منتديات غرام روايات غرام أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها أمس غفا جرحي طلبتك اليوم لا تصحّينه / بقلمي
أحلام ميتة..$ ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©


؛




السلام عليكم أعضاء غرام اللطفاء



كيفكم؟ أتمنى أن تكونوا بأتم وأجمل حال



اشتقت لهذه الصُحبة كثيرًا.



كنت من زوار منتدى غرام الدؤوبين، وها أنا أعود لكم بعد طول غياب..



اشتقت للكتابة كثيرًا، افتقدت أجواء الروايات وتفاصيل القصص ..



افتقدت القراءة التي كانت رفيقة ليلي .



افتقدت الكتابة التي كانت أنيسة مُخيلتي وصديقة روحي.



افتقدت السرد الطويل، والأحداث المتشابكة، والحبكة المعقدة، والشخصيات الكثيرة.



ولأن كتابة الروايات جزء من كياني، قررت اليوم أن أبدأ لكم رواية جديدة، ورحلة أخرى.



أقدم اليوم بين يديكم روايتي



أمس غفا جرحي طلبتك اليوم لا تصحّينه ..



أتمنى من كل قلبي أن تنال إعجابكم، أتشوق لردودكم وتعليقاتكم، وإن كانت لديكم انتقادات أو ملاحظات، ف صدري فضاء رحب.



سبق وكتبت رواية في غرام لكنني لم أكملها هُنا، قمت بتحريرها لأنني قررت نشرها على هيئة "كتاب" .



عُمومًا، لستُ من هواة المُقدمات الطويلة، لذلك أترككم مع روايتي



بسْم الله ~




؛




أحلام ميتة..$ ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©


؛






(1)




الساعة 8 مساءً




في النخيل مول



كان واقف أمام الطاولة الزجاجية في محل ڤان كليف يتأمل مجوهراتهم وأساورهم الأنيقة، وعيونه تدور بين السلاسل الذهبية الناعمة.



لفت انتباهه سلسال ذهبي بالكامل، يضم في وسطه وردة ڤان كليف المشهورة مزينة بأربع كرستالات صغيرة، كان أنيق رغم نعومته وشكله الكلاسيكي. أشر للموظف على السلسال، ووقف باعتدال يطلع بوكه من جيب بنطلونه الأسود.



50 ألف ريال، سمع السعر من الموظف، ماكان متفاجئ لأنه قرأ السعر على السلسال وابتلع ألمه وانتهى، طلع محفظته ومد البطاقة وهو يكتم تنهيدة ضيق، ويدعي في داخله إن المبلغ اللي بداخل البطاقة يكفي لباقة ورد والتزامات إضافية.



وهو يسحب قلمه الأسود ليوقع على الفاتورة، طلب من الموظف يغلفها على شكل هدية، اختار شريطة سوداء زيّنت العلبة الزيتونية، وأخذ الكيس الزيتوني، مثل لون العلبة، وشكر الموظف وغادر المحل.



كان المول مزدحم جدًا نظرًا لأنه غدًا أول أيام عيد الفطر المبارك، مشى وهو يحاول يتفادى الزحام والتلاحم الجسدي، وقدر بصعوبة يوصل للمواقف السفلية.



هناك، ركب سيارته اللكزس السوداء، فتح التكييف، وبمجرد ما داعب الهواء البارد رقبته ووجهه، استكن، وسحب نفس من أعماق صدره، وارتسمت على شفايفه ابتسامة خفيفة وكأن شعور الهواء البارد وهو يداعب بشرته بلطف، يذكّره باللحظة اللي يقابلها فيها: لما تتحول نسمات الهواء العادية إلى رذاذ عطري بارد برائحة الحب، لما تتفتح عيونه على الوجه الملائكي اللي يجعل قلبه يرفرف، ولما تصبح الثواني البسيطة بينهم ثمينة جدًا.



صحيح الهدية غالية، بس صاحبتها أغلى.



مشى وهو يدندن مع عبدالمجيد أغنيته الرقيقة، سلك طريقه متوجه إلى إحدى محلات الورد، واختار باقة أنيقة جدًا، ورد أبيض سُكري، مغلف بورق أسود مطفي، وشريطة بنفس لون الورد.



توجه للمقهى المنشود، كان مقهى كبير بإطلالة ساحرة، يتربع وسط أجمل شوارع الرياض وأرقاها، وجلساته أنيقة وعصرية.



هناك، ركن سيارته ونزل وبيده الورد والهدية، بحث بعيونه عنها في الجلسات الخارجية، قالت له إنها وصلت، رغم إنها أبدًا مو من عوايدها توصل قبله.



كانت الجلسات الخارجية ممتلئة بالجالسين واللي أغلبهم من الرجال، النساء في قمة أناقتهن، رائحة العطور من الجنسين فوّاحة جدًا، لو كان لها لون لطمست المكان.



تعكّر مزاجه من الوسط، كانت بيئة غير مُريحة نهائيًا، بالذات من الشباب اللي ما توحي وجوههم ولا تصرفاتهم بالاتزان. بحث بعيونه عنها أكثر وهو خايف لا يلقاها هنا وسط الرجال، لكن ما لقى لها أثر.



دخل للجلسات الداخلية، كانت مسوّرة بجدار زجاجي سميك، تنفذ من خلاله أضواء الشارع الذهبية. مشى على الأرضية الرخامية تحت الثريات الكرستالية اللي تزين الأسقف، وعيونه على الطاولات اللي يدور حولها عشرات النوادل بمريلاتهم السوداء ولباسهم الأنيق.



هناك لقاها، في إحدى الطاولات الملاصقة للجدار الزجاجي، كانت جالسة على الطاولة الرخامية أمام كرسي خالي، وعيونها تتأمل الشارع.



توترت أعصابه، ارتفع الادرينالين في دمه، واشتدت نبضات قلبه وهو يشوفها بكامل أناقتها، بكامل أنوثتها وجمالها مكشوفة لأعين الناظرين.



اقترب منها، ما انتبهت لوجوده، تأمل شعرها البندقي المموج مكشوف بالكامل ويتناثر على أكتافها بنعومة، بشرتها الحنطية الصافية جدًا، البلاشر اللي بالغت فيه بشكل مُلفت، وروجها الأحمر القاتم.



تساءل في داخله، متى وصلت جُرأتها إلى هذه المرحلة؟



اقترب منها ودمه يفور، سحب الكرسي ليجلس بدون مقدمات ويضع باقة الورد بجفاء على الطاولة. ابتسمتْ لما شافته، ابتسامة أنثوية جدًا، قاومها ياسر بكل قوته، وجاهد بشدة حتى يتماسك وما يترك قلبه يسيّره ويكسره بين يدينها مثل طفل وديع .



- هاي


بدون ما يرد، عقد حواجبه وناداها:

- يارا



- همم؟



ناظر شعرها البندقي اللامع وهمس بغضب مكتوم:

- كيف تتركين شعرك مكشوف كذا؟ ما تشوفين المكان كله رجال؟



بكل برود وبدون نقاش رفعت طرحتها الرمادية الشفافة ورمتها على راسها بخفة، وتركت الطرف يتدلى على كتفها بإهمال.



في هاللحظة، تحول ياسر إلى كتلة من الغضب، إلى قنبلة موقوتة، تنتظر لمسة حتى تنفجر. يارا كانت أبعد ما تكون عن الستر، طرحتها الرمادية وعبايتها الخضراء الغامقة أبرزت جمال بشرتها، بالغت بوضع الأساور والمناكير على يديها الناعمة الرقيقة، أما مكياجها فكان مُلفت حتى للبعيد، خصوصًا عدساتها الرمادية والماسكرا الكثيفة.



سحب نفس عميق، وبصعوبة كبح غضبه، وقرر يعديها لها هالمرة، بس هالمرة، عشان تعدّي الأمور على خير.



وسكت ياسر، مثل ما سكت ألف مرة قبلها، على تجاوزات يارا الجريئة.



- كيفك؟

سألها بدون نفس، وهو يحط كيسة الهدية على الطاولة.



