منتديات غرام اسرة غرام الحياة الزوجية - الحمل - مشاكل الزواج - خاص بالمتزوجين ستون قاعدة ربانية في الحياة الزوجية … د . ناصر بن سليمان العمر
امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة الحادية والأربعون: إمساكٌ بمعروفٍ أوْ تسريحٌ بإحسانٍ


قال الله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229].
هذهِ الآيةُ قاعدةٌ تحققُ وتبينُ وتوضحُ منهجًا في الحياةِ، فإمَّا الإمساكُ بالمعروفِ وإمَّا التسريح بإحسان.
والمعروفُ هوَ المعروفُ بالشرعِ وبالعرفِ، فالعرفُ إذا كانَ يوافقُ الشرعَ ولا يخالفُه فهوَ معتبرٌ، فالمطلوبُ إمساكٌ بالمعروفِ، وأمَّا الإمساكُ بغير معروفٍ فهو سبب للشَّقاءِ قطعًا، والطريقُ الآخَرُ هو التسريحُ بإحسانٍ، وكثيرٌ منَ الناسِ معَ كلِّ أسف لا يُحققونَ هذه الآيةَ الكريمةَ، فقدْ تَصِلُ المسألةُ إلى الطلاقِ، والطلاقُ أمرٌ مشروعٌ، وقدْ وردَ في ذلكَ حديثٌ -وإنْ تكلَّم في ثبوتِه العلماءُ -يخبرُ بأنَّه أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ، ولكنَّه حلالٌ في النهايةِ، فكمْ منْ آيةٍ تُبينُ مشروعيةَ الطلاقِ عندَ الحاجةِ إليهِ. وقدْ خُيِّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في طلاقِ أزواجِه، بلْ طلّقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ابنة الجون لما دخل عليها فاستعاذت، والمقصودُ أن الطلاقَ قدْ يكونُ حلًا في نهايةِ المطاف، فالزواج في الإسلام ليس كحاله عند النصارى! أو بعض الأمم الأخرى، تستحيل عندهم الحياة جحيمًا ومفارقة الجحيم ممنوعة! بل قد تكون الفرقة رحمة وباب خير لكلا الزوجين. ففي بعضِ الأحيانِ قدْ يؤَثِّرُ استمرارُ الزواجِ علَى الحياةِ العامةِ للزوجِ أوِ الزوجةِ، ويؤثِّرُ علَى استقرارِهما، وبعدَ بذلِ كلِّ الوسائلِ منْ أجلِ الوِفاقِ قد لا يتحققُ الصلحُ، فيكون الحل هو الطلاق، فالأمرُ أحيانًا قدْ يكونُ خارجًا عنْ إرادةِ الزوجِ أوِ الزوجةِ المثالية لأسبابٍ وعواملَ داخليةٍ وخارجيةٍ، فَيُضْطرُ عندئذٍ إلى الطلاقِ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم أمرَ عبدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أنْ يُطيعَ أباهُ في طلاقِ زوجتِه، وكمْ منْ حالاتِ طلاقٍ وَقعتْ في حياةِ الصحابةِ -وهمْ خيرُ القرونِ- فالطلاقُ أيضًا يُنطلَقُ فيه منْ تحقيقِ الاستقرارِ الخاصِ للاستقرارِ العامِ، أو الاستقرار من طريق آخر.


يقولُ الله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء:130] ففي بعضِ الأحيانِ إذا حدثَ الطلاقُ يُوسِّعُ اللهُ تعالى على الرجلِ أو علَى المرأةِ أو علَى كليهما، فيكونُ الخيرُ والسَّعةُ في الطلاقِ، وهذا معنىً عظيمٌ أظهرتْهُ الآياتُ، فقدْ يرزقُ اللهُ منْ سَعَتِهِ الرجلَ أو المرأةَ، فلا يكونُ الطلاقُ هو المخرجُ فحسب، بلْ تتحققُ به السعادةُ. فعندما يكون بقاءُ العلاقةِ الزوجيةِ لا يمكنُ أنْ يُحقِّقَ ذلكَ معَ كلِّ الوسائلِ المقرونةِ بالصبرِ، فعندها يكونُ الطلاقُ هوَ الحلَّ، فقدْ يُبْدِلُ اللهُ الزوجَ خيرًا منْ زوجتِه، ويُبدلُ اللهُ المرأةَ خيرًا منْه، وكمْ سَعِدَ أناسٌ كانوا في شقاءٍ وعنتٍ وصعوبةٍ وشدةٍ، ولَمّا حدثَ الفِراقُ فإذا بالرجلِ يتزوجُ بامرأةٍ أخرى، ويَسعدُ سعادةً عظيمةً، وكذلكَ هيَ تتزوج بغيره وتَسعدُ سعادةً عظيمةً.


وفي بعض الأحيان يكونُ الرجلُ يريدُ زوجتَه ويُحبُّها لكنها لا تريدُهُ وربما تَكرهُهُ، فيكونُ منْ الحكمةِ أنْ يُطَلِّقَها، وأنْ يُحقِّقَ لها السعادةَ بالطَّلاقِ، فهذهِ صحابيةٌ جليلةٌ تَطْلُبُ أنْ تُفارِقَ زوجَها، وتقولُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلاَم)، وفي رواية عند البخاري: (وَلَكِنِّي لاَ أُطِيقُه)، وزاد ابن ماجه: (لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا)، حتى إنَّه وردَ في بعضِ ألفاظِ الحديثِ أنَّها تقولُ: (وَاللَّهِ، لَوْلَا مَخَافَةُ اللَّهِ، إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِه)، وهوَ يُحبُّها ويريدُها، ومعَ ذلكَ حَكَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخلعِ، وهوَ نوعٌ منْ أنواعِ الفرقة كالطلاق -وإنْ اختلفتْ الأحكامُ-، ولكنَّ الفِراقَ فِراقٌ على كلِّ حالٍ. وكذلكَ بعضُ الزوجاتِ تُريدُ زوجَها وتُحبُّه لكنْ هوَ لا يُطيقُها ولا يَتحملُها، ولقدْ حَدَّثَني بعضُ الأزواجِ بهذا الأمرِ حتى إنَّه يُخْبِرُ زوجتَه بأنه مسافرٌ وليسَ الأمرُ كذلكَ؛ لأنه يَجِدُ صعوبةً في الحياةِ معَها، وحتى لا يَكْسِرَ قلبَها، وما كانَ في النِّهايةِ إلا الفِراق، وإذا بها تتزوَّجُ برجلٍ آخرَ يُسْعِدُها، وهوَ كذلكَ تزوَّجَ بامرأةٍ أخرَى، ورزقَه اللهُ منها الأولادَ والبنينَ وتحققتْ لهُ السعادةُ.


يقولُ لي أحدُ الأشخاصِ إنه طلَّقَ ابنةَ عمِّه، بعد أن عاشَ معها عدةَ سنواتٍ، ورُزِقَ منها بابنٍ، وهوَ يُقْسِمُ أنَّه خلالَ هذهِ السنواتِ التي عاشَها معها لمْ يسمعْ منْها كلمةً تُزْعِجُهُ، ولمْ تسمعْ منهُ ذلكَ أيضًا، فكانَ مُحَقِّقًا لقولِه تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، ولكنْ في نهايةِ الأمرِ رأَى أنَّ الأفضلَ أنْ يُطَلِّقَها لظروفٍ مرَّتْ بهما، فرَزَقَه اللهُ أيضًا بزوجةٍ، ورُزِقَ منها البنينَ، وكذلكَ المرأةُ رَزَقهَا اللهُ بزوجٍ آخرَ، وهكذا الإسلامُ يتعاملُ معَ الواقعِ البشريِّ، وليسَ كمَا يَحدُثُ في الدولِ الأخرَى الكافرةِ مما يُسَمُّونَه بالعقدِ الكاثوليكي أو غيرِه، وهو الذي لا فِراقَ معَه، فكما أن الله تعالى جعلَ للدخولِ للحياةِ الزوجيةِ نظامًا جَعَلَ للفِراقِ نِظامًا، وكلاهما قائم على المعروف والإحسان.



,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,



القاعدة الثانية والأربعون: المنُّ مُفسِدٌ للبيوتِ





قال الله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6].
هذهِ قاعدة عامة تجري في العبادات فلا يجوز أن يمنَّ الإنسانُ على ربِّه مستكثرًا عبادتَه {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات:17]، ولا يجدر به أنْ يعط شيئًا من ماله طالبًا به ثوابًا دنيويًا خيرًا منه، وأيضًا لا يسوّغ لك الإحسانُ المنَّ مستكثرًا ما أحسنت به! وهذه القاعدة لها تعلقٌ بموضوعِنا في الحياةِ الزوجيةِ والأُسْريةِ، فكثيرٌ منَ العلاقاتِ البيتيةِ يشوبُها الكدَرُ بسببِ ما يحدثُ منْ مَنٍّ وأذًى، وذلك عندما يَمُنُّ أحدُ الزوجينِ بإعطاءِ الآخَرِ والبذل له أو الإحسان إليه بعمل أو مال، فقد يَمُنُّ الأبُ أو الأمُ علَى أولادِهما بما أعطوهم، تجدُ أنَّ بعضَ الآباءِ -هداهُم اللهُ- يَمُنُّ علَى أولادِه وعلَى زوجِه، فيقولُ: فعلتُ لكمْ وفعلتُ، وتفضَّلتُ عليكمْ، لا منْ بابِ التذكيرِ و لا منْ بابِ الإقناعِ، بل يذكرُهُ في قائمة مَنٍّ طويلة يستدعيها كلما ساءه شيء! والأخطرُ منْ ذلك والأسوأُ عندما تفعلُه المرأةُ، ويَحْدُثُ هذا منْ بعضِ الزوجاتِ -هداهُنَّ اللهُ- اللاتي قدْ تُعْطِي الواحدةُ منهنَّ زوجَها هديةً، أو تُسَاعِدُهُ في بعضِ أمورِ البيتِ، أو تُسَاعِدُهُ في قضاءِ دينِه، لكنَّها معَ كلِّ أسفٍ تمنُّ عليهِ، وقدْ حذَّرَ الله تعالى منْ ذلكَ في سورةِ البقرةِ فيُقالُ للجميعِ: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة:263]، ومعروفٌ أن المنَّ منْ أعظمِ الأذَى النَّفْسِيّ، والأذى النفسيُّ أشدُّ منَ الأذَى الحِسيِّ، وبخاصة إذا صدر ممن حقه أن يكرمك ويدفع الأذى عنك! ويزداد سوءًا عندَمَا يُتحدثُ به أمامَ الآخِرينَ! وبعض الناس من جهله يَمُنُّ بما قدْ يكونُ واجبًا عليه، وهذا من العجب! فإِذَا كانَ وَاجبًا عليهِ! فلا مجال للمنِّ معَ الواجبِ؟ وإنْ كانَ تبرعًا فَلَا ينبغي أن يُفْسِدَهُ بهذا المنِّ، يقولُ اللهُ تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ} الصدقةُ هنَا تبرعٌ ليستْ بواجبٍ {يَتْبَعُهَا أَذًى}.


