امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©

سلسلة كيف نفهم القرآن؟(1)

تفسير الربع الأول من سورة الحجر

• الآية 1: ﴿ الر ﴾: سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة، (واعلم أنَّ هذه الحروف تُقرأ هكذا: ألِف لام را).
﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِين ﴾ أي: هذه هي آيات الكتاب المُنَزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهي آياتُ قرآنٍ مُوَضِّح للحقائق والأحكام.

♦ واعلم أنّ الواو التي بين كلمة (الْكِتَاب)، وبين كلمة (قُرْآَن)، تُسَمَّى (عَطْف بَيان)، يعني عَطْف توضيح، لِتُبَيِّن أنّ القرآن هو نفسه الكتاب، وليس معناها أنّ (الْكِتَاب) شيئٌ، وأنّ (القرآن) شيئٌ آخر، فكأنّ المعنى: (تلك آيات الكتاب الذي هو هذا القرآن المُبين)، وهذا مِثل قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ أي (الكتاب الذي يُفرِّق بين الحق والباطل)، ومِثل قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ أي (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ، وهو هذا الكتاب المُبين).

• الآية 2: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: سيَتمنى الكفار - حينَ يَرون خروج عُصاة المُوَحِّدين من النار - أنْ ﴿ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ مِثلهم ليَخرجوا من النار كما خرجوا.

• الآية 3، والآية 4، والآية 5: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ﴾: أي اترك - أيها الرسول - هؤلاء الكفار يأكلوا ﴿ وَيَتَمَتَّعُوا ﴾ بدُنياهم الزائلة ﴿ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ﴾ أي: ويُشغلهم طول العُمر - وبلوغ الشهوات الرخيصة العاجلة - عن طاعة ربهم، وعن التفكير في عاقبة أمْرهم، ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

♦ وإذا طلبوا إنزال العذاب بهم (تكذيبًا لك أيها الرسول)، فأخبِرهم أننا ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴾: يعني إننا لا نُهْلِكُ قريةً ظالمة إلا عندما يَبلغوا أجَلَهم المُقدَّر (مِثل مَن سَبَقهم)، فإذا حانَ وقت العقوبة: فـ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ﴾: أي لا تتجاوزُ أُمَّةٌ أجَلَها فتزيد عليه ﴿ وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾: أي ولا يَتأخرون عن ذلك الوقت لحظة.

• الآية 6، والآية 7، والآية 8: ﴿ وَقَالُوا ﴾ أي وقال المُكَذِّبونَ لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ - أي القرآن - ﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ أي ذاهب العقل، وهم يَعلمونَ أنهم كاذبونَ في ذلك، فقد كانوا يَشهدونَ له بالصدق والأمانة، ورَضوا بحُكمه عندما أرادوا إعادة بناء الكعبة (وذلك قبل بعْثَتِهِ صلى الله عليه وسلم)، فكيف إذاً يَقبلونَ حُكمَه ثم يَتهمونه - كَذِباً - بالجُنون؟!، فعُلِمَ مِن ذلك أنهم يقولون ذلك على سبيل العِناد، وحتى يَصُدّوا الناسَ عن دِينه.

♦ ثم قالوا له: ﴿ لَوْ مَا تَأْتِينَا ﴾ أي هَلاَّ جِئتَنا ﴿ بِالْمَلَائِكَةِ ﴾ لِتَشهد لك بأنّ اللهَ قد أرسلك إلينا ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾، فرَدَّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ يعني إلا بالعذاب على المُكذبين، لأنه - عند نزول الملائكة بالعذاب - سيُصبح الأمْرُ يَقينِيَّاً، وليس قضية إيمان بالغيب، وهذا ما لا يُريده اللهُ لهم، ﴿ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ﴾ أي: وحينئذٍ لن يُمهَلوا ليتوبوا أو يعتذروا.

• الآية 9: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ﴾ أي القرآن ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾: أي نتعهد بحِفظه مِن أن يُزادَ فيه، أو يُنْقَصَ منه، أو يَضِيعَ منه شيء، لأنه حُجَّتنا على خَلْقنا إلى يوم القيامة.

♦ فسُبحانَ اللهِ العظيم، مَن يَجرؤ مِن البشر أن يقول هذا الكلام، ثم يَفِي بما وَعَدَ - بالحرف الواحد - غير المَلِك القدير جَلَّ وَعَلا؟، هل هناك أحَدٌ مِن الخَلق يَضمن ماذا سيحدث له بعد ساعة مِن الآن؟! إنَّ الذي يستطيع أن يقول هذا الكلام بهذا اليقين هو الذي يَملِكُ القدرة سبحانه وتعالى، إننا نقول - وبمنتهى البَسَاطة -: (إنَّ الذي قالَهُ هو الذي حَفظَه).

