امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي ملصق عليه صورة رجل يصلي وهو واضع كمامة، وقد كتب فوقه حديث، وهو: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل فاه في الصلاة)، ونسبه إلى سنن ابن ماجه.
وفي أسفل الصورة كتب: كان سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، إذا رأى الإنسانَ يغطي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذا شديدا حتى ينزعه عن فيه. ونسب هذا القول إلى موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى.
والأحاديث المذكورة صحيحة، ومعروفة، لكنها تستخدم في غير ما جاءت لأجله.

فنحن لو راجعنا النصوص الحديثية الواردة في هذا الشأن سنجد أنها ذكرت أمران اثنان مكروهان: إسبال الثوب في الصلاة، وتغطية الفم. وغالب الروايات لا تذكر سوى الإسبال. وبعضها يذكر فقط تغطية الأنف ، ومعلوم أن موضوع الإسبال موضوع خلافي الحكم فيه خلاف الأولى وليس التحريم، فاقتران تغطية الفم أو الأنف معه يأخذ حكمه.
هذا عدا عن أن قضية تغطية الفم مختلف فيها، وإنما هي رأي لبعض الصحابة والتابعين، وهي مسألة مشهورة في الفقه، حول صلاة المرء متلثما، وقد كره يعض الأئمة ذلك، وسببه أنه يشعر الذي يقف بقرب المتلثم بأن هذا بسبب رائحة ما تنبعث منه، فيسبب له أذية، ويشعره باشمئزاز المتلثم منه، وقد يكون هذا غير صحيح، ولكنه يحصل. لذلك كره العلماء الصلاة مع تغطية الأنف والفم، وأكثرهم كرهوا تغطية الأنف دون الفم بسبب الرائحة.

فقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يكره تغطية الأنف، وكذلك ابن المسيَّب، والنخعيُ، وعطاء بن يسار من التابعين. وكان الحسن البصري لا يرى به بأسا.
وقال التابعي قتادة بن دعامة السدوسي الذي نقل هذه الآراء: فأما الفم فلا أرى به بأسا . (ينظر مصنف ابن أبي شيبة ٢ / ١٣٠). ففرقوا بين الأنف والفم.
وهناك سبب آخر ذكره شراح الحديث ، وهو : أن العرب كانوا يتلثمون بالعمائم، فيغطون أفواههم، فنهوا عنه، لأنه يمنع عن إتمام القراءة وتكميل السجود. وهو تعليل اجتهادي من الشراح، وليس بالمحكم، لأنهم يقولون معه: إلا إذا عرض للمصلي التثاؤب فيغطي فمه عند ذلك، استدلالا بالأحاديث الدالة على ذلك.
فهذا الاستدراك متعلق بالفم، وقد مر معنا سابقا أن الصحابة والتابعين لم يكرهوا تغطية الفم، وإنما نصوا على الأنف.
أما الأثر الذي رواه الإمام مالك في موطئه فقد قال في شرحه ابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١١٩) ما يلي: «وأما تغطية الفم والأنف في الصلاة فمكروه لمن أكل ثوما، وإنما أصل الكراهة فيه لأنهم كانوا يتلثمون ويصلون على تلك الحال فنهوا عن ذلك».
فرجع الأمر إلى الرائحة.. وكل النصوص التي أوردها ابن عبد البر هي في الأنف والذي يؤكد ذلك أن الأثر جاء تحت باب النهي عن دخول المسجد بريح الثوم (ينظر المنتقى شرح الموطأ 1 / 32).
فهذا كله يؤكد ما سبق ذكره أن الأمر مرجعه إلى الرائحة، وليس للتوقي من الأمراض الذي هو واجب شرعي ..

وعلى فرض أن الضرورة الطبية التي ألجأت إلى استخدام الكمامة تعارضت ظاهرا مع كراهة تغطية الأنف والفم، فحينها نقدم الضرورة الواجبة على الكراهة ..
ونحن لم أنعمنا النظر في قول الفقهاء تبين لنا الأمر. يقول الإمام البغوي في شرح السنة: «إِنْ عَرَضَ لَهُ التَّثَاؤُبُ جَازَ أَنْ يُغَطِّيَ فَمَهُ بِثَوْبٍ أَوْ يَدِهِ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ – أي بين النهي والجواز - لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّهْيِ اسْتِمْرَارُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَمِنَ الْجَوَازِ عُرُوضُهُ سَاعَةً لِعَارِضٍ».
فإذا جاز تغطية الفم لعارض التثاؤب في الصلاة استحبابا، أفلا يكون تغطيته بسبب الوباء العارض واجبا شرعيا ؟ ! ..

فهذه الأقوال سببها هذه القضية النفسية التي قد تسبب مشكلات بين المصلين بسبب الروائح التي تفوح منهم. ولا علاقة لها بالضرورة التي ألجأت إليها: وهي هذا الوباء الذي روَّع الناس وأخافهم وقض مضجعهم، بحيث إن الكمامة هي أهم وسيلة للوقاية منه. وبالتالي فإن نشر هذا الملصق الذي يعتبر لبس الكمامة في الصلاة جماعة مخالف لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر الجيد، بل يخالف صريح أمر الشرع بالتوقي من الأمراض والعلاج منها، وناشره جاهل لا يعي من أمور الشرع شيئا، وإنما يتبع ظاهرية جديدة لا سلف لها. ويندرج تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أفتى بغير علم فليتبوأ مقعده من النار).
نسأل الله تعالى السلامة.


ماجد الدرويش


رابطة العلماء السوريين

أدوات الموضوع
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1