وقدْ بيّنَ العلماءُ أحكامَ المنِّ وتعدَّدَ ذكرُه في أبوابِ الفِقْهِ، حتى إنَّهم قاُلوا لَو أنَّ رجلًا في البريَّةِ، وفقدَ الماءَ، وحانَ وقتُ الصلاةِ فلمْ يجدْ ماءً فجاءَهَ رجلٌ ومَعَهُ ماءٌ فتبرعَ له بِهِ، ولكنْ أَدْرَكَ المحتاجُ للوضوءِ أنه سَيَمُنُّ عليهِ فقالوا: له أنْ يتيممَ ولا يأخذَ هذا الماءَ لئلا يُصيبَه أذى المنِّ! هذا معَ أنها فريضةُ الصلاةِ العظيمةِ القدرِ، فلا شكَ أن ما يتعلقُ بما هو دونَها أوْلَى بالردِّ.


إن الأذَى بالمنّ مُفسدٌ للأعمالِ ومفسدٌ للقلوبِ، فعلَى أهلِ البيتِ أن يتفطنوا لذلك، وعلى الزوجٍ والزوجة والأولاد أنْ يَنتبِهُوا لهذهِ القاعدة، ويضعوا الآية الكريمة {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} نصب أعينهم.


وعلى النقيضِ من هذه النماذجِ السلبيةِ، هناكَ آباءٌ وأزواجٌ يُحسِنونَ كثيرًا لأزواجِهم ولأولادِهم، ويُشعِرونَهم -وهم صادقون في ذلك- بأنّ أولادهم وأزواجهم همْ أصحابُ المعروفِ عليهم، أحدهم سأل أباه في يومٍ منَ الأيامِ: كيفَ نكونُ أصحابَ المعروفِ وأنتَ المتفضِّلُ وأنتَ الْمُعطِي؟ فقال: لوْ أنَّ واحدًا منكمْ رَدَّ هَديتي أوْ عَطيتي ألَن يُؤَثِّرَ في نفسِي؟ قالوا: بلَى سَيؤَثِّرُ في نفسِكَ. قالَ: إذنْ أنتمْ المتفضِّلونَ عليّ؛ لأنكمْ أحسنتمْ إليَّ وَأَسْعَدْتموني، فقبولُكم لهديتي وعطيتي التي لا يُرجَى من ورائِها إلا وجهَ اللهِ تعالى مفرحٌ لي، فأنا أَشعرُ بالقربِ منْكم، وأشعرُ قبلَ ذلكَ أنه عبادةٌ لربي، وأشعرُ أنَّ هذَا دليلٌ علَى سلامةِ القلوبِ، وأشعرُ أنَّ هذا منْ أسبابِ المحبةِ، ففي الحديث: "تهادُوا تحابُّوا".


أمَّا المنُّ فإنه يَجعلُ الهديةَ سببًا للبغضاءِ بدلًا منْ أنْ تكونَ سببًا للتحابِّ، فلنحذره ولننتبِهْ لنياتِنا وأقوالِنا وأفعالنا، فحتَّى لوْ لمْ يتلفظِ الْمُهدِي والمتفضلُ بعبارةِ المنِّ، فإنَّه قدْ يُشعِرُ الْمُهدَى إليهمْ منْ زوجٍ أوْ ولدٍ بمنِّه مِنْ خِلالِ مشاعرِهِ وتصرفاتِه، فلابدَّ أنْ يَنكشِفَ مَا في القلبِ، فلْنَحْذِرْ منْ هذَا، ولْنُقدِّم ما نُقدِّمُه بنفسٍ طيبةٍ، كما في قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء:4]، والذي يَمُنُّ لمْ يَطِبْ نفسًا إنما فَعَلَ إِكراهًا أوْ منًّا ليتحدث ويستعلي أو أذىً أوْ نحوَ ذلكَ، فلْنَضعْ هذَا الأمرَ نُصبَ أعينِنِا منْ أجلِ ألَّا نُكدِّرَ الحياةَ، ومنْ أجلِ أنْ تصفوَ حياتُنا وتَسْعَدَ وتَستقرَّ.

...........................



القاعدة الثالثة والأربعون: الصاحبُ بالجنبِ أهل لإحسانك



قال الله تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء:36].
هذا جزءٌ منْ آيةٍ في سورةِ النساءِ، يقولُ اللهُ تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء:36] وعلاقتُها بموضوعِنا هوَ تفسيرٌ وردَ عنْ عليٍّ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهما وعنْ عِدّةٍ منْ التابعينَ، أنَّ الصَّاحِبَ بِالْجَنْبِ هنَا هوَ الزوجةُ، ولا شكَّ أنَّه تفسيرٌ ظاهرٌ؛ لأنَّه قالَ قبلَ ذلكَ {وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} فمَا دَامَ عدّ الجارَ القريبَ وعدَّ اليتيمَ والمسكينَ والجارَ الجُنبَ، فمِنَ المعقولِ أنْ يَعُدَّ الصاحبَ بالْجَنبِ أي الْمُجاوِر، وهلْ هناكَ أقربُ منْ الزوجةِ؟


وهذهِ الآيةُ فيها عِدَّةُ دلالاتٍ، أُولاها أنَّ فيها أمرًا بالإحسانِ {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} أي أَحْسِنوا إليهمْ، بلْ قرنت الآيةُ الإحسانَ لهؤلاءِ جميعًا -ابتداءً منَ الوالدَينِ وانتهاءً بالصاحبِ بالجنبِ- بعبادة الله عز وجل {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} وقرنته أيضًا بعدمِ الشركِ {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} مما يدلُّ علَى المكانةِ العظيمةِ للإحسانِ إلى هؤلاءِ.


ثمَّ إنَّ في قوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} إشارةً وإيماءً؛ أمَّا الإشارةُ فهي أنَّ الأصلَ في الزوجةِ أو الزوجِ أنْ يكونَ أحدهما بجانبِ الآخَرِ، وهلْ هناكَ أقربُ منْ الزوجةِ للزوجِ؟ وهلْ هناكَ أقربُ مِنَ الزوجِ للزوجةِ؟ فليسَ هناكَ إنسانٌ يكونُ قريبًا منْ أحدٍ وبخاصةٍ في حالةِ نومِه وغَفْلَتِه ورفعِ القلمِ عنْهُ في النَّومِ مِنَ الزوجةِ فَهِيَ أولى الناس باسم الصاحب بالجنْبِ، وَكَذلكَ الزوجُ فَهُوَ صاحبٌ بالجنْبِ.


وأمَّا الإيماءُ، فهو التنبيه على أن بعض الناس خالف الذي ينبغي أن يكون في الصاحب بالجنب! فبعضهم ينحي زوجه! ويبعدها ويقصيها! لماذا يبتعدُ البعضُ عنْ زوجِهِ، ولَماذا تبتعدُ المرأةُ عنْ زوجِها، ولِمَاذَا الهَجْرُ بدونِ سببٍ شرعيٍّ معتبرٍ؟ ولماذا تجدُ الإنسانَ كثيرًا ما يخرجُ منْ بيتِه بدونِ سببٍ فيُصَاحِبُ أصدقاءَهُ، ويجلسُ معَهمْ أكثرَ ممَّا يجلسُ معَ أهلِه؟


إنَّ منْ أسبابِ استقرارِ الحياةِ الإحسانَ إلَى الصَّاحبِ بالجنبِ، ومنَ الإحسانِ المكوثُ معَه ما لم يخل ذلك بأمر شرعي، أوْ يُؤَدِّي إلَى تقصيرٍ فِي حقٍّ شرعيٍّ أوِ اجتماعيٍّ للأهلِ والأقاربِ وغيرِهم، واللهُ أعلمُ.

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة الرابعة والأربعون: الشكوى التي يسمع الله لها!

قال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} [المجادلة:1]
ورد أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ومعه الناس، فمر بعجوز، فاستوقفته، فوقف، فجعل يحدثها وتحدثه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس على هذه العجوز، فقال: ويلك! أتدري من هي؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}، ولو حبستني إلى الليل، ما فارقتها إلا للصلاة، ثم أرجع إليها!

والآية في خبر أوس بن الصامت مع زوجته خولة بنت ثعلبة رضي الله عنهم، عندما ظاهر منها، فجاءت مشتكية إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو ما آل إليه حالها مع زوجها الذي ظاهر منها ، وفي الآية تنبيه على تعلق المرأة بالله عز وجل، وأن ذهابها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من باب الأخذ بالأسباب، ترجو أن يجري الله تعالى على يديه ما يفرج كربتها ويذهب ظلامتها.

فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم آخذة بالسبب، باثَّةً شكواها إلى ربها تعالى، ولهذا جاءها الفرج، فرفع الله ما بها، وأنزل بسببها أحكامًا لم يزل يفرج بها على كثير من إمائه وعباده.

والظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمِّي! أو يشبهها بمن تحرم عليه على التأبيد، وهو كما قال الله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة:2]، فاللفظ لفظ قبيح مجرد أن ينطق بظهر أمه قد يدرك الخيال معنىً سيئًا، وهو من إرث الجاهلية فجاء الإسلام يصحح الأوضاع ويبين المنهج الحق وما يلزم من وقع فيه. ولهذا على المرء أن يضبط ألفاظه ويهذب لسانه.

وتأملوا شكاية هذه الزوجة الصالحة رضي الله عنها، ما جاءت لتشنع، ولا تسب أو تشتم، بل جاءت لتعالج نازلة وهذا همّها، يظهر ذلك من كلماتها التي قالتها للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ لي صبية صغارًا إنْ ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا) ، كلمات تكتب بماء الذهب فالأم تربي وتحفظ أولادها، وهذا شاهدناه في بيوتنا وبيوت أهلنا، والأب يشغل بابتغاء الرزق والكسب، والنفقة واجبة عليه، فيشغله ذلك في أوقات كثيرة عن ملاحظة الأولاد.