ردت يارا بكل دلع:

-تمام، أنت كيفك؟



هز راسه بإيه بدون لا يجاوب، كان مزاجه متعكر. ناظر الطاولة وكوب القهوة اللي طلبته يارا، ثم التفت ونادى الويتر ليطلب المنيو ويستلمه، وأخيرًا قدر يبتسم:

- وش حابه نطلب؟



- لا لا ماله داعي، شربت قهوة وما أحس إني مشتهية شي.



حط المنيو على الطاولة وهو مستغرب، بالعادة ما ترتاح لين تخلّيه يطلب المنيو كله، رغم أنها أساسًا ما تاكل.

- على راحتك.



شبكت يارا يدينها على الطاولة، وتكلمت بجدية ممزوجة بدلع:

- حابة أكلمك بموضوع مهم.



ياسر ابتسم ومد يده على الهدية وهمس برقة:

- بس قبل لا تتكلمين بموضوعك، لازم أهديك هديتك.



مد لها باقة الورد وهو مبسوط أكثر منها، و رغم إنه يحس إن موضوع الهدايا صار التزام، إلا أن ردة فعلها الجميلة تروق له جدًا ولذلك يضحي لعيونها.



يارا تنهدت بحب وضمت باقة الورد لصدرها، ميلت رأسها على الورد تتحسس نعومته بخدها، وتستنشق ريحته الجميلة وهي مغمضة عيونها، تركت فترة لياسر يتأملها وهو ذايب على حركتها الطفولية، كان أمام أنثى ينحني الورد من نعومتها.



مد لها ياسر كيس السلسال وهو يناظر بعيونها برومانسية:

- أحبك.



كان جوابها ابتسامة رقيقة. رغم جدية علاقتهم، بحياتها ما همست له بكلمة أحبك، كانت أحيانًا تقوله أحب وجودك بجنبي، أحب كرمك معي، أحب كلامك ورومانسيتك، بس عمرها ما قالت له أحبك ك "أنت".



أخذت الكيس من يده وفتحت الهدية واتسعت ابتسامتها أكثر، لما شافت السلسال، زيّفت "شهقة" مصطنعة، وغطت فمها بيدها، وشكرت ياسر بدلع "يذوّب".

- كيف دريت إني أعشق ڤان كليڤ! يا الله أحب ذوقك جدًا. ثانكس من كل قلبي.



ياسر برقّة:

- أهم شي إنه أعجبك.



يارا بغرور ممزوج بدلع:

- دامه من ڤان كليڤ أكيد بيعجبني.



لسبب من الأسباب، حزت بخاطر ياسر. ليه؟ ما يعرف، لكن الموضوع يصعب شرحه. راقبها وهي ترجع علبة السلسال بالكيس وتشيل الكيس على جنب، ورجعت تشبك يدينها على الطاولة وتناظر في عيونه وتهمس:

- حابة نتكلم بخصوص الملكة.



ياسر اعتدل في جلوسه، ولسبب مجهول أيضًا، انقبض قلبه.

- تفضلي يا عمري.



سحبت يارا نفس عميق، حطت رجل على رجل وتكلمت بصوتها الواثق:

- أول شي، قبل لا نتزوج، عندي شرط.



سكت ياسر لفترة، ثم همس:

- قلتلك يا روح ياسر، شروطك كلها موافق عليها.



- هذا شرط جديد.



سكت ياسر لفترة أطول.

- آمريني.



يارا بكل جرأة:

- ما أبغى أجيب عيال.



فتح عيونه متفاجئ من شرطها الغريب.

- كيف؟



يارا ابتسمت بدلع على غرابة سؤاله.

- وشو يعني كيف؟، قلتلك ما أبغى أجيب عيال.



ياسر حاول يمسك أعصابه ويحافظ على هدوئه. رجع بظهره على الكرسي وكتف يدينه بقهر مكبوت:

- أنتِ فاهمة معنى شرطك هذا؟



ناظرت أظافرها المطلية باللون الأحمر:

- ايوه.



رفع حاجبه:

- يعني ما تبغيننا نكوّن عائلة !



رجعت تناظر بعيونه وهمست بهدوء.

- ياسر، احنا عائلة، ما نحتاج أطفال، أنا طفلتك، نسيت لما كنت تقولي أنتِ طفلتي؟ ما نحتاج أطفال. الأطفال مسؤولية وتربية وتعب ووو



- طيب!



- ايش اللي طيب! ياسر هذا قراري النهائي، أنا ما أبغى أجيب عيال، العيال مسؤولية وقيد، وأنا أبغى أعيش حرة. أبغى أهتم بنفسي وبس، أعتني بنفسي وأدلّعها، ما أبي شيء يشغلني عن نفسي و، و، وعنك !



ياسر تفاجأ بجدية قرارها، حاول يكذب نفسه لكن ماقدر، بحسن نية، قرب منها، وهمس بكل هدوء وحنية:

- تقصدين إنك لسا صغيرة؟ تبغيننا ننتظر ونأجل موضوع الإنجاب كم سنة لين تكبرين؟



- ياسر أنا ما أكبر، أنا طول عمري طفلتك.



لف ياسر وجهه للجهة الثانية، وسكت لحظات. كانت مفاجأة يارا قاسية عليه، كالقشة اللي قصمت ظهره. كيف يتنازل عن جنة الدنيا؟ كيف يتنازل عن ريحة الأطفال ولمّة الأبناء اللي بيحتاجها باقي سنوات عمره، والأهم، كيف بيكمل حياته مع إنسانة أنانية كل همّها سعادتها وراحة بالها؟



وش باقي ماتنازل عنه ياسر، حتى يتنازل عن كلمة "بابا"؟



ضيق عيونه بألم ورجع يناظرها، وبكل حدة نطق:

- يارا أنا أحب الأطفال، وأبي أشوف عيالي.



يارا ناظرت بعيونه، كانت تعرف تأثير هالعيون عليه.

- يعني ما تحبني؟



ياسر بألم:

- أحبك، وأبي أجيب منك عيال، أبي نكوّن عائلة، أنا وأنتِ، أبي أشوف عيالنا يلعبون حولنا ويضحكون ويركضون، يارا أنا أشوف مستقبلي معك، لا تحرميني من نعمة الأطفال!



بهاللحظة، يارا رفعت جوالها، واتصلت على سواقها يجهز سيارته.



بكل برود وقفت، أخذت باقة الورد والسلسال وشنطتها، واقتربت من وجه ياسر وهي تبتسم:

- يلا ماعليه يسّوري، الموضوع يحتاج تفكير وأنا بخليك تفكر، اوكيه؟ أدري ماراح تقول ليارا لا.



مع جملتها الأخيرة، حطت يدها على يده، وشدّت عليها بنعومة.



ثم غادرت المكان بكل برود، لتترك ياسر وحيد.


***







؛




أحلام ميتة..$ ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©


؛






عند المواقف.



جيب رنج روڤر فضي كان بانتظارها، أول ماركبت، شغل السواق أغنيتها المفضلة لراشد الماجد، بدون ما تطلب، كانت معودته، لو ما شغلها بنفسه، احتمال تفصله وتستبدله بسواق ثاني.



فكت طرحتها وانشغلت بجوالها طول الطريق وهي تدندن مع الأغنية، عشر دقايق تقريبًا، ووصلت قصرهم الشامخ، اللي ماكان يختلف كثير عن باقي القصور الموجودة بحيهم الراقي.



دخلت لصالتهم الرئيسية الواسعة اللي يغلب عليها اللون البيج وشوي من التركوازي، مع لمسات خفيفة من اللون الذهبي.



صادفت أختها الكبيرة جالسة على الكنبة البيج، وبحضنها صحن فيه عنب وبسكوت مالح. تجاهلتها يارا متوجهة للدرج بدون ماتسلم، لكن "سديم" أختها الكبيرة سألتها بصوت عالي:

- كلمتيه؟



جاها صوت يارا المغرور:

- ايه



- وش قال؟



- بيفكر، بس طبعًا ماراح يرفض لي شرط.



سديم التفتت لها بكل جدية:

- ما أظن يارا، أرهقتيه بشروطك.



- خليه، أجل تبيني أحمل ويخرب جسمي! هذا اللي ناقص.



- لو فرضنا إنه وافق، أمه وأبوه ماراح يوافقون.



يارا وقفت بنص الدرج وقربت من الدرابزين:

- وليش ان شاء الله ما يوافقون؟



سديم وهي تاكل بسكوت مالح:

- هذا ولدهم الوحيد، تذكري هالشيء ولا تصيرين أنانية.