♦ واعلم أنّ اللهَ تعالى قد حَفظ السُنَّة الصحيحة كما حَفظ القرآن، لأنّ لفظ (الذِكر) يَشمل جميع الشريعة: (القرآن والسُنَّة)، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي القرآن والسُنَّة، والدليل على أنَّ الحِكمة هي السُنَّة: هو قولُ اللهِ تعالى لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، وإلاَّ، فماذا كانَ يُتلَى في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن والسُنَّة؟!

♦ ولقد رأينا كيف قيَّضَ اللهُ للسُنَّةِ رِجالاً، وسَخَّرَ لها علماءً، ليَتَتبَّعوا الأسانيد، وليُظهِروا للناس الأحاديث الصحيحة مِن غيرها، أليس هذا التوفيقُ دليلاً على أنّ اللهَ تعالى قد حَفظ السُنَّة الصحيحة كما حَفظ القرآن؟

• الآية 10، والآية 11: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ﴾ - أيها الرسول - رُسُلاً ﴿ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي في فِرَق السابقين وأُمَمِهم، ﴿ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي كانوا يَسخرونَ منه ومِن دَعْوته (وفي هذا تصبير للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كما فَعَل مُشرِكوا قومه به، فكذلك فَعَلَ الذين مِن قبلهم برُسُلهم، حتى أَهْلَكهم اللهُ تعالى).

• الآية 12، والآية 13: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ يعني: كما أدْخَلنا الكفر في قلوب الأمم السابقة (عقوبةً لهم على استهزاءهم برسلهم)، فكذلك نَفعل بمُشرِكي قومك، بسبب استهزائهم بك وتكذيبهم بالقرآن، إذ هم ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾: أي لا يُصَدِّقون بالقرآن (رغم وضوح حُجَّته وقوة بَيانه) ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي: وقد مَضت طريقةُ اللهِ في الأوَّلين، وهي إهلاكُ الظالمين إذا استمروا على تكذيبهم وعِنادهم، كما حدث مع عادٍ وثمود (وفي هذا تهديدٌ عظيمٌ لهم).

• الآية 14، والآية 15: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي على كفار "مكة" ﴿ بَابًا مِنَ ﴾ أبواب ﴿ السَّمَاءِ ﴾ ﴿ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ أي فاستمَرّوا صاعدينَ فيه حتى يُشاهدوا ما في السماء مِن عجائب مَلَكُوتِ اللهِ تعالى، لَمَا صَدَّقوا، و﴿ لَقَالُوا ﴾ تكَبُّراً وعِناداً: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ أي مُنِعَتْ أبصارُنا من النظر الحقيقي فلم نُشاهد الملائكة، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ لأننا أصبحنا نرى أشياء لا حقيقيةَ لها، وهذه الآية كَقَوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا﴾ أي مِن السماء ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾ أي في أوراقٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ وتَيَقنوا أنه حق: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.

• الآية 16، والآية 17، والآية 18: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ أي مَنازل تسير فيها الكواكب والنجوم والشمس والقمر، لِيُستَدَلّ بها على الطُرُقات والأوقات، وغير ذلك مِن مَصالح العباد، ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ أي زَيَّنَّا السماءَ بالنجوم لمن يَنظرون إليها، ليَتأملوا في قدرة اللهِ ويَعتبروا، ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ أي السماء ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴾ أي مَطرودٌ مِن رحمة اللهِ تعالى، مَرجومٌ بالشُهُب، حتى لا يَسمع كلامَ الملائكة في المَلأ الأعلى ﴿ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ﴾: يعني إلا مَن استطاعَ أن يَختلس السمع من كلام الملائكة ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾: أي فهذا يَلحقه شهابٌ مُضيئ يَحرقه، (واعلم أنّ الشيطان قد يُلْقي إلى الساحر بعضَ ما سَمِعَه قبل أن يَحرقه الشهاب).