وهذه الكلمات من خولة رسالة لعدد من الأمهات اللاتي أهملن -هداهن الله- أولادَهُنَّ وركن تربيتهم إلى الخادم أو الخادمة، فحدثت عادات وسلوكيات قبيحة. بل قد يكون بعض هؤلاء الخدم من النصارى أو من المسلمين الذي لم يتربوا تربية صالحة! فنشأ جيل كما ترون يحزن.

والمقصود أن خولة رضي الله عنها، أحسنت الشكوى، فجاءت في شأن كبير يستحق! وقد حررت المشكلة، علمت أنه لا تكتمل التربية إلا بتعاضد الزوجين، وأن ما وقع معها يحول دون ذلك، وأنه لابد من سبيل لحل الإشكال ورفع الضرر الواقع عليها، والذي إن استمر سوف تترتب عليه آثار لا تحمد.

وهذا معروف يشاهده كثير من الناس في حالات الفرقة والشقاق التي تقع في البيوت! تجد فيها أطفالًا عاشوا كالأيتام ووالداهما أحياء! إما بافتراق الزوجين فالأب ذهب وتزوج والأم أخذت سبيلها وتزوجت وبقي الأطفال، أو بتهاجرهما واعتزال كل منهما في بيت أهله!

وقد لحظت هذا في أثناء زيارتي لبعض الدور الاجتماعية، وهي دور الأحداث، لاحظت أن فيها أطفالًا وشبابًا من سن الثامنة حتى الثامنة عشر وقعوا في جرائم، ووجدت أن من أعظم الأسباب هو فرقة الزوجين أو تهاجرهما ووقوع الخلاف بينهما.

إن الطلاق إذا وقع لأسباب موضوعية، وبعد تأمل ودراسة واستشارة فهو حكم شرعي قد يكون هو العلاج، ولاسيما إذا سلك فيه المنهاج الشرعي، وكذلك بعده في التفاهم على أمور الأولاد، ولهذا قال تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، لكنْ كثيرٌ من حالات الطلاق لا تقع عن روية ولا عن دراسة ولا عن بُعد نظر، ولا تكون الفرقة فيها بإحسان، ومن هنا تقع المشكلات! أما التهاجر بين الزوجين، أو من قبل الزوج بالظهار ونحوه فهو محظور في نفسه لا سبيل لرأب مفاسده إن استمر! عاقبته أن يبكي الأب والأم على أولادهما الذين عرضوهما للضياع والشتات، ولا سيما في ظل زمان صعب جدًا، وأحوالٍ لا تخفى! فالله الله لنبتعد عما يفرح الشيطان من الظهار والتهاجر والشقاق، ولنعمد إلى علاج ما بدر من ذلك أو نزل، بالشكوى إلى الله تعالى، الإيجابية الجديرة بأن تسمع، وهي المشتملة على عرض مشكلة حقيقية تستدعي تدخلًا، فتعرض المشكلة، وتبين المفسدة، بعيدًا عن اللجج والإزراء، ومن ثمَّ الاستعانة بمن هو أهل للإعانة على علاجها! والله أسأل أن يجنبنا وإياكم الشقاق وأسبابه.

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

القاعدة الخامسة والأربعون: يهب لمن يشاء ما يشاء!

قال الله تعالى: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى].
هذه الآية عظيمة تشتمل على قاعدة جليلة! العلم بها ومراعاتها تذهب مشكلات كثير من البيوت!

تأمل قوله تعالى: {یَهَبُ} إذًا هي منحة، هي هبة! ومن هو الواهب المتفضل؟ هو الله عز وجل! ولو استحضرنا ذلك لما وقعت كثير من المشكلات في البيوت! تجد بعض الأزواج إذا رزق بالبنات دون البنين غضب! وصب جام غضبه على زوجته، وكأنه يحملها المسؤولية! والمسكينة ليس بيدها شيء!

يذكر أهل الأخبار أن رجلًا يقال له أبو حمزة الضَّبي، كان تأتيه البنات ولا يأتيه البنين، فهجر زوجته، وكان يقيل ويبيت بمنزل مجاور، فمر يومًا ببيتها فسمعها تهدهد البينة وتغنيها بقولها:
مـا لأبي حمزة لا يـأتينـا *** يظل في البيت الذي يلينا
غضبـان ألّا نـلد البنيـنـا *** تـالله مـا ذلك في أيدينا
ونحن كالأرض لزارعينـا *** ننبت مـا بـذروه فينـا
قالوا: فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبل رأس امرأته ورأس ابنته الصغيرة! وقال: ظلمتكما وربِّ الكعبة! فقد علم أنها صادقة!
أعرف أحد الأزواج جاءته البنات فتزوج امرأة أخرى -وليس الإشكال في أنه تزوج بأخرى- يقول: يريد الأولاد! فجاءته بنات، وتزوج ثالثة فجاءته بنات! إن الذي يهب هو الله.

إن من مقتضى الإيمان بقدر الله تعالى أن نرضى بما يقسمه الله تعالى، ولا ينافي هذا أن نتوجه إلى الله تعالى ونطلب منه أن يرزقنا الذرية الطيبة المباركة.

فالواجب على الذي يرزق بالبنات أن لا يتسخط نعمة الله تعالى، فضلًا عن أن يحمل الزوجة مسؤولية ذلك! ومن الجهل أن يتصور الزوج أن زوجته تريد البنت ولا تريد الابن! وأنها تفرح بالبنات دون الأبناء!

إن البنات حجاب من النار إن صبر عليهن، وأحسن تربيتهن، كما بيَّن النبيُ صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة !

وما يدريه لعل هؤلاء البنات خير له في العاجل والآجل! كم من الأبناء -ولا أقلل من قيمتهم- كان سببًا لشقاء الرجل، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن]، بل وصف بعضهم بالعداوة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن]، فليرضى الإنسان، بالقدر، وليحمد الله على ما رزقه.

والواجب ألاّ يتسخط رزق الله تعالى، ويجعله سببًا للشقاق، واضطراب الحياة الأسرية.

وأخيرًا كلمة لمن لم يرزق الذرية! أقول له: لا تيأس .. أبونا إبراهيم عليه السلام، الذي هو خليل الرحمن لم يرزق بالولد إلا بعد مائة وعشرين سنة! زكريا عليه السلام نبيٌ من أنبياء الله لم يرزق إلا بعد كما وصف الله في القرآن: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم]، فتوجّهَ إلى الله تعالى {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء]، فتوجّه إلى من توجه إليه إبراهيم وزكريا عليهما السلام واضرع إليه وناده ولا تستعجل! احذر من اليأس لأن اليأس قد يؤدي إلى سوء الظن بالله تعالى.

ولو قدِّر أن تكون عقيمًا، فاعلم أن الله تعالى حكيم عليم! {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى].

كم من العلماء والعبّاد والصالحين من لم يرزق بأولاد، فصبر واحتسب وما ضره ذلك بل كان هذا سببًا في أن يشقّ طريقه إلى الله.

ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يبلغ أحدٌ من أولاده الذكور، كلهم ما توا قبل البلوغ وهو رسول الله صلى الله عليه والسلام! بل ماتت بنياته كلهن في حياته إلاّ فاطمة رضي الله عنها بقيت بعده قليلًا!

فيا من لم ترزق الولد لا تأس لعل الله قد أراد بك خيرًا! فالله عليم حكيم، ولا تيأس وابذل الأسباب، فالله كما قال: {عَلِيمٌ قَدِيرٌ}، وفي ختم الآية بهذا الاسم إشارة إلى الأمل لطيفة! كم بلغنا من أخبار النساء من لم تحمل إلا بعد عشر سنوات، وأخرى بعد خمسة عشر عامًا، والله على كل شيء قدير! ولا مانع من استخدام العلاج المشروع، وأنص على المشروع لأن هناك وسائل لا تجوز، فالغاية لا تبرر الوسيلة، وعلى المسلم أن يرجع إلى فتاوى العلماء والمجامع الفقهية ليعرف ما يجوز وما لا يجوز، فاتق الله وأجمل في الطلب، وارض بما قسم، وأمل الخير في الدارين.

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

القاعدة السادسة والأربعون: إن الشيطان لكم عدو!

قال الله تعالى: {يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه].
هذه الآية التي في أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، ولم تكن تلك العداوة شخصية لتزول بموتهما! بل هي عداوة لجنس البشرية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر]، فهذه العداوة من الشيطان باقية مستمرة إلى قيام الساعة لا سبيل لصلح أو هدنة!

وعلينا الحذر الشديد من عداوته، فإذا كان أبونا آدم وأمنا حواء عليهما السلام لم يسلما من إغوائه، فكيف بي وبك إن غفلنا عن ذلك!

وتأمل مع أن الله عز وجل حذّر آدم عليه السلام من الشيطان وقال له: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}! مع ذلك استطاع بأساليبه وحِيَله أن يغويهما، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف]. فإذا كان هذا مع التحذير! ومَنْ الذي حذَّر؟ هو الله سبحانه وتعالى! ومن المحذَّر منه؟ هو الشيطان! ومن المحذَّر؟ هو آدم وحواء عليهما السلام! ومع ذلك استطاع الشيطان أن يغويهما، وإن كان إغواء في ساعة سرعان ما انفكا عنها ورجعا وأنابا، وقبل الله توبتهما.
لكن العبرة من ذلك ضرورة أن يكون الزوجان على تيقظ وانتباه، لخطر الشيطان، وخبث أساليبه.

وهنا وقفة مع قوله تعالى: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} أي أنه سلك أساليب مغوية خادعة، يقسم عليها! فيجب أن يكون الزوجان متيقظان فإن حيله كثيرة وخبرته بنفوس البشر طويلة!

وهذا الحذر لا أقول يجب أن يكون منذ يوم الزواج بل يبدأ قبل الزواج، وانظر كم من حالة طلاق وقعت قبل الدخول وبعد العقد!
وإذا استشعرنا هذا الأمر، تعين علينا أن نغلق عليه منافذ الوساوس والشكوك.

ومن جملة وظائف الشيطان الإغوائية! التي يعنيه أمرها ويدرب عليها أهل الباطل، إيقاع الخلاف والفرقة بين الزوجين، وهو يسعى في ذلك بكل سبيل وسوسة وإغواء، وقهرًا! ويدخل في ذلك قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة]، وتأمل قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} إذًا هو علم، يتعلمه الساحر من الشياطين! والعلم له أسسه وتفاصيله ووسائله.. وقد لا يأتي الشيطان أكثر الناس من هذا الطريق، لكنه يأتيهم من طرق أخرى، من طرق قذف الشكوك، ومن طرق الإغواء، من طرق أخرى كثيرة. على سبيل المثال، كثرت اليوم حالات الطلاق ولو بحثنا في نسبة الطلاق العالية، لوجدنا أن كثيرًا منها لم تقع لأسباب موضوعية، وإنما هي نتيجة لعمل دؤوب من الشيطان، سواءً فيما يتعلق بالجوالات ووسائل الإعلام الحديثة والشكوك التي يبثها الشيطان حول زوجة الرجل أو يوسوس للزوجة حول زوجها، وقد لا تكون شكوكًا لكنها حقائق يغري ويغوي بها! من كان في عافية وغنى عنها!