يارا تنرفزت ورجعت تصعد الدرج بعصبية:

- أقول بس تكفين فكيننا، وليش ما أصير أنانية تبيني أصير مثلك، أتوحم وأجلس بالصالة أكل بسكوت مالح وعنب، تكفين أنا من شفتك لاعت كبدي.



سديم طنشتها، متعودة على أسلوبها مع الكل وما في أمل تتعدل. رجعت تتابع فلمها وتدعي ربي يتمم حملها على خير وتجيب لولدها راكان أخ أو أخت.



يارا 22 سنة

سديم 28 سنة



***



عند ياسر..



نصف ساعة مرت، ولا زال جالس في مكانه.



الصدمة غلفت شعوره، والألم سكن بقلبه، بعد ماكان مجرد ضيف يزوره من حين لحين.



ليه ربطه حظه التعيس مع شخص أناني مثل يارا؟



كانت حبيبته، أجمل إنسانة عرفها، الوحيدة اللي قدرت تسرق قلبه وتتلاعب فيه مثل كرة بيدين طفل.



الوحيدة اللي انسحر بجمالها وأنوثتها ودلعها وصار أعمى، أعمى عن كل أنثى غيرها، أعمى عن زينة الدنيا، ولذتها، وسحرها، وجمالها، هي الوحيدة اللي ذوقته طعم الحب، بمرارته، وحلاوته، وشربته خمر أنوثتها اللي سرق عقله ونضجه واتزانه، صار مثل الطفل، يلاحقها، يركع بين ايدينها، ينام على صوتها، ثم يحلم، يحلم بنفسه يركض على شواطئ الغيوم، على القطن الأبيض، يده بيدها، وضحكاته تغني في المكان، وقلبه يرفرف.



ليه استأثرت بسعادتها، وراحة بالها، ورمت في طريقه الشروط والعقبات؟



ليه ما تنازلت مرة، مثل ما تنازل هو ألف مرة، لأجل حبهم يدوم؟



حمل نفسه من الكرسي بخذلان، وقام بخطى ثقيلة، يمشي ببطء وعيونه حايرة في الفراغ.



ركب سيارته، وفي طريقه للبيت، كان يتساءل بقرارة نفسه، هل انتهت قصة حبه الأول والوحيد؟



كيف بيواجه أمه وأبوه، ويشرح لهم إن ملكته اللي خططوا لها من ثلاثة أشهر بتنلغي وينتهي معها كل شيء؟



حُب يارا كان مُرهق جدًا، كان بمثابة عذاب أبدي لقلبه الرقيق.



كان يحس إنها حمامة، واقفة على طرف جبل، وبينه وبينها خطوات معدودة. كلما تقدم لها خطوة، وحس إنه اقترب منها، كلما طارت أكثر لبعيييد.



تنهد، وهو يدخل بسيارته إلى باحة قصرهم الواسع، وتمنى ما يقابل أمه بطريقه لأنها تعرف بموعده مع يارا، واحتمال تستجوبه بأسئلة كثيرة وهو ماله مزاج.



ترجل من السيارة ليدخل إلى صالة بيتهم الرئيسية، وعلى عكس ما توقع، أمه ماكانت موجودة، لكنه تفاجأ بأبوه جالس على الكنبة أمام التلفزيون، مشغول بالتابلت بين يديه، ولابس نظاراته "الخاصة" بوقت الشغل، مما يوحي بانشغاله التام.



ابتسم وعلق بصوت عالي من بعيد:

- شغل حتى ليلة العيد !



أبو ياسر ابتسم ورفع رأسه، ثم رجع يناظر الشاشة:

- شسوي يبه، أمك تركتني وراحت بيت أختها، ما تفوت جمعتهم ليلة العيد.



ضحك ووقف يعلق مفاتيحه قريب من الباب، كانت الصالة بديكورها الهادي مُريحة جدًا، يغلب عليها اللون الرمادي بكل درجاته ويكسره لون الكنبات الأبيض، تتوسط الصالة طاولة خشبية ريفية بلون بني ممزوج بالرمادي، أما الزاويا فكانت ممتلئة نباتات خضراء منعشة أعطت المكان العصري لمسة ريفية أنيقة.



اقترب ياسر يحب رأس أبوه، وجلس على الكنبة وهو يعلق:

- ما عليه يبه، عيد.



أبو ياسر بابتسامة:

- وأنا مالي حق استمتع بالعيد؟ ودي مرة نقضي ليلة العيد مثل أي زوجين، هي تحتفل وأنا محروم.



ياسر ميّل رأسه وهو يضحك:

- ما عليه تعوضك لا رجعت، بس هااه لا تنام بدري.



أبو ياسر بضحكة واستنكار:

- وأحد ينام ليلة العيد !



غمز لولده وضحكوا، كانت علاقتهم جميلة جدًا وكأنهم أصدقاء.



سولف شوي مع أبوه ثم استأذن لغرفته يبي يرتاح. صعد لغرفته وقرر يقفل على نفسه ويأخذ مهلة للتفكير بوضعه الحالي، واللي بيترتب عليه قراره النهائي بخصوص ملكته اللي بعد أسبوعين.



أخذ شاور وطلع بروبه الأسود متوجه للنافذة الزجاجية اللي تحتل مساحة كبيرة من جدار غرفته، كانت تطل على حديقة قصرهم الواسع، على الدائرتين المتداخلتين من العشب الأخضر، تحيطها كرات من الإضاءة الذهبية المتناثرة بعشوائية وجمال.



سحب الستارة البيضاء ليعتم نور الغرفة، ويحجب المنظر الآسر، استرخى على سريره الأبيض بهدوء، كانت غرفته تشبهه، ويا للصدف، اليوم بالذات حس إنها تشبه نفسيته المُكتئبة.



سوداء، بلونه المفضل، اللي اختاره وهو على يقين تام إن هذا اللون يناسبه، اختار أرضية من الخشب الفاتح ليكسر هذا السواد الفاحم، وأثاث فاتح أيضًا، بنفس لون الأرضية، ونباتات مُنعشة.



استرخى على السرير وبدون ما يحس بنفسه غفت عينه وناااام.



نام، وحلم إنه في يوم زواجه، جالس على الكوشة، ببشته الأسود المُذهب، اللي يعكس بياض بشرته الصافي، وبياض غترته، وبياض ثوبه الملائكي.



اللحظة اللي تمنى يعيشها حقيقة لا خيالًا، تراءت له في حلمه، وهو بجانب حبه الأبدي، يارا.



كانت هي أيضًا مُلحفة بالبياض.



وإن كانت جميلة جدًا في الواقع، فكيف هي بالحلم؟



كان جالس على الكوشة، هو وملاكه، و يحس وكأنه جالس على غيمة رقيقة، من خفتها تطفو على الهواء.



كان قلبه يغني من جمال اللحظة، وعقله في مكان بعيد، بعييد.



التفت لها، تفتّحت عيونه على ملامحها المرسومة بإتقان، أنفها الصغير، عيونها الواسعة المسحوبة بكحل أسود، فكها المنحوت، شفايفها، أسنانها البيضاء.



قرب يهمس بأذنها بكلمة "أحبك"، من شدة توتره صوته ماطلع، لكنه ظن لوهلة، إنه حرك شفايفه على أذنها، وهي بدورها حسّت بدفء الكلمة، وبحركة شفايفه على أذنها، وقدرت تحس بالكلمة، وتسمعها "بإحساسها".



انتظرها تهمس له بنفس الكلمة، لكنها بخلاف أمنيته، حطت يدها على يده، وشدت عليها، بنفس الطريقة الناعمة اللي كانت اليوم في الكوفي.



بمجرد ما حس بلمستها، فزّ بقوة من نومه، وهو عرقان، ويلهث.



من متى كان الجو بهذه الحرارة؟



نهض بسرعة من سريره بغضب وهلع، مقهور من الحلم، من حرارة المكان، وحرارة إحساسه، وخيبة أمله اللي مالها مثيل.



توجه لتسريحته ووقف قدام المراية يتأمل وجهه العرقان وعروق رقبته المنتفخة من الحرارة والغضب.