• الآية 19، والآية 20: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾: أي جعلناها مُمتدة مُتسعة، وبَسَطناها لتستطيعوا العَيش فوقها ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ أي وَضَعْنا في الأرض جبالاً راسيةً لتُثَبِّتها، ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ يعني: وأَنْبَتنا في الأرض من أنواع النباتات والمعادن ما هو مُقدَّرٌ بمقدارٍ معلوم (بحسب حاجة العباد وما يُصلحهم)، ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: وجعلنا لكم في الأرض ما تعيشونَ به من المَطاعم والمَشارب والملابس والمراكب (وغير ذلك من أنواع الرزق)، ﴿ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: وخَلَقنا لكم من الأولاد والخَدَم والبَهائم ما تَنتفعونَ به، وليس رِزقهم عليكم، وإنما هو على اللهِ رب العالمين.

• الآية 21: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ يعني: وما مِن شيئٍ مِن مَنافع العباد ﴿ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ من جميع الأصناف، وقد كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ في دعائه: (اللهم إني أسألك مِن كل خيرٍ خزائنه بِيَدك، وأعوذُ بك مِن كل شَرٍّ خزائنه بِيَدك)، ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ أي هذا الشيئ ﴿ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ يعني إلا بمِقدار مُحَدَّد كما نَشاء، في الوقت الذي نُريد، بحسب حاجة العباد، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾، (فخزائنُ الأشياء كلها بِيَد اللهِ تعالى وحده، يُعطي منها مَن يشاء، ويَمنعها عَمَّن يَشاء، وذلك بحسب حِكمته البالغة ورحمته الواسعة، وهذا يَجعل القلب لا يَتعلق إلا به سبحانه، لأنّ كل شيئٍ بِيَده).

• الآية 22: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ أي سَخَّرْنا الرياحَ لتُلَقِّح السحاب فيَمتلىء بالماء، (مِثلما يَحدث عندما تُنقَل مادة اللقاح مِن ذَكَر الشجر إلى أُنثاه)، ﴿ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ أَعْدَدناهُ ليكونَ صالحاً للشُرب، كما قال تعالى: ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ﴾ أي مالحاً ﴿ فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾؟، ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾: أي فأسقيناكم هذا الماء العذب (أنتم ومَواشيكم وأرضكم)، ﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ أي: وما أنتم بقادرينَ على تخزين هذا الماء وادِّخاره، ولا بمُنشئينَ له عندما تريدونه، ولكننا نُنشِئه لكم، ونُخَزِّنه لكم (في يَنابيع الأرض وغيرها)، رحمةً بكم وإحسانًا، (ومِن رحمته أيضاً بكم أنْ جَعَلَ خزائن الماء بِيَدِهِ وحده، إذ لو كان الأمْرُ بأيديكم، لأَعطيتموه لمن شِئتم، ولَمَنعتموه عَمَّن شِئتم بحسب أهوائكم، فللهِ الحمدُ والمِنَّة).

♦ فكُلّ هذه المنافع الضرورية لِلخَلق تدلّ على عناية اللهِ تعالى بمَصالح خلقه، وأنّه الإلهُ الحق الذي يَجب أن يُعبَد ولا يُعبَد غيره.

• الآية 23: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ﴾ مَن كانَ مَيّتاً (وذلك بخَلقه من العدم)، ﴿ وَنُمِيتُ ﴾ مَن كانَ حَيّاً (بعد انقضاء أَجَله)، ﴿ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ للأرض وما عليها.

• الآية 24، والآية 25: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ﴾ (وهُم جميع مَن ماتَ مِن البشر منذ آدم عليه السلام)، ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ (وهُم الأحياء الآن، وكذلك الذين سيأتون إلى يوم القيامة)، ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ جميعاً للحساب والجزاء، ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في تدبيره وقضاءه (ومِن حِكمته أن يأمر عباده ويَنهاهم، ثم يُحاسبهم ويُجازيهم)، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ لا يَخفى عليه شيئٌ من أعمالهم.

• الآية 26، والآية 27: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ ﴾ - والمقصود به هنا: آدم عليه السلام (أبو البشر) - إذ خَلَقه اللهُ تعالى ﴿ مِنْ صَلْصَالٍ ﴾ أي مِن طين يابس (إذا نُقِرَ عليه: سُمِعَ له صوت)، وهذا الطين اليابس خَلَقه اللهُ ﴿ مِنْ حَمَإٍ ﴾ أي مِن طين أسود ﴿ مَسْنُونٍ ﴾: أي مُتغيرٌ لونه ورائحته بسبب مرور السنين عليه.