وكم من حالة وقفت عليها سببها الشكوك والظنون الكاذبة! تجد أن المرأة تتهم زوجها بوسوسة من الشيطان أن له علاقات، أو يكلم بعض النساء، وقد يكون هذا مجرد شكّ ووسواس، وقد يكون حقًّا في غير ريبة. والعكس تجد بعض الرجال يشك في زوجته ويراقبها بل -يتلصص عليها- وإذا وصلت الحال إلى هذا الحدّ فهي بداية الفشل.

والمهم أن نحذر من الشيطان أن يدمِّر حياتنا الزوجية، فإن هذا العدو المبين قد جعل ذلك هدفًا له! ففي الحديث الصحيح: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا! فيقول: ما صنعت شيئًا! قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته! قال: فيدنيه منه ويقول نعم أنت)! قال بعض الرواة أراه قال يعني النبي صلى الله عليه وسلم: (فيلتزمه) .. لأنه يدرك ما يترتب على هذا الأمر من خطر، وتمزيق أسرة، وتفريق جمع، وإشاعة عداوة، وتعريض كلًا من الزوجين للفتنة، والأولاد للضياع، والعصمة في قطع الطريق عليه، فإن وقع الطلاق ضرورة فبالمعروف، والتزام التدابير الشرعية التي أشير إلى بعضها في القواعد السابقة، والله الموفق.


موقع المسلم

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة السابعة والأربعون: خيرُكم خيركم لأهله

وهذا الحديث مرتكز أساس تدور حوله وترجع إليه أكثر القواعد النبوية، وامتثاله يكفل تحقيق الوئام في البيوت، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خيُركم خيرُكم لأهله، وأنا خيركُم لأهلي). وهذا يرسم المنهج ويوضح القدوة، ويبين الدرجة العالية الرفيعة لمن كان خيره لأهله، والواقعُ اليومَ محزنٌ؛ إذ تَرى كثيرًا من الأزواجِ خيرَهم قد بلغ الأبعدين، وحُرِم منه الأقربون، والأقربون أولى بالمعروف!

والخيرُ هنا شاملٌ لأمور الدِّين والدُّنيا، فيكون خيرًا لأهله في أمور دِينهم واستقامتهم، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، يعلِّمُهم القرآن والسنَّةَ ويُزكيهم، يدلُّهم على خير الأمور ولو كانت غيرَ واجبةٍ، وينهاهم عمّا لا يليق ولو كان غيرَ محرَّمٍ.

وهو خيرٌ لهم في أمور دنياهم ومعاشِهم، يعاملهم بالرفق والرحمة، وحسن الخلق، اقتداءً بمن هو خيرٌ لأهله، صلى الله عليه وسلم، وقد كان خُلُقُه القرآنَ، وأثنى عليه ربُّه تعالى أعظمَ ثناءٍ فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم]، لا يغضَب لأمر دنيا، يُخاطب أهله بأجمل العبارات، ويُلاطفهم بأسمى المعَاملات، ويمشي في خدمتهم، ولا يَبخل عليهم بما قُدِّر له من رزقٍ، يَعفو ويصفح، بشوش الوجه، طَلْقُ المحَيَّا، يبث الجميلَ، ويطوي ويستر القبيحَ، وهو قدوتنا في شأنه كلّه، خيرٌ لأهله ولصحابته ولأمَّتِه وللعالمين أجمع.

فيا باغي هذه الخيرية هلمَّ، فقد شُرِعَت لك أبوابها، كن حليمًا مع أهلك، أشعرهم بحبِّك وحنانِك، قاسمهم وقتَك واهتمامَك، اُعف عن زلّاتهم، وتجاوز عن هفواتِهم، كن حازمًا في أمر الشرع من غير عنفٍ، ليِّنًا من غير ضعفٍ، منفقًا من غير مَنٍّ، ولا سَرَفٍ، باذلًا قبل الطَّلَبِ، تتحسس حاجاتهم وتُشْعِرهم أنّك معهم ولو كان بدنُك بعيدًا، تشفق على مريضهم، وتعطف على صغيرهم، تبدؤهم بالسلام، وتردُّ التَّحيَّةَ بخيرٍ منها، وتفسح لهم في المجالس، إنْ غِبت فقدُوك، وإن حضرت سَعدوا بك، لا تكن كَلاًّ عليهم، خذ بمنهج التغافل ما استطعتَ، مرهم بالصلاة والزكاة، كأبينا إسماعيلَ عليه السلام: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم]، ليرضى عنك وعنهم ربك، خذ بمجامع الأخلاق الفاضلة، تنل السعادة والهناءَ وطيبَ العيشِ، تَسْعد بهم ويسعدون بك، ومع ذلك تكن بذلك في طاعةٍ لربك، واستجابةٍ لقدوتك صلى الله عليه وسلم، وأبشر بحسن العاقبةِ والمآل! {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:]، هل هناك أغلى من محبة الله تعالى وغُفرانه؟!
لبيك ربنا لبيك ربنا!

وفي ذيل هذه القاعدةِ قاعدةٌ أُخرى يمكن أن تجعل ملحقة بها وهي:
قاعدةٌ نبويَّةٌ: لَيْسَ أولئكَ بخيارِكُمْ.
وهذا جزءٌ منْ حديثٍ رواهُ أبو داودَ وصححهُ الألبانيُّ، والحديثُ طويلٌ وفيهِ يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لقدْ طافَ بآلِ محمدٍ نساءٌ كثيرٌ يَشكُونَ أزواجَهُنَّ ليسَ أولئكَ بخيارِكم)، وهؤلاءِ النسوةُ اللاتي جئنَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ما دفعتهن إلاّ حاجات، لم يأتين ليتكثرن أو يجرن فهن يَعْلَمْنَ أنهنَّ إنْ كَذبن علَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحاشاهُنَّ منْ ذلكَ، سدده الوحي، وعندهن من الوازع ما يردعهن، فهنَّ صحابياتٌ جَليلاتٌ، فشكواهُنَّ لها أسبابُها الحقيقيةُ، من تقصيرٍ أو إساءةٍ أو ضربٍ -كما في الحديث- أو غير ذلك، فاستجابَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وبيَّنَ أنَّ من يفعل ذلك ليسوا من خيارِ أصحابِهِ، تنفيرًا منه عن ذلك الخلق.

وكما مرَّتْ معنا الوصيةُ للمرأةِ بشكرِ زوجِها والتحذيرُ من ضدِّ ذلك في حديث: (أنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى امرأةٍ لا تشكرُ لزوجِها وهيَ لا تَسْتَغْنِي عنْه)، فهنا جاءتِ الوصيةُ وجاءَ التحذيرُ للرجالِ؛ (ليسَ أولئكَ بخيارِكم).

وفي قوله: بآلِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إخبار بأنَّ النساءَ جئنَ يشكينَ لأمهاتِ المؤمنينَ، وأمهاتُ المؤمنينَ نقلنَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم هذهِ الشكوَى، وفي هذا إرشادٌ لزوجاتِ العلماءِ والدعاةِ إلى ما ينبغي لهن وهو أنْ يستقبلنَ بعضَ الشكاوَى التي تُقدَّمُ لأزواجِهِنَّ منْ أجلِ علاجها، وأنْ يَكُنَّ واسطاتِ خيرٍ بدونِ إثقالٍ علَى أزواجِهنَّ، وبدونِ إحراجٍ للنساء، وإنّما توسطًا في الخير، ومساهمة في حلِّ المشكلات، كما كانتْ أمهات المؤمنين يفعلن.

فالشاهدُ أنَّ الذي يُؤذِي أهله، وتَكْثُرُ شَكْوَى زوجتِه منهُ بحيث لا يحتوي الشكاية بيته، ليسَ منَ الخيارِ، وهلْ يرضَى أحدٌ منا أنْ يُوصَفَ بهذا الوصفِ، وعلَى لسانِ الصادقِ المصدوقِ صلى الله عليه وسلم!

كلَّا -واللهِ-، فلهذَا علينا أنْ نَحْرِصَ علَى أنْ نُحققَ الخَيرِيَّةَ في البيتِ، بأنْ تكونَ المرأةُ شاكرةً صابرةً ومحتسبةً، والرجلُ محسنًا إلى أهلِه، وإن وقع شيء عالجه، ولم يضطرها إلى رفع الشكوى إلى من يرفع ظلامتها! وهذا لا يكون من المرأة غَالبًا إلاّ إذا ضاقتِ بها السبلُ وتقطعت بها الأسباب فلمْ تَجدْ أذنًا في البيت صاغية، ولا أملًا لعلاج مشكلتها أو كشف ظلامتها فيه.
<<<<<<<<<<<<<

القاعدة الثامنة والأربعون: الظفرُ بذاتِ الدِّينِ غنيمةٌ

قاعدةٌ نبويةٌ: (تُنكحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها ولحسبِها وجمالِها ودينِها فاظفرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يداكَ) .
هذا الحديثُ العظيمُ فيه حصرٌ لواقعٍ معتبرٍ في حياةِ الناسِ، ويدلُ على أفضلِ ما يُعتبرُ في مثلِ هذهِ الحالاتِ، فاظفرْ بذاتِ الدينِ تربتْ يداكَ، وما ينبغي بيانه هنَا هو أنَّ هناكَ مَنْ يُخْطِئونَ في فَهْمِ هذا الحديثِ وهذهِ القاعدةِ العظيمةِ، ويتصورُ أنَّ المطلوبَ أن تَظْفَرَ بذاتِ الدينِ، وتُغفِلَ المالَ والحَسَبَ والجَمَالَ، وهذَا غيرُ صحيحٍ، لكنَّه ذَكَرَ أنَّ هذهِ الأشياءَ الأربعةَ هيَ أغلبُ مَا ينتظرُهُ الناسُ، ويُريدونه من الزواجِ معَ اختلافِهم، فمنْهم مَنْ ينظرُ إلَى المالِ فقطْ عندما يريدُ أنْ يتزوجَ، وآخرُ ينظرُ إِلَى الجَمَالِ فقطْ، وثالثٌ ينظرُ إلَى الحَسَبِ والنَّسَبِ، ورابعٌ ينظرُ إلَى الدينِ، والصحيحُ أنْ ينظرَ الإنسانُ لهذهِ الاعتباراتِ باعتدالٍ مناسبٍ، لكنَّ الشيءَ المهمَ الذي لا يُتنازَل فيه ولا عنْه هو اعتبارُ الدِّينِ؛ لأنَّه هوَ الأساسُ في الحياةِ الزوجيةِ، ولكنْ ينظرُ باعتبارٍ لباقِي الجوانبِ. فلوْ أنَّ إنسانًا اقتصرَ في اختيارِه علَى المرأةِ الديِّنة فحسْب، فربما يجدُ فيها منَ العيوبِ في خَلقها أو حتى في نسبِها ما يُنفِّرُه عنْها، ومما يدلُّنا علَى هذا قصةُ الصحابيةِ الجليلةِ التي جاءتْ تطلبُ الفِراقَ منْ زوجِها رضي الله عنهم أجمعينَ، وطلبتِ الخُلْعَ، وقالتْ إنني أكرهُ الكفرَ في الإسلامِ، وكانتِ العِلَّةُ التي ذَكَرَهَا العلماءُ أنَّها أبغضته لأنَّ وجهَه لم يكن بالمنزلة التي تصبو إليها، معَ أنه صحابيٌّ جليلٌ رضي الله عنه فالإسلامُ يُراعِي هذهِ المشاعرَ.