"أنانية"



همس بتعب، ثم صرخ بكل قوته، بنفس الكلمة، وهو يتذكر كلامها اللي صارحته فيه اليوم. أنانيييية! لييه ما راعت شعوره! ليه ماضحت عشانه! ليه أخذت الهدية وقبلها ألف هدية، وسرقت فوقها مشاعره وطاقته ووقته! لييه!



حرك يده بقوة على الطاولة ليرمي ثلاثة عطور على الأرض ويكسرها إلى فتات. فاحت في الغرفة ريحة مميزة، ريحة أيقظت حواسه وأشعلت قلبه أكثر.



كانت ريحة العطر اللي أهدته يارا له، قبل سنتين تقريبًا.



هدية يارا اليتيمة، الوحيدة، على مدى ثلاث سنوات مضت بينهم، ثلاث سنوات أهداها هو بالمقابل مئااات الهدايا.



نزلت دمعة من عينه، وتذكر كيف كان يتعطر فيه قبل لا ينام، يعطر صدره ورقبته، وأماكن نبضه، وكيس وسادته، ولحافه اللي يغطي فيه نصف وجهه، لأجل ينام على "ريحتها".



بسرعة سحب أربع حبات مناديل وانحنى على الأرض، يجمع قطع الزجاج المتناثرة من العطر ويرميها في سلة المهملات، وكأنه يلملم شتات قلبه، ويرميه.



وهكذا تخلص اليوم، من أكثر ذكرى تذكره بيارا، عطرها الوحيد.



بخيلة.



صرخ وهو يرجم كتلة المناديل المبلولة في سلة المهملات بقوة، ورجع للحمام، يتروش مرة ثانية وكأنه يغسل بقاياها من جسمه مع دموعه، ويترك ذكراها تنزل بهدوء على أرضية الحمام.



لأول مرة، يكون حلمه بيارا، كابوس.



ياسر: 25 سنة.




***

إلى هُنا نقف

أتمنى يكون البارت الأول كافي لانطباع أولي جميل.

أترقب تعليقاتكم وانتقاداتكم.









؛




أحلام ميتة..$ ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©

توقعاتكم

ايش تطورات العلاقة بين يارا وياسر؟

هل ممكن يتنازل ياسر، أو تتنازل يارا، أو يفترقون للأبد؟




نوارة بنت صوصو ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

أهلاً بك..
جذبني الاسم ودخلت واعجبني الوصف برضوا في مقدمة الجزء... يا رب نكون موعودين بشيء جميل.. ‏اشتقنا للروايات اللي تعيشنا حماس في كل سطر نقراه فيها وبدايتك مبشرة بخير بإذن الله ..
أنا أوعدك إني راح اكون هنا كل فترة والثانية.. لأني ما أقرأ الروايات الغير مكتملة... بسبب تخوفي من عدم اكتمالها. ‏
عندي استفسار: هل هي كاملة عندك؟.. ويا ليت تحددين مواعيد إنزال الأجزاء.
شاكرة لك وحياك الله مرة ثانية.

أحلام ميتة..$ ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©

المشاركة الأساسية كتبها نوارة بنت صوصو اقتباس :
أهلاً بك..
جذبني الاسم ودخلت واعجبني الوصف برضوا في مقدمة الجزء... يا رب نكون موعودين بشيء جميل.. ‏اشتقنا للروايات اللي تعيشنا حماس في كل سطر نقراه فيها وبدايتك مبشرة بخير بإذن الله ..
أنا أوعدك إني راح اكون هنا كل فترة والثانية.. لأني ما أقرأ الروايات الغير مكتملة... بسبب تخوفي من عدم اكتمالها. ‏
عندي استفسار: هل هي كاملة عندك؟.. ويا ليت تحددين مواعيد إنزال الأجزاء.
شاكرة لك وحياك الله مرة ثانية.

هلا فيك نوارة، تشرفت بمرورك

سعيدة لكونك انجذبتِ للمقدمة، وسعيدة أكثر لكونك اخترتِ تتركين لي هذا التعليق المُشجع.

بالنسبة للرواية ف هي لا مو كاملة، لكن حابة أطمنك إنها نوعًا ما قصيرة، وحتى بارتاتها قصيرة، وأحداثها كاملة في خيالي، ف بإذن الله ماراح تعوق معاي وماراح أطول عليكم، خصوصًا إني سريعة بكتابة الباراتات.

راح أنزل بارت عما قريب، أتمنى تكونين بالقرب


امل آل ثنيان ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مساء الخير ياقلبي وبداية جميله وموفقه

حبيت السرد والتفاصيل وتسلسل الاحداث جذبتني اكمل ماشاء الله عليك
يارا ماحبيت شرطها كان المفروض هي وزوجها يتفقون بينهم بدون شرط انها ماتحمل
وياسر كلف نفسه عشانها وثلاث سنوات بينهم مو هينه فاتوقع راح تتفركش الخطبة
او يصير شي لياسر وتندم يارا على شرطها وقسوتها عليه
الله اعلم
بالتوفيق لك واسال الله تكون شاهده لك لا عليك ياقلبي

أحلام ميتة..$ ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©

المشاركة الأساسية كتبها امل آل ثنيان اقتباس :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مساء الخير ياقلبي وبداية جميله وموفقه

حبيت السرد والتفاصيل وتسلسل الاحداث جذبتني اكمل ماشاء الله عليك
يارا ماحبيت شرطها كان المفروض هي وزوجها يتفقون بينهم بدون شرط انها ماتحمل
وياسر كلف نفسه عشانها وثلاث سنوات بينهم مو هينه فاتوقع راح تتفركش الخطبة
او يصير شي لياسر وتندم يارا على شرطها وقسوتها عليه
الله اعلم
بالتوفيق لك واسال الله تكون شاهده لك لا عليك ياقلبي


وعليكم السلام

شكرًا عزيزتي على كلامك الجميل

بإذن الله راح أنزل البارت اليوم



أحلام ميتة..$ ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©






؛








(2)



في مكان آخر، بعيد جدًا عن حيث يقطن ياسر.


بيت شعبي، في منطقة خارج الرياض، أو في الأطراف البعيدة جدًا للمدينة، محفوف بجيران قِلّة، وسط حارة صغيرة مشهورة بفقر سُكانها.



كانت جالسة في الحوش بقميصها الروز الأخضر، متربعة على زولية حمراء في الأرض وحولها المواعين، تغني، وبيدها السكين، تقطع فيها أعواد الفاصوليا، وترميها في "طاسة" زرقاء ممتلئة بالخضروات.



كان الحوش مُظلم، ما عدا من نجفة بيضاء وحيدة، تضيء المكان بخفوت. الهدوء يخيّم على البيت، وعلى الشارع، وصوت رنيم الهادئ يتسرب في الفضاء، رقيق وناعم، تمامًا مثل نعومة صاحبته.



بدون لوح تقطيع، فقط بالسكين وبيدها، ملأت الطاسة كلها بالفاصوليا الخضراء. وقفت تجمّع المواعين بنشاط، حملت الطاسات الثلاث الممتلئة بالخضروات المقطعة، وأخذتها لمطبخهم المركون في نهاية الحوش.



وضعت الطاسات على مجلى الصحون المعدنية، لعدم توفر طاولة في المطبخ. كان المطبخ مستطيل المساحة، لونه برتقالي داكن، وإضاءته ضعيفة. عرضه ضيق جدًا لا يتجاوز المتر والنصف، ولا يسمح بمرور أكثر من شخص بداخله، لكونه مزدحم جدًا بالأغراض.



مجلى الصحون باختصار كانت عبارة عن رف معدني، تقابلها ثلاجة مُصفرة تحتوي على مُجمد صغير. أما الفرن، فكان بجانب الثلاجة مباشرة، قديم وصغير الحجم، بجانبه أسطوانة غاز، وفي الزواية البعيدة، كانت "أواني" مُتراكمة، وهكذا كان المطبخ ببساطة، بدون أدراج ولا دواليب، ولا أجهزة كهربائية.



بدأت رنيم تغسل الخضروات، وسرحت بتفكيرها. تذكرت إن بكرا أول أيام عيد الفطر، وإن العيد "بالنسبة لحالتهم" مختلف، لا يشبه أعياد الناس.