♦ وعلى هذا فإنّ الطِينة التي خُلِقَ منها آدم عليه السلام يكونُ ترتيبها كالآتي: (تراب - كما قال تعالى -: ﴿ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ - ثم وُضِعَ على هذا الترابِ ماء فأصبح طِيناً، ثمّ تُرِكَ هذا الطين حتى تَغيّرَ لونه ورائحته فأصبح (حمأ)، ثمّ تيَبَّسَ فأصبح صلصالاً)، ﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ - أي مِن قَبْل خَلْق آدم - ﴿ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾ أي مِن نارٍ شديدة الحرارة لا دخانَ لها.

• الآية 28، والآية 29: ﴿ وَإِذْ ﴾ أي: واذكُر - أيها النبي - حينَ ﴿ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ ﴾: ﴿ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ أي أَكْمَلتُ صورته ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾ فأصبح حَيّاً: ﴿ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ أي فخِرُّوا له ساجدين (سجود تحيةٍ وتكريم، وليس سجود عبادةٍ وخضوع).

• الآية 30، والآية 31: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ كما أمَرهم ربهم، فلم يَمتنع منهم أحد ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾ الذي كانَ يَعبد اللهَ معهم ﴿ أَبَى ﴾ أي امتنع ﴿ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴾، حَسَدًا لآدم على هذا التكريم العظيم.

• الآية 32: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى - مُنكِرًا على إبليس تَرْكَ السجود -: ﴿ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴾؟

• الآية 33: ﴿ قَالَ ﴾ إبليس مُظهرًا كِبْره وحسده: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ﴾: أي لا يَليقُ بي أن أسجد لإنسانٍ ﴿ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ ﴾ أي مِن طين يابس، وهذا الطين اليابس خلقته ﴿ مِنْ حَمَإٍ ﴾ أي مِن طين أسود ﴿ مَسْنُونٍ ﴾: أي متغيرٌ لونه ورائحته بسبب مرور السنين عليه.

• الآية 34، والآية 35: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى له: ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا ﴾ أي اخرج من الجنة ﴿ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ أي مَطرودٌ من كل خير، ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ﴾ أي البُعد مِن رحمتي ﴿ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾: يعني إلى يوم الجزاء، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ﴾ أي جزاءهم الحق.

• الآية 36، والآية 37، والآية 38: ﴿ قَالَ ﴾ إبليس: ﴿ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ أي أخِّرني في الدنيا إلى اليوم الذي تَبْعَث فيه عبادك (وهو يوم القيامة)، فـ ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ له: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴾ أي فإنك مِمَّن أخَّرْتُ هَلاكهم ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ وهو اليوم الذي يموت فيه جميع الخَلق بعد النفخة الأولى - لا إلى يوم البعث -، (وقد أجابَ اللهُ طلبه اختباراً لعباده).

• الآية 39، والآية 40: ﴿ قَالَ ﴾ إبليس: ﴿ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ أي بسبب إضلالك لي: ﴿ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾: أي سوف أُحَسِّنُ لذرية آدم مَعاصيك في الأرض ﴿ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: وسوف أُضِلُّهم جميعاً عن طريق الهُدى (انتقامًا لنفسي مِن آدم) ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ﴾ أي مِن بني آدم، ثم خَصَّهم بقوله: ﴿ الْمُخْلَصِينَ ﴾: يعني إلا عبادك الذين أخلصوا لك العبادة، فخَلَّصتَهم من السُوء والفَحشاء، فهؤلاء لن أستطيع إضلالهم.

• من الآية 41 إلى الآية 44: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى لإبليس: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ أي: هذا طريقٌ مستقيم مُوَصِّل إلى جنَّتي، وعَليَّ الوفاءُ به، وهو:﴿ إِنَّ عِبَادِي ﴾ الذين أخلصوا عبادتهم لي ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾: أي ليس لك تَحَكُّم وتَسَلُّط على قلوبهم (لِتُضِلُّهم عن الطريق المستقيم) ﴿ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ يعني: لكنّ تسلُّطَك سيكون على الذين اتَبعوك مِن الضالينَ المشركين (الذين رضوا بطاعتك بدلاً من طاعتي) ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ أي لها سبع طبقات (لكل طبقةٍ منهم باب)، و﴿ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ أي: لِكُلّ بابٍ مِن أبواب جهنم: فريقٌ من أتْباع إبليس يَدخلون منه، ولِكُلّ طبقة من طبقات جهنم: قِسمٌ ونصيبٌ من العذاب (وذلك بحسب أعمال العباد) (نسألُ اللهَ أن يُحَرِّم أجسادنا على النار).