لكن في هذا الحديثِ تنبيهٌ على الخطأِ الأكبر الذي يقعُ فيه كثيرٌ مِنَ الناسِ، بل أكثر الناس، ألَا وهوَ أنهم يُراعُونَ الجَمالَ فقطْ أوِ الحسَبَ فقطْ أو المالَ فقطْ، دونَ نظرٍ إلى الدينِ، فجعلَ الحديثُ الْمُرتَكَزَ الأساسَ هوَ الدينَ، فإذا أرادَ الرجلُ أنْ يتزوجَ فليكنْ أولَ ما يَسْأَلُ عنه دينها، فإذا اطمأنَّ لدينِها واستقامتِها، فليبدأْ بالسؤالِ عنِ الأمورِ الأخرَى، وبخاصَّةٍ ما يتعلَّقُ بجانبِ الجَمالِ، فالدِّينُ لا يتمسكُ باختيارِ الجميلةِ، ولا يدعو إذا وُجدت امرأةٌ جميلةٌ إلى أن تُتركَ.

لكن ثمة معنًى آخرُ وهو أنه قدْ تكونُ امرأة مِنَ النساءِ فيها نقصٌ في الجَمالِ، ولكنّها تُعَوِّضُ ذلكَ بحسنِ خُلُقها وتحببِها إلى زوجِها قال الله تعالى: {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة:37]، فتظهرُ بجمالٍ يجدُهُ الزوجُ، فهذا أيضا مرعي. ولكنَّ الحديثَ أبانَ عنِ الأمرِ العامِ خوفًا منْ أنْ يتزوجَ رجلٌ بامرأةٍ ثمَّ ينتهِي أمرُه إمَّا إلى طلاقِها كمَا طلبتْ هذهِ الصحابيةُ فِراقَ زوجِها، أو يلجأ إلى إهمالِها والإعراضِ عنْها، وهذا يضرُّها ويشقُّ عليها، ومَا في هذهِ المرأةِ منْ نقصانٍ هوَ منْ خَلقِ اللهِ عز وجل وقَدَرِ اللهِ عليها، وعليها بالصبرِ، وسيأتيها زوجُها المناسبُ، وقد يأتي زوجٌ يَقْبَلُها علَى مَا فيها، وكمَا أنَّ فيها بعضَ العيبِ وهوَ نقصُ الجمالِ، فقدْ يأتي إنسانٌ أيضًا لديهِ ظروفٌ معينةٌ ونقص محدّد فيتفقُ الطَّرفانِ.

أما المالُ فالأَولَى ألا نُعطيَه اعتبارًا كبيرًا، وإن كانَ البعضُ -معَ كلِّ أسفٍ- أصبحَ يعتبرُه الميزانَ، ومعلومٌ أنَّ المالَ إذا كَثُرَ بيدِ الزوجةِ قدْ يكونُ منْ أسبابِ الشقاءِ والفِراقِ، لكنَّ هذهِ ليستْ قاعدةً على العمومِ، فالصالحاتُ منْ أهلِ الثراءِ يساعدْنَ أزواجَهُنَّ، وأقوى شاهدٍ علَى ذلك ما فعلتْه أمُّ المؤمنينَ خديجةُ رضي الله عنها معَ النبيّ صلى الله عليه وسلم،حيثُ واسَتْهُ بمالها معَ دينِها وأخلاقِها وإيمانِها، فهيَ أولُ مَنْ آمنَ مِنَ النساءِ، فاجتمعتْ فيها هذه الصفاتُ رضي الله عنها، وهيَ أمُّ أولادِه رضي الله عنهم، وهذَا لا يَعنِي أنه لا اعتبار للمالِ، ولكنْ لا يكونُ هوَ المرتكزَ.

وأما مراعاةُ الحسَبِ فهوَ مهمٌ جدًا؛ لأنَّ الإنسانَ قدْ يقبلُ امرأةً ضعيفةَ الحسبِ والنسبِ لكنَّ المجتمعَ الذي حولَه وبخاصةٍ في داخلِ أسرتِه قدْ لا يَقبلونَ هذَا، ومراعاةُ الحسَبِ في مثلِ هذهِ الحالِ يكونُ لِصالحِ المرأةِ لأنها قدْ تُهان إذا لم يرع، و هذا أمر يَغْفُلُ عنه بعضُهم، فإذَا تزوجَ رجلٌ بامرأةٍ وقبيلتُه أو جماعتُه أو عائلتُه يشعرونَ بأنها أقلُّ نسبًا منهم، فهذهِ المرأةُ هيَ التي تُضارُّ؛ لأنكَ لا تستطيعُ أنْ تملكَ ألسنةَ الآخرينَ، فيتعرضونَ لغمزِها ولمزِها، بلْ ربما يُعيَّر أولادُها بعدَ ذلكَ بأمِّهم، فالإنسانُ في غنىً عنْ هذا الأمرِ، ودائمًا أذكرُ قاعدةً يسيرةً ولاسيما إذا جاءني منْ يشتكِي منْ هذا الأمرِ، فأقولُ إن تزوجتِ المرأةُ مِنْ عائلتِها أوْ منْ قبيلتِها فإنها لا تُعيّر، ولا تُنتقصُ، وأذكرُ في يومٍ منَ الأيامِ أنَّ شابًا جاءني، وسألتُه عنْ سببِ عدمِ زواجهِ، فأخبرني أنَّ السببَ والدُه حيثُ لم يسمحْ لهُ أنْ يتزوجَ منْ جهةٍ معينةٍ، وإذَا ذهبَ إلى آخرينَ رفضوا تزويجَه؛ لأنه منْ العائلةِ الفلانيةِ، فلمْ يجدْ حلًا، فأخبرتُه أنَّ الحلَّ يسيرٌ جدًا، فسألتُه إنْ كانَ لهُ بناتُ عمٍّ، فأجابني بالإيجابِ، فقلتُ تزوجْ إحداهنَّ، فأبوكَ لنْ يعترضَ لأنها ابنةُ أخيه، ولنْ ينتقِصَها إطلاقًا، وعمُّك لنْ يردَّكَ لأنكَ ابنُ أخيهِ، ففرحَ بكلامي وفعلًا ذهبَ وخَطَبَها، وتزوَّجها وهيَ أمُّ أولادِه، وتحققتْ لهما سعادةٌ كبيرةٌ.

والمهمُ أنْ يكونَ هذا الحديثُ نِبراسًا لنا في حياتِنا (تُنكحُ المرأةُ لأربعٍ)، فلنظفرْ بذاتِ الدينِ، ومرةً أخرى نقول: إنَّ هذهِ الأحاديثَ أوِ الآياتِ لا تُؤخَذُ منْ وجهٍ دونَ آخرَ، فيُحرصُ علَى ذاتِ الدينِ، بحيثُ يكونُ هوَ الأساسُ والمعتمدُ، ثم تُراعى بقيةُ الجوانبِ دونَ إفراطٍ ولا تفريطٍ، وبهذا نجدُ السعادةَ -بإذنِ اللهِ-.


موقع المسلم

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة التاسعة والأربعون: الدِّينُ والخُلُقُ ضمانتان لزواجٍ سعيد



قاعدةٌ نبويةٌ: (إذا خطبَ إليكمْ منْ ترضَونَ دينَه وخُلُقَه فزوجوه)  
هذا حديثٌ عظيمٌ رواهُ أبو هريرةَ رضي الله عنه عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولفظُه (إذَا خطبَ إليكمْ منْ ترضَونَ دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ)، ومنْ خلالِ الواقعِ نجدُ تصديقَ هذا الحديثِ، حيثُ تسَاهلَ الناسُ وبخاصةٍ أولياءُ أمورِ البناتِ في مقوماتِ الزواجِ، وهذَا الأمرُ أحدثَ كثيرًا منْ مُشكلاتِ البيوتِ، فنجدُ أنَّ هناكَ مقوماتٍ تعارَفَ عليها الناسُ، على ضَوئِها يَقبلونَ ويَرفضونَ، وكثيرٌ منها منْ أعرافِ الجاهليةِ، بينما هذا الحديثُ يدلُّ علَى أن المعيار المرعي هو: ”منْ تَرضَونَ دينَه وخُلُقَه“، رغمَ أنَّ الإسلامَ لا يُغفِلُ الجوانبَ الأخرَى، كما في الحديثِ الآخَرِ (تُنكحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها ولحسبِها وجمالِها ودينِها)، لكنَّه وجَّه في النهايةِ بقوله: (فاظفرْ بذاتِ الدينِ تربتْ يداكَ).


فمثلًا مِنَ الأعرافِ السائدةِ الآنَ التركيزُ علَى جانبِ المالِ، وقدرةِ الزوجِ الماليةِ، دونَ النظرِ إلى دينِه، بمعنى التساهلِ في أمرِ دينِه وعدمِ التحري كثيرًا، فيتحرَى عنْ وظيفتِه وعنْ قدراتِه، لكنَّه لا يتحرَّى عنْ دينِه، ويتحرى عنْ نسبِه وأجدادِه وأخوالِه بلْ ويبالِغُ في ذلكَ دونَ أنْ يَتَحرى عنْ دينِه، وإغفالُ هذهِ القاعدةِ يُحدِثُ المشكلاتِ وعدمَ الاستقرارِ، بل يسببُ العنوسةَ للبناتِ، فإذَا جاءَ منْ يُرتضَى دينُه وخُلُقُه -ما دامَ لا يُعابُ عليهِ في حسبِه ولا في نسبِه- ولو كانَ فقيرًا فليُزَوَّجُ، فسوفَ يُغنيهِ اللهُ منْ فضلِهِ. قال اللهُ -جل و علا-: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} النور:32]، والمهمُ هُوَ الاعتدالُ في هذا الجانبِ.