ألقت نظرة على قميصها الأخضر، ثم تجمعت غصة في حنجرتها، وبدأت الدموع تشكل غشاء رقيق، على عيونها الرقيقة، بشكل تدريجي بطيء.



ليه العيد بالنسبة لها، يوم عادي، تمامًا مثل باقي الأيام؟



ليه ما يكون له لون مميز مثل لون الأعياد، وبهجة وفرح؟



هل تستقبل عيدها هذه المرة بقميصها الأخضر القديم؟ خنقتها العبرة، وبدأت تفكر في حالها، وتتأمل ظروفهم الصعبة اللي ساءت جدًا في الفترة الأخيرة، وتفاقمت بشكل مؤلم بسبب غلاء الأسعار.



رنيم يتيمة، أبوها متوفي، تركها وأمها في بيت أشبه "بالصندقة" من ضيق مساحته، يعولهم خالها المتزوج، اللي يزورهم مرة بالأسبوع، وللأسف، خالها أيضًا على قد حاله، غالبًا ما يزورهم خالي اليدين، بل وياخذ منهم أحيانًا لزوجته وأطفاله.



كان خالها تقريبًا هو الرجل الوحيد في الحارة، كل سكان حارتهم من النساء المطلقات والأرامل والمهجورات، كلهم يتشابهون في الحال والظروف، لذلك كان لرنيم منهم صديقات كثيرات، يخففون حزنها، ويقاسمونها بساطة الحال.


رنيم كانت ولا زالت بنت فُكاهية، مرحة وخفيفة دم ودائمًا ما تأخذ الأمور بضحكة ومزاح. تحب تستهزء من ظروفها ووضعها الحالي، تحس إن هالتصرف يسعدها ويسعد من حولها، وبنفس الوقت تتبع هالأسلوب عشان تخفف عن نفسها ألم الفقر وهمومه.



قبل ستة أشهر تقريبًا، اشتغلت بمهنة بسيطة، وقدرت تجمع منها بعض المال. كانت سعيدة جدًا وكأن الدنيا ابتسمت في وجهها أخيرًا، لكن للأسف، خالها اللي كان يوصلها لمقر عملها، رفض يوصلها بعد المرة الثالثة، بحُجة إن هالشغلة "مُهينة".



وأي إهانة أكثر من كونها هي وأمها، يعيشون على الصدقات؟



غمضت عيونها، بمجرد ما تذكرت الرجل اللي دأب على إرسال الصدقات لهم منذ أكثر من سنتين، واللي عرفوه بكرمه وإحسانه، وعطاؤه الكريم.



رجل من أهل الخير، يجيهم مرة كل شهرين، ويزكّي عليهم بخيشة رز، وبعض الأصناف الأساسية مثل الطحين والزيت والخضروات. يعطيهم أيضًا مبلغ مالي يختلف قدره كل فترة، لكن رنيم كانت تشتري فيه علاج لأمها، وبعض الملابس والحاجيات، وكان دائمًا يكفي، دائمًا.



ما كانوا يعرفون هذا الرجل، ولا يعرفون من دلّه عليهم، ما يعرفون إلا أسمه فقط، أبو ياسر.



كان يتصدق على الحارة كلها تقريبًا، بحكم إنهم في "الفقر" سواء. حتى خالها يجيه نصيب من الصدقات، وهذا الشيء يثير غضب رنيم، لأنها تشوف خالها رجل قادر على العمل، ورغم هذا يتكاسل ويعتمد على الصدقات.



فتّحت عيونها وتساءلت بداخلها، ليه تأخر هالمرة؟



كان المفروض يجيهم قبل العيد، بالعشر الأواخر غالبًا، بحكم إنه اعتاد على توزيع الصدقات في هذا الوقت من السنة. ربما لأنه يحتسب الأجر في هذا الوقت الفضيل، أو لأنه يعتبرها "عيدية" للفقراء.



أو ربما، كان يعرف بفرحة رنيم العظيمة بالمال، في هذا الوقت بالتحديد.



رمضان انتهى، ومؤونتهم أوشكت على الانتهاء، والرز نفد، ما بقى لهم إلا شوية قرصان، وقدر بسيط من الخضروات.



سحبتْ نفس من أعماق صدرها، وزفرت بتنهيدة، وهي تهمس



- الله يهديك يا خالي، إلى متى وحنا عايشين على الصدقات؟




قطعت البصل وحمسته على النار، ثم سكبت الفاصوليا والقرع والبامية، وأضافت الماء والبهارات.



وطت النار وغطت القدر. وراحت تتطمن على أمها اللي تركتها في الغرفة جالسة بجنب الراديو تسمع القرآن.



أم رنيم عمياء، وتعاني من داء السكري، لكن عدا هذا فصحتها جيدة ولله الحمد، وكانت ذكية، وتتميز بثبات الحفظ، وقوة الذاكرة، وشخصيتها اجتماعية جدًا، تحب تجالس نساء الحارة، وتسمع أخبارهم، وتقص لهم الحكايات، كانت محبوبة بين النساء، ورنيم كانت مثلها، تمامًا.



دخلت عليها في "حجرة الجلوس" الصغيرة، حجرتهم الرئيسية، والحجرة اللي يستقبلون فيها خالهم وزوجته، واللي ياكلون فيها، واللي تنام فيها أم رنيم، وتستلقي، وتستمع للراديو والتلفزيون، مساحتها ما تتجاوز 3*4 متر، لكن قلب الإنسانة اللي تسكنها كان واسع جدًا لدرجة إنه يحتوي رنيم وحزنها وهمها العظيم.



- ها يمه شلونك؟


سفطت قميصها وجلست جنب أمها، على السجادة الكحلية المنقطة بالأبيض. كانت الغرفة دافئة وحميمية، جدرانها بيضاء ناصعة وتحتوي على أثاث بسيط، تلفزيون مربع ثقيل الحجم، موضوع على طاولة خشبية قديمة. في الزاوية، فراش صغير تنام عليه أن رنيم، وبجنبه كومدينة عليها علبة مناديل، وساعة رنّانة، وبعض المراهم والحبوب.



وخلف الباب، كانت رنيم تعلق قمصان أمها وثيابها الطويلة على المشجب الحديدي، وهكذا ببساطة كان عالمهم الصغير.



- بخير يا يمه رنيم، تعالي شوفي لي الراديو ليه طفا.



رنيم بتنهيدة:

- خليك من الراديو يمه، بكرا عيد.



أم رنيم ابتسمت، ابتسامة زينت وجهها البشوش. كانت متوسطة الجمال، لها حاجبين هلاليين، وأنف متوسط، وشفايف رقيقة. على وجهها تنتشر شامات صغيرة متفرقة، ورثت منها رنيم شامة يتيمة، في منتصف خدها الصافي.



- وش فيتس يمه، وراتس تقولينها بضيقة؟ يالله لك الحمد عيد وبنطلع برا ونفرش حنا وخالاتس سوا، وبنسولف ونضحك ونفطر، ترا خالاتس مشتاقين لسواليفتس



ابتسمت رنيم لما تذكرت فعالياتهم البسيطة اللي ما تتغير. ما عندها خالات، لكن أمها تعتبر نساء الحارة مثل خواتها وأكثر.



- أدري يا يمه، بس ودي أحس إنه عيد، السنة اللي فاتت عيدت بفستاني العنابي، خويلد يوم شافه قال حتى طقم المنتخب يتغير كل سنتين وأنتِ فستانك للحين صامد، جرحني الله لا يوفقه، أبي ألبس شيء جديد.



ضحكت أم رنيم على تعليق ولد أخوها. مدت يدها تتلمس قميص بنتها، وعلى طول عرفت أي قميص هي لابسه من ملمس القماش.



- اييه يا بنيتي يمزح، فاجئيه هالمرة بقميصتس الأخضر وخنشوف وش يقول.



رنيم وهي تضحك:

- أنا أقولك وش بيقول، بيقول شكلي يوم جبت طاري المنتخب غرتي وطقّمتي معهم، والله ما يخليها بخاطره خويرط.



ضحكت أم رنيم وهي تهز راسها بقلة حيلة. قربت منها رنيم وهي متربعة، لتهمس بترجي:

- يلا يمه على بال ما يجهز العشاء، قولي لي قصة لو قصيرة.



