• الآية 60: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ - ولا تسجدوا لغيره من المخلوقات - ﴿ قَالُوا ﴾ - مُنكِرينَ مُتجاهلين -: ﴿ وَمَا الرَّحْمَنُ ﴾ يعني ما نعرف الرحمن، ﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ يعني أتريد أن تفرض علينا طاعتك؟ ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾: أي زادهم ذلك الأمر بالسجود بُعْدًا عنالإيمان ونُفورًا منه.

• الآية 61: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ أي عَظُمَتْ قدرة الرحمن، وكَثُرَ خيره وفَضْله، فهو ﴿ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾؛ أي: مَنازل تسير فيها الكواكب والنجوم،ليُستَدَلّ بها على الطرُقات والأوقات، وغير ذلك مِن مَصالح العباد ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ﴾ أي شمسًا مضيئة ﴿ وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾.


• الآية 62: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ أي جَعَلهما مُتعاقبَيْن، يَخْلُف أحدهما الآخر ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ﴾؛ أي: يَعتبر بما في ذلك من الآيات، فيُؤمن بالخالق المدبِّر الذي يَستحق العبادة وحده، (ومِن ذلك أيضاً أنّ مَن نَسِيَ عملًا بالنهار يعمله حين يَذكره بالليل، ومَن نَسِيَ عملًا بالليل يعمله حين يَذكره بالنهار)، ﴿ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ للهِ تعالى علىنعمه (بالاجتهاد في طاعته ليلًا ونهارًا).

• الآية 63: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾ أي عباده الصالحون، (وقد نَسَبَهم سبحانه إلى نفسه لتشريفهم)، كقوله تعالى: (بيت الله، وناقة الله)، ثم وَضَّحَ صفاتهم بأنهم ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ أي يَمشون على الأرض بتواضعٍ ووقار، ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ﴾ بكلامٍ يؤذيهم: ﴿ قَالُوا سَلَامًا ﴾: أي خاطَبوهم خطابًا يَسْلَمون به منالإثم، ومِن مقابلة الجاهل بجهله، (فلم يَرُدُّوا السيئة بالسيئة، ولكنهم رَدُّوا عليهم بأحسن الكلمات ثم فارَقوهم).

• الآية 64: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ أي يَقضون ليلهم بين السجود والقيام، وهُم مُحِبّونَ لربهم (الذي يراهم وهُم قائمونَ له)، ذليلونَ له سبحانه (مِن كثرة نعمه عليهم وكثرة ذنوبهم)، راجونَ رحمته، خائفونَ من عذابه).

• الآية 65، والآية 66: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ يعني إنّ عذابها لا يُفارق صاحبه، ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ يعني إنّ جهنم شَرٌّ مُستقَرًّا وإقامة.

• الآية 67: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ أي لم يَتجاوزوا الحد في العطاء ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾: أي لم يُضَيِّقوا فيالنفقة، (﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ أي كان إنفاقهم وَسَطًا بين التبذير والتضييق.


• الآية 68، والآية 69، والآية 70: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ ﴾ (بل يُخلِصون عبادتهم لله وحده، ويَدعونه في قضاء حوائجهم)، ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ قَتْلها ﴿ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ يعني إلا بالحق الشرعي (كالقِصاص، ورَجْمالزاني المتزوج، وقتل المُرتَد)، واعلم أن تنفيذهذا القِصاص يكون عن طريق وَلِيِّ الأمر (وهو حاكِمُ البلد)، ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ (بل يَحفظون فروجهم - إلا على أزواجهم أو مامَلَكَتْ أيمانهم - ويَسُدون كل الأبواب التي تقربهم من الفاحشة)، ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ يعني: ومَن يَفعل شيئًا من هذه الكبائر ﴿ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ أي يَلْقَ في الآخرة عقابَ إثمه، إذ ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾ أي ذليلًا حقيرًا (واعلم أنّ الوعيدبالخلود يكونُ لمن أشرك بالله تعالى) ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ ﴾ مِن هذه الذنوبتوبةً نصوحًا ﴿ وَآَمَنَ ﴾ أنّ اللهَ كان يراه وهو يفعل المعصية، فحينئذٍ يَنكسر قلبه، ويَذِل لربه، ويَستحيي أن يراه مرة أخرى على معصية، ﴿ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ أي داوَمَ على فِعل الأعمال الصالحة بعد توبته، ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ أي يمحو اللهسيئاتهم ويجعل مكانها حسنات (بسبب توبتهم وندمهم، وكثرة استغفارهم على ما مضى من ذنوبهم)، (فإن مِن علامات التوبة النصوح: أن تَكره الذنب كما أحببته، وأن تستغفر منه إذا ذكرته)، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لمن تاب إليه، ﴿ رَحِيمًا ﴾ بعباده حيث دعاهم إلى التوبة بعد أن فعلوا أكبر المعاصي.