جاءَني يومًا رجلٌ منْ قبيلةٍ كبيرةٍ، وأَخبرني أنَّه يَرغبُ في الزواج منْ عائلةٍ يصعبُ أن يتزوجَ مثلُه منها في عرفِ المجتمعِ معَ كلِّ أسفٍ، فأخبرتُه أني أعرفُ هذهِ الفتاةَ وأقصدُ أهلَها، وفيهمْ صفاتٌ عظيمةٌ جدًا وبخاصةٍ في دينِهم، وسألتُه: هلْ إذَا خطبتَها وتزوجتَها سَتُكرمُها ويقبلُها أهلُك أو لا؟ فأجابَ بالإيجابِ، وأخبرني برضا والدَيه، وأنهم في قبيلتِهم لا يَرَونَ ما تراهُ كثيرٌ منَ القبائلِ في مقوماتِ اختيارِ الزوجِ، فأخبرتُه أن المهمَّ ألا تُهان هذهِ الفتاةُ وإلا فلْيتركْها لتتزوجَ ممنْ يُكرمُها، وبالفعلِ تزوجَها وهيِ أمُّ أولادِه، ووجدَ فيها الجمالَ، ووجدَ فيها الدّين، ووجدَ عندَها المالَ، مع أنّه ليسَ بحاجةٍ إلى مالها فهوَ غنيّ، ووجدَ أيضًا أنَّ ما يقولُه الناسُ عن عائلتها ليسَ بدقيقٍ، وفي المقابلِ كان هوَ على خُلُقٍ وصدَقَ في قولهِ إنهُ سيكرمُها، فتحققتْ لهما سعادةٌ عظيمةٌ.


وقد سئلتُ مرةً عنِ امرأةٍ خُطبتْ لرجلٍ ليسَ منْ قبيلتِها وغيرِ معروفٍ لهمْ، ولكنهُ مؤدٍ للصلاةِ، فهلْ هذا كافٍ لتعديلِه وتقويمِه، واعتبارِ ذلكَ سببًا لاختيارٍ موفَّقٍ؟ فكانَ الجوابُ بأنْ نأخذَ بوصيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءَكم منْ ترضونَ دينَه وخُلُقَه)، ولا شكَّ أنَّ الصلاةَ هيَ أعظمُ أركانِ الدينِ، ولكنَّها ليستْ هي كلَّ الدينِ، فالدينُ يتعلقُ بالعقيدةِ والعباداتِ والمعاملاتِ فرضًا ونفلًا، ومن الدينِ الخُلُقُ، فلا يكفِي مجردَ أنْ يقالَ هوَ يُصلِّي لتكونَ تزكيةً وترجيحًا، فهناكَ مصلونَ لكنَّ أخلاقَهم سيئةٌ، وهناكَ مصلونَ ولكنَّهمْ يرتكبونَ بِدَعًا، وهناكَ مُصلُّونَ ولكنهم يُقصِّرونَ في حقوقٍ كثيرةٍ شرعيةٍ لربِهم ولأهلِهم، والحديثُ لم يكتفِ بشرطِ الدِّينِ بل ضمَّ إليهِ الخُلُقَ.


فإذَا زُوِّجَ صاحبُ الدينِ والخُلُقِ فإنه يُكْرِمُ المرأة ولا يُهينُها ولا يَظلمُها، فإمَّا أنْ يُمسكَها بمعروفٍ أو يُسرِّحَها بإحسانٍ، ومعلومٌ خطورةُ التساهلِ في أمورِ الدينِ، والواقعُ يُصدِّقُ ذلكَ فكلُّ منْ يتساهلُ ويُزوِّجُ كريمتَه دونَ اهتمامٍ بشرطِ الدينِ والخلقِ يجنِي ثمارَ ما زرعَ، وقد وردَ عنْ أسماءَ رضي الله عنها أنها قالت: إنما النكاح رِقٌّ فلينظرْ أحدُكم أينْ يُرِقُّ كريمتَه -وقد وردَ مرفوعًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولكن كما قال البيهقي: الموقوفُ أصحُ، وما أعظمَه من كلامٍ، فالنكاح رِقٌ كما بيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: (هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ) ، قال الترمذي: يَعْنِي: أَسْرَى فِي أَيْدِيكُمْ، وهو تشبيهٌ لا تراد به المطابقةُ، فلا شكَّ أنَّ المرأةَ ليستْ مملوكةً أو رقيقةً تُباعُ وتُشترَى، ولا يُتَعامَلُ مَعَها كما يُتَعاملُ معَ الرقيقِ، لكنَّ المرادَ أنَّ النكاحَ نوعٌ من الرقِّ لعظمِ حقِّ الرجلِ على زوجِهِ، ولأنها محبوسةٌ عليه، فالنساء أسيراتٌ عندَ الرجالِ، فلْيَنظرْ أحدُكم أينَ يَضَعُ كَريمتَه. أينَ تضعُ ابنتَك؟ عند كريم يكرمها أو لئيم يهينها!


إن المرأةُ كَريمةٌ عند أهلها، كريمة عند أبيها وأمِّها وذويها، فلْيضعْها ولِيُّها في المكانِ المناسَبِ، باختيارِ الزوجِ المناسبِ صاحبِ الدينِ والخُلُقِ، ولا يُرِقَّها عندَ إنسانٍ ضعيفِ الدينِ يَبغِي عليها ويَظلِمُها.


فلْيُجعلْ هذا الحديثُ نبراسًا لحياتِنا منْ أجلِ أن تَسعدَ بناتُنا، ولنحرص على أنَّ نُبَكِّرَ بزواجِهن ممَنْ نرضَى دينَه وخُلُقَه، معَ مراعاةِ عدمِ وجودِ العوارضِ التِي قدْ تكونُ سبَبًا في عدمِ السعادةِ، وهيَ عواملُ معتبرةٌ قدْ تكونُ في ذاتِ الإنسانِ، أوْ قدْ تكونُ منَ الناسِ، فمراعاةُ الواقعِ وعدمُ المبالغةِ، وتجنب مواجهةِ مثلِ هذهِ القضايا برعونة مهم جدًا، وإنما تعالج بحكمةٍ وبُعدِ نظرٍ وسعةِ صدر، وهذا ما كانَ يُوصِي به سماحةُ الشيخِ ابنِ بازِ – رحمه الله - وكذلكَ الشيخُ محمدُ بنُ عثيمينَ – رحمه الله - فهؤلاءِ لبُعدِ نظرِهم، ولعلمِهم وعقلِهم ودينِهم ورثوا حكمة في علاج هذهِ الأمورِ، والمقصود أنه لابدَّ أنْ تُراعَى كلُّ العواملِ المحقِّقَةِ لقبولِ الزوجِ، ولكنْ يكونُ الخُلُقُ والدينُ هو الأساسَ في ذلك، دونَ تغييبٍ للجوانبِ الأخرَى من مال وحسب وجمال حتى لا يؤدي إغفالها إلى عدمِ الاستقرارِ والسعادةِ، والله الموفق.



<<<<<<<<<<<<



القاعدة الخمسون: مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ



قاعدة نبويَّة: (استوصُوا بالنساءِ خيرًا)  
هذا أمرٌ منَ النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يقولُ اللهُ فيه: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، ثمَّ يبيّنُ لنَا ويعلِّلُ للأمرِ بقوله: (فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)، ولقدْ بدأَ الحديثُ بالإيصاءِ وانتهى بالإيصاءِ؛ لأن المرأةَ ضعيفةٌ، وهي مخالطة تكثر الخلطة معها والمعاملة، قد يبدر منها شيء، فأوصى بها الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم خيرا.


ولي قصةٌ معَ هذا الحديثِ، حيث كنتُ في رمضانَ و أخذتني سِنَةٌ منَ النومِ وأنا في المسجدِ، فرأيت أني أقرأ هذا الحديث، فإذا بِرَجُلٍ أمامِي في الرؤيا يُشيرُ إلى الرأسِ عندما بلغتُ قوله: (وإنَّ أعوجَ مَا في الضلعِ أعلاهُ)، فَفَهِمْتُ وأنا في الرؤيَا أنَّ أعوجَ مَا في المرأةِ رأسُها، فلمَّا استيقظتُ تعجبتُ، ثم وجدتُ أيضًا كلامًا لبعضِ العلماءِ قريبًا من هذا، قال ابن حجر: ”ضرب ذلك مثلا لأعلى المرأة لأن أعلاها رأسها وفيه لسانها وهو الذي يحصل منه الأذى“، والمقصود هو أن الرجل يحتاج إلى الرفق، إلى عدمِ الشدةِ؛ لأنكَ إذا شددتَ انكسرَ الضلع، هكذا الضِلَعُ عمومًا، خُذْ ضلعَ شاةٍ وحاولْ أنْ تَعدِلَ أعلاه سينكسرُ يقينًا، لنْ يستقيمَ هذا الضلعُ، وأما المرأة فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثٍ آخرَ أنَّ كسْرَها طلاقُها. ولا يلزم من هذا القول بأنَّ المرأةَ لا يُمكِنُ أنْ تَستقيمَ، فليس من شرط التشبيه التطابق من كل وجه، وإنما تحتاجُ إلى الرِفقِ والحوارِ والأسلوبٍ الطيبٍ، فالمرأةُ تكون هيِّنةً ليِّنةً إذا وجدتِ الطرفَ الآخرَ هينًا لينًا، وهيَ صعبةٌ شديدةٌ إذا وجدتْ أمامَها رجلًا شَديدًا قد تضر نفسها، وقدْ يؤولُ الأمرُ معها إلى الطلاقِ، وفي هذهِ الرسالةِ محاولةٌ للبعدِ عنِ الشِّقاقِ والفِراقِ والخِلافِ والطلاقِ وما يُوصِّلُ إليهِ.