- أبشري، وكم رنيم عندي أنا؟



ابتسمت لتقترب من أمها وتهيء مسامعها لقصة جميلة مشوقة، متخمة بالتفاصيل.



تمتلك رنيم أم حكّاءة، رواية بامتياز، تحفظ الكثير من القصص المشوقة الأثرية، وذاكرتها عامرة بحكايات الزمن القديم. كانت اجتماعية منط طفولتها، اعتادت على سماع أحاديث الناس وقصصهم وأخبارهم، وبعد إصابتها بالعمى، صارت ذاكرتها بمثابة "مكتبة" من الذكريات.



كانت هواية رنيم المفضلة هي الاستماع لقصص أمها وحكاياتها. تحب هذه الفقرة من اليوم بشكل لا يُوصف. ودائمًا ما تحفظ هذه القصص لتسردها على صديقاتها في اجتماعاتهم اللي يتخللها الضحك والمزاح.



وكطقس يومي مناسب لأجواء القصص، تأخذ أم رنيم رأس بنتها لتضعه في حجرها، وتبدأ تتحسس شعرها البني الناعم، وملامح وجهها الرقيق، قبل ما تبدأ بسرد الحكاية.



كان اللمس، هي الوسيلة الأجمل والأقرب للتواصل بين رنيم، وأمها العمياء.



رنيم 22 سنة
أم رنيم 45 سنة



***



- قلتلك ما يحبك، ماتفهمين؟



كانت جالسة في غرفتها الواسعة، بلونها البنفسجي البارد، وتحديدًا على سريرها الرمادي المخملي، مستلقية بكسل بين الوسادات البيضاء.


جاها صوت يارا المتنرفز من الجوال، واللي رمت عليها جملتها القاسية بلا مبالاة، حزت بخاطرها لما سمعت جملة "صديقتها" الأخيرة، وما عرفت كيف ترد.



سحبت نفس من أعماق صدرها المقهور، وجاوبت بهدوء:

- لو ما كان يحبني، ما جا عند أبوي يطلب يدي.



يارا باستهزاء:

- ما تقدم لك بشكل رسمي.



همست في خاطرها "على أساس خطبتك بياسر رسمية"، تتمنى تمتلك الجرأة الكافية حتى تنطق بهذه الجملة، لكنها أخوف وأجبن من أن تواجه غضب يارا المُرعب.



- الحين كل هذا لأني فرحانة بهديته لي! ليتني ما قلت إنها عاجبتني، يبه خلاص آسفين.



أتبعت جملتها بضحكة مرتبكة، وكأنها تحاول تمتص بها عصبية يارا. للحظة، بدأت تلعن نفسها على الثانية اللي قررت فيها تتصل على يارا، وتعلمها بالهدية اللي وصلتها من شخص عزيز جدًا، شخص بنت معاه أركان مستقبلها وأحلامها.



ما كانت ناوية تعلم، لكن لأن يارا بادرتها بالسؤال، ما كان فيه "مفر" من الإجابة. ابتدأت محادثتهم بشكل طبيعي، كأي صديقتين يتحاورون بمخططاتهم وتجهيزاتهم ليوم العيد.



ولأن يارا تعشق التباهي بكل ما تملك، صورت لها العقد الثمين، اللي أهداه لها ياسر، ووصفت كيف مر لقاؤهم الأول بعد انقطاع دام شهر رمضان كاملًا.



كان لقاء طويل، ودافئ، وحميمي حسب ما وصفته يارا. انتهى بهدية ثمينة وباقة ورد، وبحر من الكلمات الرومنسية الرقيقة، اللي غمرها ياسر بكل نعومة فيه.



ولأن يارا دائمًا ما تستفز سارة بالشخص اللي تحبه بجنون، ودائمًا ما تحسسها برخص قيمتها عنده، قررت سارة تتباهى بالهدية المتواضعة اللي أهداها لها حبيبها الوفي "فهد".



وبدأت محادثتهم بمنافسة، تحولت بسرعة إلى حقد مُتبادل.



- فهودي جاب لي سوارة ذهب. عطاها الخدامة بدون لا أدري.



يارا بحماس مُزيف:

- وااو، صورتيها؟



سارة وهي تقوم من السرير بحماس:

- ثواني



قامت من السرير وفتحت درج تسريحتها البيضاء، اللي تصطف فوقها عشرات العطور والشموع الفوّاحة، ومستحضرات التجميل. كانت من عائلة ثرية، تمامًا مثل يارا، ومثلها أيضًا في الجمال، والأنوثة، لكن شخصيتها أبعد ما تكون عنها.



سارة ضعيفة، وقلبها رهيف مثل طفلة هشة. شخصيتها الضعيفة تكملها قوة يارا وكبريائها. في مراهقتها كانت تحتمي بيارا لكونها قوية وتاخذ حقها بلسانها، ولكونها تدافع عنها في كثير من المواقف، وكانت مُنقادة لها، مثل تابع مُخلص، أو خادم وضيع.



إذا ضحكت لها يارا، تحس إن الحياة ضحكت لها، وإذا رضت عنها، تحس إنها ملكت الكون بما فيه.



كانت يارا تأثر عليها بقوة شخصيتها، لذلك حياة سارة ممكن تتوقف على أبسط كلمة منها. تحولت يارا بالفترة الأخيرة إلى شخص سام على كل اللي حولها، وكلما تكبر، تزداد "سمّيتها" وأذاها.



رغم إن سارة قادرة على ملاحظة واستشعار أذى يارا المتواصل لها، إلا أنه لسبب غريب، ماكانت قادرة تتركها، يمكن لأن يارا متقلبة في شخصيتها، تأتي أحيانًا بوجه لطيف بشوش، ودائمًا عندها مغامرات وقصص مثيرة تحكيها لصديقتها، ولأن ذكريات مراهقتهم كانت مشتركة أيضًا، كانت سارة متعلقة فيها.



صورت لها سوارة الذهب وأرسلتها على الواتساب، كانت مليانة فصوص وكرستالات، وناعمة جدًا.



ماكان لسارة أي هدف من تصوير الهدية، غير إن تثبت ليارا إنه فهد يحبها، عكس ما كانت توهمها يارا بأنه "ما يقدرك"



يارا ردت على الجوال:

امممم، يعني حلوة، بس ترا شكلها مو ذهب، شكلها fake .



سارة غمضت عيونها، سئمت من كثرة التبرير لصديقتها اللي ما يعجبها العجب، فقررت تختصر الموضوع للمرة الأولى، وهمست بهدوء:

أنا عاجبتني.



يارا باستخفاف:

هه والله لاقيك، يجيب لك من الذهب الرخيص وتفرحين زي الخبلة.



- فهد يحبني، وأكيد لو كان عنده ماراح يقصر.



- قلت لك ما يحبك، ما تفهمين؟



ساره استغربت عصبية يارا المبالغ فيها، وهمست تمتص غضبها:

- الحين كل هذا لأني فرحانة بهديته لي! ليتني ما قلت إنها عاجبتني، يبه خلاص آسفين.



- والله أنا الغبية اللي عرفتكم على بعض، كنت أحسب علاقتكم بتكون مؤقتة، مادريت إنك بتحبين "الكحيان" هذا.



سارة ندمت ألف مرة، على أنها اعترفت ليارا من البداية، أنه علاقتها بفهد لا زالت مستمرة. سكتت، قررت ما ترد هذه المرة؟ لكن يارا واصلت سخريتها لتقول بضحكة :



- يا بنت المفروض تحمدين ربك إن أبوك طرده من البيت!



وضحكت بخفوت، ضحكة تشبه تفاهتها، ليزيد ندم سارة، على هالتفاصيل اللي حكتها لإنسانة ماكانت متوقعة إنها بهذا الخبث. ومثل المرة الأولى، سكتت، وما نطقت بربع حرف.



- عمومًا، أنا بروح أتجهز، شويات وبتجيني العاملة تسوي أظافري، يلا سي يوو.



ولما لاحظت صمت ساره العجيب، أكملت بنبرة جدية:

- لا تنسين تجيني ثاني يوم هاه؟ لا تحرميني شوفتك، أوكي؟



سكرت الجوال، لتنهي المكالمة، ويبدأ بعدها حزن ساره المديد، اللي يزورها نهاية كل مكالمة لها مع يارا.