• الآية 71، والآية 72: ﴿ وَمَنْ تَابَ ﴾ عمَّا ارتكبه من الشرك والذنوب، وندم على ما فعل، وعزم عزمًا صادقًا على عدم العودة إلى الذنوب، ورَدَّ الحقوق لأصحابها ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ بعد التوبة: ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ يعني فإنه بذلك يَرجع إلى ربه رجوعًاصحيحًا، فيَقبل توبته ويَغفر ذنوبه.
♦ ثم يُكمِل سبحانه صفات عباد الرحمن قائلاً: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ أي لا يَشهدون بالكذب، ولا يحضرون مجالسه ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ﴾: يعني إذا مَرُّوا بأهل الباطل مِنغير قصد: ﴿ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ أي مُعرضينَ عنهم، مُنكرينَ لِمَا هم عليه، مُمتنعينَ عن سماع ما لا خيرَ فيه من الأقوال والأفعال أو المشاركة فيه.

• الآية 73: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾: يعني إذا وُعِظُوا بآيات القرآن وأدلة وحدانية الله تعالى: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾، يعني لم يَسجدوا على الأرض بدون وَعْي أو تدبر، (كما يفعل الكفار الذين يسجدون لاصنامهم)، بل إنهم يَسمعون الآية، ويَفهمون ما تدعو إليه، فحينئذٍ تتفتَّحلها بصائرهم، ويتأثرون بها، فيَخِرُّوا لله ساجدينَ مُطيعين.



• الآية 74: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا ﴾ أي اجعل لنا ﴿ مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ أي ماتَفرح به أعيننا، ويكون فيه أُنسنا وسرورنا، ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ أي اجعلنا من الذين يتقون عذابك (بطاعتك واجتناب معصيتك)، واجعلنا قدوةً لهم في الأعمال الصالحة والكلام الطيب.

• الآية 75، والآية 76: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات السابقة ﴿ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ أي يُثابُون أعلى منازل الجنة(بسبب صَبْرهم على طاعة ربهم) ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا ﴾ أي في الجنة ﴿ تَحِيَّةً ﴾ من الملائكة ﴿ وَسَلَامًا ﴾ أي حياةً طيبة سالمة مِنَ المُنَغِّصات، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ﴾ يَستقرون فيه ﴿ وَمُقَامًا ﴾ يُقيمون به، إذ سعادتها لا تَنقص، ونعيمها لا يُفسِده شيء (كالمَوت والتعب والهَم والحَزَن).

• الآية 77: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول للمشركين: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ أي لا يُبالي سبحانه بكم ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ إياه (إذ كانوا يَدعون اللهَ في الشدة، ويُشرِكونَ به في الرخاء)، ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ بالتوحيد والنبوة والبعث ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أي: فسوف يكونُ تكذيبكم مُوجِبًا لعذابٍ يَلزمكم، ويُهلككم في الدنيا والآخرة.



من سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرةمن (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذاالأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.



رامى حنفى محمود
شبكة الألوكة

عااازف الكلمااات عضويات لن تفعل

جزاكم الله خيرا

أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع و منتديات غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1