• من الآية 45 إلى الآية 48: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ الذين خافوا عذابَ ربهم - فامتثلوا أمْره واجتنبوا نهيه - أولئك ﴿ فِي جَنَّاتٍ ﴾ أي في بساتين عجيبة المَنظر، ﴿ وَعُيُونٍ ﴾ أي أنهارٌ جارية.

♦ وتقول لهم الملائكة: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ﴾ أي ادخلوا هذه الجنات سالمينَ مِن كل سُوء، ﴿ آَمِنِينَ ﴾ مِن كل خوف، ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ﴾: أي لم يُبقِ اللهُ في صدور أهل الجنة ما يُنَغِّصُ نعيمهم، أو يُكَدِّرُ صَفْوَهم وسعادتهم (كحِقدٍ أو حسدٍ أو عداوةٍ أو غضب)، فهم يَعيشونَ في الجنة ﴿ إِخْوَانًا ﴾ مُتحابِّين، يَجلسونَ ﴿ عَلَى سُرُرٍ ﴾ عظيمة (والسُرُر جمع سرير) ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾: أي تتقابل وجوههم في حُبّ، يَجمعهم مَجلس واحد يَتسامرونَ فيه على السُرُر، فإذا أرادوا الانصراف: تدورُ بهم السُرُر إلى قصورهم (اللهم إنا نسألك الجنة يارب)، وهُم ﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ﴾: أي لا يُصيبهم فيها تعبٌ ولا إعياء (وهذا هو نعيم الراحة الأبدية في الجنة)، ﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ أي: وهُم باقونَ في هذا النعيم لا يَخرجون منه أبدًا.

. الربع الثاني من سورة الحِجر

• الآية 49، والآية 50: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾: أي أخبِر عبادي- أيها الرسول - ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ للمؤمنين التائبين، ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ لغير التائبين.

• الآية 51، والآية 52: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي وأخبِرهم عن ضيوف إبراهيم من الملائكة (الذين جاؤوا له على هيئة بَشَر) ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا﴾ له:﴿سَلَامًا﴾، فرَدَّ عليهم السلام، ثم قدَّم لهم الطعامَ فلم يأكلوا منه، فـ ﴿قَالَ﴾ لهم:﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾: يعني إنَّا منكم خائفون (وذلك لأنه ظنَّ أنهم أرادوا به شراً عندما لم يأكلوا).

• الآية 53: ﴿قَالُوا﴾ أي قالت الملائكة له: ﴿لَا تَوْجَلْ﴾: أي لا تخف﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: يعني إنَّا جئنا نُبَشِّرك بوَلَدٍ كثير العلم بالدين (وهو إسحاق عليه السلام).

• الآية 54: ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ مُتعجبًا: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾: يعني أبَشَّرتموني بالولد، وأنا كبيرٌ في السن، وزوجتي كذلك؟! ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾:يعني فبأيّ أُعجوبةٍ تُبَشِّرونني؟!

• الآية 55: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الذي أَعْلَمَنا اللهُ به ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: أي فلا تكن من اليائسينَ مِن أن تُرزَق بولد.

• الآية 56، والآية 57: ﴿قَالَ﴾ إبراهيم - نافياً القنوط عن نفسه -:﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ يعني إنه لا يَيْئَسُ ﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ عن طريق الحق، الذين لا عِلمَ لهم برَبِّهم، وكمال قدرته وسعة رحمته، ثم ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني: فما الأمر الخطير الذي جئتم مِن أجْله أيها المُرسَلونَ مِن عند الله؟

• الآية 58، والآية 59، والآية 60: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾: يعني إنّ اللهَ أرْسَلَنا لإهلاك قوم لوط المجرمين، ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: يعني إلا لوطًا وأهله المؤمنين به فلن نُهلكهم، بل سَنُنَجِّيهم جميعاً ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ يعني: إلا زوجته الكافرة، فقد قضينا - بأمْر اللهِ لنا - بإهلاكها مع الباقينَ في العذاب.

• من الآية 61 إلى الآية 66: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾: أي فلمّا وصل الملائكة المُرسَلونَ إلى دار لوطٍ عليه السلام: ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: يعني إنكم قوم غير معروفين، (وكأنه خافَ منهم، وظنّ أنهم أرادوا به سُوءاً)، فـ﴿قَالُوا﴾: ﴿بَلْ﴾ أي لا تَخَفْ، فقد ﴿جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: أي جئنا نُخبرك بالعذاب الذي كان يَشُكُّ فيه قومك (حينَ كنتَ َتَعِدُهم به)، ثم قالوا له - ليَزيدوا مِن اطمئنانه -: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي وجئناك بالحق مِن عند اللهِ تعالى ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به.

﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾: أي فاخرج مِن قريتك أنت وأهلك المؤمنون ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: أي بعد مرور جُزء من الليل (يعني قبل الفجر بكثير)، لتتمكنوا مِن البُعد عن قريتكم، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ أي: امشِ أنت وراءهم، حتى لا يَتخلف منهم أحد ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ وراءه، حتى لا يرى العذاب فيُصيبه ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي:وأسرِعوا إلى حيثُ أمَركم الله (وقد قيل إنهم أُمِرُوا بالذهاب إلى الشام، وقيل إنه كان معهم دليلٌ يَدُلُّهم إلى أين يَتوجهون، واللهُ أعلم).

♦ ثم قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾: يعني: وأوحى اللهُ إلى لوطٍ ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ وهو: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يعني: إنّ قومك مُهلَكونَ جميعاً ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي عند طلوع الصبح، (واعلم أنّ دابر القوم: آخِرَهم، لأنه إذا هَلَكَ آخرُ القوم، فقد هَلَكَ أوَّلهم).

• الآية 67: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ إلى لوط - حين عَلِموا بمن عنده من الضيوف - وهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي فَرِحُونَ بضيوفه، ليَفعلوا بهم الفاحشة.

• الآية 68، والآية 69: ﴿قَالَ﴾ لهم لوط: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ وهُم في حمايتي ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾: أي فلا تفضحوني أمام أهل القرية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي خافوا عقابه ولا تتعرضوا لهم، ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: أي ولا تهينوني وتذلوني بإيذائكم لضيوفي (لأنهم كانوا يَعتبرون أنّ إهانة الضيّف هي مَذَلَّة وعار في حق مُضِيفه).

• الآية 70: ﴿قَالُوا﴾ أي قال له قومه: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ يعني ألم نَنْهَكَ عن استضافة أحد من الرجال أو حمايتهم مِنّا، لأنَّنا نريد بهم الفاحشة؟

• الآية 71: ﴿قَالَ﴾ لهم لوط: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ - أي بنات القرية جميعاً - ﴿بَنَاتِي﴾ فتزوَّجوهنّ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ يعني إن كنتم تريدون قضاء شهوتكم، (وسَمَّاهُنّ بناته، لأنّ نَبِيّ الأُمّة بمَنزلة الأب لهم، ويدل على ذلك قراءة عبد الله ابن مسعود - رضي اللهُ عنه - في سورة الأحزاب: (وأزواجه أُمَّهاتهم وهو أبٌ لهم)).

• الآية 72، والآية 73، والآية 74: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ (هذا قَسَمٌ مِن اللهِ تعالى بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفًا له)، فكأنه تعالى يقول له: وحَياتك يا محمد ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: يعني إنّ قوم لوط لَفي ضلالٍ أزالَ عقولهم ورُشدهم، فهم يَترددون كالسُكارَى لا يريدون إلا الفاحشة، (واعلم أنّ الخالق سبحانه يُقسم بمَن يشاء وبما يشاء، أمّا المخلوق فلا يجوز له القَسَم إلا بالله)، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: أي فصاحَ بهم مَلَكٌ من الملائكة (قيل إنه جبريل عليه السلام)، ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أي (وقت شروق الشمس)، ثم أخبَرَ تعالى بما حدث لهم بعد صيحة المَلَك، فقال: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أي قلَبْنا قريتهم التي كانوا يَعيشون فيها ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وهي حجارة صَلبة شديدة الحرارة.

• الآية 75، والآية 76، والآية 77: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني إنّ في قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام (مِن إنجاب إبراهيم للولد رغم كِبَر سِنِّه وعُقم امرأته، ومِن إهلاك قوم لوط وإنجاء المؤمنين) ﴿لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: أي لَعِظاتٍ للمُتأمِّلين المُعتبِرين، ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يعني: وإنّ قريتهم لَفي طريقٍ ثابت يراها المسافرون المارُّونَ بها، (وكانت قريش تَمُرّ بها أثناء رحلتها إلى الشام)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي كَوْن قرية لوط واضحةٌ للمسافرين وفيها آثار الهلاك ﴿لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حتى لا يَتجرأوا على مَعصية رب العالمين.