هالمرة ما حبت تستسلم للدموع، وقررت تتصل على فهد، لعله يواسيها شوي ويسكّن ألمها.



اتصلت، وقررت تطرح عليه سؤالها المعروف، اللي لا يمكن تخلو منه مكالمة لها مع فهد. وكالعادة، دور فهد إنه يطمنها، ويسكّت قلقها، ويوعدها بآمال ووعود، هو بنفسه ما يضمنها، لكنه يريح بها نفسه، ويريّح بها قلب سارة القلِق، الخائف من المجهول.



ضغطت على رقمه، وانتظرته يرد، وهي تكتم أنفاسها لتكبت دموعها، وتقاوم البكاء.



سارة 22 سنة.


***



في مكان مُختلف، لا يشبه غرفة سارة الأنيقة، ولا الحي الذي تقيم فيه هي وأسرتها الغنية، حي منزوي غرب الرياض، بعيد عن شمالها الراقي المُترف، ويميل إلى التواضع والبساطة.



كان جالس في مقهى شبابي، على الجلسات الخارجية الموزعة ببساطة حول المكان.



كراسي حديدية طويلة، عليها مراتب حمراء منقوشة بألوان شعبية، ومراكي ووسائد متناثرة بنفس اللون. كل كرسيين متقابلين، بينهم طاولة دائرية متوسطة الحجم، غالبًا ما توضع عليها الشيشة وإبريق الشاي، أو كوب القهوة المتواضع. هكذا ببساطة كان المقهى الشبابي الشعبي، اللي يحبه فهد، ويرتاده بشكل شبه يومي.



رغم إن الجو مُزعج، ورائحة الدخان تفوح في المكان، وأصوات السيارات في الشارع اختلطت مع هتافات الشباب وضحكاتهم وهم يلعبون بلوت، إلا أنه كان مسترخي ومبسوط، بيده الشيشة، يطقطق بجواله وكوب الشاي المنعنع كان يستقر أمامه على الطاولة.



رن جواله، اتسعت ابتسامته وارتفعت نبضات قلبه وهو يقرأ أسمها على الشاشة، رغم إنه كلمها اليوم لين شبع، لكن كل اتصال من ساره كان يخلق في داخله نفس التأثير، الابتسامة الواسعة، اللي تبرز غمازة فكه، وتترك عيونه الحادة تغوص تحت حاجبيه الأسودين. السعادة اللي تضيء وجهه البرونزي بنور الحب الواضح، وتتركه يتنهد بشوق وحنين.



رفع جواله وبنبرة "مُبتسمة" رد:

- هلا والله، الله يديم ليالي العيد اللي تخليك كل شوي تتصلين.



سارة بدون مقدمات:

- فهد، احنا بنتزوج؟



انصدم من نبرتها المتغيرة. كانت تسأله وكأنها تطلب جواب عاجل، بدون لف ودوران. ترك الشيشة من يده واعتدل في جلوسه، وجاوبها بنبرة جدية، يشوبها الخوف:

- وش فيك يا قلب فهد؟ قلتلك ايه بإذن الله، أنا بحاول، بتقدم لك مرة ثانية، أبوك لا عرف إني شاريك وأبيك أكيد بيلين ويوافق.



سارة بألم:

- وإذا ما وافق؟



فهد تنهد، ومسح على رأسه الحليق، ليهمس:

- سارة أنا مستحيل أسمح لك تروحين لشخص غيري، حتى لو رفض أبوك مرة ثانية، برجع أتقدم لك ثالثة ورابعة وخامسة، ترا كثر الدق يفك اللحام، تكفين لا يضيق صدرك، ابتسمي، بكرا عيد.



ما سمع من سارة جواب، تنهد أكثر، ورجع يواسيها بكلامه ووعوده. بالفترة الأخيرة، ما عاد صار يفهم تقلبات مزاجها، كلمها اليوم المغرب بعد الفطور، وكانت مكالمتهم سعيدة جدًا ومرت بدون منغصات. ما توقع إنها ممكن تكتئب مرة ثانية، وترجع تتصل عليه تترجاه "يخدرها" بالأمل، ويطمّن قلبها الخائف.



هل تشبّع قلبها من وعوده الجوفاء، وما صار يصدقه بعد اليوم ؟؟




ضيق عيونه بقهر، وتذكّر السبب اللي رفضه أبوها لأجله.



"يا ولدي أنت ما تناسبنا، أنا بنتي غالية، وما أرضى عليها تعيش في ظروف أقل من اللي عودناها عليها".



الله ياخذ الظروف، والفروقات المادية، و "الطبقية" اللي صارت وسيلة و "عذر" لكسر أحلامه، وإهانته، وحرمانه من حبه الصادق النقي.



كان ذنبه إنه حب سارة، ونسى إنه من طبقة متوسطة، يأكل على الأرض، بدون ملعقة، وينام على سرير منفرد، ويرتاد المقاهي الشعبية، ومكيف غرفته مو سبيليت، وسيارته متواضعة وعادية.



مين هو حتى يحلم بحياة يجتمع فيها مع إنسان يرتاح له، تحت سقف واحد، بغض النظر عن هذا السقف، سقف شقة كان، أو بيت شعبي، المهم سقف يسترهم وجدران تمنحهم الأمان، وينجب أطفال ويكوّن عائلة؟




ليه لازم يستوفي شروط كثيرة، ما وضعها لنفسه ولا وضعتها له حبيبته، بل وضعها طرف ثالث، طرف يجهل عمق الحب والاهتمام والتقدير المتبادل بينهم، واللي تجاوز حد المسافات والظروف والعراقيل.




أنهى مكالمته مع ساره، بعد ما وعدها يتقدم لها بعد العيد مباشرة، وهكذا ألزم نفسه بوعد ما يقدر يخلفه، ولو تحدته الظروف.




قام من مكانه مهموم، أخذ شماغه اللي تركه على ظهر الكرسي، وهو يهمس بهدوء "ما يرتاح قلب جرب الحب"



ركب سيارته الهونداي الرمادية، ورجع لبيته مهموم.



سرح بباله، يتذكر الطريقة اللي تعرف فيها على سارة، قبل سنة ونصف من اليوم. كان موقف عجيب، فرض فيه فهد نفسه على سارة بطريقة أبعد ماتكون عن الكرامة وعزة النفس، لكن سارة فتحت له المجال، وما توقعت يتحول شعورها تجاهه إلى حب.



ابتسم، لما تذكر لحظة وقوفها عنده أمام طاولة الكاشير، في مقهى كان يشتغل فيه فهد، داخل أحد المولات المشهورة في الرياض.



ما ينسى أبدًا كيف وقفت، وناظرت بعيونه ببراءة، ثم سرحت في المنيو المعروض خلفه تختار أحد المشروبات. كانت مُحجبة، وكاشفة جزء من شعرها الأسود. وجهها الطفولي البريء اللي زينته بميك أب خفيف وبلاشر وردي، كان آسر جدًا، بطريقة جعلت فهد يتوتر، ويفقد اتزانه وتركيزه.



- حابة أساعدك بالاختيار؟



ناظرت بعيونه لوهلة، ثم رجعت تناظر المنيو بدون لا ترد. كان انتقال نظراتها منه إلى المنيو، ومن المنيو إليه، حرك في داخله شعور، لا زال محفور في ذاكرته، شعور نظراتها الباردة لما تهبط إليه بهدوء، ثم ترتفع مجددًا للمنيو بحيرة وتفكير، وترجع تهبط عليه بنعومة، كان شعور لا يوصف.



وهي تناظر المنيو بحيرة، همست بصوتها المبحوح الناعم:

- أبغى ايسد كراميل ماكياتو، اكسترا كراميل.




نزل عيونه لشاشة الكمبيوتر، واختار الطلب، ثم التقط كوب ورقي، مخصص للمشروبات الحارة، وسألها بتوتر:

- اسمك؟



- سارة



وهو يكتب اسمها بالقلم الأحمر، سمعها تقول ببرود:

- على فكرة أنا طلبت بارد، مو حار.



رفع عيونه لها، كانت على شفايفها طيف ابتسامة. لما استوعب غلطته، ضحك بخفوت، وهمس:

- معليش بس، ضغط العمل.