فليؤخذْ بهذا الحديثِ النبويّ منهجًا (استوصوا بالنساء خيرًا)، وكذلكَ يُقالُ للنساءِ استوصِينَ بالرجالِ خيرًا، فالرجلُ شديدٌ صعبٌ قد يكسر، ولكنه سهلٌ لينٌ إذا ما عاملته بحكمة، فهوَ أشبهُ بالجملِ، مِنَ الممكنِ أنْ يقودَه طفلٌ، إذا أكرمَه، ومِنَ الممكنِ أنْ ينفِرَ منْ مائةٍ، بلْ منَ الممكنِ أنْ يأتي على الناسٍ فيقتلَهم، إن وجد ممن يسوسه غلظةً وشدةً، وهَذا التشبيهُ لا حرجَ فيهِ، فقدْ شبّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم المؤمنَ فقال: (فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ)، فيُقالُ للنساءِ اسْتَوصِينَ بالرجالِ خيرًا، فالرجلُ يَنقادُ بلطفٍ ولينٍ وسهولةٍ إذا وجد امرأةً طيبةً هينةً متحببةً، ولذلكَ وَصفَ القرآنُ نساءَ الجنةِ بأنهنَّ {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة]، عربًا: أي متحببات لأزواجهِنَّ، فهذا شأن مهمٌ في العلاقاتِ الزوجيةِ، والله أعلم.



موقع المسلم

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة الحادية والخمسون: انظر إلى الإيجابياتِ



قاعدةٌ نبوية: (لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً)!
هذا جزءٌ من حديثٍ عظيمٍ رواهُ الإمامُ مسلمُ بإسنادِه عنْ أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ. أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ) ، والفَركُ هوَ البغضُ والشَّنَآنُ، والذي قدْ يكونُ سببُه بعض التصرفاتِ التي ربما تقعُ فيها النساءُ، فإذِا رأَى الرجلُ منْ أهلِه خُلُقًا يكرهه، فلينتقلْ إلى خُلُقٍ آخرَ، وليتفكرْ في حياتِها معهُ، نعم قدْ تكونُ أخطأتْ مرةً أو مرتينِ، و لكنَّها أَحسنتْ مرارًا وتكرارًا، وإنَّ المرءَ ليعجبُ منْ رجلٍ عاشَ معَ زوجتِه عشرينَ أو ثلاثينَ عامًا، ويَجِدُ منْها في كلِّ يومٍ إحسانًا، ثمَّ تقعُ في خطأٍ مَا أوْ تتصرفُ تصرفًا يكرههُ، فيبدأُ الشقاقُ والخلافُ، وقدْ ينتهِي بالفِراقِ، أوْ يعيشونِ حياةَ نكدٍ وشقاءٍ!


وهذهِ القاعدةُ تدعو إلى عدمِ الاستغراقِ في هذا الخطأِ الذي وقعتْ فيهِ المرأةُ، أوْ هذا الخُلقِ الذي تتصرفُ بهِ ولا يعجبُه، وأنْ ينظرَ إلى مُجملِ حياتِهم الطيبةِ بما فيها منْ أخلاقٍ عظيمةٍ لزوجه، فإذا فعل ذلكَ فستتحققُ السَّعةُ والراحةُ، ويقلُّ الغَضَبُ، وَلا يكرهُ الرجلُ زوجَه.


قدْ يَستَصعبُ بعضُ الناس خُلُقًا منْ زوجِه ويظنُّ أنَّ التعايش معَها هوَ ضَربٌ منَ المستحيلِ، فيُقالُ لَهُ خُذْ قَلَمًا، واكتبْ أخلاقَها الأخرَى بصدق وعدل وإنصاف، وسَيَكتشفُ أنَّه أحصَى أخلاقًا عظيمةً في مقابل خُلقٍ أو خُلقين، فيُطالَبُ بالتعاملِ معَ هذهِ الحسناتِ والأخلاقِ العظيمةِ التي منْ أجلِها اختارَها، وحينئذٍ سَيضعُفُ أثرُ الخُلقِ السيئِ وما يكرهُهُ منها، وعندئذٍ تستقرُ الحياةُ بإذنِ اللهِ. 


وكما قيلَ للرجلِ يُقالُ للمرأةِ إذا رأتْ من زوجِها خُلقًا لا يناسبُها أو تكرهُهُ، فلتتعامَلْ معَ الأخلاقِ الأخرَى، ولتعلم أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة، فكذلك: لا تفرَكُ زوجةٌ زوجَها، بل هي بذلك أولى، فعليها أن تتعامل معَ أخلاقِه العظيمةِ الكبيرةِ وصفاتِه العاليةِ، ولتنظر إليه نظرة إيجابية، ولتعشْ في هذا الجوِ المفعَمِ بالمودةِ والمحبةِ والرحمةِ، وإذا وَجدَتْ منهُ خُلقًا صَعبًا منْ شِدَّتِه أوْ شُحِّهِ أو استعجالِه في بعضِ الأحيانِ أو غيرِها منَ الأخلاقِ الصعبةِ، فيقالُ لها خذِي القلمَ، وأحصِي الأخلاقَ الكبرَى العظيمةَ الدائمةَ المطّرِدَةَ لهذا الزوجِ ولا تتركي خُلقا إيجابيًا حسنًا، وعندئذٍ سَتَتَضاءَلُ الأخلاقُ السيئةُ، وستصغُرُ في عينِها.


يقول تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، فإذا وقعتِ المرأةُ في خطأٍ أو كانت فيها خَصلةٌ سيئةٌ، فليتذكرِ الرجلُ حسناتِها، وليتذكرْ قولَه تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، فهذهِ الآيةُ تخبرُنا أنَّ اللهَ تعالى يَنظرُ إلى حسناتِنا، ويجعلُها سببًا لذهابِ سيئاتِنا، فذلك هو الفضل أو هو العدل وهما مطلوبان، فليكنْ هذَا هوَ منهجُ التعاملِ بينَ الزوجينِ، وبهذا تتحققُ الحياةُ الهانئةُ السعيدةُ، فليُجَعَلْ هذا الحديثُ نِبراسًا للحياةِ، ليسَ فقطْ في العلاقةِ الزوجيةِ، وإنما في عمومِ الحياةِ، والأقربون أولى بالمعروف.

,,,,,,,,,,,,,,

القاعدة الثانية والخمسون: اجعلوا بيوتكم عامرة بالذِّكر ولا تجعلوها مقابرَ



كلُّ عاقلٍ يبحثُ عنِ البيتِ الذي تشيع فيه السعادةُ وتحضر فيه الرحمةُ ويجد فيه الأُنسَ، ولا يحبُّ أن يكون بيتُه كالمقبرة تخيمُ عليها الوحشةُ، ويظهر على وجوه مرتاديها الحزن!


والنبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى للمؤمن أن يكون بيته كذلك! ولهذا جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتَكم مقابرَ، إنَّ الشيطانَ ينفِرُ منَ البيتِ الذِي تُقرأُ فيهِ سورةُ البقرة)، وعندَ الإمامِ أحمد: (يَفِرُّ منَ البيتِ الذي تُقرأ فيه سورةُ البقرة).


فالبيوتُ بيتانِ؛ بيتٌ يُقرأُ فيهِ القرآنُ، فهوَ بيتُ السَّعةِ والرحمة والإيمانِ والأُنس، وعليه تنزل ملائكةُ الرحمنِ، وبيتٌ يبيتُ فيه الشيطانُ، وتأوِي إليه الهوامُّ، كما في الخبر الآخر عن ابن سيرين أنه قال: ”البيت الذي يقرأ فيه القرآن تحضره الملائكة وتخرج منه الشياطين ويتسع بأهله ويكثر خيره، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن تحضره الشياطين، وتخرج منه الملائكة، ويضيق بأهله ويقل خيره“، وهو مقتضى الخبر الذي قبله، فإذا كان الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة فهذا يعني أنه يقرّ في البيت الذي لا تقرأ فيه! نعوذ بالله أن تكون بيوتنا خَرِبة! فلذلكَ علينا أنْ نجعلَ نصيبًا منْ تلاوتِنا للقرآنِ في بيوتِنا، وأنْ تكونَ هُناكَ حلقاتٌ قرآنيةٌ للأبناءِ في البيوتِ، معَ دوامِ السؤالِ والمتابعةِ لهمْ عنْ مواظبتِهم على قراءةِ القرءانِ.


ولابدَّ منْ جعلِ نصيبٍ منَ الصلاةِ في البيوتِ، فكثير من النوافلِ صلاتُها في البيتِ خيرٌ من المسجدِ، وصلاةَ المرأةِ في بيتِها أعظمُ فضلًا، وإذا عمر البيت بالصلاة والقرآن نزلت فيه الرحمة وحفته السكينةِ وحضرته الملائكة، وأمَّا منْ أعرضَ عنِ القرآنِ فهو أهل لأن يأوي الشيطان إليهِ ويشاركه بيته طعامًا وشرابًا وبياتًا، وإذا وُجدتِ الشياطينُ في البيوتِ أفسدوا الحياةَ، وأذهبُوا الاستقرارِ، وأثاروا العداوةَ بينَ الزوجينِ، وفرَّقوا بين الحبيبينِ، ولكنْ إذا وُجدَ القرآنُ وتلاوتُه وُجدتِ الملائكةُ والرحمةُ، فإنَّه لا مكانَ للشيطانِ في بيوتِ عبادِ الرحمنِ، وبهذا تتحققُ السعادةُ والاستقرارُ.

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة الثالثة والخمسون: أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه


هذا منهجٌ في الحياةِ بينَ العبدِ وربِّه ومعَ نفسِه ومع أهلِه ومع زوجِه، وهو مأخوذ من حديثٍ عظيمِ الشأنِ فيه قصَّةِ وقعت بين أبي الدرداءِ وسلمانَ رضي الله عنهما، وقد آخَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بينَ سلمانَ، وأبي الدرداءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ: (مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةً؟ قَالَتْ: إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَنَامَ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَقَامَا فَصَلَّيَا، فَقَالَ: إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقَ سَلْمَانُ) . والشاهدُ في آخرِه قولُ سلمانَ: فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وإقرارُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قولَ سلمانَ، حيث قالَ: صدَق سلمانُ، فصدَّقه في كلِّ ذلكَ، ولذلكَ فيجب أنْ نعطِيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، منْ أجلِ استقرارِ حياتِنا؛ فالزوجُ يُعطِي زوجتَه حقوقَها، والزوجةُ تُعطِي زوجَها حقوقَه، وكلاهما بِلا منٍّ ولا أذىً.