♦ واعلم أنّ المُتوسِّمين هم الناظرون نظر تفكُّر وتأمُّل لمعرفة الأشياء بسِماتها وعلاماتها، ولَعَلَّ اللهَ سبحانه قد خَتَمَ الآيات بلفظ "المؤمنين" للتنبيه على أنّ المتوسّمين هم المؤمنون، واللهُ أعلم.

• الآية 78، والآية 79: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ أي: ولقد كان أصحابُ المدينةِ المُلتفَّةِ الشجر - وهم قوم شعيب - ﴿لَظَالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالكفر والغش في الميزان ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، ﴿وَإِنَّهُمَا﴾: يعني: وإنّ مَساكن قوم لوط وقوم شعيب:﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي في طريقٍ واضح يَمُرُّ بهما الناس في سَفَرهم فيَعتبروا بهم.

• من الآية 80 إلى الآية 84: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: ولقد كذَّبَ سكان "وادي الحِجْر" - وهم ثمود - الذين كذبوا صالحًا عليه السلام، فكانوا بذلك مُكَذِّبينَ لجميع المُرسَلين (لأنّ مَن كَذَّبَ نبيًا من الأنبياءَ، فقد كذَّبَهم كلهم، إذ دَعْوتهم واحدة، وهي التوحيد)، ﴿وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا﴾ أي: وأعطينا ثمود آياتنا الدالة على صحة ما جاءهم به صالح عليه السلام (ومِن ضِمنها الناقة)، (وقد يكون المقصود بالآيات هنا: أنها الآيات المُرتبطة بالناقة، لأنها خرجتْ من صخرة، ولأنها كانت تقف أمام كل بيت ليَحلب أهله منها ما شاءوا وغير ذلك، ويُحتمَل أن يكون هناك آيات أخرى أعطاها اللهُ لصالح غير الناقة، واللهُ أعلم)، ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ لا يَتفكرون فيها، ولا يَعتبرون بها، ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ يَسكنون فيها ﴿آَمِنِينَ﴾ مِن أن تَسقط عليهم أو تُخَرَّب، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾: أي وقت الصباح مُبَكِّرين ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي فلم تنفعهم أموالهم وحصونهم في الجبال، ولم تدفع عنهم مِن عذابَ اللهِ شيئاً حينَ نَزَلَ بهم.

• الآية 85، والآية 86: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي لم يَخلقهما سبحانه عَبَثًا، بل خَلَقهما للاستدلال بهما على كمال قدرته، وعلى أنه وحده الخالق الرازق الذي لا تجب العبادة إلا له، وليُعلِمَ عباده أنّ الذي خلق السماوات والأرض قادرٌ على أن يُحيى الموتى، وأنّ ذلك أهْوَنُ عليه مِن خَلْق السماوات والأرض، ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ﴾ التي تقوم فيها القيامة ﴿لَآَتِيَةٌ﴾ لا مَحالة، لِتُوَفَّى كل نفسٍ بما عملتْ، ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾: أي فتجاوَز - أيها الرسول - عَمَّا يقوله المُشركون في حقك، واعفُ عنهم عفواً ليسَ بعده انتقام (عفواً لا يَترك بعده أثراً في القلب من الحقد والغيظ على مَن أساء إليك)، فـ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الذي أمَرَكَ بهذا الصفح ﴿هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ لكل شيء، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأعمال خَلْقه، وسيُعيدُهم كما بدأهم، ليُحاسب المُكلَّفين منهم ويَجزيهم بما عملوا، ويَجزيك على عفوك بما تَقِرّ به عَيْنك، ويَسعَد به قلبك، فاصبر واحتسب الأجر عند ربك.

• من الآية 87 إلى الآية 91: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ﴾ أي: ولقد أعطيناك - أيها النبي - ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ وهي الفاتحة (إذ هي سَبع آيات تُكَرَّر في كل ركعة)، ﴿وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾: أي: وأعطيناك القرآنَ العظيم (وإنما ذَكَرَ الفاتحة أولاً - مع أنها من القرآن العظيم - لإظهار فضلها وشرفها، إذ هي أعظم سورة في كتاب الله، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم) (انظر صحيح سنن أبي داوود ج: 2/71).