حط الكوب الورقي على الطاولة ورجع أخذ كوب بلاستيكي ليكتب عليه اسمها. أعطاها الفاتورة، ف أخذتها، وجلست في المربع الأقرب للكاشير، كان مُحاط بحاجز جداري قصير، لكن فهد، كان قادر يسمعها بوضوح، ويحس بقربها.



أثناء تحضير الطلب، سمعها تتكلم بالجوال، خفق قلبه لصوتها، وقرر، بحركة جريئة، إنه يمد جسور التواصل بينهم، بهدية على حسابه.



أخذ الكوب الورقي اللي أخطأ فيه، وطلب من الفلبيني يعبيه بكراميل ماكياتو حار، كان مقرر يهديها هالكوب، بما إنه كتب اسمه عليها.



بمجرد ما جهز الطلب، طلب من الفلبيني يتركه يودي الصينية بنفسه، رغم إن هذي مو مهمته أبدًا. الفلبيني ما عارض، ولذلك أخذ فهد الصينية الخشبية، اللي تحتوي على سكر، وكوبين، ومناديل وبعض الأعواد الخشبية، وأخذها للمربع اللي تجلس فيه سارة.



يتذكر اللحظة، اللي دخل فيها على سارة بقميصه الأبيض الرسمي، ومريلته السوداء. لا زالت ساره تذكره بهذا الموقف المحرج، لما دخل عليها، وكان مخطط يقولها إن الكوب الحار هدية منه، قبل يتفاجأ بوجود بنت ثانية معها، واللي كانت يارا.



تلعثم وارتبك، ما كان مخطط يحرجها قدام البنت، لذلك قرر يسكت وما يقول شيء. حط الصينية قريب من ساره، فتفاجأتْ بوجود كوب ثاني ما طلبته.



سألته باستغراب، وهي تأشر على الكوب الحار:

- أنا ما طلبته!



فهد ارتبك، ما عرف كيف يجاوب.

- خلاص أنا خلتيه مجاني، يعني حاسبته، آآ قصدي يعني هو يجي هدية، إذا طلبتي بارد، يجيك حار معه.



ضيق عيونه وابتسم وهو يتذكر شعوره بالإحراج، وكيف انسحب بسرعة وهو يدعي على نفسه "الله يفشلك يا فهد".



رجع لمكانه محمر الوجه، وما يعرف كيف مر الوقت عليه، كان غائب عن الوعي. بعد فترة، كانت الساعة تجاوزت الحادية عشر، وصار وقت إغلاق المقهى. قفل فهد الكاشير، وأخذ فوطة صغيرة يمسح فيها طاولة الكاشير، قبل يتفاجأ بيارا وسارة، واقفين بكل جرأة قدامه.



يارا تكتفت وهي تناظره، وتناظر فوطته اللي يمسح فيها الطاولة، وقالت بصوت شبه عالي، وهي تكتم ضحكتها:

- يعني مساكين، وعلى قد حالكم، ورواتبكم ما تكفي الحاجة، ورغم هذا إلا تسوون فيها كريمين وتدفعون من حسابكم، علشان تشبكون بنت حلوة !



قالتها وهي تأشر على سارة. فهد احمر وجهه، وما عرف كيف ينقذ نفسه من الموقف. إلى الآن ما يدري كيف تملكته الجرأة، لينطق بأجرأ جملة قالها بحياته.



ربما بسبب خلو المكان من الزباين، وهدوؤه، أو ربما بسبب رقة سارة اللي سلبته عقله، وصمم ما يتركها تروح لغيره.



بكل وساعة وجه نطق، وهو يمسح الطاولة بخجل:

- ههههههه لا مو تشبيك، أنا فعلًا حبيتها.



رفع عيونه، وحس إنه تسرع، لما شاف يارا فتحت فمها بكل صدمة، ورفعت حواجبها، قبل أن تطلق ضحكة مصدومة.



عض شفايفه بندم وإحراج، ناظر ساره اللي كانت فعلًا مصدومة، لكن ما نطقت بشيء. ثواني و ضحكت يارا:

- لا شرايك ترقمها بعد، لا خذ سنابها أحسن !



سارة بخجل سحبت ذراع يارا، ووجهها ورّد من الإحراج.



فهد كان بين نارين، هل يرمي وجهه عليها، ويتخلى عن كرامته، ويحطها بموقف محرج، ولا يسكت ويتركها تروح، رغم رغبته الحارقة بالتقرب منها؟




ببساطة، انتصر شعوره الأول، لأنه يحس إن كل ما فيه كان يتمناها، يحس أن أوصال جسمه تتدافع ناحيتها، حتى قلبه أوشك يغادر صدره، ويخونه.



وعيونه على الطاولة اللي يمسحها، ابتسم ابتسامة جانبية، وقال:

- إذا ماعندها مانع، يشرفني أكيد.



يتذكر كيف أُعجبت يارا بجرأته العجيبة، وأصرت إنها تعرفهم على بعض. كان موقف غريب، وربما يعتبره البعض رخيص جدًا، لكن فهد، من بداية الموقف، كان يخطط لبعيد.



مو مهم كيف بدأ الحب، المهم كيف ينتهي.



وبالنسبة لفهد، فهو ممُتن جدًا لهذا الموقف اللي جمعه بأجمل انسانة عرفها بحياته، حتى لو كان بنظر البعض "رخيص".



اتسعت ابتسامته أكثر على طاري هالذكرى الجميلة، وبوصوله للبيت، ركن سيارته عند باب بيتهم الأبيض التقليدي، ونزل وهو يتمنى ما يقابل بطريقه أبغض شخصه على قلبه.





دخل من الباب الرئيسي، فسخ نعاله عند الباب، ومشى على السراميك القديم على الممر المؤدي للصالة.كان متوقع يحصله هو وأمه نايمين، لكنه سمع صوته في الصالة، يهاوش أمه بعصبية.



حاول يصعد الدرج بدون ما يلفت انتباهه، ولما تخطى أخر درجة، سمع صوته العصبي يتوقف، وكأن نوبة غضبه اليومية، اللي يسكبها على أمه المسكينة، انتهت.




همس بقرف وبُغض عظيم:

- - جعل حسّك ينقطع، ليوم الدين.

مشى متوجه لغرفته، وفي منتصف الممر، انتبه للغرفة الموجودة قريب من غرفته، وتفاجأ ببابها المطرّف، على غير العادة.



حس إنها فرصة نادرة، لازم يستغلها.



تسحّب بهدوء إلى داخل الغرفة المفتوحة، كانت مُظلمة، فتح اللمبات، انكشف له السرير الواسع اللي يحتل أغلب مساحة الغرفة. داعبت أنفه رائحة معطر الجو المألوفة، اللي لا يمكن يشمها بغرفة ثانية في بيتهم.




رغم لونها البيج المعتق، و أثاثها البني المحروق، كانت أجمل غرفة ببيتهم المتواضع. بدون تفكير، توجه فهد للكومدينة جنب السرير، انحنى ليفتحها، ويخرج محفظة سوداء، منتفخة لشدة امتلائها بالمال.



وهو يهم لفتحها، سمع صوت الباب يتحرك خلفه، وأول ما التفت، تجمد الدم بعروقه، وتوسعت عيونه، وتخشبت أطرافه وهو يشوف أبغض انسان على قلبه، يصيده بالجُرم المشهود.


فهد 24 سنة.



***




إلى هنا نقف ..

توقعاتكم ،

مين الشخص اللي دخل على فهد؟


وايش بيصير على خطبته لساره بعد العيد، هل ممكن ينتصر حبهم أو تفرقهم الظروف؟



وسارة، هل بتوقف بوجه أبوها وتدافع عن حبها، أو بترضخ لقراره وتسكت؟

ورنيم، ايش الشغلة المهينة اللي رفضها خالها؟


وكيف ممكن تتصرف في ظل تأخر الصدقات عنهم؟



ياليت تكتبون انطباعكم عن كل شخصية في القصة


ولنا لقاء بإذن الله











الربيع القلب ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

اكيد جميع الشخصيات حلوه
واحلاهم رنيم
تستاهل ياسر
اللي دخل عفهد يمكن زوج امه
ما اعتقد ابو ساره حيوافق
الا ذا صار حدث يخدم فهد وساره

أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1