وقد حصلَ لي في يومٍ منْ أيامِ الحجِّ أن ذهبتُ لإلقاءِ محاضرةٍ عند حملةٍ عائليةٍ خاصةٍ فيها الرجالُ والنساءُ، فأُرسِلَتْ لي رسالةٌ منْ إحدَى الأخواتِ سائلةً عنْ حقوقِ الزوجِ وحقوقِ الزوجةِ، فأجبتُ مبينًا قاعدةً هامةً ألا وهيَ: إذَا كانتِ المرأةُ تَسألُ عنْ حقوقِ الزوجِ وحقوقِ الزوجةِ منْ أجلِ أنْ تقومَ الزوجةُ بالحقوقِ للرجلِ وتتسامحَ في حقِّها الذي هوَ على الرجلِ فهذا دليلُ سعادةٍ وهناءٍ، وإنْ كانتْ تسألُ عنْ ذلكَ منْ أجلِ مطالبةِ كلٍّ منهما بحقِّه، وإبرازِ التقصيرِ في أداءِ الحقوقِ منَ الجانبِ الآخرِ ومن ثمّ المشَاحَّةُ بينهما، فستكونُ حياة بؤسٍ وشقاءٍ.


نعم لا شكَّ أنَّ هناكَ حقوقًا مشروعةً، لكنَّ الأفضلَ أنْ يَتنازلَ الزوجُ عنْ كثيرٍ منْ حقوقِه، وأنْ تتنازلَ الزوجةُ عنْ كثيرٍ منْ حقوقِها، ولا أقولُ عنْ كلِّ الحقوقِ؛ لأنهُ لا تستقيمُ الحياةُ بالتنازلِ عنْ كلِّ الحقوقِ، ولكنْ بالإغضاءِ والتغافلِ تستقرُّ الحياةُ، وقد أرشد الله تعالى العباد على ذلك حتى في حال الفرقة فقال: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، لما ذكر متعة المطلقة قبل الدخول: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، فكيف بالمطلَّقة بعد العشرة والميثاق الغليظ! فكيف بمن هما في حبال الزوجية؟! فلا تنسوا الفضل بينكم لتسعدوا.


قدْ تُقصِّرُ المرأةُ في بعضِ حقوقِ الرجلِ، وقدْ يُقصّرُ الرجلُ في بعضِ حقوقِ المرأةِ، لكنْ ليكنْ الشأنُ بينهما أنْ يتغاضَى كلٌّ منهما عنِ الآخَرِ، وفي الوقتِ نفسِه يجتهدُ كلُ واحدٍ منهما في أداءِ الواجباتِ الْمُطَالَبِ بامتثالِها، وليُدركْ أنهُ ما منْ إنسانٍ إلا وفيهِ جوانبُ تقصيرٍ، فلْيتركِ العتابَ جانبًا ما أمكنَهُ ذلك، وليسلكْ مسلكَ التغافلِ والإغضاءِ غالبًا، وكما قيل:

إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا *** صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تُعاتِبُه



وكما قال الحسنُ البصريّ رحمه الله: ما اسْتَقْصَى كريمٌ قطْ، ونظم المعنى شعرًا الإمام أبو سليمان الخطابي فقال:

تسـامح ولا تستـــوف حقّـــك كلَّه *** وابق فلم يسـتـقص قطُّ كريم
ولا تغل في شيءٍ من الأمر واقتصد *** كلا طرفي قصد الأمور ذميم



والمقصود إذا كانَ هذا الحديثُ نبراسًا في الحياةِ كلِّها بأداءِ كلِّ الحقوقِ بدءًا منَ الحقِّ الأولِ، وهوَ حقُ اللهِ تعالى ومرورًا بحقوقِ العبادِ منَ الأهلِ والأولادِ تحققتِ الحياةُ السعيدةُ الهانئةُ بإذنِ اللهِ.

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة الرابعة والخمسون: خيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحةُ


إنَّ كلَّ العقلاءِ منَ البشرِ يبحثونَ عنِ السعادةِ والمتعةِ في حياتِهم، وهذا الحديثُ العظيمُ يقرِّرُ حقيقةً يغفُل عنها كثيرٌ من الناس! فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدنيا متاعٌ وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحةُ"، إذا أرادَ الإنسانُ أنْ يسافرَ فإنهُ يأخذُ معه متاعًا حتى يبلغَ غايتَه، فهو يَحْرِصُ على وسيلةِ انتقالٍ مناسبةٍ ليصلَ إلى هدفِه، ويختارُ المتاعَ المناسبَ في سفرِه، والحديثُ يقول: الدنيا كلُّها متاعٌ، كمَا تكررَ في القرآنِ كثيرًا، {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس:23]، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185]، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد:26]، {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [القصص:60]، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر:39].

فالدنيا في حقيقتها دار سفر ينبغي أن تجعل متاعًا فيتزود منها بما يستعان به على قطع الطريق فيها، وليحرصِ المرءُ على خيرِ متاعِ الدنيا ألَا وَهوَ المرأةُ الصالحةُ، فليُحْسنِ اختيارَ المتاعِ، كما في الأحاديثِ الأخرى "فاظفرْ بذاتِ الدينِ تَرِبَتْ يداكَ".

وكما يحرِصُ الإنسانُ على الحفاظِ على متاعِه أنْ يصيبَه شيءٌ فَتَتَعَطَّلَ مصالحه، فتجدُه يُحافظُ على ما معهُ منْ طعامٍ وشرابٍ حرصًا علَى أنْ يَصِلَ إلى مُبْتَغَاهُ، وكذلكَ يَحرصُ على وسيلة الاتصال التي معه خوفًا مِنْ أنْ تُصابَ بِعَطَبٍ أو خللٍ بسببِ إهمالِه أو تقصيرِه فتتعطلَ أو تَتَنَكَّدَ حياةُ السَّفَرِ، ويفقده أحوج ما يكون إليه، وقد يكون ذلك سببًا لهلاكه وسط البرِّيَة، فكذلكَ يجبُ الحفاظُ علَى المرأةِ، بعد الحرصُ على الظَفَرِ بالصالحةِ، فغير الصالحة قد تعيقه في سفره أو تؤخره.

وكذلك الرجلُ متاعٌ للمرأةِ، فعلَى المرأةِ ووليِّها أنْ يُحسِنَا اختيارَ زوجِها، كما مرَّ معنا قريبًا، والله أعلم.


,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,


القاعدة الخامسة والخمسون: مَنْ لَمْ يَشْكَرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكَرِ اللهَ


في الحديثِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرو رضي الله عنه قال: قالَ: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكَرُ لِزَوْجِهَا، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ"، ما أعظمَ هذا الحديثَ! فَشُكْرُ الناسِ منْ شكرِ اللهِ تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يشكرُ اللهَ منْ لا يشكرُ الناسَ"، وفي روايةٍ: "مَنْ لمْ يشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يشْكُرِ الله".

إنَّ كثيرًا منْ مشكلاتِ البيوتِ تقعُ بسببِ عدمِ الإقرارِ بالإحسانِ، ونكرانه! فمعَ إحسانِ كثيرٍ منَ الأزواجِ فهيَ لا تشكرُه ولا تُشعِره بفضلِه، وإذا كانَ على الزوجِ ألا يَمُنَّ فيما يُعطيهِ زوجتَه كمَا مرَ معنا عندَ قولِه تعالى: { وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6]، ففي المقابلِ على المرأةِ أنْ تشكرَ زوجَها، وأنْ تُبادِرَ بشكرِهِ فلا تَضْطّرَهُ إلى أنْ يتحدثَ عما فعلَ، وكذلكَ على الرجلِ أنْ يشكرَ زوجتَه إذا أحسنتْ، فلا الرجلُ يستغنِي عنِ المرأةِ، ولا المرأةُ تستغني عنِ الرجلِ {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187].

منَ الأزواجِ مَنْ لا يُمكنُ أنْ تُقدِّمَ زوجتَه الطعامَ ويَنتهِي منْهُ، إِلَّا أَقْدَمَ على شكرِها والثناءِ عليها، وهيَ تبادِلُهُ نفسَ الشعورِ بشكرِهِ والثناءِ عليهِ لبذلِه ونفقتِه، فالرجلُ يُبادِرُ بشكرِها، وهيَ تُبادِرُ بشكرِهِ، ولكنْ الواجب أن يقوم كل منهما بواجبه، بل يصنع المعروف وإن لم يكن واجبًا عليه ثم عليه ألا ينتظرُ الثناءَ منَ الآخَرِ، بل ليكن شعاره: {لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} [الإنسان:9]، وهذا فيما نبذله ونصنعه ليكتب لنا الأجر موفورًا.

وأما فيما نأخذه فليكنْ شعارَنا الشكرُ بيننا وبينَ الآخرينَ منْ أهلٍ وولدٍ، ثمَّ لمنْ أحسنَ إلينا أيَّ إحسانٍ كان فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل، والعاقبة: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، ونعوذ بالله من الأخرى: {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7].

امانى يسرى محمد ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

القاعدة السادسة والخمسون: كفرانُ العَشِيرِ جُرمٌ خطيرٌ


عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ. قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".

فهذا الحديثُ يبيِّنُ فيهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم طبيعةَ كثيرٍ منَ النساءِ، وإذا كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُوصِي الرجالَ فيقولُ: "لا يَفْرَكُ مؤمنٌ مؤمنةً إذا كرِهَ منها خُلقَا، رضِي منها خُلقًا آخرَ"، فهوَ هنا يُنبِّه النساءَ بالتحذيرِ من الخُلقِ السيئِ، يقولُ: لو أحسنتَ إلى إحداهُن الدهرَ ثمَّ رأتْ منكَ شيئًا، معناه أنهُ عاشَ معَها سنواتٍ طويلةً فَلا يُمكنُ أن يُحسنَ الرجلُ إلى زوجتِه الدهرَ إلا أن يكونَ عاشَ معَها طويلًا، فهو يُحْسِنُ إليها بدونِ كدَرٍ وبدونِ مَنٍّ ثم إذا رأتْ شيئًا يسيرًا مزعجًا، قالتْ: ما رأيتُ منكَ خيرًا قطْ!

وفي هذا الحديث تنبيه على خطر كفران العشير، وهو وإن كان في النساء كثير لكن كثيرًا منهن فاضلات شاكرات، وإذا قلنا شاكرات فلا نعني بالشكر كلمة تخرج من طرف اللسان، لكن شاكرات شكرًا باللسان وبالأفعال أيضًا، كما قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34].

ولئن كان كفران العشير في النساء خصلة ذميمة فهو في الرجال موجود وهو أشد قبحًا، فليحذره الجميع.

فليكنْ المنهجُ هو الشكر لا الكفر! والعفوَ والصفحَ والإعراضَ عن الإساءةِ لا المؤاخذة بها لتَعُمَّ السعادةُ بيوتنا

أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1