♦ فالقرآن - الذي أعطاهُ اللهُ لك أيها النبي - هو خيرٌ لك مِمَّا هُم فيه من المال والجاه، ولذلك فـ ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: أي لا تنظر بعينيك مُتطلِّعاً ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: يعني إلى ما مَتَّعْنا به أصنافًا من كفار قريش مِن مُتَع الدنيا، فلا يَخدعْكَ ذلك، فإنَّ هذا كلُّه متاعٌ قليل، وسوف يَزولُ عنهم عن قريب، ثم يُعَذَّبونَ في جهنم وبئس المصير، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أي لا تحزن على كُفرهم وتكذيبهم لك، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تواضَعْ للمؤمنين واعطِف عليهم ولو كانوا فقراء، فإنّ الخير فيهم وليس في أولئك الكَفرة الأغنياء، ﴿وَقُلْ﴾ لقومك ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: يعني إني أنا المُنذِر المُوَضِّح لِمَا فيه هداية الناس أجمعين، ومُنذِرُكم - أيها المُعانِدون - أن يُنزِلَ اللهُ بكم العذابَ الأليم ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ أي كما أنزلَ سبحانه العذابَ ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ وهم طائفةٌ من اليهود والنصارَى، قسَّموا التوراة والإنجيل، فآمَنوا ببعضها وكَفروا ببعضها، وأظهروا بعضها للناس، وأخفوا عنهم بعضها، فعاقبهم اللهُ تعالى، وهُم ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ﴾ أي جعلوا القرآن أجزاءً، فآمَنوا ببعضه، وكفروا بما لا يُناسب أهوائهم منه، (وكذلك المشركين الذين قسَّموا القرآن، فقالوا إنه شِعر وسِحر وغير ذلك، وصَرَّفوه بحسب أهوائهم، ليَصُدُّوا الناسَ عن الهُدى).

• الآية 92، والآية 93: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي سيَسألهم ربهم يوم القيامة عن تقسيمهم للقرآن بافتراءاتهم، وعن عبادتهم للأصنام، وغير ذلك من المعاصي والآثام..

• الآية 94: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: فاجهَر أيها النبي بدعوة الحق - التي أمَرك اللهُ بها - وأعلِنها للناس، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلا تَهتم بعِنادهم، وامضِ في طريق دَعْوتك، فقد برَّأكَ اللهُ مِمَّا يقولون.

♦ واعلم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قضى فترةً من الزمن مُستخفياً بدعوته هو وأصحابه في دار "الأَرْقَم ابن أبي الأَرْقَم" حتى نَزَلَ قول اللهِ تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ ، فخرج صلى الله عليه وسلم وأعْلَنَ الإسلامَ ودعا إليه.

• الآية 95، والآية 96: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾ أي حفظناك مِن شر ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي الساخرينَ من زعماء قريش، وهم ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ في عبادتهم (كالأصنام وغيرها)، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة عملهم في الدنيا والآخرة.

• الآية 97، والآية 98، والآية 99: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ مِن الاستهزاء والسُخرية، ومِن المُبالغة في الكفر والعناد، ثم أرشده تعالى إلى ما يُخَفف عنه ذلك الألم النفسي، فقال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: أي فالجأ إلى ربك عند ضِيق صدرك، وسَبِّح بحمده (أي أكثِر مِن قول: سبحان الله وبحمده، (وهي تعادل في المعنى: (سبحان الله والحمد لله)، فأمّا كلمة (سبحان الله): فمَعناها أنك تَنفي عن اللهِ تعالى كل ما لا يَليقُ به، وأمَّا معنى (الحمد لله): أنك تشكرُ اللهَ تعالى على نِعَمه، وتُثنِي على جلاله وكماله)، ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي المُصَلِّين المُتذللين للهِ تعالى، فإنّ الصلاة الخاشعة تكفيك ما أهَمَّك وتوسع صدرك، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي استمِرَّ في عبادة ربك حتى يأتيك اليقين (وهو الموت)، فإنّ القبر أول منازل الآخرة، وبمَوت الإنسان ودخوله في الدار الآخرة: يُصبح إيمانه يَقيناً خالصاً، (وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمْرَ ربه، فاستمَرّ في عبادته تعالى حتى توفاه الله).

♦ واعلم أنّ العبادة لها تعريفات كثيرة، ولكننا نَذكر منها أنها هي (أداء الطاعة بِذُلّ وحُبّ للهِ تعالى)، واعلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في صحيح البخاري -: (مَن قال سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة: غُفِرَتْ ذنوبه ولو كانت مِثل زَبَد البحر) (وزَبَد البحر هي الرَغوةً الطافية فوق سطح البحر)



(1) وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)
• واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.

رامى حنفى محمود

شبكة الالوكة

جنة الحياه ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©











أفادك الله وذادك من فضله يارب




جزاك الله كل الخير



-







-


أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع و منتديات غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1