غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 09-12-2007, 02:27 PM
حلومي5555 حلومي5555 غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
B18 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان سورة الفاتحة والبقرة


سورة الفاتحة


"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "
"بِسْمِ اللَّهِ" أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ "اسم" مفرد مضاف, فيعم جميع الأسماء الحسنى. "اللَّهِ" هو المألوه المعبود, المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين, لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة, ومن عداهم, فله نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان بأسماء الله وصفاته, وأحكام الصفات. فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم, يعلم به كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر على كل شيء.

"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
"الْحَمْدُ لِلَّهِ" هو الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه. "رَبِّ الْعَالَمِينَ" الرب, هو المربي جميع العالمين. وهم من سوى الله, بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه. نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, رزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكملهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه. وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة من كل شر. ولعل هذا المعنى, هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله "رَبِّ الْعَالَمِينَ" على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه. وتمام فقر العالمين إليه, بكل وجه واعتبار.

"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ "
"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أن يأمر وينهى, ويثيب ويعاقب, ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات, وأصناف الملك ليوم الدين, وهو يوم القيامة, يوم يدان الناس فيه بأعمالهم, خيرها وشرها, لأن في ذلك اليوم, يظهر للخلق تمام الظهور, كمال ملكه وعدله وحكمته, وانقطاع أملاك الخلائق. حتى إنه يستوي في ذلك اليوم, الملوك والرعايا والعبيد والأحرار. كلهم مذعنون لعظمته, خاضعون لعزته, منتظرون لمجازاته, راجون ثوابه, خائفون من عقابه, فلذلك خصه بالذكر, وإلا, فهو المالك ليوم الدين وغيرة من الأيام.

"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ "
وقوله "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة. لأن تقديم المعمول يفيد الحصر, وهو إثبات الحكم للمذكور, ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك, ولا نعبد غيرك, ونستعين بك, ولا نستعين بغيرك. وتقديم العبادة على الاستعانة, من باب تقديم العام على الخاص, واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده. و "العبادة" اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة. و "الاستعانة" هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به في تحصيل ذلك. والقيام بعبادة الله والاستعانة بهما هو الوسيلة للسعادة الأبدية, والنجاة من جميع الشرور. فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة, إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة. وذكر "الاستعانة" بعد "العبادة" مع دخولها فيها, لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله, لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر, واجتناب النواهي.

"اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ "
ثم قال تعالى: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" أي: دلنا وأرشدنا, ووفقنا إلى الصراط المستقيم, وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله, وإلى جنته, وهو معرفة الحق والعمل به, فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط, لزوم دين الإسلام, وترك ما سواه من الأديان. والهداية في الصراط, تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء, من أجمع الأدعية, وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته, لضرورته إلى ذلك.

"صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ "
وهذا الصراط المستقيم هو "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. "غَيْرِ" صراط "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. و "لَا" صراط "الضَّالِّينَ" الذين تركوا الحق على جهل وضلال, كالنصارى ونحوهم. فهذه السورة, على إيجازها, قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن. فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله "رَبِّ الْعَالَمِينَ". وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة, يؤخذ من لفظ "اللَّهِ" ومن قوله "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". وتوحيد الأسماء والصفات, وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى, التي أثبتها لنفسه, وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه, وقد دل على ذلك لفظ "الْحَمْدُ" كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وأن الجزاء يكون بالعدل, لأن الدين معناة الجزاء بالعدل. وتضمنت إثبات القدر, وأن العبد فاعل حقيقة, خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع وضال فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى, عبادة, واستعانة في قوله: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". فالحمد لله رب العالمين.
سورة البقرة


"الم "
تقدم الكلام على البسملة. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور, فالأسلم فيها, السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي, مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.

"ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ "
وقوله " ذَلِكَ الْكِتَابُ " أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة, المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين, من العلم العظيم, والحق المبين. فهو " لَا رَيْبَ فِيهِ " ولا شك بوجه من الوجوه. ونفي الريب عنه, يستلزم ضده, إذ ضد الريب والشك, اليقين. فهذا الكتاب مشتمل على على اليقين المزيل للشك والريب. وهذه قاعدة مفيدة, أن النفي المقصود به المدح, لا بد أن يكون متضمنا لضدة, وهو الكمال, لأن النفي عدم, والعدم المحض, لا مدح فيه. فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه: وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة. وقال " هُدًى " وحذف المعمول, فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية, ولا للشيء الفلاني, لإرادة العموم, وأنه هدى لجميع مصالح الدارين. فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية, ومبين للحق من الباطل, والصحيح من الضعيف, ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم, في دنياهم وأخراهم. وقال في موضع آخر " هُدًى لِلنَّاسِ " فعمم. وفي هذا الموضع وغيره " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " لأنه في نفسه هدى لجميع الناس. فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا. ولم يقبلوا هدى الله, فقامت عليهم به الحجة, ولم ينتفعوا به لشقائهم. وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر, لحصول الهداية, وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, فاهتدوا به, وانتفعوا. غاية الانتفاع. قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ". فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية, والآيات الكونية. ولأن الهداية نوعان: هداية البيان, هداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم الهدايتان, وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها, ليست هداية حقيقية تامة.

"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ "
ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة, والأعمال الظاهرة, لتضمن التقوى لذلك فقال: " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ". حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل, المتضمن لانقياد الجوارح. وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس, فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب, الذي لم نره ولم نشاهده, وإنما نؤمن به, لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر, لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به, أو أخبر به رسوله, سواء شاهده, أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله, أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية, لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم, ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله. ويدخل في الإيمان بالغيب, الإيمان بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة, وأحوال الآخرة, وحقائق أوصاف الله وكيفيتها, وما أخبرت به الرسل من ذلك. فيؤمنون بصفات الله ووجودها, ويتيقنونها, وإن لم يفهموا كيفيتها. ثم قال " وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ " لم يقل: يفعلون الصلاة, أو يأتون بالصلاة, لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة, إقامتها ظاهرا, بإتمام أركانها, وواجباتها, وشروطها. وإقامتها باطنا, بإقامة روحها, وهو حضور القلب فيها, وتدبر ما يقوله ويفعله منها. فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها " إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ " وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للعبد من صلاته, إلا ما عقل منها. ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها. ثم قال " وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة, والنفقه على الزوجات والأقارب, والمماليك ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم, لكثرة أسبابه وتنوع أهله, ولأن النفقة من حيث هي, قربة إلى الله. وأتى بـ "من" الدالة على التبعيض, لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم, غير ضار لهم ولا مثقل, بل ينتفعون هم بإنفاقه, وينتفع به إخوانهم. وفي قوله " رَزَقْنَاهُمْ " إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم, ليست حاصلة بقوتكم وملككم, وإنما هي رزق الله, الذي خولكم, وأنعم به عليكم. فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده, فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم, وواسوا إخوانكم المعدمين. وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن, لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة والنفقة, متضمنة الإحسان على عبيده. فعنوان سعادة العبد, إخلاصه للمعبود, وسعيه في نفع الخلق. كما أن عنوان شقاوة العبد, عدم هذين الأمرين منه, فلا إخلاص ولا إحسان.

"وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ "
ثم قال " وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ " وهو القرآن والسنة. قال تعالى " وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ". فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول, ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه, فيؤمنون ببعضه, ولا يؤمنون ببعضه, إما بجحده أو تأويله, على غير مراد الله ورسوله, كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة, الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم, بما حاصله عدم التصديق بمعناها, وإن صدقوا بلفظها, فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا. وقوله " وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ " يشمل الإيمان بجميع الكتب السابقة. ويتضمن الإيمان بالكتب, الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه, خصوصا التوراة والإنجيل والزبور. وهذه خاصية المؤمنين, يؤمنون بالكتب السماوية كلها, وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم. ثم قال " وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ". و "الآخرة" اسم لما يكون بعد الموت. وخصه بالذكر بعد العموم, لأن الإيمان باليوم الآخر, أحد أركان الإيمان. ولأنه أعظم باعث الرغبة والرهبة والعمل. و "اليقين" هو العلم التام, الذي ليس فيه أدنى شك, والموجب للعمل.

"أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
" أُولَئِكَ " أي الموصوفون بتلك الصفات الحميدة " عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ " أي: على هدى عظيم, لأن التنكير للتعظيم. وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة؟!!. وهل الهداية في الحقيقة, إلا هدايتهم وما سواها مما خالفها, فهي ضلالة. وأتى بـ "على" في هذا الموضع, الدالة على الاستعلاء, وفي الضلالة يأتي بـ "في" كما في قوله " وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " لأن صاحب الهدى مستعمل بالهدى, مرتفع به, وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر. ثم قال " وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. حصر الفلاح فيهم, لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم, وما عدا تلك السبيل, فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار, التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "
فلهذا, لما ذكر صفات المؤمنين حقا, ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم المعاندين للرسول فقال. " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ". يخبر تعالى: أن الذين كفروا, أي: اتصفوا بالكفر, وانصبغوا به, وصار وصفا لهم لازما, لا يردعهم عنه رادع, ولا ينجع فيهم وعظ. إنهم مستمرون على كفرهم, فسواء عليهم أأنذرتهم, أم لم تنذرهم لا يؤمنون. وحقيقة الكفر, هو: الجحود لما جاء به الرسول, أو جحد بعضه. فهؤلاء الكفار, لا تفيدهم الدعوة, إلا إقامة الحجة, وكأن في هذا قطعا, لطمع الرسول صلى الله عليه وسلم في إيمانهم, وأنك لا تأس عليهم, ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.

"خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ "
ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال: " خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ " أي: طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان, ولا ينفذ فيها فلا يعون ما ينفعهم, ولا يسمعون ما يفيدهم. " وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ " أي: غشاء وغطاء وأكنة تمنعها عن النظر الذي ينفعهم, وهذه طرق العلم والخير, قد سدت عليهم, فلا مطمع فيهم, ولا خير يرجى عندهم. وإنما منعوا ذلك, وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعد ما تبين لهم الحق, كما قال تعالى: " وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ " وهذا عقاب عاجل. ثم ذكر العقاب الآجل فقال: " وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " وهو عذاب النار, وسخط الجبار المستمر الدائم.

"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ "
ثم قال تعالى: في وصف المنافقين, الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ". واعلم أن النفاق هو: إظهار الخير. وإبطان الشر. ويدخل في هذا التعريف, النفاق الاعتقادي, والنفاق العملي. كالذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " آية المنافق ثلات: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا ائتمن خان". وفي رواية "وإذا خاصم فجر". وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام, فهو الذي وصف الله به المنافقين في هذه السورة وغيرها. ولم يكن النفاق موجودا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة, ولا بعد الهجرة, حتى كانت وقعة "بدر" وأظهر الله المؤمنين, وأعزهم. فذل من في المدينة ممن لم يسلم, فأظهر الإسلام بعضهم خوفا ومخادعة, ولتحقن دماؤهم, وتسلم أموالهم, فكانوا بين أظهر المسلمين, في الظاهر أنهم منهم, وفي الحقيقة, ليسوا منهم. فمن لطف الله بالمؤمنين, أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها, لئلا يغتر بهم المؤمنون, ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورهم. وقال تعالى " يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ". فوصفهم الله بأصل النفاق فقال: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. فأكذبهم الله بقوله " وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " لأن الإيمان الحقيقي, ما تواطأ عليه القلب واللسان, وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.

"يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ "
والمخادعة: أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا, ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع. فهؤلاء المنافقون, سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك, فعاد خداعهم على أنفسهم. وهذا من العجائب, لأن المخادع, إما أن ينتج خداعه ويحصل له مقصوده, أو يسلم, لا له ولا عليه. وهؤلاء عاد خداعهم على أنفسهم, وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها. لأن الله تعالى لا يتضرر بخداعهم شيئا, وعباده المؤمنون, لا يضرهم كيدهم شيئا. فلا يضر المؤمنين أن أظهر المنافقون الإيمان, فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم, وصار كيدهم في نحورهم, وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا, والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنين من القوة والنصرة. ثم في الآخرة, لهم العذاب الأليم الموجع المفجع, بسبب كذبهم, وكفرهم, وفجورهم, والحال أنهم - من جهلهم وحماقتهم - لا يشعرون بذلك.

"فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ "
وقوله " فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " المراد بالمرض هنا: مرض الشك, والشبهات, والنفاق. وذلك أن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله: مرض الشبهات الباطلة, ومرض الشهوات المردية. فالكفر والنفاق, والشكوك والبدع, كلها من مرض الشبهات. والزنا, ومحبة الفواحش والمعاصي وفعلها, من مرض الشهوات. كما قال تعالى " فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ " وهو شهوة الزنا. والمعافي, من عوفي من هذين المرضين, فحصل له اليقين والإيمان, والصبر عن كل معصية, فرفل في أثواب العافية. وفي قوله عن المنافقين " فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا " بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين, وأنه بسب ذنوبهم السابقة, يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوبتها كما قال تعالى. " وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ". وقال تعالى " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ". وقال تعالى " وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ". فعقوبة المعصية, المعصية بعدها, كما أن من ثواب الحسنة, الحسنة بعدها. قال تعالى " وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ".

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ "
أي: إذا نهى هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض, وهو العمل بالكفر. والمعاصي, ومنه إظهار سرائر المؤمنون لعدوهم وموالاتهم للكافرين " قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ". فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض, وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح, قلبا للحقائق, وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا. وهؤلاء أعظم جناية ممن يعمل بالمعاصي, مع اعتقاد تحريمها, فهذا أقرب للسلامة, وأرجى لرجوعه. ولما كان في قولهم " إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " حصر للإصلاح في جانبهم - وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح - قلب الله عليهم دعواهم بقوله:

"أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ "
" أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ " فإنه لا أعظم إفسادا ممن كفر بآيات الله, وصد عن سبيل الله وخادع الله وأولياءه, ووالى المحاربين لله ورسوله, وزعم - مع هذا - أن هذا إصلاح, فهل بعد هذا الفساد فساد؟!! ولكن لا يعلمون علما ينفعهم, وإن كانوا قد علموا بذلك علما تقوم به عليهم حجة الله. وإنما كان العمل في الأرض إفسادا, لأنه سبب لفساد ما على وجه الأرض من الحبوب والثمار والأشجار, والنبات, لما يحصل فيها من الآفات التي سببها المعاصي. ولأن الإصلاح في الأرض, أن تعمر بطاعة الله والإيمان به, لهذا خلق الله الخلق, وأسكنهم الأرض, وأدر علهيم الأرزاق, ليستعينوا بها على طاعته وعبادته. فإذا عمل فيها بضده, كان سعيا فيها بالفساد, وإخرابا لها عما خلقت له.

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ "
أي: إذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس, أي: كإيمان الصحابة "4 وهو الإيمان بالقلب واللسان, قالوا - بزعمهم الباطل -: أنؤمن كما آمن السفهاء؟. يعنون - قبحهم الله - الصحابة "4, لزعمهم أن سفههم, أوجب لهم الإيمان, وترك الأوطان, ومعاداة الكفار. والعقل عندهم يقتضي ضد ذلك, فنسبوهم إلى السفه; وفي ضمن ذلك, أنهم هم العقلاء أرباب الحجى والنهي. فرد الله ذلك عليهم, وأخبر أنهم, هم السفهاء على الحقيقة, لأن حقيقة السفه, جهل الإنسان بمصالح نفسه, وسعيه فيما يضرها, وهذه الصفة منطبقة عليهم. كما أن العقل والحجا, معرفة الإنسان بمصالح نفسه, والسعي فيما ينفعه, وفي دفع ما يضره. وهذه الصفة, منطبقة على الصحابة والمؤمنين. فالعبرة بالأوصاف والبرهان, لا بالدعاوى المجردة, والأقوال الفارغة.

"وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ "
هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وذلك أنهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين, أظهروا أنهم على طريقتهم, وأنهم معهم, فإذا خلو إلى شياطينهم - أي كبرائهم ورؤسائهم بالشر - قالوا: إنا معكم في الحقيقة, وإنما نحن مستهزئون بالمؤمنين بإظهارنا لهم, أنا على طريقتهم. فهذه حالهم الباطنة والظاهرة, ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.

"اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ "
قال تعالى " اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ". وهذا جزاء لهم, على استهزائهم بعباده. فمن استهزائه بهم, أن زين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والأحوال الخبيثة, حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين, لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم. ومن استهزائه بهم يوم القيامة, أن يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاهرا, فإذا مشي المؤمنون بنورهم, طفئ نور المنافقين, وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين, فما أعظم اليأس بعد الطمع. " يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ " الآية. قوله " وَيَمُدُّهُمْ " أي يزيدهم " فِي طُغْيَانِهِمْ " أي: فجورهم وكفرهم " يَعْمَهُونَ " أي حائرون مترددون, وهذا من استهزائه تعالى بهم.

"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ "
ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم " أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ". أولئك, أي: المنافقون الموصوفون بتلك الصفات " الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى " أي: رغبوا في الضلالة, رغبة المشتري في السلعة, التي - من رغبته فيها - يبذل فيها الأموال النفيسة. وهذا من أحسن الأمثلة, فإنه جعل الضلالة, التي هي غاية الشر, كالسلعة. وجعل الهدى, الذي هو غاية الصلاح, بمنزلة الثمن. فبذلوا الهدى, رغبة عنه في الضلالة رغبة فيها. فهذه تجارتهم, فبئس التجارة, وهذه صفقتهم, فبئست الصفقة. وإذا كان من يبذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا, فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟!! فكيف من بذل الهدى... في مقابلة الضلالة, واختار الشقاء على السعادة, ورغب في سافل الأمور وترك عاليها؟!! فما ربحت تجارته, بل خسر فيها أعظم خسارة. " قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ". وقوله " وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " تحقيق لضلالهم, وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء, فهذه أوصافهم القبيحة.

"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ "
ثم ذكر مثلهم فقال: " مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ". أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه, كمثل الذي استوقد نارا. أي: كان في ظلمة عظيمة, وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره, ولم تكن عنده معدة, بل هي خارجة عنه. فلما أضاءت النار ما حوله, ونظر المحل الذي هو فيه, وما فيه من المخاوف وأمنها, وانتفع بتلك النار, وقرت بها عينه, وظن أنه قادر عليها, فبينما هو كذلك, إذ ذهب الله بنوره, فزال عنه النور, وذهب معه السرور, وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة, فذهب ما فيها من الإشراق, وبقي ما فيها من الإحراق. فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمة المطر, والظلمة الحاصلة بعد النور, فكيف يكون حال هذا الموصوف؟. فكذلك هؤلاء المنافقون, استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين, ولم تكن صفة لهم, فاستضاءوا بها مؤقتا وانتفعوا, فحقنت بذلك دماؤهم, وسلمت أموالهم, وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا. فبينما هم كذلك, إذ هجم عليهم الموت, فسلبهم الانتفاع بذلك النور, وحصل لهم كل هم وغم وعذاب, وحصل لهم ظلمة القبر, وظلمة الكفر, وظلمة النفاق, وظلمة المعاصي على اختلاف أنواعها, وبعد ذلك ظلمة النار, وبئس القرار.

"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ "
فلهذا قال تعالى عنهم " صُمٌّ " أي: عن سماع الخير " بُكْمٌ " أي: عن النطق به " عُمْيٌ " أي: عن رؤية الحق " فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ " لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه, فلا يرجعون إليه. بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال, فإنه لا يعقل, وهو أقرب رجوعا منهم.

"أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ "
ثم قال تعالى " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " أي: كصاحب صيب وهو المطر الذي يصوب, أي: ينزل بكثرة. " فِيهِ ظُلُمَاتٌ " ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمات المطر. " وَرَعْدٌ " وهو: الصوت الذي بسمع من السحاب. " وَبَرْقٌ " وهو الضوء اللامع المشاهد من السحاب.

"يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
" كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ " البرق في تلك الظلمات " مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا " أي: وقفوا. فهكذا حالة المنافقين, إذا سمعوا القرآن وأوامره, ونواهيه, ووعده, ووعيده, جعلوا أصابعهم في آذانهم, وأعرضوا عن أمره ونهيه, ووعده ووعيده, فيروعهم وعيده, وتزعجهم وعوده. فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم, ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي تسمع الرعد, فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت, فهذا ربما حصلت له السلامة. وأما المنافقون, فأنى لهم السلامة, وهو تعالى محيط بهم, قدرة, وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه, بل يحفظ عليهم أعمالهم, ويجازيهم عليها أتم الجزاء. ولما كانوا مبتلين بالصمم, والبكم, والعمى المعنوي, ومسدودة عليهم طرق الإيمان. قال تعالى: " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ " أي: الحسية, ففيه تخويف لهم وتحذير من العقوبة الدنيوية, ليحذروا, فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم. " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فلا يعجزه شيء. ومن قدرته, أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض. وفي هذه الآية وما أشبهها, رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى, لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ".

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
هذا أمر عام لجميع الناس, بأمر عام, وهو العبادة الجامعة, لامتثال أوامر الله, واجتناب نواهيه, وتصديق خبره, فأمرهم تعالى بما خلقهم له. قال تعالى " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ".

"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
ثم استدل على وجوب عبادته وحده, بأنه ربكم, الذي رباكم بأصناف النعم, فخلقكم بعد العدم, وخلق الذين من قبلكم, وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة, فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها, وتنتفعون بالأبنية, والزراعة, والحراثة, والسلوك من محل إلى محل, وغير ذلك من وجوه الانتفاع بها. وجعل السماء بناء لمسكنكم, وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم, كالشمس, والقمر, والنجوم. " وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً " والسماء هو كل ما علا فوقك فهو سماء, ولهذا قال المفسرون: المراد بالسماء ههنا, السحاب. فأنزل منه تعالى ماء " فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ " كالحبوب, والثمار, من نخيل, وفواكه, وزروع وغيرها " رِزْقًا لَكُمْ " به ترتزقون, وتتقوتون وتعيشون وتفكهون. " فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أي: أشباها ونظراء من المخلوقين, فتعبدونهم كما تعبدون الله, وتحبونهم كما تحبونه, وهم مثلكم, مخلوقون, مرزوقون مدبرون, لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء, ولا ينفعونكم ولا يضرون. " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أن الله ليس له شريك, ولا نظير, لا في الخلق, والرزق, والتدبير, ولا في الألوهية والكمال. فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب, وأسفه السفه. وهذه الآية, جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده, والنهي عن عبادة ما سواه, وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته, وبطلان عبادة ما سواه, وهو ذكر توحيد الربوبية, المتضمن انفراده بالخلق والرزق والتدبير. فإذا كان أحد, مقرا بأنه ليس له شريك بذلك, فكذلك فليكن الإقرار بأن الله ليس له شريك في عبادته, وهذا أوضح دليل عقلي, على وحدانية الباري تعالى, وبطلان الشرك. وقوله " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " يحتمل أن المعنى أنكم إذا عبدتم الله وحده, اتقيتم بذلك سخطه وعذابه, لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك. ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إذا عبدتم الله, صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى, وكلا المعنيين صحيح, وهما متلازمان. فمن أتى بالعبادة كاملة, كان من المتقين. ومن كان من المتقين, حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه.

"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
وهذا دليل عقلي, على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وصحة ما جاء به فقال: وإن كنتم - يا معشر المعاندين للرسول, الرادين دعوته, الزاعمين كذبه - في شك واشتباه, مما نزلنا على عبدنا, هل هو حق أو غيره, فههنا أمر نصف فيه الفيصلة بينكم وبينه. وهو أنه بشر مثلكم, ليس من جنس آخر, وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم, لا يكتب ولا يقرأ. فأتاكم بكتاب, أخبركم أنه من عند الله, وقلتم أنتم, إنه تقوله وافتراه. فإن كان الأمر كما تقولون, فأتوا بسورة من مثله, واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم وشهدائكم, فإن هذا أمر يسير عليكم, خصوصا, وأنتم أهل الفصاحة والخطابة, والعداوة العظيمة للرسول. فإن جئتم بسورة من مثله, فهو كما زعمتم, وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز, فهذا آية كبيرة, ودليل واضح جلي على صدقه وصدق ما جاء به, فيتعين عليكم اتباعه, واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة والشدة, أن كان وقودها الناس والحجارة, ليست كنار الدنيا, التي تتقد بالحطب, وهذه النار الموصوفة, معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله. فاحذروا الكفر برسوله, بعد ما تبين لكم أنه رسول الله. وهذه الآية ونحوها يسمونها آية التحدي, وهو تعجيز الخلق عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ويعارضوه بوجه. قال تعالى " قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ". وكيف يقدر المخلوق من تراب, أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب؟. أم كيف يقدر الفقير الناقص من جميع الوجوه, أن يأتي بكلام ككلام الكامل, الذي له الكمال المطلق, والغنى الواسع من جميع الوجوه؟. هذا ليس في الإمكان, ولا في قدرة الإنسان. وكل من له أدنى ذوق ومعرفة بأنواع الكلام, إذا وزن هذا القرآن بغيره من كلام البلغاء, ظهر له الفرق العظيم. وفي قوله " وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ " إلى آخره, دليل على أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة, هو الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلالة. فهذا الذي إذا بين له الحق حرى باتباعه, وإن كان صادقا في طلب الحق. وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه, فهذا لا يمكن رجوعه, لأنه ترك الحق بعد ما تبين, ولم يتركه عن جهل, فلا حيلة فيه. وكذلك الشاك الذي ليس بصادق في طلب الحق, بل هو معرض, غير مجتهد بطلبه, فهذا - في الغالب - لا يوفق. وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم, دليل على أن أعظم أوصافه صلى الله عليه وسلم, قيامه بالعبودية, التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين. كا وصفه بالعبودية في مقام الإسراء فقال " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ". وفي مقام تنزيل القرآن عليه فقال " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ".

"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ "
وفي قوله " أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ " ونحوها من الآيات, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الجنة والنار مخلوقتان, خلافا للمعتزلة. وفيها أيضا, أن الموحدين - وإن ارتكبوا بعض الكبائر - لا يخلدون في النار, لأنه قال " أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ". فلو كان عصاة الموحدين يخلدون فيها, لم تكن معدة للكافرين وحدهم خلافا للخوارج والمعتزلة. وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه, وهو الكفر, وأنواع المعاصي على اختلافها.

"وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
ولما ذكر جزاء الكافرين, ذكر جزاء المؤمنين, أهل الأعمال الصالحات, كما هي طريقته تعالى في كتابه, يجمع بين الترغيب والترهيب, ليكون العبد راغبا راهبا, خائفا راجيا فقال: " وَبَشِّرِ " أي: أيها الرسول, ومن قام مقامك. " الَّذِينَ آمَنُوا " بقلوبهم " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " بجوارحهم, فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. ووصفت أعمال الخير بالصالحات, لأن بها تصلح أحوال العبد, وأمور دينه ودنياه, وحياته الدنيوية والأخروية, ويزول بها عنه فساد الأحوال, فيكون بذلك من الصالحين, الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته. فبشرهم " أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ " أي: بساتين جامعة للأشجار العجيبة, والثمار الأنيقة, والظل المديد, والأغصان والأفنان, وبذلك صارت جنة, يجتن. بها داخلها, وينعم فيها ساكنها. " تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " أي: أنهار الماء, واللبن, والعسل, والخمر يفجرونها كيف شاءوا, ويصرفونها أين أرادوا, وتسقى منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار. " كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ " أي: هذا من جنسه, وعلى وصفه, كلها متشابهة في الحسن واللذة. ليس فيها ثمرة خاسة, وليس لهم وقت خال من اللذة, فهم دائما متلذذون بأكلها. وقوله " وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا " قيل: متشابها في الاسم, مختلفا في الطعم. وقيل: متشابها في اللون, مختلفا في الاسم. وقيل: يشبه بعضه بعضا, في الحسن, واللذة, والفكاهة, ولعل هذا أحسن. ثم لما ذكر مسكنهم, وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم, ذكر أزواجهم, فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه, وأوضحه فقال. " وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ " فلم يقل "مطهرة من العيب الفلاني" ليشمل جميع أنواع التطهير. فهن مطهرات الأخلاق, مطهرات الخلق, مطهرات اللسان, مطهرات الأبصار. فأخلاقهن, أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن, وحسن التبعل, والأدب القولي والفعلي, ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني, والبول والغائط, والمخاط والبصاق, والرائحة الكريهة. ومطهرات الخلق أيضا, بكمال الجمال, فليس فيهن عيب, ولا دمامة خلق, بل هن خيرات حسان, مطهرات اللسان والطرف. قاصرات طرفهن على أزواجهن, وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح. ففي هذه الآية الكريمة, ذكر المبشر والمبشر, والمبشر به, والسبب الموصل لهذه البشارة. فالمبشر, هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته. والمبشر, هم المؤمنون العاملون الصالحات. والمبشر به, هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات. والسبب الموصل لذلك, هو الإيمان والعمل الصالح. فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة, إلا بهما. وهذا أعظم بشارة حاصلة, على يد أفضل الخلق, بأفضل الأسباب. وفيه استحباب بشارة المؤمنين, وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها وثمراتها, فإنها بذلك, تخف وتسهل. وأعظم بشرى حاصلة للإنسان, توفيقه للإيمان والعمل الصالح. فذلك أول البشارة وأصلها. ومن بعده, البشرى عند الموت. ومن بعده, الوصول إلى هذا النعيم المقيم. نسأل الله من فضله.

"إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ "
يقول تعالى " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا " أي أي مثل كان " بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا " لاشتمال الأمثال على الحكمة, وإيضاح الحق, والله لا يستحي من الحق. وكأن في هذا, جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة. واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر. ولهذا قال: " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ " فيفهمونها. ويتفكرون فيها. فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل. ازداد بذلك علمهم وإيمانهم. وإلا علموا أنها حق. وما اشتملت عليه حق. وإن خفي عليهم وجه الحق فيها. لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا. بل لحكمة بالغة. ونعمة سابغة. " وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا " فيعترضون ويتحيرون. فيزدادون كفرا إلى كفرهم. كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم. ولهذا قال: " يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ". فهذه حال المؤمنين والكافرين. عند نزوله الآيات القرآنية. قال تعالى " وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ". فلا أعظم نعمة على العباد. من نزول الآيات القرآنية. ومع هذا. تكون لقوم محنة. وحيرة. وضلالة. وزيادة شر إلى شرهم. ولقوم منحة; ورحمة; وزيادة خير إلى خيرهم. فسبحان من فاوت بين عباده; وانفرد بالهداية والإضلال. ثم ذكر حكمته وعدله في إضلاله من يضل فقال: " وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ " أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا. فاقتضت حكمته تعالى; إضلالهم; لعدم صلاحيتهم للهدى. كما اقتضى فضله وحكمته; هداية من اتصف بالإيمان; وتحلى بالأعمال الصالحة. والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين; وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان; كالمذكور في هذه الآية ونحوها. ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا " الآية.

"الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ "
ثم وصف الفاسقين فقال " الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ". وهذا يعم العهد الذي بينهم وبين ربهم; والذي بينهم وبين الخلق; الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات. فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها; ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق. " وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ " وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة. فإن الله أمرنا; أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به; والقيام بعبوديته. وما بيننا وبين رسوله; بالإيمان به; ومحبته; وتعزيره; والقيام بحقوقه. وما بيننا وبين الوالدين والأقارب; والأصحاب; وسائر الخلق بالقيام بحقوقهم التي أمر الله أن نصلها. فأما المؤمنون; فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق; وقاموا بها أتم القيام. وأما الفاسقون; فقطعوها; ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها بالفسق والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض. " فَأُولَئِكَ " أي: من هذه صفته " هُمُ الْخَاسِرُونَ " في الدنيا والآخرة. فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم; ليس لهم نوع من الربح; لأن كل عمل صالح; شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له; لا عمل له; وهذا الخسار; هو خسار الكفر. وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية; وقد يكون تفريطا في ترك مستحب المذكور في قوله تعالى " إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ " فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي بالحق; والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي كان العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه.

"كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "
ثم قال تعالى " كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ". هذا استفهام التعجب والتوبيخ والإنكار. أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله; الذي خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم; ثم يميتكم عند استكمال آجالكم; ويجازيكم في القبور; ثم يحييكم بعد البعث والنشور; ثم إليه ترجعون; فيجازيكم الجزاء الأوفى. فإذا كنتم في تصرفه; وتدبيره; وبره; وتحت أوامره الدينية; وبعد ذلك تحت دينه الجزائي; أفيليق بكم أن تكفروا به; وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه كبير.؟ بل الذي يليق بكم; أن تتقوه; وتشكروه; وتؤمنوا به; وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه.

"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا " أي: خلق لكم, برا بكم ورحمة, جميع ما على الأرض, للانتفاع والاستمتاع, والاعتبار. وفي هذه الآية الكريمة, دليل على أن الأصل في الأشياء, الإباحة والطهارة, لأنها سيقت في معرض الامتنان. يخرج بذلك, الخبائث, فإن تحريمها أيضا, يؤخذ من فحوى الآية, وبيان المقصود منها, وأنه خلقها لنفعنا, فما فيه ضرر, فهو خارج من ذلك. ومن تمام نعمته, منعنا من الخبائث, تنزيها لنا. وقوله: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ". معاني كلمة "استوى" " اسْتَوَى " ترد في القرآن على ثلاثة معاني: فتارة لا تعدي بالحرف. فيكون معناها, الكمال والتمام, كما في قوله عن موسى " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ". وتارة تكون بمعنى "علا" و "ارتفع", وذلك إذا عديت بـ "على" كقوله تعالى: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ", " لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ". وتارة تكون بمعنى " قصد " كما إذا عديت بـ "إلى" كما في هذه الآية. أي: لما خلق تعالى الأرض, قصد إلى خلق السماوات, فسواهن سبع سماوات, فخلقها وأحكمها, وأتقنها, وهو بكل شيء عليم. فيعلم ما يلج في الأرض, وما يخرج منها, وما ينزل من السماء, وما يعرج فيها, و " يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ " يعلم السر وأخفى. وكثيرا ما يقرن بين خلقه, وإثبات علمه كما في هذه الآية, وكما في قوله تعالى: " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " لأن خلقه للمخلوقات, أدل دليل على علمه, وحكمته, وقدرته.

"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ "
" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ". هذا شروع في ابتداء خلق آدم عليه السلام أبي البشر, وفضله, وأن الله تعالى - حين أراد خلقه - أخبر الملائكة بذلك, وأن الله مستخلفه في الأرض. فقالت الملائكة عليهم السلام: " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا " بالمعاصي " وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ", وهذا تخصيص بعد تعميم, لبيان شدة مفسدة القتل. وهذا بحسب ظنهم أن المجهول في الأرض, سيحدث منه ذلك, فنزهوا الباري عن ذلك, وعظموه, وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا. " وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ " أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك. " وَنُقَدِّسُ لَكَ " يحتمل أن معناها: ونقدسك, فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص. ويحتمل أن يكون, ونقدس لك أنفسنا. أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة, كمحبة الله وخشيته وتعظيمه, ونطهرها من الأخلاق الرذيلة. قال الله للملائكة: " إِنِّي أَعْلَمُ " من هذا الخليفة " مَا لَا تَعْلَمُونَ ". لأن كلامكم بحسب ما ظننتم, وأنا عالم بالظواهر والسرائر, وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة, أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك, من الشر فلو لم يكن في ذلك, إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين, والشهداء والصالحين, ولتظهر آياته للخلق, ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة, كالجهاد وغيره, وليظهر ما كمن في غرائز المكلفين من الخير والشر بالامتحان, وليتبين عدوه من وليه, وحزبه من حربه, وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه, واتصف به, فهذه حكم عظيمة, يكفي بعضها في ذلك.

"وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام, فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض, أراد الله تعالى, أن يبين لهم من فضل آدم, ما يعرفون به فضله, وكمال حكمة الله وعلمه فقال: " وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا " أي: أسماء الأشياء, وما هو مسمى لها. فعلمه الاسم والمسمى, أي: الألفاظ والمعاني, حتى المصغر من الأسماء والمكبر, كالقصعة والقصيعة. " ثُمَّ عَرَضَهُمْ " أي: عرض المسميات " عَلَى الْمَلَائِكَةِ " امتحانا لهم, هل يعرفونها أم لا؟. " فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " في قولكم وظنكم, أنكم أفضل من هذا الخليفة.

"قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "
" قَالُوا سُبْحَانَكَ " أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك, ومخالفة أمرك. " لَا عِلْمَ لَنَا " بوجه من الوجوه " إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا " إياه, فضلا منك وجودا. " إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " العليم الذي أحاط علما بكل شيء, فلا يغيب عنه, ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض, ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. الحكيم, من له الحكمة التامة, التي لا يخرج عنها مخلوق, ولا يشذ عنها مأمور. فما خلق شيئا إلا لحكمة, ولا أمر بشيء إلا لحكمة. والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به. فأقروا, واعترفوا بعلم الله وحكمته, وقصورهم عن معرفة أدنى شيء. واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.

"قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ "
فحينئذ قال الله: " يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة; فعجزوا عنها. " فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة. " قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " وهو ما غاب. عنا; فلم نشاهده. فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب أولى. " وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ " أي: تظهرون " وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ".

"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ "
ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى. فامتثلوا أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود. " إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى " امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم.. قال " أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ". وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت حينئذ عداوته لله; ولآدم; وكفره واستكباره. وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل متكلما; يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم. وفيه أن العبد إذا حفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة. وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه. وفيه فضيلة العلم من وجوه: منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته. ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد. ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له; لما بان فضل علمه. ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما امتحنوا به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء. ومنها الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له; إلى غير ذلك من العبر.

"وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ "
لما خلق الله آدم وفضله; أتم نعمته عليه; بأن خلق منه زوجه; ليسكن إليها; ويستأنس بها; وأمرهما بسكنى الجنة; والأكل منها رغدا; أي: واسعا هنيئا. " حَيْثُ شِئْتُمَا " أي: من أصناف الثمار والفواكه; وقال الله له: " إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ". " وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " نوع من أنواع شجر الجنة; الله أعلم بها. وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء; أو لحكمة غير معلومة لنا. " فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " دل على أن النهي للتحريم; لأنه رتب الظلم عليه. فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما تناول ما نهيا عنه; حتى أزلهما أي: حملهما على الزلل بتزيينه. " وَقَاسَمَهُمَا " بالله " إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " فاغترا به وأطاعاه; فأخرجهما مما كانا فيه; من النعم والرغد; وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة.

"فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ "
" بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " أي: آدم وذريته; أعداء لإبليس وذريته. ومن المعلوم أن العدو; يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق; وحرمانه الخير بكل طريق. ففي ضمن هذا, تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ " " أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ". ثم ذكر منتهى الإهباط فقال " وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " أي: مسكن وقرار. " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " انقضاء آجالكم, ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها, وخلقت لكم. ففيها أن مدة هذه الحياة, مؤقتة عارضة, ليست مسكنا حقيقيا, وإنما هي معبر يتزود منها لتلك الدار, ولا تعمر للاستقرار.

"فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
" فَتَلَقَّى آدَمُ " أي: تلقف وتلقن, وألهمه الله " مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ " وهي قوله " رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا " الآية. فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته " فَتَابَ " الله " عَلَيْهِ " ورحمه " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ " لمن تاب إليه وأناب. وتوبته نوعان: وتوفيقه أولا, ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا. " الرَّحِيمِ " بعباده, ومن رحمته بهم, أن وفقهم للتوبة, وعفا عنهم وصفح.

"قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
كرر الإهباط, ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى " أي: أي وقت وزمان جاءكم مني, يا معشر الثقلين, هدى, أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني, ويدنيكم مني; ويدنيكم من رضائي. فمن تبع هداي منكم, بأن آمن برسلي وكتبي, واهتدى بهم, وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب, والامتثال للأمر والاجتناب للنهي. " فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ". وفي الآية الأخرى " فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ". فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف, والحزن, والفرق بينهما, أن المكروه إن كان قد مضى, أحدث الحزن, وإن كان منتظرا, أحدث الخوف. فنفاهما عمن اتبع الهدى وإذا انتفيا, ثبت ضدهما, وهو الهدى والسعادة. فمن اتبع هداه, حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى. وانتفى عنه كل مكروه, من الخوف, والحزن, والضلال, والشقاء. فحصل له المرغوب, واندفع عند المرهوب. وهذا عكس من لم يتبع هداه, فكفر به, وكذب آياته.

"وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
" أولئك أصحاب النار ", أي: الملازمون لها, ملازمة الصاحب لصاحبه, والغريم لغريمه. " هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون. وفي هذه الآيات وما أشبهها, انقسام الخلق من الجن والإنس, إلى أهل السعادة, وأهل الشقاوة, وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك. وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب, كما أنهم مثلهم, في الأمر والنهي.

"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ "
ثم شرع تعالى يذكر بني إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه فقال: " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ " المراد بإسرائيل, يعقوب عليه السلام. والخطاب مع فرق بني إسرائيل, الذين بالمدينة وما حولها, ويدخل فيهم من أتى بعدهم, فأمرهم بأمر عام فقال " اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ", وهو يشمل سائر النعم, التي سيذكر في هذه السورة بعضها. والمراد ذكرها بالقلب, اعترافا, وباللسان, ثناء, وبالجوارح, باستعمالها فيما يحبه ويرضيه. " وَأَوْفُوا بِعَهْدِي " وهو ما عهده إليهم من الإيمان به, وبرسله, وإقامة شرعه. " أُوفِ بِعَهْدِكُمْ " وهو المجازاة على ذلك. والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي " إلى قوله " فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ".

"وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ "
ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهده, وهو الرهبة منه تعالى, وخشيته وحده, فإن من خشيه, أوجبت له خشيته, امتثال أمره, واجتناب نهيه. ثم أمرهم بالأمر الخاص, الذي لا يتم إيمانهم, ولا يصح إلا به فقال: " وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ " وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فأمرهم بالإيمان به, واتباعه, ويستلزم ذلك, الإيمان بمن أنزل عليه. وذكر الداعي لإيمانهم فقال " مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا. فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب, غير مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به, لأنه جاء بما جاء به المرسلون, فأنتم أولى من آمن به وصدق به, لكونكم أهل الكتب والعلم. وأيضا فإن في قوله " مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به, عاد ذلك عليكم, بتكذيب ما معكم, لأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء. فتكذيبكم له تكذيب لما معكم. وأيضا, فإن في الكتب التي بأيدكم, صفة هذا النبي الذي جاء بهذا القرآن والبشارة به. فإن لم تؤمنوا به, كذبتم ببعض ما أنزل إليكم, ومن كذب ببعض ما أنزل إليه, فقد كذب بجميعه. كما أن من كفر برسوله, فقد كذب الرسل جميعهم. فلما أمرهم بالإيمان به, نهاهم وحذرهم عن ضده وهو الكفر به فقال: " وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " أي: بالرسول والقرآن. وقوله " أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " أبلغ من قوله ولا تكفروا به لأنهم إذا كانوا أول كافر به, كان فيه مبادرتهم إلى الكفر, عكس ما ينبغي منهم, وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم. ثم ذكر المانع لهم من الإيمان, وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة الأبدية فقال " وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا " وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل, التي يتوهمون انقطاعها, إن آمنوا بالله ورسوله, فاشتروها بآيات الله واستحبوها, وآثروها. " وَإِيَّايَ " أي: لا غيري " فَاتَّقُونِ " فإنكم إذا اتقيتم الله وحده, أوجبت لكم تقواه, تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل. كما أنكم, إذا اخترتم الثمن القليل, فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم.

"وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
ثم قال " وَلَا تَلْبِسُوا " أي: تخلطوا " الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ " فنهاهم عن شيئين, عن خلط الحق بالباطل, وكتمان الحق. لأن المقصود من أهل الكتب والعلم, تمييز الحق, وإظهار الحق, ليهتدي بذلك المهتدون, ويرجع الضالون, وتقوم الحجة على المعاندين. لأن الله فصل آياته, وأوضح بيناته, ليميز الحق من الباطل, ولتستبين سبيل المجرمين. فمن عمل بهذا من أهل العلم, فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم. ومن لبس الحق بالباطل, فلم يميز هذا من هذا, مع علمه بذلك, وكتم الحق الذي يعلمه, وأمر بإظهاره, فهو من دعاة جهنم, لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم, فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين.

"وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ "
ثم قال " وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ " أي: ظاهرا وباطنا " وَآتُوا الزَّكَاةَ " مستحقيها. " وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ " أي: صلوا مع المصلين. فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله وآيات الله, فقد جمعتم بين الأعمال الظاهرة والباطنة, وبين الإخلاص للمعبود, والإحسان إلى عبيده وبين العبادات القلبية البدنية والمالية,. وقوله " وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ " أي: صلوا مع المصلين, ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها. وفيه أن الركوع, ركن من أركان الصلاة لأنه عبر عن الصلاة بالركوع. والتعبير عن العبادة بجزئها, يدل على فرضيته فيها.

"أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "
" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ " أي: بالإيمان والخير " وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ " أي تتركونها عن أمرها بذلك, والحال " وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ". وسمي العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير, وينعقل به عما يضره. وذلك أن العقل يحث صاحبه, أن يكون أول فاعل لما يأمر به, وأول تارك لما ينهى عنه. فمن أمر غيره بالخير, ولم يفعله, أو نهاه عن الشر فلم يتركه, دل على عدم عقله وجهله, خصوصا إذا كان عالما بذلك, قد قامت عليه الحجة. وهذه الآية, وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل, فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ". وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به, أنه يترك الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين. وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه, وأمر نفسه ونهيها. فترك أحدهما, لا يكون رخصة في ترك الآخر. فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين, والنقص الكامل أن يتركهما. وأما قيامه بأحدهما دون الآخر, فليس في رتبة الأول, وهو دون الأخير. وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله. فاقتداؤهم بالأفعال, أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.

"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ "
أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه. وهو الصبر عن معصية الله حتى يتركها, والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها. فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه, معونة عظيمة على كل أمر من الأمور, ومن يتصبر يصبره الله. وكذلك الصلاة, التي هي ميزان الإيمان, وتنهى عن الفحشاء والمنكر, يستعان بها على كل أمر من الأمور " وَإِنَّهَا " أي: الصلاة " لَكَبِيرَةٌ " أي: شاقة " إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ". فإنها سهلة عليهم خفيفة, لأن الخشوع, وخشية الله, ورجاء ما عنده, يوجب له فعلها, منشرحا صدره, لترقبه للثواب, وخشيته من العقاب. بخلاف من لم يكن كذلك, فإنه لا داعي له يدعوه إليها, وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه. والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته, وسكونه لله تعالى, وانكساره بين يديه, ذلا وافتقارا, وإيمانا به وبلقائه.

"الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ "
ولهذا قال " الَّذِينَ يَظُنُّونَ " أي: يستيقنون " أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ " فيجازيهم بأعمالهم " وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات, ونفس عنهم الكربات, وزجرهم عن فعل السيئات. فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات. ومن لم يؤمن بلقاء ربه, كانت الصلاة وغيرها من العبادات, من أشق شيء عليه.

"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ "
ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته, وعظا لهم, وتحذيرا وحثا.

"وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ "
وخوفهم بيوم القيامة الذي " لَا تَجْزِي " فيه أي: لا تغني " نَفْسٌ " ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين " عَنْ نَفْسٍ " ولو كانت من العشيرة الأقربين " شَيْئًا " لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه. " وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا " أي: النفس, شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له, ولا يرضى منه العمل إلا ما أريد به وجهه وكان على السبيل والسنة. " وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ " أي: فداء "ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب" ولا يقبل منهم ذلك " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " أي: يدفع عنهم المكروه. فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه. فقوله " لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا " هذا في تحصيل المنافع. " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " هذا في دفع المضار, فهذا النفي للأمر المستقبل به النافع. ولا تقبل منها شفاعة, ولا يؤخذ منها عدل, هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض, كالعدل, أو بغيره, كالشفاعة. فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين, لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع, وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع, ويدفع المضار, فيعبده وحده لا شريك له ويستعين على عبادته.

"وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ "
هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: " وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ " أي: من فرعون وملأه وجنوده وكانوا قبل ذلك " يَسُومُونَكُمْ " أي: يولونهم ويستعملونهم والمعنى يذيقونكم. " سُوءَ الْعَذَابِ " أي أشده بأن كانوا " يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ " خشية نموكم. " وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ " أي: فلا يقتلونهن فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم. " وَفِي ذَلِكَ " أي: الإنجاء " بَلَاءٌ " أي: إحسان " مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ". فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره.

"وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ "
ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة. ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي ذهابه. " وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ " تعلمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما.

"ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك " لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " الله.

"وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ "
" وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً " وهذا غاية الجرأة على الله وعلى رسوله. " فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ " إما الموت أو الغشية العظيمة. " وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ " وقوع ذلك, كل ينظر إلى صاحبه. " ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ".

"وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ "
ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق فقال " وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ " وهو اسم جامع لكل رزق يحصل بلا تعب ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك. " وَالسَّلْوَى " طائر صغير يقال له السماني طيب اللحم فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم " كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ " أي: رزفا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين, فلم يشكروا هذه النعمة, واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب. " وَمَا ظَلَمُونَا " يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين, كما لا تنفعه طاعات الطائعين. " وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " فيعود ضرره عليهم.

"وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ "
وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه, فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا, ويحصل لهم فيها الرزق الرغد وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل, وهو دخول الباب سجدا, أي: خاضعين ذليلين. وبالقول, وهو أن يقولوا " حِطَّةٌ " أي أن يحط عنم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته. " نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ " بسؤالكم المغفرة. " وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ " بأعمالهم, أي جزاء عاجل وآجلا.

"فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "
" فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا " منهم, ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا " قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ " فقالوا بدل حطة حبة في حنطة استهانة بأمر الله, واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى. ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم, ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم قال " فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا " "منهم" " رِجْزًا ". أي: عذابا " مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " بسبب فسقهم وبغيهم.

"وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ "
استسقى, أي: طلب لهم ماء يشربون منه. " فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ " إما حجر مخصوص معلوم عنده, وإما اسم جنس. " فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا " وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة. " قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ " أي: محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين, فلا يزاحم بعضهم بعضا, بل يشربونه متهنئين لا متكدرين, ولهذا قال " كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ " أي: الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب. " وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ " أي: تخربوا على وجه الإفساد.

"وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ "
أي: واذكروا, إذ قلتم لموسى, على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها. " لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ " أي: جنس من الطعام, وإن كان كما تقدم أنواعا, لكنها لا تتغير. " فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا " أي: نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه. " وَقِثَّائِهَا " وهو الخيار " وَفُومِهَا " أي ثومها, " وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا " والعدس والبصل معروف. قال لهم موسي " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى " وهو الأطعمة المذكورة. " بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ " وهو المن والسلوى, فهذا غير لائق بكم. فإن هذه الأطعمة التي طلبتموها, أي مصر هبطتموه وجدتموها. وأما طعامكم الذي من الله به عليكم, فهو خير الأطعمة وأشرفها, فكيف تطلبون به بدلا؟ ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه, جازاهم من جنس عملهم فقال " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ " التي تشاهد على ظاهر أبدانهم " وَالْمَسْكَنَةُ " بقلوبهم. فلم تكن أنفسهم عزيزة, ولا لهم همم عالية, بل أنفسهم أنفس مهينة, وهممهم أردأ الهمم. " وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ " أي: لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا, إلا أن رجعوا بسخطه عليهم, فبئست الغنيمة غنيمتهم, وبئست الحالة حالتهم. " ذَلِكَ " الذي استحقوا به غضبه " بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ " الدالات على الحق الموضحة, فلما كفروا بها, عاقبهم بغضبه عليهم, وبما كانوا " وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ". وقوله " بِغَيْرِ حَقٍّ " زيادة شناعة, وإلا فمن المعلوم أن قتل النبيين, لا يكون بحق, لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم. " ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا " بأن ارتكبوا معاصي الله " وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " على عباد الله, فإن المعاصي يجر بعضها بعضا. فالغفلة ينشأ عنها الذنب الصغير, ثم ينشأ عنه الذنب الكبير, ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك, فنسأل الله العافية من كل بلاء. واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزون القرآن, وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم, ونسبت لهم لفوائد عديدة. منها أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم, ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به. فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم, ما يبين به لكل واحد منهم, أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق, ومعالي الأعمال. فإذا كانت هذه حالة سلفهم - مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة, ممن بعدهم - فكيف الظن بالمخاطبين؟!!. ومنها أن نعمة الله على المتقدمين منهم, نعمة واصلة إلى المتأخرين, والنعمة على الآباء, نعمة على الأبناء. فخوطبوا بها, لأنها نعم تشملهم وتعمهم. ومنها أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم, مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها, حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد, وكان الحادث من بعضهم حادثا من الجميع. لأن ما يعمله بعضهم من الخير, يعود بمصلحة الجميع, وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع. ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكرها, والراضي بالمعصية شريك للعاصي. إلى غير ذلك من الحكم, التي لا يعلمها إلا الله.

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ". وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة, لأن الصابئين, الصحيح, أنهم من جملة فرق النصارى. فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة, واليهود والنصارى, والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر, وصدقوا رسلهم, فإن لهم الأجر العظيم, والأمن, ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر, فهو بضد هذه الحال, فعليه الخوف والحزن. والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف, من حيث هم, لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد, فإن هذا, إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأن هذا مضمون أحوالهم. وهذه طريقة القرآن, إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام, فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم, لأنه تنزيل ممن يعلم الأشياء قبل وجودها, ومن رحمته وسعت كل شيء. وذلك - والله أعلم - أنه ذكر بني إسرائيل وذمهم, وذكر معاصيهم وقبائحهم, ربما وقع في بعض النفوس, أنهم كلهم يشملهم الذم. فأراد الباري تعالى أن يبين من لا يلحقه الذم منهم بوصفه. ولما كان أيضا, ذكر بني إسرائيل خاصة, يوهم الاختصاص بهم, ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها, ليتضح الحق, ويزول التوهم والإشكال. فسبحان من أودع في كتابه, ما يبهر عقول العالمين.

"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
ثم عاد تبارك وتعالى يوبخ بني إسرائيل بما فعل سلفهم فقال: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ " الآية. أي: واذكروا " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ " وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم, برفع الطور فوقهم وقيل لهم " خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ " من التوراة " بِقُوَّةٍ " أي: بجد واجتهاد, وصبر على أوامر الله. " وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ " أي: ما في كتابكم, بأن تتلوه وتتعلموه. " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " عذاب الله وسخطه, أو لتكونوا من أهل التقوى.

"ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ "
فبعد هذا التأكيد البليغ " تَوَلَّيْتُمْ " وأعرضتم, وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات. ولكن " فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ".

"وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ "
" وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ " أي: ولقد تقرر عندكم حالة " الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ " وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله " وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ " الآيات. فأوجب لهم هذا الذنب العظيم, أن غضب الله عليهم, وجعلهم " قِرَدَةً خَاسِئِينَ " حقيرين ذليلين.

"فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ "
وجعل الله هذه العقوبة " نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا " أي: لمن حضرها من الأمم, وبلغه خبرها, ممن هو في وقتهم. " وَمَا خَلْفَهَا " أي: من بعدها, فتقوم على العباد حجة الله, وليرتدعوا عن معاصيه, ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا للمتقين. وأما من عداهم, فلا ينتفعون بالآيات

"وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ "
أي: واذكروا ما جرى لكم مع موسى, حين قتلتم قتيلا, فأدارئتم فيه, أي: تدافعتم واختلفتم في قاتله, حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد - لولا تبيين الله لكم - يحدث بينكم شر كبير. فقال لكم موسى في تبين القائل: اذبحوا بقرة. وكان من الواجب, المبادرة إلى امتثال أمره, وعدم الاعتراض عليه. ولكنهم أبوا إلا الاعتراض, فقالوا: " أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا " فقال نبي الله " أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ". فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه, وهو الذي يستهزئ بالناس. وأما العاقل, فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل, استهزاءه بمن هو آدمي مثله. وإن كان قد فضل عليه, فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه, والرحمة لعباده. فلما قال لهم موسى ذلك, علموا أن ذلك صدق فقالوا

"قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ "
" ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ " أي: ما سنها " قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ " أي: كبيرة " وَلَا بِكْرٌ " أي: صغيرة " عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ " أي: متوسطة بين. السنين, المذكورين سابقا. وهما الصغر والكبر. " فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ " واتركوا التشديد والتعنت.

"قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ "
" قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا " أي: شديد " تَسُرُّ النَّاظِرِينَ " من حسنها.

"قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ "
" قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا " فلم نهتد إلى ما تريد " وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

"قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ "
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ " أي مذللة بالعمل. " تُثِيرُ الْأَرْضَ " بالحراثة " وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ " أي: ليست بسانية " مُسَلَّمَةٌ " من العيوب أو من العمل " لَا شِيَةَ فِيهَا " أي: لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم. " قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ " أي: بالبيان الواضح. وهذا من جهلهم, وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة. فلو أنهم اعترضوا أي بقرة, لحصل المقصود, ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم, ولو لم يقولوا "إن شاء الله" لم يهتدوا أيضا إليها. " فَذَبَحُوهَا " أي: البقرة التي وصفت بتلك الصفات. " وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ " بسب التعنت الذي جرى منهم.

"فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "
فلما ذبحوها, قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها, أي: بعضو منها, إما بعضو معين, أو أي عضو منها, فليس في تعيينه فائدة, فضربوه ببعضها فأحياه الله, وأخرج ما كانوا يكتمون, فأخبر بقاتله. وكان في إحيائه - وهم يشاهدون - ما يدل على إحياء الله الموتى. لعلكم تعقلون, فتنزجرون عن ما يضركم.

"ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
" ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ " أي: اشتدت وغلظت, فلم تؤثر فيها الموعظة. " مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " أي: من بعد ما أنعم الله عليكم بالنعم العظيمة, وأراكم الآيات. ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم, لأن ما شاهدتم, مما يوجب رقة القلب وانقياده. ثم وصف قسوتها بأنها " كَالْحِجَارَةِ " التي هي أشد قسوة من الحديد. لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار, ذاب, بخلاف الأحجار. وقوله " أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً " أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار. وليست "أو" بمعنى "بل". ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم فقال " وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ " فبهذه الأمور فضلت قلوبكم. ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها, وسيجازيكم على ذلك, أتم الجزاء وأوفاه. واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله, قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل, ونزلوا عليها الآيات القرآنية, وجعلوها تفسيرا لكتاب الله, محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". والذي أرى أنه, وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه, تكون مفردة غير مقرونة, ولا منزلة على كتاب الله, فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ". فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها, وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه. فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة, التي يغلب على الظن كذبها, أو كذب أكثرها, معاني لكتاب الله, مقطوعا بها, ولا يستريب بهذا أحد. ولكن بسبب الغفلة عن هذا, حصل ما حصل. والله الموفق.

"أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "
هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب, أي: فلا تطمعوا في إيمانهم. وأخلاقهم لا تقتضي الطمع فيهم, فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه, فيضعون له معاني, ما أرادها الله, ليوهموا الناس أنها من عند الله, وما هي من عند الله. فإذا كانت حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله, فكيف يرجى منهم إيمان لكم؟!. فهذا من أبعد الأشياء.

"وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "
ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال " وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا " فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم, ما ليس في قلوبهم. " وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ " فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم قال بعضهم لبعض: " أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ " أي: أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم, فيكون ذلك حجة لهم عليكم؟. يقولون: إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق, وما هم عليه باطل, فيحتجون عليكم بذلك عند ربهم. " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " أي: أفلا يكون لكم عقل, فتتركون ما هو حجة عليكم؟. هذا يقوله بعضهم لبعض.

"أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ "
" أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ " فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم, وزعموا أنهم بإسرارهم, لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين, فإن هذا غلط منهم وجهل كبير, فإن الله يعلم سرهم وعلنهم, فيظهر لعباده ما هم عليه.

"وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ "
" وَمِنْهُمْ " أي: من أهل الكتاب " أُمِّيُّونَ " أي: عوام, وليسوا من أهل العلم. " لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ " أي: ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط, وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم, وهؤلاء, إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم. فذكر في هذه الآيات علماءهم, وعوامهم, ومنافقيهم, ومن لم ينافق منهم, فالعلماء منهم, متمسكون بما هم عليه من الضلال. والعوام مقلدون لهم, لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين.

"فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ "
توعد تعالى المحرفين للكتاب, الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون " هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق, وإنما فعلوا ذلك مع علمهم " لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ". والدنيا كلها - من أولها إلى آخرها ثمن - قليل. فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس, فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم, ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق, بل بأبطل الباطل, وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما. ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال " فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ " أي: من التحريف والباطل " وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " من الأموال. والويل: شدة العذاب والحسرة, وفي ضمنها الوعيد الشديد. قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله " أَفَتَطْمَعُونَ " إلى " يَكْسِبُونَ ": فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه, وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة, على ما أصله من البدع الباطلة. وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, وهو متناول لمن ترك سر تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه. ومتناول لمن كتب كتابا بيده, مخالفا لكتاب الله, لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله, مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين, وهذا معنى الكتاب والسنة, وهذا معقول السلف والأئمة, وهذا هو أصول الدين, الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية. ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة, لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله. وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة, كالرافضة, وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء. انتهى.

"وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "
ذكر أفعالهم القبيحة, ثم ذكر - مع هذا - أنهم يزكون أنفسهم, ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله, والفوز بثوابه, وأنهم لم تمسهم النار إلا أياما معدودة, أي: قليلة تعد بالأصابع, فجمعوا بين الإساءة والأمن. ولما كان هذا مجرد دعوى, رد الله تعالى عليهم فقال: " قُلْ " لهم, يا أيها الرسول " أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا " أي بالإيمان به وبرسله وبطاعته, فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا يتغير ولا يتبدل. " أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "؟ فأخبر تعالى أن صدق دعواهم ومتوقف على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما. إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا, فتكون دعواهم صحيحة. وإما أن يكونوا متقولين عليه, فتكون كاذبة, فيكون أبلغ لخزيهم عذابهم. وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا, لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء, حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم, ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق. فتعين بذلك, أنهم متقولون مختلقون, قائلون عليه ما لا يعلمون. والقول عليه بلا علم, من أعظم المحرمات, وأشنع القبيحات.

"بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
ثم ذكر تعالى, حكما عاما لكل أحد, يدخل فيه بنو إسرائيل وغيرهم, وهو الحكم الذي لا حكم غيره, لا أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين فقال: " بَلَى " أي: ليس الأمر كما ذكرتم, فإنه قول لا حقيقة له. ولكن " مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً " وهو نكرة في سياق الشرط, فيعم الشرك فما دونه. والمراد به: - هنا - الشرك, بدليل قوله " وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ " أي: أحاطت بعاملها, فلم تدع له منفذا, وهذا لا يكون إلا الشرك, فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته. " فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية, وهي حجة عليهم كما ترى, فإنها ظاهرة في الشرك, وهكذا كل مبطل يحتج بآية, أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه.

"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
" وَالَّذِينَ آمَنُوا " بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر. " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله, متبعا بها سنة رسوله. فحاصل هاتين الآيتين, أن أهل النجاة والفوز, هم أهل الإيمان والعمل الصالح. والهالكون أهل النار هم المشركون بالله, الكافرون به. فهذه الشرائع من أصول الدين, التي أمر الله بها في كل شريعة, لاشتمالها على المصالح العامة, في كل زمان ومكان, فلا يدخلها نسخ, كأصل الدين. ولهذا أمرنا بها في قوله " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " إلى آخر الآية.

"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ "
فقوله " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به, استعصوا فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة, والعهود الموثقة. " لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ " هذا أمر بعبادة الله وحده, ونهى عن الشرك به. وهذا أصل الدين, فلا تقبل الأعمال كلها, إن لم يكن هذا أساسها, فهذا حق الله تعالى على عباده, ثم قال: " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا. وهذا يعم كل إحسان, قولي, وفعلي, مما هو إحسان إليهم. وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين, أو عدم الإحسان والإساءة. لأن الواجب, الإحسان, والأمر بالشيء, نهي عن ضده. وللإحسان ضدان: الإساءة, وهي أعظم جرما. وترك الإحسان بدون إساءة, وهذا محرم, لكن لا يجب أن يلحق بالأول. وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى, والمساكين. وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد, بل تكون بالحد, كما تقدم. ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال: " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا " ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف, ونهيهم عن المنكر, وتعليمهم العلم, وبذل السلام, والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب. ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله, أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق, وهو الإحسان بالقول, فيكون في ضمن ذلك, النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار, ولهذا قال تعالى: " وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ". ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده, أن يكون الإنسان نزيها فى أقواله وأفعاله, غير فاحش ولا بذيء, ولا شاتم, ولا مخاصم. بل يكون حسن الخلق, واسع الحلم, مجاملا لكل أحد, صبورا على ما يناله من أذى الخلق, امتثالا لأمر الله, ورجاء لثوابه. ثم أمرهم بإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. ثم بعد هذا الأمر لكم, بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل, عرف أن من إحسان الله على عباده, أن أمرهم بها,, وتفضل بها عليهم, وأخذ المواثيق عليكم " ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ " على وجه الإعراض. لأن المتولي قد يتولى, وله نية رجوع إلى ما تولى عنه. وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر. فنعوذ بالله من الخذلان. وقوله " إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ " هذا استثناء, لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم. فأخبر أن قليلا منهم, عصمهم الله وثبتهم.

"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ "
وهذا الفعل المذكور في هذه الآية, فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة. وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين, وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية. فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود, بنو قريظة, وبنو النضير, وبنو قينقاع. فكل فرقة منهم, حالفت فرقة من أهل المدينة. فكانوا إذا اقتتلوا, أعان اليهودي حليفه على مقاتليه, الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود, فيقتل اليهودي اليهودي, ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب. ثم إذا وضعت الحرب أوزارها, وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا. والأمور الثلاثة كلها, قد فرضت عليهم. ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض, ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم, وإذا وجدوا أسيرا منهم, وجب عليهم فداؤه.

"ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
فعملوا بالأخير وتركوا الأولين, فأنكر الله عليهم ذلك فقال: " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ " وهو فداء الأسير " وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ " وهو القتل والإخراج. وفيها دليل على أن الإيمان, يقتضي فعل الأوامر, واجتناب النواهي وأن المأمورات من الإيمان قال تعالى: " فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " وقد وقع ذلك. فأخزاهم الله, وسلط رسوله عليهم, فقتل من قتل, وسبى من سبى منهم, وأجلى من أجلى. " وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ " أي: أعظمه " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ".

"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ "
ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب, والإيمان ببعضه فقال: " أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ " توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار, فاختاروا النار على العار. فلهذا قال: " فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ " بل: هو باق على شدته, ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات. " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " أي: يدفع عنهم مكروه.

"وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ "
يمتن تعالى على بني إسرائيل, أن أرسل لهم كليمه موسى, وآتاه التوراة, ثم تابع بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة, إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى عليه السلام. وآتاه من الآيات البينات, ما يؤمن على مثله البشر. " وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ " أي: قواه الله بروح القدس. قال أكثر المفسرين: إنه جبريل عليه السلام, وقيل: إنه الإيمان الذي يؤيد الله به عباده. ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها, لما أتوكم " بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ " عن الإيمان بهم. " فَفَرِيقًا " منهم " كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ " فقدمتم الهوى على الهدى, وآثرتم الدنيا على الآخرة. وفيها من التوبيخ والتشديد, ما لا يخفى.

"وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ "
أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه, يا أيها الرسول, بأن قلوبهم غلف, أي: عليها غلاف وأغطية, فلا تفقه ما تقول. يعني, فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم, وهذا كذب منهم. فلهذا قال تعالى: " بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ " أي: أنهم مطرودون ملعونون, بسبب كفرهم. فقليلا, المؤمن منهم, أو قليلا, إيمانهم. وكفرهم هو الكثير.

"وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ "
أي: ولما جاءهم من عند الله على يد أفضل الخلق, وخاتم الأنبياء, الكتاب المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة, وقد علموا به, وتيقنوه على أنهم إذا كان وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب, استنصروا بهذا النبي, وتوعدوهم بخروجه, وأنهم يقاتلون المشركين معه. فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا, كفروا به, بغيا وحسدا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. فلعنهم الله, وغضب عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم, وتوالى شكهم وشركهم.

"بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ "
" وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ " أي: مؤلم موجع, وهو صلى الجحيم, وفوت النعيم المقيم. فبئس الحال حالهم, وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه, وبرسله, مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم.

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
أي: وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله, وهو القرآن استكبروا وعتوا, و " قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ " أي: بما سواه من الكتب. مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله مطلقا, سواء أنزل عليهم, أو على غيرهم, وهذا هو الإيمان النافع, الإيمان بما أنزل الله على جميع رسله. وأما التفريق بين الرسل والكتب, وزعم الإيمان ببعضها دون بعض, فهذا ليس بإيمان, بل هو الكفر بعينه, ولهذا قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ". ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا, ردا شافيا, وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه, فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: " وَهُوَ الْحَقُّ ", فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات, والأوامر والنواهي, وهو من عند ربهم, فالكفر به - بعد ذلك - كفر بالله, وكفر بالحق الذي أنزله. ثم قال " مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ " أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه. فلم تؤمنون بما أنزل عليكم, وتكفرون بنظيره؟. هل هذا إلا تعصب, واتباع للهوى لا للهدى؟ وأيضا, فإن كون القرآن مصدقا لما معهم, يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب, قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به. فإذا كفروا به وجحدوه, صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة, ليس له غيرها, ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته, ثم يأتي هو لبينته وحجته, فيقدح فيها ويكذب بها; أليس هذا من الحماقة والجنون؟ فكان كفرهم بالقرآن, كفرا بما في أيديهم ونقضا له. ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: " قُلْ " لهم " فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

"وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ "
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ " أي: بالأدلة الواضحات المبينة للحق. " ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ " أي: بعد مجيئه " وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ " في ذلك ليس لكم عذر.

"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
" وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا " أي: سماع قبول وطاعة واستجابة. " قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " أي: صارت هذه حالتهم " وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ " أي: صبغ حب العجل, وحب عبادته, في قلوبهم, وشربها بسبب كفرهم. " قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " أي: أنتم تدعون الإيمان وتتمدحون بالدين الحق, وأنتم قتلتم أنبياء الله, واتخذتم العجل إلها من دون الله, لما غاب عنكم موسى, نبي الله, و لم تقبلوا أوامره ونواهيه إلا بعد التهديد ورفع الطور فوقكم, فالتزمتم بالقول, ونقضتم بالفعل. فما هذا الإيمان الذي ادعيتم, وما هذا الدين؟ فإن كان هذا إيمانا على زعمكم, فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان, والكفر برسل الله, وكثرة العصيان. وقد عهد أن الإيمان الصحيح, يأمر صاحبه بكل خير, وينهاه عن كل شر. فوضح بهذا كذبهم, وتبين تناقضهم.

"قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
أي: " قُلْ " لهم على وجه تصحيح دعواهم " إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ " يعني الجنة " خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ " كما زعمتم, أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى, وأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة. فإن كنتم صادقين في هذه الدعوى " فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ " وهذا نوع مباهلة بينهم, وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم, إلا أحد أمرين: إما أن يؤمنوا بالله ورسوله. وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم, وهو تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم, فامتنعوا من ذلك.

"وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ "
فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله, مع علمهم بذلك. ولهذا قال تعالى " وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ " من الكفر والمعاصي, لأنهم يعلمون أنه طريق لهم إلى المجازاة بأعمالهم الخبيثة.

"وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "
فالموت أكره شيء إليهم, وهم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس, حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب. ثم ذكر شدة محبتهم الدنيا فقال: " يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ". وهذا أبلغ ما يكون من الحرص, تمنوا حالة هي من المحالات. والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور, لم يغن عنهم شيئا ولا دفع عنهم من العذاب شيئا. " وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم.

"قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ "
أي: قل لهؤلاء اليهود, الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك, أن وليك جبريل عليه السلام, ولو كان غيره من ملائكة الله, لآمنوا بك وصدقوا: إن هذا الزعم منكم, تناقض وتهافت, وتكبر على الله. فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل القرآن من عند الله على قلبك, وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك, والله هو الذي أمره, وأرسله بذلك, فهو رسول محض. مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل - مصدقا لما تقدمه من الكتب - غير مخالف لها ولا مناقض, وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات, والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي, لمن آمن به. فالعداوة لجبريل, الموصوف بذلك, كفر بالله وآياته, وعداوة لله ولرسله وملائكته. فإن عداوتهم لجبريل, لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق, على رسل الله. فيتضمن الكفر والعداوة, للذي أنزله وأرسله, والذي أرسل به, والذي أرسل إليه, فهذا وجه ذلك.

"وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ "
يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم " وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ " تحصل بها الهداية لمن استهدى, وإقامة الحجة على من عاند, وهي في الوضوح والدلالة على الحق, قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله, وخرج عن طاعة الله, واستكبر غاية التكبر. وهذا فيه التعجب من كثرة معاهداتهم, وعدم صبرهم على الولاء بها.

"أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "
فـ " كُلَّمَا " تفيد التكرار, فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض. ما السبب في ذلك؟. السبب أن أكثرهم لا يؤمنون. فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود. ولو صدق إيمانهم, لكانوا مثل من قال الله فيهم. " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ".

"وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "
أي: ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم, فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به. " نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ " الذي أنزل إليهم أي طرحوه رغبة عنه " وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ " وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به, تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول, فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون. ولما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع, ابتلي بالاشتغال بما يضره, فمن ترك عبادة الرحمن, ابتلي بعبادة الأوثان, ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه, ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه, ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان, ومن ترك الذل لربه, ابتلي بالذل للعبيد. ومن ترك الحق ابتلي بالباطل.

"وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "
كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم. وهم كذبة في ذلك فلم يستعمله سليمان بل نزهه الصادق في قيله: " وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ " أي: بتعلم السحر, فلم يتعلمه. " وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا " في ذلك. " يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ " من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر. " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى " ينصحاه, و " يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ " أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته, فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام. وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة. فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين, والسحر الذي يعلمه الملكان, فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين, وكل يصبو إلى ما يناسبه. ثم ذكر مفاسد السحر فقال: " فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ " مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما, لأن الله قال في حقهما " وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً " وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة وأنه يضر بإذن الله أي بإرادة الله, والإذن نوعان: إذن قدري وهو المتعلق بمشيئة الله, كما في هذه الآية. وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة. " فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ " وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير, ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة, فأخرجوها عن قدرة الله. فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين. ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة, ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي. كما قال تعالى في الخمر والميسر " قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ". فهذا السحر مضرة محضة, فليس له داع أصلا, فالمنهيات كلها إما مضرة محضة, أو شرها أكبر من خيرها. كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها. " وَلَقَدْ عَلِمُوا " أي اليهود " لَمَنِ اشْتَرَاهُ " أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة. " مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ " أي: نصيب, بل هو موجب للعقوبة, فلم يكن فعلهم إياه جهلا, ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. " وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " علما يثمر العمل ما فعلوه.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين " رَاعِنَا " أي: راع أحوالنا, فيقصدون بها معنى صحيحا. وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا, فانتهزوا الفرصة, فصاروا يخاطبون الرسول بذلك, ويقصدون المعنى الفاسد. فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة, سدا لهذا الباب. ففيه النهي عن الجائز, إذا كان وسيلة إلى محرم. وفيه الأدب, واستعمال الألفاظ, التي لا تحتمل إلا الحسن, وعدم الفحش, وترك الألفاظ القبيحة, أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق. فأمرهم بلفظة, لا تحتمل إلا الحسن فقال " وَقُولُوا انْظُرْنَا ". فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور. " وَاسْمَعُوا " لم يذكر المسموع, ليعم ما أمر باستماعه. فيدخل فيه سماع القرآن, وسماع السنة التي هي الحكمة, لفظا ومعنى, واستجابة. ففيه الأدب والطاعة.

"مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ "
ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع, وأخبر عن عداوة اليهود المشركين للمؤمنين, أنهم ما يودون " أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ ". أي: لا قليلا, ولا كثيرا " مِنْ رَبِّكُمْ " حسدا منهم, وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه " ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ". ومن فضله عليكم, أنزل الكتاب على رسولكم, ليزكيكم, ويعلمكم الكتاب والحكمة, ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون, فله الحمد والمنة.

"مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
النسخ, هو النقل, فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع, إلى حكم آخر, أو إلى إسقاطه. وكان اليهود ينكرون النسخ, ويزعمون أنه لا يجوز, وهو مذكور عندهم في التوراة, فإنكارهم له, كفر وهوى محض. فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ فقال: " مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا " أي: ننسها العباد, فنزيلها من قلوبهم. " نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا " وأنفع لكم " أَوْ مِثْلِهَا ". فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول, لأن فضله تعالى يزداد, خصوصا على هذه الأمة, التي سهل عليها دينها, غايه التسهيل. وأخبر أن من قدح في النسخ, قدح في ملكه وقدرته فقال: " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "

"أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ "
" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ". فإذا كان مالكا لكم, متصرفا فيكم, تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه, فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير, كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام. فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية, فما له والاعتراض؟ وهو أيضا, ولي عباده, ونصيرهم. فيتولاهم في تحصيل منافعهم, وينصرهم في دفع مضارهم. فمن ولايته لهم, أن يشرع لهم من الأحكام, ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم. ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ, عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده, وإيصالهم إلى مصالحهم, من حيث لا يشعرون بلطفه.

"أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ "
ينهى الله المؤمنين, أو اليهود, بأن يسألوا رسولهم " كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ". والمراد بذلك, أسئلة التعنت والاعتراض, كما قال تعالى: " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ". وقال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ". فهذه ونحوها, هي المنهي عنها. وأما سؤال الاسترشاد والتعليم, فهذا محمود قد أمر الله به كما قال تعالى " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ". ويقرهم عليه, كما في قوله " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ " " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى " ونحو ذلك. ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة, قد تصل بصاحبها إلى الكفر قال: " وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ".

"وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب, وأنهم بلغت بهم الحال, أنهم ودوا " لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا " وسعوا في ذلك, وعملوا المكايد, وكيدهم راجع عليهم كما قال تعالى: " وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم. فأمرهم الله بمقابلة من أساء إليهم بالعفو عنهم, والصفح, حتى يأتي الله بأمره. ثم بعد ذلك, أتى الله بأمره إياهم بالجهاد, فشفى الله أنفس المؤمنين منهم, فقتلوا من قتلوا, واسترقوا من استرقوا, وأجلوا من أجلوا " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ".

"وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
ثم أمرهم الله بالاشتغال بالوقت الحاضر, بإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات. ووعدهم أنهم, مهما فعلوا من خير, فإنه لا يضيع عند الله, بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه " إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ".

"وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
أي: قال اليهود, لن يدخل الجنة إلا من كان هودا. وقالت النصارى, لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى. فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم, وهذا مجرد أماني غير مقبولة, إلا بحجة وبرهان, فأتوا بها إن كنتم صادقين. وهكذا كل من ادعى دعوى, لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه. وإلا, فلو قلبت عليه دعواه, وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما. فالبرهان, هو الذي يصدق الدعوى أو يكذبها. ولما لم يكن بأيديهم برهان, علم كذبهم بتلك الدعوى.

"بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد, فقال: " بَلَى " أي: ليس بأمانيكم ودعاويكم, ولكن " مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ " أي: أخلص لله أعماله, متوجها إليه بقلبه. " وَهُوَ " مع إخلاصه " مُحْسِنٌ " في عبادة ربه, بأن عبده بشرعه, فأولئك هم أهل الجنة وحدهم. " فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ " وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم " وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " فحصل لهم المرغوب, ونجوا من المرهوب.

"وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ "
ويفهم منها, أن من ليس كذلك, فهو من أهل النار الهالكين. فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود, والمتابعة للرسول. وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد, إلى أن بعضهم ضلل بعضا, وكفر بعضهم بعضا, كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم. فكل فرقة تضلل الأخرى, ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل, الذي أخبر به عباده, فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدق جميع الأنبياء والمرسلين, وامتثل أوامر ربه, واجتنب نواهيه, ومن عداهم, فهو هالك.

"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ "
أي: لا أحد أظلم, وأشد جرما, ممن منع مساجد الله, عن ذكر الله فيها, وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات. " وَسَعَى " أي: اجتهد وبذل وسعه " فِي خَرَابِهَا " الحسي والمعنوي. فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها, وتقديرها. والخراب المعنوي, منع الذاكرين لاسم الله فيها. وهذا عام, لكل من اتصف بهذه الصفة, فيدخل في ذلك أصحاب الفيل, وقريش, حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية, والنصارى حين أخربوا بيت المقدس, وغيرهم من أنواع الظلمة, الساعين في خرابها, محادة لله, ومشاقة. فجازاهم الله, بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا, إلا خائفين ذليلين, فلما أخافوا عباد الله, أخافهم الله. فالمشركون الذين صدوا رسوله, لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا, حتى أذن الله له في فتح مكة. ومنع المشركين من قربان بيته, فقال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ". وأصحاب الفيل, قد ذكر الله ما جرى عليهم. والنصارى, سلط الله عليهم المؤمنين, فأجلوهم. وهكذا كل من اتصف بوصفهم, فلا بد أن يناله قسطه, وهذا من الآيات العظيمة, أخبر بها الباري قبل وقوعها, فوقعت كما أخبر. واستدل العلماء بالآية الكريمة, على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد. " لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ " فضيحة كما تقدم " وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ". وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه, فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية, كما قال تعالى: " إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ". بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها, فقال تعالى: " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ". وللمساجد أحكام كثيرة, يرجع حاصلها إلى مضون هذه الآيات الكريمة.

"وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "
أي: " وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ". خصهما بالذكر, لأنهما محل الآيات العظيمة, في مطالع الأنوار ومغاربها. فإذا كان مالكا لها, كان مالكا لكل الجهات. " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا " وجوهكم من الجهات, إذا كان توليكم إياها بأمره, إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس, أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها, فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة, فيتحرى الصلاة إليها, ثم يتبين له الخطأ, أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك. فهذه الأمور, إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا. وبكل حال, فما استقبل جهة من الجهات, خارجة عن ملك ربه. " فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " في إثبات الوجه لله تعالى, على الوجه اللائق به تعالى, وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه, وهو - تعالى - واسع الفضل والصفات عظيمها, عليم بسرائركم ونياتكم. فمن سعته وعلمه, وسع لكم الأمر, وقبل منكم المأمور, فله الحمد والشكر.

"وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ "
" وَقَالُوا " أي: اليهود والنصارى والمشركون, وكل من قال ذلك. " اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا " فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله, وأساءوا كل الإساءة, وظلموا أنفسهم. وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم, قد حلم عليهم, وعافاهم, ورزقهم مع تنقصهم إياه. " سُبْحَانَهُ " أي: تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله. فسبحان من له الكمال المطلق, من جميع الوجوه, الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. ومع رده لقولهم, أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال: " بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: جميعهم ملكه وعبيده, يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك, وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره. فإذا كانوا كلهم عبيده, مفتقرين إليه, وهو غني عنهم, فكيف يكون منهم أحد, يكون له ولدا, والولد لا بد أن يكون من جنس والده, لأنه جزء منه. والله تعالى المالك القاهر, وأنتم المملوكون المقهورون, وهو الغني وأنتم الفقراء. فكيف مع هذا, يكون له ولد؟ هذا من أبطل الباطل وأسمجه. والقنوت نوعان: قنوت عام وهو قنوت الخلق كلهم, تحت تدبير الخالق. وخاص, وهو قنوت العبادة. فالنوع الأول كما في هذه الآية. والنوع الثاني كما في قوله تعالى " وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ".

"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "
ثم قال " بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق. " وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " فلا يستعصى عليه, ولا يمتنع منه.

"وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ "
أي: قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم: هل يكلمنا الله, كما كلم الرسل. " أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ", يعنون آيات الاقتراح, التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة, وآرائهم الكاسدة, التي تجرأوا بها على الخالق, واستكبروا على رسله كقولهم. " لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ", " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ " الآية. " لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا " الآيات. وقوله " وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا " الآيات. فهذا دأبهم مع رسلهم, يطلبون آيات التعنت, لا آيات الاسترشاد, ولم يكن قصدهم تبين الحق. فإن الرسل, قد جاءوا من الآيات, بما يؤمن كل مثله البشر, ولهذا قال تعالى " قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ". فكل موقن, فقد عرف من آيات الله الباهرة, وبراهينه الظاهرة, ما حصل له به اليقين, واندفع عنه كل شك وريب.

"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ "
ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال: " إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا " فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها, وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول, في نفس إرساله, والثاني, في سيرته وهديه ودله. والثالث, في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. فالأول والثاني, قد دخلا في قوله: " إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ". والثالث في قوله " بِالْحَقِّ ". وبيان الأمر الأول وهو - نفس إرساله - أنه قد علم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران, والصلبان, وتبديلهم للأديان, حتى كانوا في ظلمة من الكفر, قد عمتهم وشملتهم, إلا بقايا من أهل الكتاب, قد انقرضوا قبيل البعثة. وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى, ولم يتركهم هملا, لأنه حكيم عليم, قدير رحيم. فمن حكمته ورحمته بعباده, أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم, يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له, فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه, وهو آية كبيرة على أنه رسول الله. وأما الثاني, فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة, وعرف سيرته وهديه قبل البعثة, ونشوءه على أكمل الخصال, ثم من بعد ذلك, قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين, فمن عرفها,, وسبر أحواله, عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين, لأنه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم. وأما الثالث, فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم, والقرآن الكريم, المشتمل على الإخبارات الصادقة, والأوامر الحسنة, والنهي عن كل قبيح, والمعجزات الباهرة, فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة. قوله " بَشِيرًا " أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية. " وَنَذِيرًا " لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي. " وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ " أي: لست مسئولا عنهم, إنما عليك البلاغ, وعلينا الحساب.

"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ "
يخبر تعالى رسوله, أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى, إلا باتباعه دينهم, لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه, ويزعمون أنه الهدى. فقل لهم " إِنَّ هُدَى اللَّهِ " الذي أرسلت به " هُوَ الْهُدَى ". وأما ما أنتم عليه, فهو الهوى بدليل قوله " وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ". فهذا فيه النهي العظيم, عن اتباع أهواء اليهود والنصارى, والتشبه بهم فيما يختص به دينهم. والخطاب - وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم - فإن أمته داخلة في ذلك. لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب. كما أن العبرة بعموم اللفظ, لا بخصوص السبب.

"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ "
ثم قال: " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ". يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب, ومن عليهم به منة مطلقة, أنهم " يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ " أي: يتبعونه حق اتباعه, والتلاوة: الاتباع. فيحلون حلاله, ويحرمون حرامه, ويعملون بمحكمه, ويؤمنون بمتشابهه. وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب, الذين عرفوا نعمة الله وشكروها, وآمنوا بكل الرسل, ولم يفرقوا بين أحد منهم. فهؤلاء, هم المؤمنون حقا, لا من قال منهم " نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه". ولهذا توعدهم بقوله " وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ " وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها.

"وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ "
يخبر تعالى, عن عبده وخليله, إبراهيم عليه السلام, المتفق على إمامته وجلالته, الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه, بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات, أي: بأوامر ونواهي, كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده, ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء, والامتحان من الصادق, الذي ترتفع درجته, ويزيد قدره, ويزكو عمله, ويخلص ذهبه. وكان من أجلهم في هذا المقام, الخليل عليه السلام. فأتم ما ابتلاه الله به, وأكمله ووفاه, فشكر الله له ذلك, ولم يزل الله شكورا فقال: " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا " أي: يقتدون بك في الهدى, ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية, ويحصل لك الثناء الدائم, والأجر الجزيل, والتعظيم من كل أحد. وهذه - لعمر الله - أفضل درجة, تنافس فيها المتنافسون, وأعلى مقام, شمر إليه العاملون, وأكمل حالة حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم, من كل صديق متبع لهم, داع إلى الله وإلى سبيله. فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام, وأدرك هذا, طلب ذلك لذريته, لتعلو درجته ودرجة ذريته. وهذا أيضا من إمامته, ونصحه لعباد الله, ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون. فلله عظمة هذه الهمم العالية, والمقامات السامية. فأجابه الرحيم اللطيف, وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال: " لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " أي: لا ينال الإمامة في الدين, من ظلم نفسه وضرها, وحط قدرها, لمنافاة الظلم لهذا المقام, فإنه مقام, آلته الصبر واليقين. ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة, والأخلأق الجميلة, والشمائل السديدة, والمحبة التامة, والخشية والإنابة. فأين الظلم وهذا المقام؟ ودل مفهوم الآية, أن غير الظالم, سينال الإمامة, ولكن مع إتيانه بأسبابها.

"وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ "
ثم ذكر تعالى, أنموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم, وهو: هذا البيت الحرام الذي جعل قصده, ركنا من أركان الإسلام, حاطا للذنوب والآثام. وفيه من آثار الخليل وذريته, ما عرف به إمامته, وتذكرت به حالته فقال: " وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ " أي: مرجعا يثوبون إليه, لحصول منافعهم الدينية والدنيوية, يترددون إليه, ولا يقضون منه وطرا. وجعله " أَمْنًا " يأمن به كل أحد, حتى الوحش, وحتى الجمادات كالأشجار. ولهذا كانوا في الجاهلية - على شركهم - يحترمونه أشد الاحترام, ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم, فلا يهيجه. فلما جاء الإسلام, زاده حرمة وتعظيما, وتشريفا وتكريما. " وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى " يحتمل أن يكون المراد بذلك, المقام المعروف الذي قد جعل الآن, مقابل باب الكعبة. وأن المراد بهذا, ركعتا الطواف, يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم, وعليه جمهور المفسرين. ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا, فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج. وهي المشاعر كلها, من الطواف, والسعي, والوقوف بعرفة, ومزدلفة ورمي الجمار والنحر, وغير ذلك من أفعال الحج. فيكون معنى قوله: " مُصَلًّى " أي: معبدا, أي: اقتدوا به في شعائر الحج. ولعل هذا المعنى أولى, لدخول المعنى الأول فيه, واحتمال اللفظ له. " وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ " أي: أوحينا إليهما, وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك, والكفر والمعاصي, ومن الرجس والنحاسات, والأقذار, ليكون " لِلطَّائِفِينَ " فيه " وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ " أي: المصلين. قدم الطواف, لاختصاصه بالمسجد الحرام. ثم الاعتكاف, لأن من شرطه, المسجد مطلقا. ثم الصلاة, مع أنها أفضل, لهذا المعنى. وأضاف الباري البيت إليه لفوائد. منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره, لكونه بيت الله. فيبذلان جهدهما, ويستغرقان وسعهما في ذلك. ومنها: أن الإضافة, تقتضي التشريف والإكرام. ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه. ومنها: أن هذه الإضافة, هي السبب الجالب للقلوب إليه. أي: وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت, أن يجعله الله بلدا آمنا, ويرزق أهله من أنواع الثمرات.

"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ "
ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين, تأدبا مع الله, إذ كان دعاؤه الأول, فيه الإطلاق, فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم. فلما دعا لهم بالرزق, وقيده بالمؤمن, وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر, والعاصي والطائع, قال تعالى: " وَمَنْ كَفَرَ " أي: أرزقهم كلهم, مسلمهم وكافرهم. أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله, ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة. وأما الكافر, فيتمتع فيها قليلا " ثُمَّ أَضْطَرُّهُ " أي: ألجئه وأخرجه مكرها " إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ".

"وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "
أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل, في حالة رفعهما القواعد من البيت. الأساس, واستمرارهما على هذا العمل العظيم. وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء, حتى إنهما - مع هذا العمل - دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما, حتى يجعل فيه النفع العميم.

"رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
ودعوا لأنفسهما, وذريتهما بالإسلام, الذي حقيقته, خضوع القلب, وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح. " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " أي: علمناها على وجه الإرادة والمشاهدة, ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها, كما يدل عليه السياق والمقام. ويحتمل أن يكون المراد: ما هو أعظم من ذلك, وهو الدين كله, والعبادات كلها, كما يدل عليه عموم اللفظ, لأن النسك: التعبد, ولكن غلب على متعبدات الحج, تغليبا عرفيا. فيكون حاصل دعائهما, يرجع إلى التوفيق للعلم النافع, والعمل الصالح. ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير, ويحتاج إلى التوبة قالا: " وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "

"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
" رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ " أي: في ذريتنا " رَسُولًا مِنْهُمْ " ليكون أرفع لدرجتهما, ولينقادوا له, وليعرفوه حقيقة المعرفة. " يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ " لفظا, وحفظا, وتحفيظا " وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ " معنى. " وَيُزَكِّيهِمْ " بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية, التي لا تزكي النفس معها. " إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ " أي: القاهر لكل شيء, الذي لا يمتنع على قوته, شيء. " الْحَكِيمُ " الذي يضع الأشياء مواضعها. فبعزتك وحكمتك, ابعث فيهم هذا الرسول. فاستجاب الله لهما, فبعث الله هذا الرسول الكريم, الذي رحم الله به ذريتهما خاصة, وسائر الخلق عامة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام "أنا دعوة أبي إبراهيم".

"وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ "
ولما عظم الله إبراهيم هذا التعظيم, وأخبر عن صفاته الكاملة قال تعالى: " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ". أي: ما يرغب " عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ " بعد ما عرف من فضله 4 " إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ " أي: جهلها وامتهنها, ورضي لها بالدون, وباعها بصفقة المغبون كما أنه لا أرشد وأكمل, ممن رغب في ملة إبراهيم. ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة فقال: " وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا " أي: اخترناه ووفقناه للأعمال, التي صار بها, من المصطفين الأخيار. " وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ " الذين لهم, أعلى الدرجات.

"إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ "
" إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ " امتثالا لربه " أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ". إخلاصا وتوحيدا, ومحبة, وإنابة فكان التوحيد لله نعته. ثم ورثه في ذريته, ووصاهم به, وجعلها كلمة باقية في عقبه, وتوارثت فيهم, حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه.

"وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ "
فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص, فيجب عليكم كمال الانقياد, واتباع خاتم الأنبياء قال: " يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ " أي: اختاره وتخيره لكم, رحمة بكم, وإحسانا إليكم, فقوموا به, واتصفوا بشرائعه, وانصبغوا بأخلاقه, حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه, لأن من عاش على شيء, مات عليه, ومن مات على شيء, بعث عليه.

"أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "
ولما كان اليهود يزعمون أنهم على ملة إبراهيم, ومن بعده يعقوب, قال تعالى منكرا عليهم: " أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ " أي: حضورا " إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ". أي: مقدماته وأسبابه. فقال لبنيه على وجه الاختبار, ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به. " مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي " فأجابوه بما قرت به عينه فقالوا: " نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا ". فلا, نشرك به شيئا, ولا نعدل به. " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب, لأنهم لم يوجدوا بعد. فإذا لم يحضروا, فقد أخبر الله عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية, لا باليهودية..

"تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
ثم قال تعالى: " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ " أي: مضت " لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ " أي: كل له عمله, وكل سيجازى بما فعله, لا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا ينفع أحدا إلا إيمانه وتقواه. فاشتغالكم به وادعاؤكم, أنكم على ملتهم, والرضا بمجرد القول, أمر فارغ لا حقيقة له. بل الواجب عليكم, أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها, هل تصلح للنجاة أم لا.

"وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
أي: دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم, زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال. قال له مجيبا جوابا شافيا " بَلْ " نتبع " مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا " أي: مقبلا على الله, معرضا عما سواه, قائما بالتوحيد, تاركا للشرك والتنديد. فهذا الذي في اتباعه الهداية, وفي الإعراض عن ملته, الكفر والغواية..

"قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "
هذه الآية الكريمة, قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به. واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام, بهذه الأصول, وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح. وهو - بهذا الاعتبار - يدخل فيه الإسلام, وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها. فهي من الإيمان, وأثر من آثاره. فحيث أطلق الإيمان, دخل فيه ما ذكر. وكذلك الإسلام, إذا أطلق دخل فيه الإيمان. فإذا قرن بينهما, كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق. والإسلام, اسما للأعمال الظاهرة. وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة. فقوله تعالى: " قُولُوا " أي: بألسنتكم, متواطئة عليها قلوبكم. وهذا هو القول التام, المترتب عليه الثواب والجزاء. فكما أن النطق باللسان, بدون اعتقاد القلب, نفاق وكفر. فالقول الخالي من العمل عمل القلب, عديم التأثير, قليل الفائدة, وإن كان العبد يؤجر عليه, إذا كان حيرا ومعه أصل الإيمان. لكن فرق بين القول المجرد, والمقترن به عمل القلب. وفي قوله " قُولُوا " إشارة إلى الإعلان بالعقيدة, والصدع بها, والدعوة لها, إذ هي أصل الدين وأساسه. وفي قوله: " آمَنَّا " ونحوه, مما فيه صدور الفعل, منسوبا إلى جميع الأمة, إشارة إلى أنه يجب على الأمة, الاعتصام بحبل الله جميعا, والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحدا, وعملهم متحدا, وفي ضمنه النهي عن الافتراق. وفيه: أن المؤمنين كالجسد الواحد. وفي قوله: " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ " إلخ دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان, على وجه التقييد, بل على وجوب ذلك. بخلاف قوله "أنا مؤمن" ونحوه, فإنه لا يقال إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة, لما فيه من تزكية النفس, والشهادة على نفسه بالإيمان. فقوله: " آمَنَّا بِاللَّهِ " أي: بأنه واجب الوجود, واحد أحد, متصف بكل صفة كمال, منزه عن كل نقص وعيب, مستحق لإفراده بالعبادة كلها, وعدم الإشراك به في شيء منها, بوجه من الوجوه. " وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا " يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى: " وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ " فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله, من صفات الباري, وصفات رسله, واليوم الآخر, والغيوب الماضية والمستقبلة, والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الأمرية الشرعية, وأحكام الجزاء وغير ذلك. " وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ " إلى آخر الآية. فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء. والإيمان بالأنبياء عموما وخصوصا, ما نص عليه في الآية, لشرفهم ولإتيانهم بالشرائع الكبار. فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب, أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول. ثم ما عرف منهم بالتفصيل, وجب الإيمان به مفصلا. وقوله: " لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ " أي: بل نؤمن بهم كلهم. هذه خاصية المسلمين, التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين. فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم - وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل والكتب - فإنهم يكفرون بغيره. فيفرقون بين الرسل والكتب, بعضها يؤمنون به وبعضها يكفرون به. وينقض تكذيبهم تصديقهم. فإن الرسول الذي زعموا, أنهم قد آمنوا به, قد صدق سائر الرسل وخصوصا محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كذبوا محمدا, فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به, فيكون كفرا برسولهم. وفي قوله: " وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ " دلالة على أن عطية الدين, هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية. لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال ونحو ذلك. بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع. وفيه أن الأنبياء مبلغون عن الله, ووسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه, ليس لهم من الأمر شيء. وفي قوله: " مِنْ رَبِّهِمْ " إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته لعباده, أن ينزل عليهم الكتب, ويرسل إليهم الرسل, فلا تقتضي ربوبيته, تركهم سدى ولا هملا. وإذا كان ما أوتي النبيون, إنما هو من ربهم, ففيه الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة, وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد معرفة ما يدعون إليه. فالرسل لا يدعون إلا إلى الخير, ولا ينهون إلا عن كل شر. وكل واحد منهم, يصدق الآخر, ويشهد له بالحق, من غير تخالف ولا تناقض لكونه من عند ربهم " وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ". وهذا بخلاف من ادعى النبوة, فلا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم, كما يعلم ذلك من سبر أحوال الجميع, وعرف ما يدعون إليه. فلما بين تعالى جميع ما يؤمن به, عموما وخصوصا, وكان القول لا يغني عن العمل قال: " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " أي: خاضعون لعظمته, منقادون لعبادته, بباطننا وظاهرنا, مخلصون له العبادة. بدليل تقديم المعمول, وهو " لَهُ " على العامل وهو " مُسْلِمُونَ ". فقد اشتملت هذه الآية الكريمة - على إيجازها واختصارها - على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية, وتوحيد الألوهية, وتوحيد الأسماء والصفات. واشتملت على الإيمان بجميع الرسل, وجميع الكتب. وعلى التخصيص الدال على الفضل, بعد التعميم. وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك. وعلى الفرق بين الرسل الصادقين, ومن ادعى النبوة من الكاذبين. وعلى تعليم الباري عباده, كيف يقولون, ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة. فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء, وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.

"فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "
أي: فإن آمن أهل الكتاب بمثل ما آمنتم به - يا معشر المؤمنين - من جميع الرسل, وجميع الكتب, الذين أول من دخل فيهم, وأولى خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن, وأسلموا لله وحده, ولم يفرقوا بين أحد من الرسل " فَقَدِ اهْتَدَوْا " للصراط المستقيم, الموصل لجنات النعيم. أي: فلا سبيل لهم إلى الهداية, إلا بهذا الإيمان. ولا كما زعموا بقولهم "كونوا هودا أو نصارى تهتدوا". فزعموا أن الهداية, خاصة بما كانوا عليه. و "الهدى" هو العلم بالحق, والعمل به, وصده, الضلال عن العلم, والضلال عن العمل بعد العلم, وهو الشقاق الذي كانوا عليه, لما تولوا وأعرضوا. فالمشاق, هو الذي يكون في شق والله ورسوله, في شق. ويلزم من المشاقة, المحادة, والعداوة البليغة, التي من لوازمها, بذل ما يقدرون عليه من أذية الرسول. فلهذا وعد الله رسوله, أن يكفيه إياهم, لأنه السميع لجميع الأصوات, باختلاف اللغات, على تفنن الحاجات, العليم بما بين أيديهم وما خلفهم, بالغيب والشهادة, بالظواهر والبواطن. فإذا كان كذلك, كفاك الله شرهم. وقد أنجز الله لرسوله وعده, وسلطه عليهم, حتى قتل بعضهم, وسبى بعضهم, وأجلى بعضهم, وشردهم كل مشرد. ففيه معجزة من معجزات القرآن, وهو الإخبار بالشيء قبل وقوعه, فوقع طبق ما أخبر.

"صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ "
أي: الزموا صبغة الله, وهو دينه, وقوموا به قياما تاما, بجميع أعماله الظاهرة والباطنة, وجميع عقائده في جميع الأوقات, حتى يكون لكم صبغة, وصفة من صفاتكم. فإذا كان صفة من صفاتكم, أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره, طوعا واختيارا ومحبة, وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة, فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية, لحث الدين على مكارم الأخلاق, ومحاسن الأعمال, ومعالي الأمور. فلهذا قال - على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية-: " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً " أي: لا أحسن صبغة من صبغته. وإذا أردت أن تعرف نموذجا يبين لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصبغ, فقس الشيء بضده. فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانا صحيحا, أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح. فلم يزال يتحلى بكل وصف حسن, وفعل جميل, وخلق كامل, ونعت جليل. ويتخلى من كل وصف قبيح, ورذيلة وعيب. فوصفه, الصدق في قوله وفعله, والصبر والحلم, والعفة, والشجاعة, والإحسان القولي والفعلي, ومحبة الله وخشيته, وخوفه, ورجاؤه. فحاله الإخلاص للمعبود, والإحسان لعبيده. فقسه بعبد كفر بربه, وشرد عنه, وأقبل على غيره من المخلوقين. فاتصف بالصفات القبيحة, من الكفر, والشرك والكذب, والخيانة, المكر, والخداع, وعدم العفة, والإساءة إلى الخلق, في أقواله, وأفعاله. فلا إخلاص للمعبود, ولا إحسان إلى عبيده. فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما, ويتبين لك أنه لا أحسن من صبغة الله, وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه. وفي قوله: " وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ " بيان لهذه الصبغة, وهي القيام بهذين الأصلين, الإخلاص والمتابعة, لأن "العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه, من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة. ولا تكون كذلك, حتى يشرعها الله على لسان رسوله. والإخلاص أن يقصد العبد وجه الله وحده, في تلك الأعمال. فتقديم المعمول, يؤذن بالحصر. وقال: " وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ " فوصفهم باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار, ليدل على اتصافهم بذلك.

"قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ "
المحاجة هي: المجادلة بين اثنين فأكثر, تتعلق بالمسائل الخلافية, حتى يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله, وإبطال قول خصمه. فكل واحد منهما, يجتهد في إقامة الحجة على ذلك. والمطلوب منها, أن تكون بالتي هي أحسن, بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق, ويقيم الحجة على المعاند, ويوضح الحق, ويبين الباطل. فإن خرجت عن هذه الأمور, كانت مماراة, ومخاصمة لا خير فيها, وأحدثت من الشر ما أحدثت. فكان أهل الكتاب, يزعمون أنهم أولى بالله من المسلمين, وهذا مجرد دعوى, تفتقر إلى برهان ودليل. فإذا كان رب الجميع واحدا, ليس ربا لكم دوننا, وكل منا ومنكم, له عمله, فاستوينا نحن وأنتم بذلك. فهذا لا يوجب أن يكون أحد الفريقين أولى بالله من غيره. لأن التفريق مع الاشتراك في الشيء, من غير فرق مؤثر, دعوى باطلة, وتفريق بين متماثلين, ومكابرة ظاهرة. وإنما يحصل التفضيل, بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده. وهذه الحالة, وصف المؤمنين وحدهم, فتعين أنهم أولى بالله من غيرهم لأن الإخلاص, هو الطريق إلى الخلاص. فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, بالأوصاف الحقيقية, التي يسلمها أهل العقول, ولا ينازع فيها إلا كل مكابر جهول. ففي هذه الآية, إرشاد لطيف لطريق المحاجة, وأن الأمور مبنية على الجمع بين المتماثلين, والفرق بين المختلفين.

"أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
وهذه دعوى أخرى منهم, ومحاجة في رسل الله, زعموا أنهم أولى بهؤلاء الرسل المذكورين من المسلمين. فرد الله عليهم بقوله " أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ " فالله يقول: " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " وهم يقولون: بل كان يهوديا أو نصرانيا. فإما أن يكونوا, هم الصادقين العالمين, أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك, فأحد الأمرين متعين لا محالة. وصورة الجواب مبهم, وهو في غاية الوضوح والبيان حتى إنه - من وضوحه - لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق, ونحو ذلك, لانجلائه لكل أحد. كما إذا قيل: الليل أنور, أم النهار؟ والنار أحر أم الماء؟ والشرك أحسن أم التوحيد؟ ونحو ذلك. وهذا يعرفه كل من له أدنى عقل حتى إنهم بأنفسهم يعرفون ذلك, ويعرفون أن إبراهيم وغيره من الأنبياء, لم يكونوا هودا ولا نصارى, فكتموا هذا العلم وهذه الشهادة, فلهذا كان ظلمهم أعظم الظلم. ولهذا قال تعالى: " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " فهي شهادة عندهم, مودعة من الله, لا من الخلق, فيقتضي الاهتمام بإقامتها, فكتموها, وأظهروا ضدها. جمعوا بين كتم الحق, وعدم النطق به, وإظهار الباطل, والدعوة إليه. أليس هذا, أعظم الظلم؟ بلى والله, وسيعاقبهم عليه أشد العقوبة. فلهذا قال: " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " بل قد أحصى أعمالهم, وعدها وادخر لهم جزاءها, فبئس الجزاء جزاؤهم, وبئست النار, مثوى للظالمين. وهذه طريقة القرآن في ذكر العلم والقدرة, عقب الآيات المتضمنة للأعمال التي يجازى عليها. فيفيد ذلك الوعد والوعيد, والترغيب والترهيب. ويفيد أيضا, ذكر الأسماء الحسنى بعد الأحكام, أن الأمر الديني والجزائي, أثر من آثارها, وموجب من موجباتها, وهي مقتضية له.

"تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
ثم قال تعالى: " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " تقدم تفسيرها, وكررها, لقطع التعلق بالمخلوقين, وأن المعول عليه, مما اتصف به الإنسان, لا عمل أسلافه وآبائه. فالنفع الحقيقي بالأعمال, لا بالأنتساب المجرد للرجال.

"سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "
قد اشتملت الآية الأولى, على معجزة, وتسلية, وتطمين قلوب المؤمنين, واعتراض وجوابه, من ثلاثة أوجه, وصفة المعترض, وصفة المسلم لحكم الله دينه. فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس, وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم, بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن, وهم اليهود والنصارى, ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه. وذلك أن المسلمين كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس, مدة مقامهم بمكة. ثم بعد الهجرة إلى المدينة, نحو سنة ونصف - لما لله في ذلك من الحكم التي سيشير إلى بعضها, وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة. فأخبرهم أنه لا بد أن يقول السفهاء من الناس " مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا " وهي استقبال بيت المقدس. أي: أي شيء صرفهم عنه؟. وفي ذلك الاعتراض على حكم الله وشرعه, وفضله وإحسانه. فسلاهم, وأخبر بوقوعه, وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه, قليل العقل, والحلم, والديانة. فلا تبالوا بهم, إذ قد علم مصدر هذا الكلام. فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه, ولا يلقي له ذهنه. ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله, إلا سفيه جاهل معاند. وأما الرشيد المؤمن العاقل, فيتلقى أحكام ربه بالقبول, والانقياد, والتسليم كما قال تعالى: " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ". " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ " الآية. " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ". وقد كان في قوله "السفهاء" ما يغني عن رد قولهم, وعدم المبالاة به. ولكنه تعالى - مع هذا - لم يترك هذه الشبهة, حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض, فقال تعالى: " قُلْ " لهم مجيبا " لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ". أي: فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله, ليس جهة من الجهات خارجة من ملكه, ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة إبراهيم - فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله, لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره, بمجرد ذلك. فكيف, وهو من فضل الله عليكم, وهدايته وإحسانه, أن هداكم لذلك. فالمعترض عليكم, معترض على فضل الله, حسدا لكم وبغيا. ولما كان قوله " يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " مطلقا, والمطلق يحمل على المقيد, فإن الهداية والضلال, لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله, وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية, التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ " ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية, ومنة الله عليها فقال:

"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ "
" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " أي: عدلا خيارا. وما عدا الوسط, فالأطراف داخلة تحت الخطر. فجعل الله هذه الأمة, وسطا في كل أمور الدين. وسطا في الأنبياء, بين من غلا فيهم, كالنصارى, وبين من جفاهم, كاليهود, بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك. ووسطا في الشريعة, لا تشديدات اليهود وآصارهم, ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة والمطاعم, لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم, ولا يطهرهم الماء من النجاسات, وقد حرمت عليهم الطيبات, عقوبة لهم. ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا, ولا يحرمون شيئا, بل أباحوا ما دب ودرج. بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها. وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح, وحرم عليهم الخبائث من ذلك. فلهذه الأمة من الدين, أكمله, ومن الأخلاق أجلها, ومن الأعمال أفضلها. ووهبهم الله من العلم والحلم, والعدل والإحسان, ما لم يهبه لأمة سواهم. فلذلك كانوا " أُمَّةً وَسَطًا " كاملين معتدلين, ليكونوا " شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط, يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان, ولا يحكم عليهم غيرهم. فما شهدت له هذه الأمة بالقبول, فهو مقبول, وما شهدت له بالرد, فهو مردود. فإن قيل كيف يقبل حكمهم على غيرهم, والحال أن كل مختصمين, غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين, لوجود التهمة. فأما إذا انتفت التهمة, وحصلت العدالة التامة, كما في هذه الأمة, فإنما المقصود, الحكم بالعدل والحق. وشرط ذلك, العلم والعدل, وهما موجودان في هذه الأمة, فقبل قولها. فإن شك شاك في فضلها, وطلب مزكيا لها, فهو أكمل الخلق, نبيهم صلى الله عليه وسلم. فلهذا قال تعالى " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ". ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم, أنه إذا كان يوم القيامة, وسأل الله المرسلين عن تبليغهم, والأمم المكذبة عن ذلك, وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم - استشهد الأنبياء بهذه الأمة, وزكاها نبيها. وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة, حجة قاطعة, وأنهم معصومون عن الخطأ, لإطلاق قوله " وَسَطًا ". فلو قدر اتفاقهم على الخطأ, لم يكونوا وسطا, إلا في بعض الأمور, وفيها اشتراط العدالة في الحكم, والشهادة, والفتيا, ونحو ذلك. يقول تعالى: " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " وهي استقبال بيت المقدس أولا " إِلَّا لِنَعْلَمَ " أي: علما يتعلق به الثواب والعقاب, وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها. ولكن هذا العلم, لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا, لتمام عدله, وإقامة الحجة على عبادة. بل إذا وجدت أعمالهم, ترتب عليها الثواب والعقاب. أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن " مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ " ويؤمن به, فيتبعه على كل حال, لأنه عبد مأمور مدثر. ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة, أنه يستقبل الكعبة. فالمنصف الذي مقصوده الحق, مما يزيده ذلك إيمانا, وطاعة للرسول. وأما من انقلب على عقبيه, وأعرض عن الحق, واتبع هواه, فإنه يزداد كفرا إلى كفره, وحيرة إلى حيرته, ويدلي بالحجة الباطلة, المبنية على شبهة لا حقيقة لها. " وَإِنْ كَانَتْ " أي: صرفك عنها " لَكَبِيرَةٌ " أي: شاقة " إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " فعرفوا بذلك نعمة الله عليهم, وشكروا, وأقروا له بالإحسان, حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم, الذي فضله على سائر بقاع الأرض. وجعل قصده, ركنا من أركان الإسلام, وهادما للذنوب والآثام, فلهذا خف عليهم ذلك, وشق على من سواهم. ثم قال تعالى " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " أي: ما ينبغي له ولا يليق به تعالى, بل هو من الممتنعات عليه. فأخبر أنه ممتنع عليه, ومستحيل, أن يضيع إيمانكم. وفي هذا بشارة عظيمة لمن من الله عليهم بالإسلام والإيمان, بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم, فلا يضيعه, وحفظه نوعان: حفظ عن الضياع والبطلان, بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيد له, ومنقص من المحن المقلقة, والأهواء الصادة. وحفظ بتنميته له, وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم, ويتم به إيقانهم. فكما ابتدأكم, بأن هداكم للإيمان, فسيحفظه لكم, ويتم نعمته, بتنميته وتنمية أجره, وثوابه, وحفظه من كل مكدر. بل إذا وجدت المحن المقصود منها, تبين المؤمن الصادق من الكاذب فإنها تمحص المؤمنين, وتظهر صدقهم. وكأن في هذا احترازا, عما قد يقال, إن قوله: " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم, فدفع هذا الوهم بقوله " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " بتقديره لهذه المحنة أو غيرها. ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة, فإن الله لا يضيع إيمانهم, لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها. وطاعة الله, امتثال أمره في كل وقت, بحسب ذلك. وفي هذه الآية, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح. وقوله " إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " أي: شديد الرحمة بهم عظيمها. فمن رأفته ورحمته بهم, أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها. وأن ميز عنهم من دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه. وأن امتحنهم امتحانا, زاد به إيمانهم, وارتفعت به درجتهم. وأن وجههم إلى أشرف البيوت, وأجلها.

"قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ "
يقول الله لنبيه " قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ " أي: كثرة تردده في جميع جهاته, شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال الكعبة. وقال " وَجْهِكَ " ولم يقل "بصرك" لزيادة اهتمامه, ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر. " فَلَنُوَلِّيَنَّكَ " أي: نوجهك لولايتنا إياك. " قِبْلَةً تَرْضَاهَا " أي: تحبها, وهي الكعبة. وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم, حيث إن الله تعالى, يسارع في رضاه, ثم صرح له باستقبالها فقال: " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " والوجه: ما أقبل من بدن الإنسان. " وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ " أي: من بر وبحر, وشرق وغرب, جنوب وشمال. " فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " أي: جهته. ففيها اشتراط استقبال الكعبة, للصلوات كلها, فرضها, ونفلها, وأنه إن أمكن استقبال عينها, وإلا فيكفي شطرها وجهتها. وأن الالتفات بالبدن, مبطل للصلاة, لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. ولما ذكر تعالى فيما تقدم, المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم وذكر جوابهم, ذكر هنا, أن أهل الكتاب والعلماء منهم, يعلمون أنك في ذلك على حق واضح, لما يجدونه في كتبهم, فيعترضون عنادا وبغيا. فإذا كانوا يغمون بخطاهم, فلا تبالوا بذلك. فإن الإنسان إنما يغمه, اعتراض من اعترض عليه, إذا كان الأمر مشتبها, وكان ممكنا أن يكون معه صواب. فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه, وأن المعترض معاند, عارف ببطلان قوله, فإنه لا محل للمبالاة, بل ينتظر بالمعترض, العقوبة الدنيوية والأخروية, فلهذا قال تعالى " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ " بل يحفظ عليهم أعمالهم, ويجازيهم عليها. وفيها وعيد للمعترضين, وتسلية للمؤمنين. كان النبي صلى الله عليه وسلم - من كمال حرصه على هداية الخلق - يبذل غاية ما يقدر عليه من النصيحة, ويتلطف بهدايتهم, ويحزن إذا لم ينقادوا لأمر الله. فكان من الكفار, من تمرد عن أمر الله, واستكبر على رسل الله, وترك الهدى, عمدا وعدوانا. فمنهم: اليهود والنصارى, أهل الكتاب الأول, الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم عن يقين, لا عن جهل.

"وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ "
فلهذا أخبره الله تعالى أنك " وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ " أي: بكل برهان ودليل, يوضح قولك, ويبين ما تدعو إليه. " مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ " أي: ما تبعوك, لأن اتباع القبلة, دليل على اتباعه. ولأن السبب هو شأن القبلة. وإنما كان الأمر كذلك, لأنهم معاندون, عرفوا الحق وتركوه. فالآيات إنما ينتفع بها, من يتطلب الحق, وهو مشتبه عليه, فتوضح له الآيات البينات. وأما من جزم بعدم اتباع الحق, فلا حيلة فيه. وأيضا فإن اختلافهم فيما بينهم, حاصل, وبعضهم, غير تابع قبلة بعض. فليس بغريب منهم - مع ذلك - أن لا يتبعوا قبلتك يا محمد, وهم الأعداء الحسدة حقيقة, وقوله " وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ " أبلغ من قوله " وَلَا تَتَّبِعْ " لأن ذلك يتضمن أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بمخالفتهم, فلا يمكن وقوع ذلك منه. ولم يقل "ولو أتوا بكل آية" لأنهم لا دليل لهم على قولهم. وكذلك إذا تبين الحق بأدلته اليقينية, لم يلزم الإتيان بأجوبة الشبه الواردة عليه, لأنها لا حد لها, ولأنه يعلم بطلانها, للعلم بأن كل ما نافى الحق الواضح, فهو باطل, فيكون حل الشبه من باب التبرع. " وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ " إنما قال "أهواءهم" ولم يقل "دينهم" لأن ما هم عليه مجرد أهواء نفس, حتى هم - في قلوبهم - يعلمون أنه ليس بدين. ومن ترك الدين, اتبع الهوى, لا محالة. قال تعالى: " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ " " مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ " بأنك على الحق, وهم على الباطل. " إِنَّكَ إِذًا " أي: إن اتبعتهم, فهذا احتراز, لئلا تنفصل هذه الجملة عما قبلها, ولو في الأفهام. " لَمِنَ الظَّالِمِينَ " أي: داخل فيهم, ومندرج في جملتهم. وأي ظلم أعظم, من ظلم, من علم الحق والباطل, فآثر الباطل على الحق. وهذا, وإن كان الخطاب له صلى الله عليه وسلم, فإن أمته داخلة في ذلك. وأيضا, فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم ولو فعل ذلك - وحاشاه - صار ظالما مع علو مرتبته, وكثرة إحسانه - فغيره من باب أولى وأحرى.

"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "
ثم قال تعالى " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ". يخبر تعالى: أن أهل الكتاب قد تقرر عندهم, وعرفوا أن محمدا رسول الله, وأن ما جاء به, حق وصدق, وتقينوا ذلك, كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون بغيره. فمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم, وصلت إلى حد لا يشكون فيه ولا يمترون. ولكن فريقا منهم - وهم أكثرهم - الذين كفروا به, كتموا هذه الشهادة مع تيقنها, وهم يعلمون " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ". وفي ضمن ذلك, تسلية للرسول والمؤمنين, وتحذير له من شرهم وشبههم. وفريق منهم, لم يكتموا الحق وهم يعلمون. فمنهم من آمن به, ومنهم من كفر به, جهلا. فالعالم, عليه إظهار الحق, وتبيينه وتزيينه, بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان, ومثال, وغير ذلك, وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق, وتشيينه, وتقبيحه للنفوس, بكل طريق مؤد لذلك. فهولاء الكاتمون, عكسوا الأمر, فانعكست أحوالهم.

"الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ "
" الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ " أي: هذا الحق الذي هو أحق أن يسمى حقا من كل شيء, لما اشتمل عليه من المطالب العالية, والأوامر الحسنة, وتزكية النفوس وحثها على تحصيل مصالحها, ودفع مفاسدها, لصدوره من ربك, الذي - من جملة تربيته لك, أن أنزل عليك هذا القرآن الذي فيه تربية العقول والنفوس, وجميع المصالح. " فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " أي: فلا يحصل لك أدنى شك وريبة فيه. بل تفكر فيه وتأمل, حتى تصل بذلك إلى اليقين, لأن التفكر فيه لا محالة, دافع للشك, موصل لليقين.

"وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
أي: كل أهل دين وملة, له وجهة يتوجه إليها في عبادته. وليس الشأن في استقبال القبلة, فإنه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال, ويدخلها النسخ والنقل, من جهة إلى جهة. ولكن الشأن كل الشأن, في امتثال طاعة الله, والتقرب إليه, وطلب الزلفى عنده. فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية. وهو الذي إذا لم تتصف به النفوس, حصلت لها خسارة الدنيا والآخرة. كما أنها إذا اتصفت به, فهي الرابحة على الحقيقة, وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع, وهو الذي خلق الله له الخلق, وأمرهم به. والأمر بالاستباق إلى الخيرات, قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات. فإن الاستباق إليها, يتضمن فعلها, وتكميلها, وإيقاعها على أكمل الأحوال, والمبادرة إليها. ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات, فهو السابق في الآخرة إلى الجنات, فالسابقون أعلى الخلق درجة. والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل, من صلاة, وصيام, وزكاة وحج, عمرة, وجهاد, ونفع متعد وقاصر. ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير, وينشطها, ما رتب الله عليها من الثواب قال: " أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فيجمعكم ليوم القيامة بقدرته, فيجازي كل عامل بعمله " لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ". ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل. كالصلاة في أول وقتها, والمبادرة إلى إبراء الذمة, من الصيام, والحج, والعمرة, وإخراج الزكاة, والإتيان بسنن العبادات وآدابها, فلله ما أجمعها وأنفعها من آية!!.

"وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
أي: " وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ " في أسفارك وغيرها, وهذا للعموم, " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " أي: جهته. ثم خاطب الأمة عموما فقال " وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ", وقال: " وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ " أكده بـ "إن" واللام, لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة, ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال. " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " بل هو مطلع عليكم في جميع أحوالكم, فتأدبوا معه, وراقبوه بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه. فإن أعمالكم غير مغفول عنها, بل مجازون عليها أتم الجزاء, إن خيرا فخير, وإن شرا, فشر.

"وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "
وقال هنا " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ " أي: شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة, لينقطع عنكم احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين. فإنه لو بقي مستقبلا لبيت المقدس, لتوجهت عليه الحجة. فإن أهل الكتاب, يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة, هي الكعبة البيت الحرام. والمشركون يرون أن من مفاخرهم, هذا البيت العظيم, وأنه من ملة إبراهيم, وأنه إذا لم يستقبله محمد صلى الله عليه وسلم, توجهت نحوه حججهم, وقالوا: كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم, وهو من ذريته, وقد ترك استقبال قبلته؟ فباستقبال القبلة, قامت الحجة على أهل الكتاب والمشركين, وانقطعت حججهم عليه. " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " أي: من احتج منهم بحجة, هو ظالم فيها, وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم, فهذا لا سبيل إلى إقناعه والاحتجاج عليه. وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على سبيل الاحتجاج, محلا يؤبه لها, ولا يلقى لها بال, فلهذا قال تعالى: " فَلَا تَخْشَوْهُمْ " لأن حجتهم باطلة, والباطل كاسمه, مخذول, مخذول صاحبه. وهذا بخلاف صاحب الحق, فإن للحق صولة وعزا, يوجب خشية من هو معه, وأمر تعالى بخشيته, التي هي رأس كل خير. فمن لم يخش الله, لم ينكف عن معصيته, ولم يمتثل أمره. وكان صرف المسلمين إلى الكعبة, مما حصلت فيه فتنة كبيرة, أشاعها أهل الكتاب, والمنافقون, والمشركون, وأكثروا فيها من الكلام والشبه. فلهذا بسطها الله تعالى, وبينها أكمل بيان, وأكدها بأنواع من التأكيدات, التي تضمنتها هذه الآيات. منها: الأمر بها, ثلاث مرات, مع كفاية المرة الواحدة. ومنها: أن المعهود, أن الأمر, إما أن يكون للرسول, فتدخل فيه الأمة, أو للأمة عموما. وهذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله " فَوَلِّ وَجْهَكَ ". والأمة عموما في قوله " فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ". ومنها أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة, التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة, كما تقدم توضيحها. ومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب. ومنها قوله " وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ". فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف, ولكن مع هذا قال: " وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ". ومنها: أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم, صحة هذا الأمر, ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. ولما كان توليته لنا إلى استقبال القبلة, نعمة عظيمة, وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته, لم يزل يتزايد, وكلما شرع لهم شريعة, فهي نعمة عظيمة قال " وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ". فأصل النعمة, الهداية لدينه, بإرسال رسوله, وإنزال كتابه. ثم بعد ذلك, النعم المتممات لهذا الأصل, لا تعد كثرة, ولا تحصر, منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا. وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم, وأعطى أمته, ما أتم به نعمته عليه وعليهم, وأنزل الله عليه " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ". فلله الحمد على فضله, الذي لا نبلغ له عدا, فضلا عن القيام بشكره. " وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " أي: تعلمون الحق, وتعملون به. فالله تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد, قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير, ونبههم على سلوك طرقها, وبينها لهم, أتم تبيين. حتى أن في جملة ذلك, أنه يقيض للحق, المعاندين له فيجادلون فيه, فيتضح بذلك الحق, وتظهر آياته وأعلامه, ويتضح بطلان الباطل, وأنه لا حقيقة له. ولولا قيامه في مقابلة الحق, لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق. وبضدها تتبين الأشياء. فلولا الليل, ما عرف فضل النهار. ولولا القبيح, ما عرف فضل الحسن. ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور. ولولا الباطل, ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا. فلله الحمد على ذلك.

"كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ "
يقول تعالى: إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع, والنعم المتممة, ليس ذلك ببدع من إحساننا, ولا بأوله, بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها, فأبلغها, إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم, تعرفون نسبه وصدقه, وأمانته وكماله ونصحه. " يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا " وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها. فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل, والهدى من الضلال, التي دلتكم أولا, على توحيد الله وكماله, ثم على صدق رسوله, ووجوب الإيمان به, ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب, حتى حصل لكم الهداية التامة, والعلم اليقيني. " وَيُزَكِّيكُمْ " أي يطهر أخلاقكم ونفوسكم, بتربيتها على الأخلاق الجميلة, وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة, وذلك كتزكيتكم من الشرك, إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص, ومن الكذب إلى الصدق, ومن الخيانة إلى الأمانة, ومن الكبر إلى التواضع, ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق, ومن التباغض والتهاجر والتقاطع, إلى التحابب والتواصل والتوادد, وغير ذلك من أنواع التزكية. " وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ " أي: القرآن, ألفاظه ومعانيه. " وَالْحِكْمَةَ " قيل: هي السنة, وقيل: الحكمة, معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها, وتنزيل الأمور منازلها. فيكون - على هذا - تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب, لأن السنة, تبين القرآن وتفسره, وتعبر عنه. " وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ " لأنهم كانوا قبل بعثته, في ضلال مبين, لا علم ولا عمل. فكل علم أو عمل, نالته هذه الأمة فعلى يده صلى الله عليه وسلم, وبسببه كان. فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق, وهي أكبر نعم ينعم بها على عباده. فوظيفتهم شكر الله عليها والقيام بها.

"فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ "
فلهذا قال تعالى " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ " فأمر تعالى بذكره, ووعد عليه أفضل جزاء, وهو ذكره لمن ذكره, كما قال تعالى على لسان رسوله " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ". وذكر الله تعالى, أفضله, ما تواطأ عليه القلب واللسان, وهو الذي يثمر معرفة الله ومحبته, وكثرة ثوابه. والذكر هو رأس الشكر, فلهذا أمر به خصوصا, ثم من بعده أمر بالشكر عموما فقال: " وَاشْكُرُوا لِي " أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم ودفعت عنكم صنوف النقم. والشكر يكون بالقلب, إقرارا بالنعم, واعترافا, وباللسان, ذكرا وثناء, وبالجوارح, طاعة لله وانقيادا لأمره, واجتنابا لنهيه, فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة, وزيادة في النعم المفقودة. قال تعالى " لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ". وفي الإتيان بالأمر بالشكر بعد النعم الدينية, من العلم وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال, بيان أنها أكبر النعم, بل هي النعم الحقيقية؟ التي تدوم, إذا زال غيرها. وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل, أن يشكروا الله على ذلك, ليزيدهم من فضله, وليندفع عنهم الإعجاب, فيشتغلوا بالشكر. ولما كان الشكر ضده الكفر, نهى عن ضده فقال " وَلَا تَكْفُرُونِ " المراد بالكفر ههنا, ما يقابل الشكر, فهو كفر النعم وجحدها, وعدم القيام بها. ويحتمل أن يكون المعنى عاما, فيكون الكفر أنواعا كثيرة, أعظمه الكفر بالله, ثم أنواع المعاصي, على اختلاف أنواعها وأجناسها, من الشرك, فما دونه.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ "
أمر الله تعالى المؤمنين, بالاستعانة على أمورهم الدنيوية " بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ". فالصبر هو: حبس النفس وكفها عما تكره, فهو ثلاثة أقسام: صبرها على طاعة الله, حتى تؤديها, وعن معصية الله حتى تتركها, وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها. فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر, فلا سبيل لغير الصابر, أن يدرك مطلوبه. وخصوصا, الطاعات الشاقة المستمرة, فإنها مفتقرة أشد الافتقار, إلى تحمل الصبر, وتجرع المرارة الشاقة. فإذا لازم صاحبها الصبر, فاز بالنجاح, وإن رده المكروه والمشقة, عن الصبر والملازمة عليها, لم يدرك شيئا, وحصل على الحرمان. وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد. فهذه لا يمكن تركها إلا بصبر عظيم, وكف لدواعي قلبه ونوازعها, لله تعالى, واستعانة بالله على العصمة منها, فإنها من الفتن الكبار. وكذلك البلاء الشاق, خصوصا إن استمر, فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية, ويوجد مقتضاها, وهو التسخط, إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله, والتوكل عليه, واللجأ إليه, والافتقار على الدوام. فعلمت أن الصبر محتاج إليه العبد, بل مضطر إليه في كل حالة من أحواله. فلهذا أمر الله تعالى به, وأخبر أنه " مَعَ الصَّابِرِينَ " أي: مع من كان الصبر لهم خلقا, وصفة, وملكة - بمعونته وتوفيقه, وتسديده. فهانت عليهم بذلك, المشاق والمكاره, وسهل عليهم كل عظيم, وزالت عنهم كل صعوبة. وهذه معية خاصة, تقتضي محبته ومعونته, ونصره وقربه, وهذه منقبة عظيمة للصابرين. فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله, لكفى بها فضلا وشرفا. وأما المعية العامة, فهي معية العلم والقدرة, كما في قوله تعالى: " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ " وهذه عامة للخلق. وأمر تعالى بالاستعانة بالصلاة لأن الصلاة هي عماد الدين, ونور المؤمنين, وهي الصلة بين العبد وبين ربه. فإذا كانت صلاة العبد صلاة كاملة, مجتمعا فيها ما يلزم فيها, وما يسن, وحصل فيها حضور القلب, الذي هو لبها فصار العبد إذا دخل فيها, استشعر دخوله على ربه, ووقوفه بين يديه, موقف العبد الخادم المتأدب, مستحضرا لكل ما يقوله وما يفعله, مستغرقا بمناجاة ربه ودعائه - لا جرم أن هذه الصلاة, من أكبر المعونة على جميع الأمور فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. ولأن هذا الحضور الذي يكون في الصلاة, يوجب للعبد في قلبه, وصفا, وداعيا يدعوه إلى امتثال أوامر ربه, واجتناب نواهيه. هذه هي الصلاة التي أمر الله, أن نستعين بها على كل شيء.

"وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ "
لما ذكر تبارك وتعالى, الأمر بالاستعانة بالصبر على جميع الأحوال, ذكر نموذجا مما يستعان بالصبر عليه, وهو الجهاد في سبيله, وهو أفضل الطاعات البدنية, وأشقها على النفوس, لمشقته في نفسه, ولكونه مؤديا للقتل, وعدم الحياة, التي إنما يرغب الراغبون في هذه الدنيا لحصول الحياة ولوازمها. فكل ما يتصرفون به, فإنه سعى لها, ودفع لما يضادها. ومن المعلوم, أن المحبوب لا يتركه العاقل إلا لمحبوب أعلى منه وأعظم. فأخبر تعالى: أن من قتل في سبيله, بأن قاتل في سبيل الله, لتكون كلمة الله هي العليا, ودينه الظاهر, لا لغير ذلك من الأغراض, فأنه لم تفته الحياة المحبوبة, بل حصل له حياة أعظم وأكمل, مما تظنون وتحسبون. فالشهداء " أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ". فهل أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من الله تعالى, وتمتعهم برزقه البدني في المأكولات والمشروبات اللذيذة, والرزق الروحي, وهو الفرح. وهو الاستبشار, وزوال كل خوف وحزن. وهذه حياة برزخية, أكمل من الحياة الدنيا. بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة, وتأكل من ثمارها, وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وفي هذه الآية, أعظم حث على الجهاد في سبيل الله, وملازمة الصبر عليه. فلو شعر العباد بما للمقتولين في سبيل الله من الثواب, لم يتخلف عنه أحد. ولكن عدم العلم اليقيني التام, هو الذي فتر العزائم, وزاد نوم النائم, وأفات الأجور العظيمة والغنائم. لم لا يكون كذلك والله تعالى قد " اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ". فوالله لو كان للإنسان ألف نفس, تذهب نفسا فنفسا في سبيل الله, لم يكن عظيما في جانب هذا الأجر العظيم. ولهذا لا يتمنى الشهداء - بعدما عاينوا من ثواب الله وحسن جزائه - إلا أن يردوا إلى الدنيا, حتى يقتلون في سبيله مرة بعد مرة. وفي الآية, دليل على نعيم البرزخ وعذابه, كما تكاثرت بذلك النصوص.

"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ "
أخبر تعالى, أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن, ليتبين الصادق من الكاذب, والجازع من الصابر, وهذه سنته تعالى في عباده. لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان, ولم يحصل معها محنة, لحصل الاختلاط الذي هو فساد, وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن, لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان, ولا ردهم عن دينهم, فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين. فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده " بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ " من الأعداء " وَالْجُوعِ " أي: بشيء يسير منهما. لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله, أو الجوع, لهلكوا, والمحن تمحص لا تهلك. " وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ " وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال, من جوائح سماوية, وغرق, وضياع, وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة, وقطاع الطريق وغير ذلك. " وَالْأَنْفُسِ " أي ذهاب الأحباب, من الأولاد, والأقارب, والأصحاب, ومن أنواع الأمراض في بدن العبد, أو بدن من يحبه. " وَالثَّمَرَاتِ " أي الحبوب, وثمار النخيل, والأشجار كلها, والخضر ببرد, أو برد, أو حرق, أو آفة سماوية, من جراد ونحوه. فهذه الأمور, لا بد أن تقع, لأن العليم الخبير, أخبر بها, فوقعت كما أخبر. فإذا وقعت, انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين. فالجازع, حصلت له المصيبتان, فوات المحبوب, وهو وجود هذه المصيبة. وفوات ما هو أعظم منها, وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر. ففار بالخسارة والحرمان, ونقص ما معه من الإيمان. وفاته الصبر والرضا والشكران, وحصل له السخط الدال على شدة النقصان. وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب, فحبس نفسه عن التسخط, قولا وفعلا, واحتسب أجرها عند الله, وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره, أعظم من المصيبة التي حصلت له, بل المصيبة تكون نعمة في حقه, لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها, فقد امتثل أمر الله, وفاز بالثواب. فلهذا قال تعالى " وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب.

"الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ "
فالصابرين, هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة, والمنحة الجسيمة. ثم وصفهم بقوله " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ " وهي كل ما يؤلم القلب, أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره. " قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ " أي: مملوكون لله, مدبرون تحت أمره وتصريفه, فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء. فإذا ابتلانا بشيء منها, فقد تصرف أرحم الراحمين, بمماليكه وأموالهم, فلا اعتراض عليه. بل من كمال عبودية العبد, علمه, بأن وقوع البلية من المالك الحكيم, الذي هو أرحم بعبده من نفسه. فيوجب له ذلك, الرضا عن الله, والشكر له على تدبيره, لما هو خير لعبده,, وإن لم يشعر بذلك. ومع أننا مملوكون لله, فإنا إليه راجعون يوم المعاد, فمجاز كل عامل بعمله. فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده. وإن جزعنا وسخطنا, لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر. فكون العبد لله, وراجعا إليه, من أقوى أسباب الصبر.

"أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ "
" أُولَئِكَ " الموصوفون بالصبر المذكور " عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ " أي: ثناء وتنويه بحالهم " وَرَحْمَةٌ " عظيمة. ومن رحمته إياهم, أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر. " وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " الذين عرفوا الحق, وهو في هذا الموضع, علمهم بأنهم لله, وأنهم إليه راجعون, وعملوا به وهو هنا صبرهم لله. ودلت هذه الآية, على أن من لم يصبر, فله ضد ما لهم, فحصل له الذم من الله, والعقوبة, والضلال والخسارة. فما أعظم الفرق بين الفريقين "وما أقل تعب الصابرين, وأعظم عناء الجازعين". فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها, لتخف وتسهل, إذا وقعت. وبيان ما تقابل به, إذا وقعت, وهو الصبر. وبيان ما يعين على الصبر, وما للصابرين من الأجر. ويعلم حال غير الصابر, بضد حال الصابر. وأن هذا الابتلاء والامتحان, سنة الله التي قد خلت, ولن تجد لسنة الله تبديلا. وبيان أنواع المصائب.

"إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ "
يخبر تعالى " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ " وهما معروفان " مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " أي أعلام دينه الظاهرة, التي تعبد الله بها عباده, وإذا كانا من شعائر الله, فقد أمر الله بتعظيم شعائره فقال " وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ". فدل مجموع النصين أنهما من شعائر الله, وأن تعظيم شعائره, من تقوى القلوب. والتقوى واجبة على كل مكلف, وذلك يدل على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة, كما عليه الجمهور, ودلت عليه الأحاديث النبوية وفعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال "خذوا عني مناسككم". " فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ". هذا دفع لوهم من توهم وتحرج من المسلمين عن الطواف بينهما, لكونهما في الجاهلية تعبد عندهما الأصنام. فنفى تعالى الجناح لدفع هذا الوهم, لا لأنه غير لازم. ودل تقييد نفي الجناح فيمن تطوف بهما في الحج والعمرة, أنه لا يتطوع بالسعي مفردا إلا مع انضمامه لحج أو عمرة. بخلاف الطواف بالبيت, فإنه يشرع مع العمرة والحج, وهو عبادة مفردة. فأما السعي والوقوف بعرفة ومزدلفة, ورمي الجمار فإنها تتبع النسك. فلو فعلت غير تابعة للنسك, كانت بدعة, لأن البدعة نوعان. نوع يتعبد لله بعبادة, لم يشرعها أصلا. ونوع يتعبد له بعبادة قد شرعها على صفة مخصوصة, فتفعل على غير تلك الصفة, وهذا منه. وقوله " وَمَنْ تَطَوَّعَ " أي: فعل طاعة مخلصا بها لله تعالى " خَيْرًا " من حج وعمرة, وطواف, وصلاة, وصوم وغير ذلك " فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ". فدل هذا, على أنه كلما ازداد العبد من طاعة الله, ازداد خيره وكماله, ودرجته عند الله, لزيادة إيمانه. ودل تقييد التطوع بالخير, أن من تطوع بالبدع, التي لم يشرعها الله ولا رسوله, أنه لا يحصل له إلا العناء, وليس بخير له, بل قد يكون شرا له إن كان متعمدا عالما بعدم مشروعية العمل. " فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ " الشاكر والشكور, من أسماء الله تعالى, الذي يقبل من عباده اليسير من العمل, ويجازيهم عليه, العظيم من الأجر, الذي إذا قام عبده بأوامره, وامتثل طاعته, أعانه على ذلك, وأثنى عليه ومدحه, وجازاه في قلبه نورا وإيمانا, وسعة, وفي بدنه قوة ونشاطا, وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء, وفي أعماله زيادة توفيق. ثم بعد ذلك, يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملا موفرا, لم تنقصه هذه الأمور. ومن شكره لعبده, أن من ترك شيئا لله, عوضه الله خيرا منه. ومن تقرب منه شبرا, تقرب منه ذراعا, ومن تقرب منه ذراعا, تقرب منه باعا, ومن أتاه يمشي, أتاه هرولة, ومن عامله, ربح عليه أضعافا مضاعفة. ومع أنه شاكر, فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل, بحسب نيته وإيمانه وتقواه, ممن ليس كذلك. عليم بأعمال العباد, فلا يضيعها, بل يجدونها أوفر ما كانت, على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم الحكيم.

"إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ "
هذه الآية, وإن كانت نازلة في أهل الكتاب, وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته, فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله " مِنَ الْبَيِّنَاتِ " الدالات على الحق المظهرات له. " وَالْهُدَى " وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم, ويتبين به طريق أهل النعيم, من طريق أهل الجحيم. فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم, بأن يبينوا الناس ما من الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه. فمن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين, كتم ما أنزل الله, والغش لعباد الله فأولئك " يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ " أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته. " وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ " وهم جميع الخليقة, فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة, لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم, وإبعادهم من رحمة الله, فجوزوا من جنس عملهم. كما أن معلم الناس الخير, يصلي الله عليه وملاكته, حتى الحوت في جوف الماء, لسعيه في مصلحة الخلق, وإصلاح أديانهم, وقربهم من رحمة الله, فجوزى من جنس عمله. فالكاتم لما أنزل الله, مضاد لأمر الله, مشاق لله, يبين الله الآيات للناس ويوضحها. وهذا يسعى في طمسها وإخفائها فهذا عليه هذا الوعيد الشديد.

"إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " أي رجعوا عما هم عليه من الذنوب, ندما وإقلاعا, وعزما على عدم المعاودة " وَأَصْلَحُوا " ما فسد من أعمالهم. فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن. ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضا, حتى يبين ما كتمه, ويبدي ضد ما أخفى. فهذا يتوب الله عليه, لأن توبة الله غير محجوب عنها. فمن أتى بسبب التوبة, تاب الله عليه, لأنه " التَّوَّابُ " أي الرجاع على عباده بالعفو والصفح, بعد الذنب إذا تابوا, وبالإحسان والنعم بعد المنع, إذا رجعوا. " الرَّحِيمِ " الذي اتصف بالرحمة العظيمة, التي وسعت كل شيء. ومن رحمته, أن وفقهم للتوبة والإنابة فتابوا وأنابوا, ثم رحمهم بأن قبل ذلك منهم, لطفا وكرما, هذا حكم التائب من الذنب.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "
وأما من كفر واستمر على كفره حتى مات ولم يرجع إلى ربه, ولم ينب إليه, ولم يتب عن قريب فأولئك " عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". لأنه لما صار كفرهم وصفا ثابتا, صارت اللعنة عليهم وصفا ثابتا لا تزول, لأن الحكم يدور مع علته, وجودا وعدما.

"خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ "
و " خَالِدِينَ فِيهَا " أي: في اللعنة, أو في العذاب, وهما متلازمان. و " لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ " بل عذابهم دائم شديد مستمر " وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ " أي: يمهلون, لأن وقت الإمهال - وهو الدنيا - قد مضى, ولم يبق لهم عذر فيعتذرون.

"وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ "
يخبر تعالى - وهو أصدق القائلين - أنه " إِلَهٌ وَاحِدٌ " أي: متوحد متفرد في ذاته, وأسمائه, وصفاته, وأفعاله. فليس له شريك في ذاته, ولا سمي له ولا كفو له, ولا مثل, ولا نظير, ولا خالق, ولا مدبر غيره. فإذا كان كذلك, فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة, ولا يشرك به أحد من خلقه, لأنه " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " المتصف بالرحمة العظيمة, التي لا يماثلها رحمة أحد, فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي. فبرحمته وجدت المخلوقات, وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات. وبرحمته اندفع عنها كل نقمة. وبرحمته عرف عباده نفسه بصفاته وآلائه, وبين لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم, بإرسال الرسل, وإنزال الكتب. فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة, فمن الله, وأن أحدا من المخلوقين, لا ينفع أحدا - علم أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة, وأن يفرد بالمحبة والخوف, والرجاء, والتعظيم, والتوكل, وغير ذلك من أنواع الطاعات. وأن من أظلم الظلم, وأقبح القبيح, أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد, وأن يشرك المخلوقين من تراب, برب الأرباب, أو يعبد المخلوق المدبر العاجز من جميع الوجوه, مع الخالق المدبر القادر القوي. الذي قهر كل شيء. ودان له كل شيء. ففي هذه الآية, إثبات وحدانية الباري وإلهيته. وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم, واندفاع جميع النقم. فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تعالى. ثم ذكر الأدلة التفصيلية فقال:

"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "
" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " الآية. أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة, آيات أي أدلة على وحدانية الباري وإلهيته. وعظيم سلطانه ورحمته وسائر صفاته. ولكنها " لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " أي: لمن لهم عقول يعملونها. فيما خلقت له. فعلى حسب ما من الله على عبده من العقل, ينتفع بالآيات ويعرفها بعقله وفكره وتدبيره. ففي " خَلْقِ السَّمَاوَاتِ " في ارتفاعها واتساعها, وإحكامها, وإتقانها, وما جعل الله فيها من الشمس والقمر, والنجوم, وتنظيمها لمصالح العباد. وفي خلق " الْأَرْضِ " مهادا للخلق, يمكنهم القرار عليها, والانتفاع بما عليها, والاعتبار, ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير, وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها, وحكمته التي بها أتقنها, وأحسنها ونظمها, وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع, من منافع الخلق ومصالحهم, وضروراتهم وحاجاتهم. وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله, واستحقاقه أن يفرد بالعبادة, لانفراده بالخلق والتدبير, والقيام بشئون عباده. وفي " اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ", وهو تعاقبهما على الدوام, إذا ذهب أحدهما, خلفه الآخر. وفي اختلافهما في الحر, والبرد, والتوسط, وفي الطول, والقصر, والتوسط, وما ينشأ عن ذلك من الفضول, التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم, وجميع ما على وجه الأرض, من أشجار ونباتات. كل ذلك بانتظام وتدبير, وتسخير, تنبهر له العقول, وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول, ما يدل ذلك على قدرة مصرفها, وعلمه وحكمته, ورحمته الواسعة, ولطفه الشامل, وتصريفه وتدبيره, الذي تفرد به, وعظمته, وعظمة ملكه وسلطانه, مما يوجب أن يؤله ويعبد, ويفرد بالمحبة والتعظيم, والخوف والرجاء, وبذل الجهد في محابه ومراضيه. وفي " وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ " وهي السفن والمراكب ونحوها, مما ألهم الله عباده صنعتها, وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية, ما أقدرهم عليها. ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح, التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال, والبضائع التي هي من منافع الناس, وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم. فمن الذي ألهمهم صنعتها, وأقدرهم عليها, وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟. أم من الذي سخر لها البحر, تجري فيه بإذنه وتسخيره, والرياح؟. أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية, النار والمعادن المعينة على حملها, وحمل ما فيها من الأموال؟ فهل هذه الأمور, حصلت اتفاقا, أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز, الذي خرج من بطن أمه, لا علم له ولا قدرة؟ ثم خلق له ربه القدرة, وعلمه ما يشاء تعليمه؟ أم المسخر لذلك رب واحد, حكيم عليم, لا يعجزه شيء, ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت بربوبيته, واستكانت لعظمته, وخضعت لجبروته؟ وغاية العبد الضعيف, أن جعله الله جزءا من أجزاء الأسباب, التي بها وجدت هذه الأمور العظام, فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه, وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له, والخوف والرجاء, وجميع الطاعة, والذل والتعظيم. " وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ " وهو المطر النازل من السحاب. " فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " فأظهرت من أنواع الأقوات, وأصناف النباتات, ما هو من ضرورات الخلائق, التي لا يعيشون بدونها. أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله, وأخرج به ما أخرج ورحمته, ولطفه بعباده, وقيامه بمصالحهم, وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟ " وَبَثَّ فِيهَا " أي: في الأرض " مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ " أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة, ما هو دليل على قدرته وعظمته, ووحدانيته وسلطانه العظيم. وسخرها للناس, ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع. فمنها: ما يأكلون من لحمه, ويشربون من دره. ومنها: ما يركبون. ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم, ومنها ما يعتبر به. ومنها: أنه بث فيها من كل دابة. فإنه سبحانه, هو القائم بأرزاقهم, المتكفل بأقواتهم. فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها, ويعلم مستقرها ومستودعها وفي " وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ " باردة وحارة, وجنوبا وشمالا, وشرقا ودبورا وبين ذلك. وتارة تثير السحاب, وتارة تؤلف بينه, وتارة تلقحه, وتارة تدره, وتارة تمزقه وتزيل ضرره, وتارة تكون رحمة, وتارة ترسل بالعذاب. فمن الذي صرفها هذا التصريف, وأودع فيها من منافع العباد, ما لا يستغنون عنه؟ وسخرها, ليعيش فيها جميع الحيوانات, وتصلح الأبدان والأشجار, والحبوب والنباتات, إلا العزيز الحكيم الرحيم, اللطيف بعباده المستحق لكل ذل وخضوع, ومحبة وإنابة وعبادة؟ وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض - على خفته ولطافته - يحمل الماء الكثير, فيسوقه الله إلى حيث شاء. فيحيي به البلاد والعباد, ويروي التلول والوهاد, وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه. فإذا كان يضرهم كثرته, أمسكه عنهم, فينزله رحمة ولطفا, ويصرفه عناية وعطفا. فما أعظم سلطانه, وأغزر إحسانه, وألطف امتنانه!! أليس من القبيح بالعباد, أن يتمتعوا برزقه, ويعيشوا ببره وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه. أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره, وعفوه وصفحه, وعظيم لطفه؟ فله الحمد أولا وآخرا, وباطنا وظاهرا. والحاصل, أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات, وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات, وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة, علم بذلك, أنها خلقت للحق وبالحق, وأنها صحائف آيات, وكتب دلالات, على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته, وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر, وأنها مسخرات, ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها. فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون, وإليه صامدون وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات. فلا إله إلا الله, ولا رب سواه.

"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ "
ثم قال تعالى " وَمِنَ النَّاسِ " إلى " وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ". ما أحسن اتصال هذه الآية بالتي قبلها. فإنه تعالى, لما بين وحدانيته وأداتها القاطعة, وبراهينها الساطعة الموصلة إلى علم اليقين, المزيلة لكل شك. ذكر هنا أن " مِنَ النَّاسِ " مع هذا البيان التام " مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا " لله أي: نظراء ومثلاء, يساويهم في الله بالعبادة والمحبة, والتعظيم والطاعة. ومن كان بهذه الحالة - بعد إقامة الحجة, وبيان التوحيد - علم أنه معاند لله, مشاق له, أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته, فليس له أدنى عذر في ذلك, بل قد حقت عليه كلمة العذاب. وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله, لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير, وإنما يسوونهم به, في العبادة, فيعبدونهم ليقربوهم إليه. وفي قوله "اتخذوا" دليل على أنه ليس لله ند. وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادا له, تسمية مجردة, ولفظا فارغا من المعنى. كما قال تعالى. " وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ". " إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ". فالمخلوق ليس ندا لله لأن الله هو الخالق, وغيره مخلوق, والرب هو الرازق. ومن عداه مرزوق, والله هو الغني وأنتم الفقراء. وهو الكامل من كل الوجوه, والعبيد ناقصون من جميع الوجوه. والله هو النافع الضار, والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء. فعلم علما يقينا, بطلان قول من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا. سواء كان ملكا أو نبيا, أو صالحا, صنما, أو غير ذلك. وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة, والذل التام. فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله " وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ " أي: من أهل الأنداد لأندادهم, لأنهم أخلصلوا محبتهم له, وهؤلاء أشركوا بها. ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة, الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه. والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئا, ومحبته عين شقاء العبد وفساده, وتشتت أمره. فلهذا توعدهم الله بقوله. " وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا " باتخاد الأنداد والانقياد لغير رب العباد وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل الله, وسعيهم فيما يضرهم. " إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ " أي: يوم القيامة عيانا بأبصارهم. " أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ", أي: لعلموا علما جازما, أن القوة والقدرة لله كلها, وأن أندادهم ليس فيها من القوة شيء. فتبين لهم في ذلك في اليوم, ضعفها وعجزها, لا كما اشتبه عليهم في الدنيا, وظنوا أن لها من الأمر شيئا, وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه. فخاب ظنهم, وبطل سعيهم, وحق عليهم شدة العذاب, ولم تدفع عنهم أندادهم شيئا, ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع. بل يحصل لهم الضرر منها, من حيث ظنوا نفعها.

"إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ "
وتبرأ المتبعون من التابعين, وتقطعت بينهم الوصل, التي كانت في الدنيا, لأنها كانت لغير الله, وعلى غير أمر الله, ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له, فاضمحلت أعمالهم, وتلاشت أحوالهم. وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين, وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها, انقلبت عليهم حسرة وندامة, وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا. فهل بعد هذا الخسران خسران؟ ذلك بأنهم اتبعوا الباطل, ورجوا غير مرجو, وتعلقوا بغير متعلق, فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها. ولما بطلت, وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها, فضرتهم غاية الضرر. وهذا بخلاف من تعلق بالله الملك الحق المبين, وأخلص العمل لوجهه, ورجا نفعه. فهذا قد وضع الحق في موضعه, فكانت أعماله حقا, لتعلقها بالحق, ففاز بنتيجة عمله, ووجد جزاءه عند ربه, غير منقطع كما قال تعالى. " الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ".

"وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ "
وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرأوا من متبوعيهم, بأن يتركوا الشرك بالله, ويقبلوا على إخلاص العمل لله. وهيهات, فات الأمر, وليس الوقت وقت إمهال وإنظار. ومع هذا, فهم كذبة, فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. وإنما هو قول يقولونه, وأماني يتمنونها, حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرأوا منهم والذنب ذنبهم. فرأس المتبوعين على الشر, إبليس, ومع هذا يقول لأتباعه. " لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ".

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ "
هذا خطاب للناس كلهم, مؤمنهم وكافرهم. [فامتن عليهم بأن أمرهم أن يأكلوا من جميع ما في الأرض من حبوب, وثمار, وفواكه, وحيوانات, حالة كونها " حَلَالًا ". أي: محللا لكم تناوله. ليس بغصب ولا سرقة, ولا محصلا بمعاملة محرمة أو على وجه محرم أو معينا على محرم. " طَيِّبًا " أي ليس: بخبيث, كالميتة والدم, ولحم الخنزير, والخبائث كلها. ففي هذه الآية, دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة. أكلا وانتفاعا, وأن المحرم نوعان: إما محرم لذاته, وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب. وإما محرم لما عرض له, وهو المحرم لتعلق حق الله, أو حق عباده به, وهو ضد الحلال. وفيه دليل على أن الأكل بقدر ما يقيم البنية واجب, يأثم تاركه لظاهر الأمر. ولما أمرهم باتباع ما أمرهم به. إذ هو عين صلاحهم, نهاهم عن اتباع " خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ " أي: طرقه التي يأمر بها, وهي جميع العاصى, من كفر, وفسوق, وظلم. [ويدخل في ذلك تحريم السوائب, والحام, ونحو ذلك. ويدخل فيه تناول المأكولات المحرمة. " إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " أي: ظاهر العداوة, فلا يريد بأمركم, إلا غشكم, وأن تكونوا من أصحاب السعير. فلم يكتف ربنا بنهينا عن اتباع خطواته, حتى أخبرنا - وهو أصدق القائلين - بعداوته الداعية للحذر منه, ثم لم يكتف بذلك, حتى أخبرنا بتفصيل ما يأمر به, وأنه أقبح الأشياء, وأعظمها مفسدة فقال:

"إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "
" إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ " أي: الشر الذي يسوء صاحبه, فيدخل في ذلك, جميع المعاصي. فيكون قوله: " وَالْفَحْشَاءِ " من باب عطف الخاص على العام, لأن الفحشاء من المعاصي, ما تناهى قبحه, كالزنا, وشرب الخمر, والقتل, والقذف, والبخل ونحو ذلك, مما يستفحشه من له عقل. " وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " فيدخل في ذلك, القول على الله بلا علم, في شرعه, وقدره. فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه, أو وصفه به رسوله, أو نفى عنه ما أثبته لنفسه, أو أثبت له ما نفاه عن نفسه, فقد قال على الله بلا علم. ومن زعم أن لله ندا, وأوثانا, تقرب من عبدها من الله, فقد قال على الله تعالى بلا علم. ومن قال: إن الله أحل كذا, أو حرم كذا, أو أمر بكذا, أو نهى عن كذا, بغير بصيرة, فقد قال على الله بلا علم. ومن قال: الله خلق هذا الصنف من المخلوقات, للعلة الفلانية بلا برهان له بذلك, فقد قال على الله بلا علم. ومن أعظم القول على الله بلا علم, أن يتأول المتأول كلامه, أو كلام رسوله, على معاني اصطلح عليها طائفة من طوائف الضلال, ثم يقول: إن الله أرادها. فالقول على الله بلا علم, من أكبر المحرمات, وأشملها, وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها, فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده, ويبذلون مكرهم وخداعهم, على إغواء الخلق بما يقدرون عليه. وأما الله تعالى, فإنه يأمر بالعدل والإحسان, وإيتاء ذي القربى, وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي. فلينظر العبد نفسه, مع أي الداعيين, ومن أي الحزبين؟

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ "
أتتبع داعي الله الذي يريد لك الخير والسعادة الدنيوية والأخروية, الذي كل الفلاح بطاعته, وكل الفوز في خدمته, وجميع الأرباح في معاملة المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة, الذي لا يأمر إلا بالخير, ولا ينهى إلا عن الشر. أم تتبع داعي الشيطان, الذي هو عدو الإنسان, الذي يريد لك الشر, ويسعى - بجهده - على إهلاكك في الدنيا والآخرة. الذي كل الشر في طاعته, وكل الخسران في ولايته. والذي لا يأمر إلا بشر, ولا ينهى إلا عن خير. ثم أخبر تعالى عن حال المشركين إذا أمروا باتباع ما أنزل الله على رسوله, مما تقدم وصفه, رغبوا عن ذلك وقالوا. " بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ". فاكتفوا بتقليد الآباء, وزهدوا في الإيمان بالأنبياء. ومع هذا, فآباؤهم أجهل الناس, وأشدهم ضلالا وهذه شبهة لرد الحق, واهية. فهذا دليل على إعراضهم عن الحق, ورغبتهم عنه, وعدم إنصافهم. فلو هدوا, لرشدهم, وحسن قصدهم, لكان الحق هو القصد. ومن جعل الحق قصده, ووازن بينه وبين غيره, تبين له الحق قطعا, واتبعه, إن كان منصفا.

"وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ "
ثم قال تعالى " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ". لما بين تعالى, عدم انقيادهم لما جاءت به الرسل, وردهم لذلك, بالتقليد, وعلم من ذلك أنهم غير قابلين للحق, ولا مستجيبين له, بل كان معلوما لكل أحد أنهم لن يزولوا عن عنادهم - أخبر تعالى, أن مثلهم - عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان - كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها, وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها. فهم يسمعون مجرد الصوت, الذي تقوم به عليهم الحجة, ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم, فلهذا كانوا صما, لا يسمعون الحق سماع فهم وقبول, عميا, لا ينظرون نظر اعتبار, بكما, فلا ينطقون بما فيه خير لهم. والسبب الموجب لذلك كله, أنه ليس لهم عقل صحيح, بل هم أسفه السفهاء, وأجهل الجهلاء. فهل يستريب العاقل, أن من دعى إلى الرشاد, وذيد عن الفساد, ونهى عن اقتحام العذاب, وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه, وفوزه, ونعيمه فعصى الناصح, وتولى عن أمر ربه, واقتحم النار على بصيرة, واتبع الباطل, ونبذ الحق - أن هذا ليس له مسكة من عقل, وأنه لو اتصف بالمكر والخديعة والدهاء, فإنه من أسفه السفهاء.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ "
هذا أمر للمؤمنين خاصة, بعد الأمر العام, وذلك أنهم هم المنتفعون على الحقيقة - بالأوامر والنواهي, بسبب إيمانهم, فأمرهم بأمر الطيبات من الرزق, والشكر لله على إنعامه, باستعمالها بطاعتة, والتقوى بها على ما يوصل إليه. فأمرهم بما أمر به المرسلين في قوله " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ". فالشكر في هذه الآية, هو العمل الصالح. وهنا لم يقل "حلالا" لأن المؤمن أباح الله له الطيبات من الرزق, خالصة من التبعة. ولأن إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له. وقوله " إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " أي: فاشكروه. فدل على أن من لم يشكر الله, لم يعبده وحده, كما أن من شكره, فقد عبده, وأتى بما أمر به. ويدل أيضا على أن أكل الطيب, سبب للعمل الصالح وقبوله. والأمر بالشكر, عقيب النعم, لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة, ويجلب النعم المفقودة. كما أن الكفر, ينفر النعم المفقودة ويزيل النعم الموجودة.

"إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
ولما ذكر تعالى إباحة الطيبات ذكر تحريم الخبائث فقال " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ " وهي: ما مات بغير تذكية شرعية, لأن الميتة خبيثة مضرة, لرداءتها في نفسها, ولأن الأغلب, أن تكون عن مرض, فيكون زيادة مرض. واستثنى الشارع من هذا العموم, ميتة الجراد, وسمك البحر, فإنه حلال طيب. " وَالدَّمَ " أي: المسفوح كما قيد في الآية الأخرى. " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " أي: ذبح لغير الله, كالذي يذبح للأصنام والأوثان, من الأحجار, والقبور ونحوها, وهذا المذكور غير خاص للمحرمات. وجيء به, لبيان أجناس الخبائث المدلول عليها بمفهوم قوله " طَيِّبَاتِ ". فعموم المحرمات, تستفاد من الآية السابقة, من قوله: " حَلَالًا طَيِّبًا " كما تقدم. وإنما حرم علينا هذه الخبائث ونحوها, لطفا بنا, وتنزيها عن المضر. ومع هذا " فَمَنِ اضْطُرَّ " أي: ألجئ إلى المحرم, بجوع وعدم, وإكراه. " غَيْرَ بَاغٍ " أي: غير طالب للمحرم, مع قدرته على الحلال, أو مع عدم جوعه. " وَلَا عَادٍ " أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له, اضطرارا. " فَلَا إِثْمَ " أي: جناح وذنب " عَلَيْهِ ". وإذا ارتفع الإثم, رجع الأمر إلى ما كان عليه. والإنسان بهذه الحالة, مأمور بالأكل, بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة, وأن يقتل نفسه. فيجب, إذا, عليه الأكل, ويأثم إن ترك الأكل حتى مات, فيكون قاتلا لنفسه. وهذه الإباحة والتوسعة, من رحمته تعالى بعباده, فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ". ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين, وكان الإنسان في هذه الحالة, ربما لا يستقصى تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر, أنه غفور, فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال, خصوصا وقد غلبته الضرورة, وأذهبت حواسه المشقة. وفي هذه الآية, دليل على القاعدة المشهورة "الضرورات تبيح المحظورات". فكل محظور, اضطر إليه الإنسان, فقد أباحه له, الملك الرحمن. فله الحمد والشكر, أولا وآخرا, وظاهرا وباطنا.

"إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله, من العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله, أن يبينوه للناس ولا يكتموه. فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي, ونبذ أمر الله, فأولئك. " مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ", لأن هذا الثمن الذي اكتسبوه, إنما حصل لهم بأقبح المكاسب, وأعظم المحرمات, فكان جزاؤهم من جنس عملهم. " وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " بل قد سخط عليهم وأعرض عنهم. فهذا أعظم عليهم من عذاب النار. " وَلَا يُزَكِّيهِمْ " أي: لا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة, وليس لهم أعمال تصلح للمدح والرضا والجزاء عليها. وإنما لم يزكهم لأنهم فعلوا أسباب عدم التزكية التي أعظم أسبابها, العمل بكتاب الله, والاهتداء به, والدعوة إليه.

"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ "
فهؤلاء نبذوا كتاب الله, وأعرضوا عنه, واختاروا الضلالة على الهدى, والعذاب على المغفرة. فهؤلاء لا يصلح لهم إلا النار, فكيف يصبرون عليها, وأنى لهم الجلد عليها؟!!

"ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ "
" ذَلِكَ " المذكور, وهو مجازاته بالعدل, ومنعه أسباب الهداية, ممن أباها واختار سواها. " بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ " ومن الحق, مجازاة المحسن بإحسانه, والمسيء بإساءته. وأيضا ففي قوله: " نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ " ما يدل على أن الله أنزله لهداية خلقه, وتبيين الحق من الباطل, والهدى من الضلال. فمن صرفه عن مقصوده, فهو حقيق بأن يجازى بأعظم العقوبة. " وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ " أي: وإن الذين اختلفوا في الكتاب, فآمنوا ببعضه, وكفروا ببعضه. والذين حرفوه وصرفوه على أهوائهم ومراداتهم " لَفِي شِقَاقٍ " أي: محادة. " بَعِيدٍ " من الحق لأنهم قد خالفوا الكتاب الذي جاء بالحق الموجب للاتفاق وعدم التناقض. فمرج أمرهم, وكثر شقاقهم, وترتب على ذلك افتراقهم. بخلاف أهل الكتاب الذين آمنوا به, وحكموه في كل شيء, فإنهم اتفقوا وارتفقوا بالمحبة والاجتماع عليه. وقد تضمنت هذه الآيات, الوعيد للكاتمين لما أنزل الله, المؤثرين عليه, عرض الدنيا - بالعذاب والسخط, وأن الله لا يطهرهم بالتوفيق, ولا بالمغفرة. وذكر السبب في ذلك وهو إيثارهم الضلالة على الهدى. فترتب على ذلك, اختيار العذاب على المغفرة. ثم توجع لهم بشدة صبرهم على النار, لعملهم بالأسباب التي يعلمون أنها موصلة إليها. وأن الكتاب مشتمل على الحق الموجب للاتفاق عليه, وعلم الافتراق. وأن كل من خالفه, فهو في غاية البعد عن الحق, والمنازعة والمخاصمة, والله أعلم.

"لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "
يقول تعالى: " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " أي: ليس هذا هو البر المقصود من العباد, فيكون كثرة البحث فيه والجدال, من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف. وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم "ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ونحو ذلك. " وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ " أي: بإنه إله واحد, موصوف بكل صفة كمال, منزه عن كل نقص. " وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " وهو كل ما أخبر الله به في كتابه, أو أخبر به الرسول, مما يكون بعد الموت. " وَالْمَلَائِكَةِ " الذين وصفهم الله لنا في كتابه, ووصفهم رسوله صلى الله عليه وسلم. " وَالْكِتَابِ " أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله, وأعظمها القرآن, فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام. " وَالنَّبِيِّينَ " عموما, خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم " وَآتَى الْمَالَ " وهو كل ما يتموله الإنسان من مال, قليلا كان أو كثيرا. أي: أعطى المال " عَلَى حُبِّهِ " أي: حب المال " عَلَى حُبِّهِ " أي: حب المال. بين به أن المال محبوب للنفوس, فلا يكاد يخرجه العبد. فمن أخرجه مع حبه له, تقربا إلى الله تعالى, كان هذا برهانا لإيمانه. ومن إيتاء المال على حبه, أن يتصدق وهو صحيح شحيح, يأمل الغنى, ويخشى الفقر. وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة, كان أفضل, لأنه في هذه الحال, يحب إمساكه, لما يتوهمه من العدم والفقر. وكذلك إخراج النفيس من المال, وما يحبه من ماله كما قال تعالى: " لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ". فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه. ثم ذكر المنفق عليهم, وهم أولى الناس ببرك وإحسانك. من " ذَوِي الْقُرْبَى " الذين تتوجع لمصابهم, وتفرح بسرورهم, الذين يتناصرون ويتعاقلون. فمن أحسن البر وأوفقه, تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي, على حسب قربهم وحاجتهم. " وَالْيَتَامَى " الذين لا كاسب لهم, وليس لهم قوة يستغنون بها. وهذا من رحمته تعالى بالعباد, الدالة على أنه تعالى, أرحم بهم من الوالد بولده. فالله قد أوصى العباد, وفرض عليهم في أموالهم, الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه. ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره, رحمه يتيمه. " وَالْمَسَاكِينِ " وهم الذين أسكنتهم الحاجة, وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء, بما يدفع مسكنتهم أو يخففها, بما يقدرون عليه, وبما يتيسر. " وَابْنَ السَّبِيلِ " وهو الغريب المنقطع به في غير بلده. فحث الله عباده على إعطائه من المال, ما يعينه غلى سفره, لكونه مظنة الحاجة, وكثرة المصارف. فعلى من أنعم الله
عليه بوطنه وراحته, وخوله من نعمته, أن يرحم أخاه الغريب, الذي بهذه الصفة, على حسب استطاعته, ولو بتزويده, أو إعطائه آلة لسفره, أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها. " وَالسَّائِلِينَ " أي: الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج, توجب السؤال. كمن ابتلي بأرش جناية, أو ضريبة عليه من ولاة الأمور, أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة, كالمساجد, والمدارس, والقناطر, ونحو ذلك, فهذا له الحق, وإن كان غنيا " وَفِي الرِّقَابِ " فيدخل فيه العتق والإعانة عليه, وبذل مال للمكاتب, ليوفي سيده, وفداء الأسرى عند الكفار, أو عند الظلمة. " وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ " قد تقدم مرارا, أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة, لكونهما أفضل العبادات, وأكمل القربات, عبادات قلبية, وبدنية, ومالية, وبهما يوزن الإيمان, ويعرف ما مع صاحبه من الإيقاق. " وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا " والعهد, هو, الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه. فدخل في ذلك حقوق الله كلها, لكون الله ألزم بها عباده والتزموها, ودخلوا تحت عهدتها, ووجب عليهم أداؤها, وحقوق العباد, التي أوجبها الله عليهم, والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور, ونحو ذلك. " وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ " أي: الفقر, لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة, لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة, ما لا يحصل لغيره. فإن تنعم الأغنياء, بما لا يقدر عليه, تألم. وإن جاع, أو جاعت عياله, تألم. وإن أكل طعاما, غير موافق لهواه, تألم. وإن عرى, أو كاد, تألم, وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم, وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه, تألم. فكل هذه ونحوها, مصائب, يؤمر بالصبر عليها, والاحتساب, ورجاء الثواب من الله عليها. " وَالضَّرَّاءِ " أي: المرض على اختلاف أنواعه, من حمى, وقروح, ورياح, ووجع عضو, حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك, فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك. لأن النفس تضعف, والبدن, يألم, وذلك في غاية المشقة على النفوس, خصوصا مع تطاول ذلك, فإنه يؤمر بالصبر, احتسابا لثواب الله تعالى. " وَحِينَ الْبَأْسِ " أي: وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم, لأن الجلاد, يشق غاية المشقة على النفس, ويجزع الإنسان من القتل, أو الجراح, أو الأسر, فاحتيج إلى الصبر في ذلك, احتسابا, ورجاء لثواب الله تعالى, الذي منه النصر والمعونة, التي وعدها الصابرين. " أُولَئِكَ " أي: المتصفون بما ذكر, من العقائد الحسنة, والأعمال التي هي آثار الإيمان, وبرهانه ونوره, والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية. فأولئك " الَّذِينَ صَدَقُوا " في إيمانهم, لأن أعمالهم صدقت إيمانهم. " وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " لأنهم تركوا المحظور, وفعلوا المأمور. لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير, تضمنا ولزوما, لأن الوفاء بالعهد, يدخل فيه الدين كله. ومن قام بها, كان بما سواها أقوم, فهؤلاء الأبرار الصادقون المتقون. وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة, من الثواب الدنيوي والأخروي, مما لا يمكن تفصيله في مثل هذا الموضع.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
يمتن تعالى على عباده المؤمنين, بأنه فرض عليهم " الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى " أي: المساواة فيه, وأن يقتل القاتل على الصفة, التي قتل عليها المقتول, إقامة للعدل والقسط بين العباد وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين, فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه - إعانة ولي المقتول, إذا طلب القصاص ويمكنه من القاتل, وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد, ويمنعوا الولي من الاقتصاص, كما عليه عادة الجاهلية, ومن أشبههم من إيواء المحدثين. ثم بين تفصيل ذلك فقال " الْحُرُّ بِالْحُرِّ " يدخل بمنطقوقها, الذكر بالذكر. " وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى " والأنثى بالذكر, والذكر بالأنثى, فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله "الأنثى بالأنثى" مع دلالة السنة, على أن الذكر يقتل بالأنثى. وخرج من عموم هذا, الأبوان وإن علوا. فلا يقتلان بالولد, لورود السنة بذلك. مع أن في قوله " الْقِصَاصُ " ما يدل على أنه ليس من العدل, أن يقتل الوالد بولده. ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة, ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله, أو أذية شديدة جدا من الولد له. وخرج من العموم أيضا, الكافر بالسنة, مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة. وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه. والعبد بالعبد, ذكرا كان أو أنثى, تساوت قيمتهما أو اختلفت. ودل بمفهومها على أن الحر, لا يقتل بالعبد, لكونه غير مساو له. والأنثى بالأنثى, أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة, وتقدم وجه ذلك. وفي هذه الآية, دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل, وأن الدية بدل عنه. فلهذا قال " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ " أي عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية, أو عفا بعض
الألياء, فإنه يسقط القصاص, وتجب الدية, وتكون الخيرة في القود, واختيار الدية إلى الولي. فإذا عفا عنه, وجب على الولي, أي: ولي المقتول أن يتبع القاتل " بِالْمَعْرُوفِ " من غير أن يشق عليه, ولا يحمله ما لا يطيق, بل يحسن الاقتضاء والطلب, ولا يحرجه. وعلى القاتل " وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " من غير مطل ولا نقص, ولا إساءة فعلية أو قولية, فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو, إلا الإحسان بحسن القضاء. وهذا مأمور به في كل ما يثبت في ذمم الناس للإنسان. مأمور من له الحق, بالاتباع بالمعروف. ومن عليه الحق, بالأداء بالإحسان. وفي قوله " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ " ترقيق وحث على العفو إلى الدية. وأحسن من ذلك, العفو مجانا. وفي قوله " أَخِيهِ " دليل على أن القاتل, لا يكفر, لأن المراد بالأخوة هنا, أخوة الإيمان, فلم يخرج بالقتل منها. ومن باب أولى, أن سائر المعاصي, التي هي دون الكفر, ولا يكفر بها فاعلها, وإنما ينقص بذلك إيمانه. وإذا عفا أولياء المقتول, أو عفا بعضهم, احتقن دم القاتل, وصار معصوما منهم ومن غيرهم, ولهذا قال " فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ " أي: بعد العفو " فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " أي: في الآخرة. وأما قتله وعدمه, فيؤخذ مما تقدم, لأنه قتل مكافئا له, فيجب قتله بذلك. وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل, وأن الآية تدل على أنه يتعين قتله, ولا يجوز العفو عنه, وبذلك قال بعض العلماء. والصحيح الأول, لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره.

"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ " أي: تنحقن بذلك الدماء, وتنقمع به الأشقياء, لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل, لا يكاد يصدر منه القتل, وإذا رؤي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره, وانزجر, فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل, لم يحصل انكفاف الشر, الذي يحصل بالقتل. وهكذا سائر الحدود الشرعية, فيها من النكاية والانزجار, ما يدل على حكمة الحكيم الغفار. ونكر "الحياة" لإفادة التعظيم والتكثير. ولما كان هذا الحكم, لا يعرف حقيقته, إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة, خصهم بالخطاب دون غيرهم. وهذا يدل على أن الله تعالى, يحب من عباده, أن يعملوا أفكارهم وعقولهم, في تدبر ما في أحكامه, من الحكم, والمصالح الدالة على كماله, وكمال حكمته وحمده, وعدله ورحمته الواسعة وأن من كان بهذه المثابة, فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب, وناداهم رب الأرباب, وكفى بذلك فضلا, وشرفا, لقوم يعقلون. وقوله " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة, أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله, ويعظم معاصيه, فيتركها, فيستحق بذلك أن يكون من المتقين.

"كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ "
أي فرض الله عليكم, يا معشر المؤمنين " إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ " أي: أسبابه, كالمرض المشرف على الهلاك, وحضور أسباب المهالك. وكان قد " تَرَكَ خَيْرًا " وهو المال الكثير عرفا, فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف, على قدر حاله من غير سرف, ولا اقتصار على الأبعد, دون الأقرب. بل يرتبهم على القرب والحاجة, ولهذا أتى بأفعل التفضيل. وقوله " حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ " دل على وجوب ذلك, لأن الحق هو: الثابت وقد جعله الله من موجبات التقوى. واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث. وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين, مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل. والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة, ردها الله تعالى إلى العرف الجاري. ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث, بعد أن مجملا. وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف, فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره. وهذا القول تتفق عليه الأمة, ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين, لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا, واختلف المورد. فبهذا الجمع, يحصل الاتفاق, والجمع بين الآيات, فإنه أمكن الجمع, كان أحسن من ادعاء النسخ, الذي لم يدل عليه دليل صحيح.

"فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية, لما يتوهمه أن من بعده, قد يبدل ما وصى به قال تعالى. " فَمَنْ بَدَّلَهُ " أي: أي الإيصاء للمذكورين أو غيرهم " بَعْدَمَا سَمِعَهُ " أي: بعد ما عقله, وعرف طرقه وتنفيذه. " فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ " وإلا فالموصي وقع أجره على الله, وإنما الإثم على المبدل المغير. " إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ " يسمع سائر الأصوات, ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته. فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه, وأن لا يجور في وصيته. " عَلِيمٌ " بنيته, وعليم بعمل الموصى إليه. فإذا اجتهد الموصي, وعلم الله من نيته ذلك, أثابه ولو أخطأ. وفيه, التحذير للموصى إليه من التبديل. فإن الله عليم به, مطلع على فعله, فليحذر من الله. هذا حكم الوصية العادلة.

"فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
وأما الوصية التي فيها حيف وجنف, وإثم. فينبغي لمن حضر الموصي وقت الوصية بها, أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل, وأن ينهاه عن الجور. والجنف, وهو: الميل بها عن خطأ, من غير تعمد, والإثم: وهو التعمد لذلك. فإن لم يفعل ذلك, فينبغي له أن يصلح بين الموصى إليهم, ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة, ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم فهذا قد فعل معروفا عظيما, وليس عليهم, كما على مبدل الوصية الجائزة ولهذا قال: " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ " أي: يغفر جميع الزلات, ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه, ومنه مغفرته لمن غض من نفسه, وترك بعض حقه لأخيه, لأن من سامح, سامحه الله. غفور لميتهم الجائر في وصيته, إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضا لأجل براءة ذمته. رحيم بعباده, حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون. فدلت هذه الآيات, على الحث على الوصية, وعلى بيان من هي له, وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة, والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
يخبر تعالى, بما من الله به على عباده, بأنه فرض عليهم الصيام, كما فرضه على الأمم السابقة, لأنه من الشرائع والأوامر, التي هي مصلحة للخلق في كل زمان. وفيه تنشيط لهذه الأمة, بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال, والمسارعة إلى صالح الخصال, وأنه ليس من الأمور الثقيلة, التي اختصصتم بها. ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ". فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى, لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه. فمما اشتمل عليه من التقوى, أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها, التي تميل إليها نفسه, متقربا بذلك إلى الله, راجيا بتركها, ثوابه. فهذا من التقوى. ومنها أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى, فيترك ما تهوى نفسه, مع قدرته عليه, لعلمه باطلاع الله عليه. ومنها أن الصيام يضيق مجاري الشيطان, فإنه يجري من ابن آدم, مجرى الدم, فبالصيام, يضعف نفوذه, وتقل منه المعاصي. ومنها: أن الصائم في الغالب, تكثر طاعته, والطاعات من خصال التقوى. ومنها أن الغني إذا ذاق ألم الجوع, أوجب له ذلك, مواساة الفقراء المعدمين, وهذا من خصال التقوى.

"أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام, أخبر أنه أيام معدودات, أي: قليلة في غاية السهولة. ثم سهل تسهيلا آخر. فقال " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ " وذلك للمشقة, في الغالب, رخص الله لهما, في الفطر. ولما كان لا بد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن, أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض, وانقضى السفر, وحصلت الراحة. وفي قوله " فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ " فيه دليل على أنه يقضي عدد أيام رمضان, كاملا كان, أو ناقصا, وعلى أنه يجوز أن يقضي أياما قصيرة باردة, عن أيام طويلة حارة كالعكس. وقوله " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ " أي: يطيقون الصيام " فِدْيَةٌ " عن كل يوم يفطرونه " طَعَامُ مِسْكِينٍ ". وهذا في ابتداء فرض الصيام, لما كانوا غير معتادين للصيام, وكان فرضه حتما, فيه مشقة عليهم, درجهم الرب الحكيم, بأسهل طريق. وخير المطيق للصوم,, بين أن يصوم, وهو أفضل, أو يطعم. ولهذا قال: " وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ". ثم بعد ذلك, جعل الصيام حتما على المطيق وغير المطيق, يفطر ويقضيه في أيام أخر. وقيل " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ " أي يتكلفونه ويشق عليهم مشقة غير محتملة, كالشيخ الكبير, فدية عن كل يوم, طعام مسكين, وهذا هو الصحيح.

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ " أي: الصوم المفروض عليكم, هو شهر رمضان, الشهر العظيم, الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم. وهو القرآن الكريم, المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية, وتبيين الحق بأوضح بيان, والفرقان بين الحق والباطل, والهدى والضلال, وأهل السعادة وأهل الشقاوة. فحقيق بشهر, هذا فضله, وهذا إحسان الله عليكم فيه, أن يكون موسما للعباد ومفروضا فيه الصيام. فلما قرره, وبين فضيلته, وحكمة الله تعالى في تخصيصه قال: " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ " هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر. ولما كان النسخ للتخيير, بين الصيام والفداء خاصة, أعاد الرخصة للمريض والمسافر, لئلا يتوهم أن الرخصة أيضا منسوخة فقال: " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " أي: يريد الله تعالى, أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه, أعظم تيسير, ويسهلها أبلغ تسهيل. ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله. وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله, سهله تسهيلا آخر, إما بإسقاطه, أو تخفيفه بأنواع التخفيفات. وهذه جملة لا يمكن تفصيلها, لأن تفاصيلها, جميع الشرعيات, ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات. " وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ " وهذا - والله أعلم - لئلا يتوهم متوهم, أن صيام رمضان, يحصل المقصود منه ببعضه, دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته ويشكر الله تعالى عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعبادة, وبالتكبير عند انقضائه, ويدخل في ذلك, التكبير عند رؤية هلال شوال, إلى فراغ خطبة العيد.

"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ "
هذا جواب سؤال سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله, أقريب ربنا فنناجيه, أم بعيد فنناديه؟ فنزل. " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ " لأنه تعالى, الرقيب الشهيد, المطلع على السر وأخفى, يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, فهو قريب أيضا من داعيه, بالإجابة. ولهذا قال " أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ". والدعاء نوعان: دعاء عبادة, ودعاء مسألة. والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه, وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة, والمعونة والتوفيق. فمن دعا ربه بقلب حاضر, ودعاء مشروع, ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء, كأكل الحرام ونحوه, فإن الله قد وعده بالإجابة. وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء, وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية, والإيمان به, الموجب للاستجابة. فلهذا قال: " فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " أي: يحصل لهم الرشد, الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة, ويزول عنهم البغي, المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.

"أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "
ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره, سبب لحصول العلم كما قال تعالى. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ".

"وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم. أضافه إليهم, لأنه ينبعي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, ويحترم ماله, كما يحترم ماله ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة. ولما كان أكلها نوعين: نوعا بحق, ونوعا بباطل, وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل, قيده الله تعالى بذلك. ويدخل بذلك, أكلها على وجه الغضب, والسرقة, والخيانة في وديعة أو عارية, أو نحو ذلك. ويدخل فيه أيضا, أخذها على وجه المعاوضة, بمعاوضة محرمة, كعقود الربا, والقمار كلها, فإنها من أكل المال بالباطل, لأنه ليس في مقابلة عوض مباح. ويدخل في ذلك أخذها, بسبب غش في البيع, والشراء, والإجارة, ونحوها. ويدخل في ذلك, استعمال الأجرار, وأكل أجرتهم. وكذلك أخذهم أجرة على عمل, لم يقوموا بواجبه. ويدخل في ذلك, أخذ الأجرة على العبادات والقربات, التي لا تصح, حتى يقصد بها وجه الله تعالى. ويدخل في ذلك, الأخذ من الزكوات والصدقات, والأوقاف, والوصايا, لمن ليس له حق منها, أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه, من أكل المال بالباطل, فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه. حتى ولو حصل فيه النزاع والارتفاع إلى حاكم الشرع, وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة, غلبت حجة المحق, وحكم له الحاكم بذلك. فإن حكم الحاكم, لا يبيح محرما, ولا يحلل حراما, إنما يحكم على نحو مما يسمع, وإلا فحقائق الأمور باقية. فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة, ولا شبهة, ولا استراحة. فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة, وحكم له بذلك, فإنه لا يحل له, ويكون آكلا لمال غيره, بالباطل والإثم, وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في عقوبته, وأشد في نكاله. وعلى هذا, فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه, لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى " وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا " ثم قال تعالى " أُحِلَّ لَكُمْ " إلى قوله " لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ". كان في أول فرض الصيام, يحرم على المسلمين, الأكل, والشرب, والجماع في الليل بعد النوم, فحصلت المشقة لبعضهم. فخفف الله تعالى عنهم ذلك, وأباح في ليالي الصيام كلها, الأكل, والشرب, والجماع. سواء نام أو لم ينم, لكونهم يختانون أنفسهم, بترك بعض ما أمروا به. " فَتَابَ " الله " عَلَيْكُمْ " بأن وسع لكم أمرا كان - لولا توسعته - موجبا للإثم " وَعَفَا عَنْكُمْ " ما سلف من التخون. " فَالْآنَ " بعد هذه الرخصة والسعة من الله " بَاشِرُوهُنَّ " وطئا وقبلة ولمسا وغير ذلك. " وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ " أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم, التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء, وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه, وفرج زوجته, وحصول مقاصد النكاح. ومما كتب الله لكم ليلة القدر, الموافقة لليالي صيام رمضان فلا ينبغي لكم, أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها, وتضيعوها. فاللذة مدركة, وليلة القدر - إذا فاتت - لم تدرك. " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ " هذا غاية للأكل والشرب والجماع. وفيه أنه إذا أكل ونحوه, شاكا في طلوع الفجر, فلا بأس عليه. وفيه دليل على استحباب السحور, للأمر, وأنه يستحب تأخيره, أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد. وفيه أيضا, دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر, وهو جنب من الجماع, قبل أن يغتسل, ويصح صيامه, لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر, أن يدركه الفجر وهو جنب, ولازم الحق حق. " ثُمَّ " إذا طلع الفجر " أَتِمُّوا الصِّيَامَ " أي: الإمساك عن المفطرات " إِلَى اللَّيْلِ " وهو غروب الشمس. ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام, ليست إباحة عامة لكل أحد, فإن المعتكف لا يحل له ذلك, استثناه بقوله. " وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ " أي: وأنتم متصفون بذلك. ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف, وهو لزوم المسجد, لطاعة الله تعالى, وانقطاعا إليه وأن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد. ويستفاد من تعريف المساجد, أنها المساجد المعروفة عندهم, وهي التي تقام فها الصلوات الخمس. وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف. تلك المذكورات - وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام, وتحريم الفطر على غير المحذور, وتحريم الوطء على المعتكف ونحو ذلك من المحرمات " حُدُودُ اللَّهِ " التي حدها لعباده, ونهاهم عنها فقال: " فَلَا تَقْرَبُوهَا " أبلغ من قوله "فلا تفعلوها" لأن القربان, يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه, والنهي عن وسائله الموصلة إليه. والعبد مأمور بترك المحرمات, والبعد منها, غاية ما يمكنه, وترك كل سبب يدعو إليه. وأما الأوامر فيقول الله فيها "تلك حدود الله فلا تعتدوها" فنهى عن مجاوزتها. " كَذَلِكَ " أي: يبين الله لعباده الأحكام السابقة, أتم تبيين, وأوضحها لهم, أكمل إيضاح. " يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " فإنهم إذا بان لهم الحق, اتبعوه وإذا تبين لهم الباطل, اجتنبوه. فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم, ولو علم تحريمه لم يفعله. فإذا بين الله للناس آياته, لم يبق لهم عذر ولا حجة, فكان ذلك سببا للتقوى. أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم. أضافه إليهم, لأنه ينبعي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, ويحترم ماله, كما يحترم ماله ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة. ولما كان أكلها نوعين: نوعا بحق, ونوعا بباطل, وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل, قيده الله تعالى بذلك. ويدخل بذلك, أكلها على وجه الغضب, والسرقة, والخيانة في وديعة أو عارية, أو نحو ذلك. ويدخل فيه أيضا, أخذها على وجه المعاوضة, بمعاوضة محرمة, كعقود الربا, والقمار كلها, فإنها من أكل المال بالباطل, لأنه ليس في مقابلة عوض مباح. ويدخل في ذلك أخذها, بسبب غش في البيع, والشراء, والإجارة, ونحوها. ويدخل في ذلك, استعمال الأجرار, وأكل أجرتهم. وكذلك أخذهم أجرة على عمل, لم يقوموا بواجبه. ويدخل في ذلك, أخذ الأجرة على العبادات والقربات, التي لا تصح, حتى يقصد بها وجه الله تعالى. ويدخل في ذلك, الأخذ من الزكوات والصدقات, والأوقاف, والوصايا, لمن ليس له حق منها, أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه, من أكل المال بالباطل, فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه. حتى ولو حصل فيه النزاع والارتفاع إلى حاكم الشرع, وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة, غلبت حجة المحق, وحكم له الحاكم بذلك. فإن حكم الحاكم, لا يبيح محرما, ولا يحلل حراما, إنما يحكم على نحو مما يسمع, وإلا فحقائق الأمور باقية. فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة, ولا شبهة, ولا استراحة. فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة, وحكم له بذلك, فإنه لا يحل له, ويكون آكلا لمال غيره, بالباطل والإثم, وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في عقوبته, وأشد في نكاله. وعلى هذا, فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه, لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى " وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا "

"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
فقوله تعالى " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ " جمع - هلال - ما فائدتها وحكمتها, أو عن ذاتها. " قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ " أي جعلها الله تعالى, بلطفه ورحمته, على هذا التدبير. يبدو الهلال ضعيفا في أول الشهر, ثم يتزايد إلى نصفه, ثم يشرع في النقص إلى كماله, وهكذا, ليعرف الناس بذلك, مواقيت عباداتهم, من الصيام, وأوقات الزكاة, والكفارات, وأوقات الحج. ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات, ويستغرق أوقاتا كثيرة قال: " وَالْحَجِّ " وكذلك تعرف بذلك, أوقات الديون المؤجلات, ومدة الإجارات, ومدة العدد والحمل, وغير ذلك, مما هو من حاجات الخلق. فجعله تعالى, حسابا, يعرفه كل أحد, من صغير, وكبير, وعالم, وجاهل. فلو كان الحساب بالسنة الشمسية, لم يعرفه إلا النادر من الناس. " وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا " وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب, إذا أحرموا, لم يدخلوا البيوت من أبوابها, تعبدا بذلك, وظنا أنه بر. فأخبر تعالى, أنه ليس من البر, لأن الله تعالى, لم يشرعه لهم. وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله, فهو متعبد ببدعة. وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم, التي هي قاعدة من قواعد الشرع. ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور, أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب, الذي قد جعل له موصلا. فالآمر بالمعروف, والناهي عن المنكر, ينبغي أن ينظر في حالة المأمور, ويستعمل معه الرفق والسياسة, التي بها يحصل المقصود أو بعضه. والمتعلم والمعلم, ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله, يحصل به مقصوده. وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور وأتاه من أبوابه, وثابر عليه, فلا بد أن يحصل له المقصود, بعون الملك المعبود. " وَاتَّقُوا اللَّهَ " هذا هو البر, الذي أمر الله به, وهو لزوم تقواه على الدوام, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, فإنه سبب للفلاح, الذي هو الفوز بالمطلوب, والنجاة من المرهوب. فمن لم يتق الله تعالى, لم يكن له سبيل إلى الفلاح, ومن اتقاه, فاز بالفلاح والنجاح.

"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "
هذه الآيات, تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله, وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة, لما قوى المسلمون للقتال, أمرهم الله به, بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم. وفي تخصيص القتال " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " حث على الإخلاص, ونهى عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين. " الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ " أي. الذين هم مستعدون لقتالكم, وهم المكلفون الرجال, غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء, يشمل أنواع الاعتداء كلها, من قتل من لا يقاتل, من النساء, والمجانين والأطفال, والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى, وقتل الحيوانات, وقطع الأشجار ونحوها, لغير مصلحة تعود للمسلمين. ومن الاعتداء, مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها, فإن ذلك لا يجوز.

"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ "
" وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " هذا أمر بقتالهم, أينما وجدوا في كل وقت, وفي كل زمان قتال مدافعة, وقتال مهاجمة. ثم استثنى من هذا العموم قتالهم " عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " وأنه لا يجوز إلا أن يبدأوا بالقتال, فإنهم يقاتلون, جزاء لهم على اعتدائهم.

"فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
وهذا مستمر في كل وقت, حتي ينتهوا عن كفرهم فيسلموا, فإن الله يتوب عليهم, ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله, والشرك في المسجد الحرام, وصد الرسول والمؤمنين عنه وهذا من رحمته وكرمه بعباده.

"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ "
ولما كان القتال عند المسجد الحرام, يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام, أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك, والصد عن دينه, أشد من مفسدة القتل, فليس عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم. ويستدل من هذه الآية - على القاعدة المشهورة - وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين, لدفع أعلاهما. ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله, وأنه ليس المقصود به, سفك دماء الكفار, وأخذ أموالهم. ولكن المقصود به أن " وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ " تعالى, فيظهر دين الله تعالى, على سائر الأديان, ويدفع كل ما يعارضه, من الشرك وغيره, وهو المراد بالفتنة. فإذا حصل هذا المقصود, فلا قتل ولا قتال. " فَإِنِ انْتَهَوْا " عن قتالكم عند المسجد الحرام " فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " أي: فليس عليهم منكم اعتداء, إلا من ظلم منهم, فإنه يستحق المعاقبة, بقدر ظلمه.

"الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ "
يقول تعالى: " الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ", يحتمل أن يكون المراد به, ما وقع من صد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية, عن الدخول لمكة, وقاضوهم على دخولها من قابل, وكان الصد والقضاء في شهر حرام, وهو ذو القعدة, فيكون هذا بهذا. فيكون فيه, تطييب لقلوب الصحابة, بتمام نسكهم, وكماله. ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام, فقد قاتلوكم فيه, وهم المعتدون, فليس عليكم في ذلك حرج. وعلى هذا فيكون قوله: " وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " من باب عطف العام على الخاص. أي: كل شيء يحترم من شهر حرام, أو بلد حرام, أو إحرام, أو ما هو أعم من ذلك, جميع ما أمر الشرع باحترامه, فمن تجرأ عليها, فإنه يقتص منه. فمن قاتل في الشهر الحرام, قوتل. ومن هتك البلد الحرام, أخذ منه الحد, ولم يكن له حرمة. ومن قتل مكافئا له قتل به, ومن جرحه أو قطع عضوا, منه, اقتص منه. ومن أخذ مال غيره المحترم, أخذ منه بدله. ولكن هل لصاحب الحق, أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء, الراجح من ذلك, أنه, إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف, إذا لم يقره غيره, والزوجة, والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة من الإنفاق عليه,, فإنه يجوز أخذه من ماله. وإن كان السبب خفيا, كمن جحد دين غيره, أو خانه في وديعة, أو سرق منه ونحو ذلك, فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له, جمعا بين الأدلة, ولهذا قال تعالى, توكيدا وتقوية لما تقدم: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ". هذا تفسير لصفة المقاصة, وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي. ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي, أمر تعالى بلزوم تقواه, التي هي الوقوف عند حدوده, وعدم تجاوزها, وأخبر تعالى أنه " مَعَ الْمُتَّقِينَ " أي: بالعون, والنصر, والتأييد, والتوفيق. ومن كان الله معه, حصل له السعادة الأبدية. ومن لم يلزم التقوى, تخلى عنه وليه, وخذله, فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.

"وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله, وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله. وهي كل طرق الخير, من صدقة على مسكين, أو قريب, أو إنفاق على من تجب مؤنته. وأعظم ذلك, وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله. فإن النفقة فيه, جهاد بالمال, وهو فرض كالجهاد بالبدن. وفيها من المصالح العظيمة, الإعانة على تقوية المسلمين, وتوهين الشرك وأهله, وعلى إقامة دين الله وإعزازه. فالجهاد في سبيل الله, لا يقوم إلا على ساق النفقة. فالنفقة له, كالروح, لا يمكن وجوده بدونها. وفي ترك الإنفاق في سبيل الله, إبطال للجهاد, وتسليط للأعداء, وشدة تكالبهم. فيكون قوله تعالى: " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " كالتعليل لذلك. والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: لترك ما أمر به العبد, إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح. وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح, فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة. فمن ذلك, ترك الجهاد في سبيل الله, أو النفقة فيه, الموجب لتسلط الأعداء. ومن ذلك, تغرير الإنسان بنفسه, في مقاتلة, أو سفر مخوف, أو محل مسبعة أو حيات, أو يصعد شجرا, أو بنيانا خطرا, أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك. فهذا ونحوه, ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن ذلك الإقامة على معاصي الله, واليأس من التوبة. ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض, التي في تركها هلاك للروح والدين. ولما كانت النفقة في سبيل الله, نوعا من أنواع الإحسان, أمر بالإحسان عموما فقال: " وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان, لأنه لم يقيده بشيء دون شيء. فيدخل فيه, الإحسان بالمال كما تقدم. ويدخل فيه, الإحسان بالجاه, بالشفاعات ونحو ذلك. ويدخل في ذلك, الإحسان بالأمر المعروف, والنهي عن المنكر, وتعليم العلم النافع. ويدخل في ذلك, قضاء حوائج الناس, من تفريج كرباتهم, وإزالة شدائدهم, وعيادة مرضاهم, وتشييع جنائزهم, وإرشاد ضالهم, وإعانة من يعمل عملا, والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك, مما هو من الإحسان الذي أمر الله به. ويدخل في الإحسان أيضا, الإحسان في عبادة الله تعالى, وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. "أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه, فإنه يراك". فمن اتصف بهذه الصفات, كان من الذين قال الله فيهم " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ " وكان الله معه يسدده ويرشده, ويعينه على كل أموره.

"وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "
ولما فرغ تعالى من ذكر أحكام الصيام والجهاد, ذكر أحكام الحج فقال: " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ " الآية. يستدل بقوله " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ " على أمور: أحدها, وجوب الحج والعمرة, وفرضيتهما. الثاني: وجوب إتمامهما, بأركانهما, وواجباتهما, التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله "خذوا عني مناسككم". الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة الرابع: أن الحج والعمرة, يجب إتمامهما بالشروع فيهما, ولو كانا نقلا. الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما, وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما " لِلَّهِ " تعالى. السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما, بشيء من الأشياء حتى يكملهما, إلا بما استثناه الله, وهو الحصر, فلهذا قال: " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ " أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما, بمرض, أو ضلالة, أو عدو, ونحو ذلك من أنواع الحصر, الذي هو المنع. " فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ " أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي, وهو سبع بدنة, أو سبع بقرة, أو شاة يذبحها المحصر, ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لما صدهم المشركون عام الحديبية. فإن لم يجد الهدي, فليصم بدله, عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل. ثم قال تعالى " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ". وهذا من محظورات الإحرام, إزالة الشعر, بحلق أو غيره, لأن المعنى واحد من الرأس, أو من البدن, لأن المقصود من ذلك, حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته, وهو موجود في بقية الشعر. وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر, تقليم الأظفار بجامع الترفه. ويستمر المنع مما ذكر, حتى يبلغ الهدي محله, وهو يوم النحر. والأفضل, أن يكون الحلق بعد النحر, كما تدل عليه الآية. ويستدل بهذه الآية, على أن المتمتع إذا ساق الهدي, لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر. فإذا طاف وسعى للعمرة, أحرم بالحج, ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي. وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك, لما فيه من الذل والخضوع لله, والانكسار له, والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد, وليس عليه في ذلك من ضرر. فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض, ينتفع بحلق رأسه له, أو قروح, أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه, ولكن يكون عليه فدية, من صيام ثلاثة أيام, أو إطعام ستة مساكين, أو نسك ما يجزى في أضحية, فهو مخير. والنسك أفضل, فالصدقة, فالصيام. ومثل هذا, كل ما كان في معنى ذلك, من تقليم الأظفار, أو تغطية الرأس, أو لبس المخيط, أو الطيب, فإنه يجوز عند الضرورة, مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع, إزالة ما به يترفه. ثم قال تعالى " فَإِذَا أَمِنْتُمْ " أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره. " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ " بأن توصل بها إليه, وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها. " فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ " أي: فعليه ما تيسر من الهدي, وهو ما يجزى في أضحية. وهذا دم نسك, مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة, ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة, بعد فراغ العمرة, وقبل الشروع في الحج. ومثلها, القرآن لحصول النسكين له. ويدل مفهوم الآية, على أن المفرد للحج, ليس عليه هدي. ودلت الآية, على جواز, بل فضيلة المتعة, وعلى جواز فعلها في أشهر الحج. " فَمَنْ لَمْ يَجِدْ " أي الهدي أو ثمنه " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ". أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة, وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر, أيام رمي الجمار, والمبيت بـ "منى". ولكن الأفضل منها, أن يصوم السابع, والثامن, والتاسع. " وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ " أي: فرغتم من أعمال الحج, فيجوز فعلها في مكة, وفي الطريق, وعند وصوله إلى أهله. " ذَلِكَ " المذكور من وجوب الهدي على المتمتع. " لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " بأن كان عند مسافة قصر فأكثر, أو بعيدا عند عرفات, فهذا الذي يجب عليه الهدي, لحصول النسكين له في سفر واحد. وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام, فليس عليه هدي, لعدم الموجب لذلك. " وَاتَّقُوا اللَّهَ " أي: في جميع أموركم, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه. ومن ذلك, امتثالكم, لهذه المأمورات, واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية. " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " أي: لمن عصاه, وهذا هو الموجب للتقوى, فإن من خاف عقاب الله, انكف عما يوجب العقاب. كما أن من رجا ثواب الله, عمل لما يوصله إلى الثواب. ومن لم يخف العقاب, ولم يرج الثواب, اقتحم المحارم, وتجرأ على ترك الواجبات.

"الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ "
يخبر تعالى أن " الْحَجَّ " واقع في " أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ " عند المخاطبين, مشهورات, بحيث لا تحتاج إلى تخصيص. كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره, وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس. وأما الحج, فقد كان من ملة إبراهيم, التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم. والمراد بالأشهر المعلومات عند الجمهور, شوال, وذو القعدة, وعشر من ذي الحجة, فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا. " فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ " أي: أحرم به, لأن الشروع فيه. يصيره فرضا, ولو كان نفلا. واستدل بهذه الآية, الشافعي ومن تابعه, على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره. قلت لو قيل: فيها دلالة لقول الجهور, بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريبا. فإن قوله " فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ " دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة وقد لا يقع فيها, وإلا لم يقيده. وقوله " فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ " أي: يجب أن تعظموا الإحرام بالحج, وخصوصا, الواقع في أشهره, وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه, من الرفث وهو: الجماع ومقدماته الفعلية والقولية, خصوصا عند النساء, بحضرتهن. والفسوق وهو: جميع المعاصي, ومنها محظورات الإحرام. والجدال, وهو: المماراة والمنازعة والمخاصة, لكونها تثير الشر, وتوقع العداوة. والمقصود من الحج, الذل والانكسار لله, والتقرب إليه بما أمكن من القربات, والتنزه عن مقارفة السيئات, فإنه بذلك, يكون مبرورا والمبرور, ليس له جزاء إلا الجنة. وهذه الأشياء, وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان, فإنه يتغلظ المنع عنها في الحج. واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر. ولهذا قال تعالى " وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ". [أتى بـ "من" للتنصيص على العموم فكل خير وقربة وعبادة, داخل في ذلك. أي: فإن الله به عليم, وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير, خصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة, فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها, من صلاة, وصيام, وصدقة, وطواف, وإحسان قولي وفعلي. ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك, فإن التزود فيه, الاستغناء عن المخلوقين, والكف عن أموالهم, سؤالا واستشرافا. وفي الإكثار منه, نفع وإعانة للمسافرين, وزيادة قربة لرب العالمين. وهذا الزاد الذي المراد منه, إقامة البنية - بلغة ومتاع. وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه, في دنياه, وأخراه, فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار, وهو الموصل لأكمل لذة, وأجل نعيم دائما أبدا. ومن ترك هذا الزاد, فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر, وممنوع من الوصول إلى دار المتقين. فهذا مدح للتقوى. ثم أمر بها أولي الألباب فقال " وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ". أي: يا أهل العقول الرزينة, اتقوا ربكم, الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول, وتركها دليل على الجهل, وفساد الرأي.

"لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ "
لما أمر تعالى بالتقوى, أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره, ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج, وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله, لا منسوبا إلى حذق العبد, والوقوف مع السبب, ونسيان المسبب, فإن هذا هو الحرج بعينه. وفي قوله " فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ " دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة, وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج. فالإفاضة من عرفات, لا تكون إلا بعد الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام, وهو المزدلفة, وذلك أيضا معروف, يكون ليلة النحر بائتا بها, وبعد صلاة الفجر, يقف في المزدلفة داعيا, حتى يسفر جدا, ويدخل في ذكر الله عنده, إيقاع الفرائض والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة, متأخر عن الوقوف بعرفة, كما تدل عليه الفاء والترتيب. الرابع, والخامس: أن عرفات ومزدلفة, كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها, وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم, كما قيده بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل, كما هو مفهوم التقييد بـ "مزدلفة". " وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ " أي: اذكروا الله تعالى, كما من عليكم بالهداية بعد الضلال, وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فهذه من أكبر النعم, التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان.

"ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
" ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ " أي: ثم أفيضوا من مزدلفة, من حيث أفاض الناس, من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن. والمقصود من هذه الإفاضة, كان معروفا عندهم, وهو رمي الجمار, وذبح الهدايا, والطواف, والسعي, والمبيت بـ "منى" ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك.

"فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ "
ولما كانت هذه الإفاضة, يقصد بها ما ذكر, والمذكورات آخر المناسك, أمر تعالى عند الفراغ منها, باستغفاره والإكثار من ذكره. فالاستغفار للخلل الواقع من العبد, في أداء عبادته وتقصيره فيها. وذكر الله, شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة. وهكذا ينبغي للعبد, كلما فرغ من عبادة, أن يستغفر الله عن التقصير, ويشكره على التوفيق, لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة, ومن بها على ربه, وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة, فهذا حقيق بالمقت, ورد الفعل. كما أن الأول, حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق, وأن الجميع يسألونه مطالبهم, ويستدفعونه ما يضرهم, ولكن مقاصدهم تختلف. فمنهم " مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا " أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته, وليس له في الآخرة من نصيب, لرغبته عنها, وقصر همته على الدنيا. ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين, ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه. وكل من هؤلاء وهؤلاء, لهم نصيب من كسبهم وعملهم, وسيجازيهم تعالى, على حسب أعمالهم, وهماتهم ونياتهم, جزاء دائرا بين العدل والفضل, يحمد عليه أكمل حمد وأتمه. وفي هذه الآية, دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع, مسلما أو كافرا, أو فاسقا. ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه, دليلا على محبته له وقربه منه, إلا في مطالب الآخرة, ومهمات الدين. والحسنة المطلوبة في الدنيا, يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد, من رزق هني واسع حلال, وزوجة صالحة, وولد تقر به العين, وراحة, وعلم نافع, وعمل صالح, ونحو ذلك, من المطالب المحبوبة والمباحة. وحسنة الآخرة, هي السلامة من العقوبات, في القبر, والموقف, والنار, وحصول رضا الله, والفوز بالنعيم المقيم, والقرب من الرب الرحيم. فصار هذا الدعاء, أجمع دعاء وأكمله, وأولاه بالإيثار, ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به, والحث عليه.

"وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ "
يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات, وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد, لمزيتها وشرفها, وكون بقية المناسك تفعل بها, ولكون الناس أضيافا لله فيها, ولهذا حرم صيامها. فللذكر فيها مزية, ليست لغيرها, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "أيام التشريق, أيام أكل وشرب, وذكر الله". ويدخل في ذكر الله فيها, ذكره عند رمي الجمار, وعند الذبح, والذكر المقيد عقب الفرائض. بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق, كالعشر, وليس ببعيد. " فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ " أي خرج من "منى" ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني. " فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ " بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد " فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ " وهذا تخفيف من الله تعالى على عباده, في إباحة كلا, الأمرين. ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين, فالمتأخر أفضل, لأنه أكثر عبادة. ولما كان نفي الحرج, قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره, والحال أن الحرج منفي عن المتقدم والمتأخر فقط - قيده بقوله. " لِمَنِ اتَّقَى " أي: اتقى الله في جميع أموره, وأحوال الحج. فمن اتقى الله في كل شيء, حصل له نفي الحرج في كل شيء. ومن اتقاه في شيء دون شيء, كان الجزاء من جنس العمل. " وَاتَّقُوا اللَّهَ " بامتثال أوامره واجتناب معاصيه. " وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " فمجازيكم بأعمالكم. فمن اتقاه, وجد جزاء التقوى عنده, ومن لم يتقه, عاقبه أشد العقوبة. فالعلم بالجزاء, من أعظم الدواعي لتقوى الله, فلهذا حث تعالى, على العلم بذلك.

"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ "
لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره, وخصوصا في الأوقات الفاضلة, الذي هو خير مصلحة وبر, أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله, فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " أي: إذا تكلم, راق كلامه للسامع. وإذا نطق, ظنته يتكلم بكلام نافع, ويؤكد ما يقول بأنه " وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ " بأن يخبر أن الله يعلم, أن ما في قلبه موافق لما نطق به, وهو كاذب في ذلك, لأنه يخالف قوله فعله. فلو كان صادقا, لتوافق القول والفعل, كحال المؤمن غير المنافق, ولهذا قال: " وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ " أي: إذا خاصمته, وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب, وما يترتب على ذلك, ما هو من مقابح الصفات, ليس كأخلاق المؤمنين, الذين جعلوا السهولة مركبهم, والانقياد للحق وظيفتهم, والسماحة سجيتهم.

"وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ "
" وَإِذَا تَوَلَّى " هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك " سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا " أي: يجتهد على أعمال المعاصي, التي هي إفساد في الأرض " وَيُهْلِكَ " بسبب ذلك " الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " فالزروع والثمار والمواشي, تتلف وتنقص, وتقل بركتها, بسبب العمل في المعاصي. " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ " فإذا كان لا يحب الفساد, فهو يبغض العبد المفسد في الأرض, غاية البغض, وإن قال بلسانه قولا حسنا. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص, ليست دليلا على صدق ولا كذب, ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها, المزكى لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود, والمحق والمبطل من الناس, ببر أعمالهم, والنظر لقرائن أحوالهم, وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم.

"وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ "
ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف. " أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ " فيجمع يين العمل بالمعاصي والتكبر على الناصحين. " فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ " التي هي دار العاصين والمتكبرين. " وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ " أي: المستقر والمسكن, عذاب دائم, وهم لا ينقطع, ويأس مستمر, لا يخفف عنهم العذاب, ولا يرجون الثواب, جزاء لجنايتهم ومقابلة لأعمالهم. فعياذا بالله, من أحوالهم.

"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ "
معاني المفردات. قال في الصحاح: شريت الشيء أشريه شراء: إذا بعته وإذا اشتريته أيضا, وهو من الأضداد. قال الله تعالى " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ " أي: يبيعها. وقال تعالى: " وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ " أي: باعوه ا هـ ومثله في القاموس. هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان الرومي حين أراده المشركون على ترك الإسلام, كما رواه ابن عباس وأنس, وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة غيرهم. وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة, منعه الناس أن يهاجر بماله, وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر: فعل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله, فأنزل الله فيه هذه الآية. فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة, إلى طرف الحرة, فقالوا له: ربح البيع ربح البيع. فقال: وأنتم, فلا أخسر الله تجارتكم, وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له "ربح البيع صهيب". وحدث أبو عثمان النهدي عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب, قدمت إلينا ولا مال لك, وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدا. فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم. فدفعت إليهم مالي, فخلوا عني, فحرجت حتى قدمت المدينة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ربح صهيب ربح صهيب" مرتين. وقال حماد بن سلمة, عن علي بن يزيد, عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم, فاتبعه نفر من قريش. فنزل عن راحلته, ونثل ما في كنانته, ثم قال: يا معشر قريش, قد علمتم أني من أرماكم رجلا. وأنتم - والله - لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي, ثم أضرب بسيفي, ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم. وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة, وخليتم سبيلي, قالوا له: نعم. فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ربح البيع" قال: ونزلت ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد. وأما الأكثرون, فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ". ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين, أنكر عليه بعض الناس. فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما, وتلوا هذه الآية. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد ا هـ. من تفسير ابن كثير بتصرف يسير.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ "
هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا " فِي السِّلْمِ كَافَّةً " أي: في جميع شرائع الدين, ولا يتركوا منها شيئا, وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه, إن وافق الأمر المشروع هواه فعله, وإن خالفه, تركه. بل الواجب, أن يكون الهوى, تبعا للدين, وأن يفعل كل ما يقدر عليه, من أفعال الخير, وما يعجز عنه, يلتزمه وينويه, فيدركه بنيته. ولما كان الدخول في السلم كافة, لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال: " وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ " أي: في العمل بمعاصي الله " إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " ظاهر العداوة. والعدو المبين, لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء, وما به الضرر عليكم.

"فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل, قال تعالى " فَإِنْ زَلَلْتُمْ " أي أخطأتم ووقعتم في الذنوب. " مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ " أي: على علم ويقين " فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ". وفيه من الوعيد الشديد, والتخويف, ما يوجب ترك الزلل, فإن العزيز المقام الحكيم, إذا عصاه العاصي, قهره بقوته, وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته, تعذيب العصاة والجناة. وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد, ما تنخلع له القلوب.

"هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ "
يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض, المتبعون لخطوات الشيطان, النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال, الذي قد حشى من الأهوال والشدائد والفظائع, ما يقلقل قلوب الظالمين, ويحيق به الجزاء السيئ على المفسدين. وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض, وتنتثر الكواكب, وتكور الشمس والقمر, وتنزل الملائكة الكرام, فتحيط بالخلائق, وينزل الباري تبارك وتعالى " فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ " ليفصل بين عباده بالقضاء العدل. فتوضع الموازين, وتنشر الدواوين, وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة, ويتميز أهل الخير من أهل الشر. وكل يجازى بعمله. فهنالك يعض الظالم على يديه, إذا علم حقيقة ما هو عليه. وهذه الآية وما أشبهها, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, المثبتين للصفات الاختيارية, كالاستواء, والنزول, والمجيء, ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى, عن نفسه, وأخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم. فيثبتونها لمعانيها على وجه يليق بجلال الله وعظمته, من غير تشبيه ولا تحريف. ولا تعطيل. خلافا للمعطلة, على اختلاف أنواعهم, من الجهمية, والمعتزلة, والأشعرية ونحوهم, ممن ينفي هذه الصفات, ويتأول - لأجلها - الآيات بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان, بل حقيقتها, القدح في بيان الله وبيان رسوله, والزعم بأن كلامهم, هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب. فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي, بل ولا دليل عقلي. أما النقلي, فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة, ظاهرها, بل صريحها, دال على مذهب أهل السنة والجماعة, وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل, أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص. وهذا كما ترى, لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وأما العقل, فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات. بل العقل دل على أن الفاعل, أكمل من الذي لا يقدر على الفعل, وأن فعله تعالى, المتعلق بنفسه, والمتعلق بخلقه, هو كمال. فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه. قيل لهم: الكلام على الصفات, يتبع الكلام على الذات. فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات, فلله صفات لا تشبهها الصفات. فصفاته تبع لذاته, وصفات خلقه, تبع لذواتهم, فليس في إثباتها, ما يقتضي التشبيه بوجه. ويقال أيضا, لمن أثبت بعض الصفات, ونفى بعضا, أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه, وأثبته رسوله. وإما أن تنفي الجميع, وتكون منكرا لرب العالمين. وأما إثباتك بعض ذلك, ونفيك لبعضه, فهذا تناقض. ففرق بين ما أثبته, وبين ما نفيته, ولن تجد إلى الفرق سبيلا. فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها. قال لك أهل السنة والإثبات: لما نفيته لا يقتضي تشبيها. فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه. قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه. فما أجبت به النفاة, أجابك به أهل السنة, لما نفيته. والحاصل أن من نفى شيئا, مما دل الكتاب والسنة على إثباته, فهو متناقض, لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي, بل قد خالف المعقول والمنقول.

"سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "
بقول تعالى: " سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ " تدل على الحق, وعلى صدق الرسل, فتيقنوها وعرفوها, فلم يقوموا بشكر هذه النعمة, التي تقتضي القيام بها. بل كفروا بها, وبدلوا نعمة الله كفرا, فلهذا استحقوا أن ينزل الله عليهم عقابه ويحرمهم من ثوابه. وسمى الله تعالى كفر النعمة تبديلا لها, لأن من أنعم الله عليه نعمة دينية أو دنيوية, فلم يشكرها, ولم يقم بواجبها, اضمحلت عنه وذهبت, وتبدلت بالكفر والمعاصي, فصار الكفر بدل النعمة. وأما من شكر الله تعالى, وقام بحقها, فإنها تثبت وتستمر, ويزيده الله منها.

"زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "
يخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله, ولم ينقادوا لشرعه, أنهم زينت لهم الحياة الدنيا. فزينت في أعينهم وقلوبهم, فرضوا بها, واطمأنوا بها فصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها, فأقبلوا عليها, وأكبوا على تحصيلها, وعظموها, وعظموا من شاركهم في صنيعهم, واحتقروا المؤمنين, واستهزأوا بهم وقالوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ وهذا من ضعف عقولهم ونظرهم القاصر, فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان, وسيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران. بل المؤمن في الدنيا, وإن ناله مكروه, فإنه يصبر ويحتسب, فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره, ما لا يكون لغيره. وإنما الشأن كل الشأن, والتفضيل الحقيقي, في الدار الباقية, فلهذا قال تعالى: " وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فيكون المتقون في أعلى الدرجات, متمتعين بأنواع النعيم والسرور, والبهجة والحبور. والكفار تحتهم في أسفل الدركات, معذبين بأنواع العذاب والإهانة, والشقاء السرمدي, الذي لا منتهى له. ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين, ونعي على الكافرين. ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية, لا تحصل إلا بتقدير الله, ولن تنال إلا بمشيئة الله قال تعالى: " وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " فالرزق الدنيوي, يحصل للمؤمن والكافر. وأما رزق القلوب من العلم والإيمان, ومحبة الله, وخشيته ورجائه ونحو ذلك, فلا يعطيها إلا من يحبه.

"كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "
أي: كان الناس مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء, ليس لهم نور ولا إيمان. فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم " مُبَشِّرِينَ " من أطاع الله بثمرات الطاعات, من الرزق, والقوة في البدن والقلب, والحياة الطيبة, وأعلى ذلك, الفوز برضوان الله والجنة. " وَمُنْذِرِينَ " من عصى الله, بثمرات المعصية, من حرمان الرزق, والضعف, والإهانة, والحياة الضيقة, وأشد ذلك, سخط الله والنار. " وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ " وهو الإخبارات الصادقة, والأوامر العادلة. فكل ما اشتملت عليه الكتب الإلهية, فهو حق, يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع. وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع, أن يرد الاختلاف والتنازع, إلى الله وإلى رسوله. ولولا أن في كتابه, وسنة رسوله, فصل النزاع, لما أمر بالرد إليهما. ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب, وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم - أخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض, وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف. فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه, وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات, والأدلة القاطعات, وضلوا بذلك ضلالا بعيدا. " فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا " من هذه الأمة " لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ " فكل ما اختلف فيه أهل الكتاب, وأخطأوا فيه الحق والصواب, هدى الله للحق فيه هذه الأمة " بِإِذْنِهِ " تعالى وتيسيره لهم ورحمته. " وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ". فعم الخلق تعالى, بالدعوة إلى الصراط المستقيم, عدلا منه تعالى, وإقامة حجة على الخلق, لئلا يقولوا "ما جاءنا من بشير ولا نذير". وهدى - بفضله ورحمته, وإعانته ولطفه - من شاء من عباده. فهذا فضله وإحسانه, وذاك عدله وحكمته, تبارك وتعالى.

"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ "
يخبر تبارك وتعالى, أنه لا بد أن يمتحن عبادة بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم, فهي سنته الجارية, التي لا تتغير ولا تتبدل, أن من قام بدينه وشرعه, لا بد أن يبتليه. فإن صبر على أمر الله, ولم يبال بالمكاره الواقعة في سبيله, فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كما لها, ومن السيادة آلتها. ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله, بأن صدته المكاره عما هو بصدده وثنته المحن عن مقصده, فهو الكاذب في دعوى الإيمان. فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني, ومجرد الدعاوي, حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم " مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ " أي: الفقر والأمراض في أبدانهم. " وَزُلْزِلُوا " بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل, والنفي, وأخذ الأموال, وقتل الأحبة, وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال, وآل بهم الزلزال, إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به. ولكن لشدة الأمر وضيقه " يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ". فلما كان الفرج عند الشدة, وكلما ضاق الأمر اتسع. قال تعالى: " أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ " فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن. فكلما اشتدت عليه وصعبت - إذا صابر وثابر على ما هو عليه - انقلبت المحنة في حقه منحة, والمشقات راحات, وأعقبه ذلك, الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء. وهذه الآية نظير قوله تعالى " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ". وقوله تعالى " الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ " فعند الامتحان, يكرم المرء أو يهان.

"يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ "
أي: يسألونك عن النفقة, وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه. فأجابهم عنها فقال: " قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ " أي: مال قليل أو كثير, فأولى الناس به, وأحقهم بالتقديم, أعظمهم حقا عليك, وهم الوالدان الواجب برهما, والمحرم عقوقهما. ومن أعظم برهما, النفقة عليهما, ومن أعظم العقوق, ترك الإنفاق عليهما. ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة, على الولد الموسر. ومن بعد الوالدين, الأقربون, على اختلاف طبقاتهم, الأقرب فالأقرب, على حسب القرب والحاجة, فالإنفاق عليه صدقة وصلة. " وَالْيَتَامَى " وهم الصغار الذين لا كاسب لهم, فهم في مظنة الحاجة, لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم, وفقد الكاسب, فوصى الله بهم العباد, رحمة منه بهم ولطفا. " وَالْمَسَاكِينِ " وهم أهل الحاجات, وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة, فينفق عليهم, لدفع حاجاتهم وإغنائهم. " وَابْنَ السَّبِيلِ " أي: الغريب المنقطع به في غير بلده, فيعان على سفره بالنفقة, التي توصله إلى مقصده. ولما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف, لشدة الحاجة, عمم تعالى فقال: " وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ " من صدقة على هؤلاء وغيرهم, بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات, لأنها تدخل في اسم الخير. " فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ " فيجازيكم عليه, ويحفظه لكم, كل على حسب نيته وإخلاصه, وكثرة نفقته وقلتها, وشدة الحاجة إليها, وعظم وقعها ونفعها.

"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ "
هذه الآية, فيها فرض القتال في سبيل الله, بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه, لضعفهم, وعدم احتمالهم لذلك. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكثر المسلون, وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال. وأخبر أنه مكروه للنفوس, لما فيه من التعب والمشقة, وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف. ومع هذا, فهو خير محض, لما فيه من الثواب العظيم, والتحرز من العقاب الأليم, والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم, وغير ذلك, مما هو مرب, على ما فيه من الكراهة. و " وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ " وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة, فإنه شر, لأنه يعقب الخذلان, وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله, وحصول الذل والهوان, وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب. وهذه الآيات, عامة مطردة, في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس - لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة - فهي شر, بلا شك. وأما أحوال الدنيا, فليس الأمر مطردا, ولكن الغالب على العبد المؤمن, أنه إذا أحب أمرا من الأمور, فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له, فالأوفق له في ذلك, أن يشكر الله, ويعتقد الخير في الواقع, لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه, وأقدر على مصلحة عبده منه, وأعلم بمصلحته منه كما قال تعالى " وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ". فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره, سواء سرتكم أو ساءتكم.

"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
ولما كان الأمر بالقتال, لو لم يقيد, لشمل الأشهر الحرم وغيرها, استثنى تعالى, القتال في الأشهر الحرم فقال: " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ " الآية. الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم, منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا. وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ, لأن المطلق محمول على المقيد. وهذه الآية مقيدة, لعموم الأمر بالقتال مطلقا. ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم: بل أكبر مزاياها, تحريم القتال فيها, وهذا إنما هو في قتال الابتداء. وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم, كما يجوز في البلد الحرام. ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل, لسرية عبد الله بن جحش, وقتلهم عمرو بن الحضرمي, وأخذهم أموالهم, وكان ذلك - على ما قيل في شهر رجب - عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم, وكانوا في تعييرهم ظالمين, إذ فيهم من القبائح, ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين, قال تعالى في بيان ما فيهم. " وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله, وفتنتهم من آمن به, وسعيهم في ردهم عن دينهم, وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام, والبلد الحرام, الذي هو بمجرده, كاف في الشر. فكيف, وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟!!. " وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ " أي: أهل المسجد الحرام, وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لأنهم أحق به من المشركين, وهم عماره على الحقيقة, فأخرجوهم " مِنْهُ " ولم يمكنوهم من الوصول إليه, مع أن هذا البيت, سواء العاكف فيه والباد. فهذه الأمور كل واحد منها " أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ " في الشهر الحرام, فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة, في تعييرهم المؤمنين. ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين. وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم, وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم, ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير. فهم باذلون قدرتهم في ذلك, ساعون بما أمكنهم, ويأبى الله إلا أن يتم نوره, ولو كره الكافرون. وهذا الوصف, عام لكل الكفار, لا يزالون يقاتلون غيرهم, حتى يردوهم عن دينهم. وخصوصا, أهل الكتاب, من اليهود والنصارى, ألفوا الجمعيات, ونشروا الدعاة, وبثوا الأطباء, وبنوا المدارس, لجذب الأمم إلى دينهم, وإدخالهم عليهم, كل ما يمكنهم من الشبه, التي تشككهم في دينهم. ولكن المرجو من الله تعالى, الذي من على المؤمنين بالإسلام, واختار لهم دينه القيم, وأكمل لهم دينه - أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم قيام, وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره, ويجعل كيدهم في نحورهم, وينصر دينه, ويعلى كلمته. وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار, كما صدقت على من قبلهم. " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ". ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام, بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا. " فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " لعدم وجود شرطها, وهو الإسلام. " وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ". ودلت الآية بمفهومها, أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام, أنه يرجع إليه عمله. وكذلك من تاب من المعاصي, فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
هذه الأعمال الثلاثة, هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية, وبها يعرف ما مع الإنسان, من الربح والخسران. فأما الإيمان, فلا تسأل عن فضيلته, وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة, وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد, قبلت أعمال الخير منه, وإذا عدم منه, لم يقبل له صرف ولا عدل, ولا فرض, ولا نفل. وأما الهجرة, فهي مفارقة المحبوب المألوف, لرضا الله تعالى. فيترك المهاجر وطنه, وأمواله, وأهله, وخلانه, تقربا إلى الله ونصرة لدينه. وأما الجهاد, فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء, والسعي التام, في نصرة دين الله, وقمع دين الشيطان. وهو ذروة الأعمال الصالحة, وجزاؤه, أفضل الجزاء. وهو السبب الأكبر, لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام, وأمن المسلمين. على أنفسهم وأموالهم وأولادهم. فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة - على لأوائها ومشقتها - كان لغيرها أشد قياما به وتكميلا. فحقيق بهؤلاء, أن يكونوا هم الراجين رحمة الله, لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة. وفي هذا دليل على أن الرجاء, لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة. وأما الرجاء المقارن للكسل, وعدم القيام بالأسباب, فهذا عجز وتمن وغرور. وهو دال على ضعف همة صاحبه, ونقص عقله, بمنزلة من يرجو وجود الولد بلا نكاح, ووجود الغلة بلا بذر, وسقي, ونحو ذلك. وفي قوله " أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ " إشارة إلى أن العبد - ولو أتى من الأعمال بما أتى به - لا ينبغي له أن يعتمد عليها, ويعول عليها, بل يرجو رحمة ربه, ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه, وستر عيوبه. ولهذا قال " وَاللَّهُ غَفُورٌ " أي: لمن تاب توبة نصوحا " رَحِيمٌ " وسعت رحمته كل شيء, وعم جوده وإحسانه, كل حي. وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة, حصل له مغفرة الله, إذ " الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ " وحصلت له رحمة الله. وإذا حصلت له المغفرة, اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة. التي هي آثار الذنوب, التي قد غفرت واضمحلت آثارها. وإذا حصلت له الرحمة, حصل على كل خير في الدنيا والآخرة. بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم, فلولا توفيقه إياهم, لم يريدوها, ولولا إقدارهم عليها, لم يقدروا عليها, ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم. فله الفضل, أولا وآخرا, وهر الذي من بالسبب والمسبب.

"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ "
ثم قال تعالى " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ " الآية أي يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر, وقد كانا مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام, فكأنه وقع فيهما إشكال فلهذا سألوا عن حكمهما. فأمر الله تعالى نبيه, أن يبين لهم منافعهما ومضارهما, ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما, وتحتيم تركهما. فأخبر أن إثمهما ومضارهما, وما يصدر عنهما, من ذهاب العقل والمال, والصد عن ذكر الله, وعن الصلاة, والعداوة, والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما, من كسب المال بالتجارة بالخمر, وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس, عند تعاطيهما. وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما, لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته, ويجتنب ما ترجحت مضرته. ولكن لما كانوا قد ألفوهما, وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة, قدم هذه الآية, مقدمة للتحريم, الذي ذكره في قوله. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ". إلى قوله " فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ " وهذا من لطفه ورحمته وحكمته. ولهذا لما نزلت, قال عمر "1: انتهينا انتهينا. فأما الخمر, فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه, من أي نوع كان. وأما الميسر, فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين, من النرد, والشطرنج, وكل مغالبة قولية أو فعلية, تعوض بعوض, سوى مسابقة الخيل, والإبل, والسهام, فإنها مباحة, لكونها معينة على الجهاد, فرخص فيها الشارع. وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم. فيسر الله لهم الأمر, وأمرهم أن ينفقوا العفو, وهو المتيسر من أموالهم, الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم. وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه, من غني وفقير ومتوسط, كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله, ولو شق تمرة. ولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم, ولا يكلفهم ما يشق عليهم. ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا, أو تكليفا لنا بما يشق. بل أمرنا بما فيه سعادتنا, وما يسهل علينا, وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك, أتم الحمد. ولما بين تعالى هذا البيان الشافي, وأطلع العباد على أسرار شرعه قال: " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ " أي: الدالات على الحق, المحصلات للعلم النافع والفرقان. " لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه, وتعرفوا أن أوامره, فيها مصالح الدنيا والآخرة. وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها, وفي الآخرة وبقائها, وأنها دار الجزاء فتعمروها.

"فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
لما نزل قوله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " شق ذلك على المسلمين, وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى, خوفا على أنفسهم من تناولها, ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها, وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فأخبرهم تعالى أن المقصود, إصلاح أموال اليتامى, بحفظها وصيانتها, والإتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام وغيره, جائز على وجه لا يضر باليتامى, لأنهم إخوانكم, ومن شأن الأخ, مخالطة أخيه, والمرجع في ذلك إلى النية والعمل. فمن علم من نيته, أنه مصلح لليتيم, وليس له طمع في ماله, فلو دخل عليه شيء - من غير قصد - لم يكن عليه بأس. ومن علم الله من نيته, أن قصده بالمخالطة, التوصل إلى أكلها, فذلك الذي حرج وأثم, و"الوسائل لها أحكام المقاصد". وفي هذه الآية, دليل على جواز أنواع المخالطات, في المآكل والمشارب, والعقود وغيرها, وهذه الرخصة, لطف من الله تعالى, وإحسان, وتوسعة على المؤمنين. وإلا " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ " أي: شق عليكم بعدم الرخصة بذلك, فحرجتم. وشق عليكم وأثمتم. " إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ " أي: له القوة الكاملة, والقهر لكل شيء. ولكنه - مع ذلك " حَكِيمٌ " لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة, فعزته لا تنافي حكمته. فلا يقال: إنه ما شاء فعل, وافق الحكمة أو خالفها: بل يقال, إن أفعاله وكذلك أحكامه, تابعة لحكمته, فلا يخلق شيئا عبثا, بل لا بد له من حكمة, عرفناها, أم لم نعرفها. وكذلك لم يشرع لعباده شيئا مجردا عن الحكمة. فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة, أو راجحة, ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة, لتمام حكمته ورحمته.

"وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ "
أي " وَلَا تَنْكِحُوا " النساء " الْمُشْرِكَاتِ " ما دمن على شركهن. " حَتَّى يُؤْمِنَّ " لأن المؤمنة - ولو بلغت من الدمامة ما بلغت - خير من المشركة, ولو بلغت من الحسن ما بلغت, وهذه عامة في جميع النساء المشركات. وخصصتها آية المائدة, في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى: " وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ". " وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا " وهذا عام لا تخصيص فيه. ثم ذكر تعالى, الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة, لمن خالفهما في الدين فقال: " أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ " أي: في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم, فمخالطتهم على خطر منهم, والخطر ليس من الأخطار الدنيوية, إنما هو الشقاء الأبدي. ويستفاد من تعليل الآية, النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع, لأنه إذا لم يجز التزوج - مع أن فيه مصالح كثيرة - فالخلطة المجردة من باب أولى, وخصوصا, الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم, كالخدمة ونحوها. وفي قوله " وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ " دليل على اعتبار الولي في النكاح. " وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ " أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة, التي من آثارها, دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة, والتوبة النصوح, والعلم النافع, والعمل الصالح. " وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ " أي: أحكامه وحكمها " لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " فيوجب لهم ذلك, التذكر لما نسوه, وعلم ما جهلوه, والامتثال لما ضيعوه.

"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ "
ثم قال تعالى " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ " الآيات: يخبر تعالى, عن سؤالهم عن المحيض, وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض, كما كانت قبل ذلك, أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟. فأخبر تعالى أن الحيض أذى, وإذا كان أذى, فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده, ولهذا قال: " فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ". أي: مكان الحيض, وهو الوطء في الفرج خاصة, فهذا هو المحرم إجماعا. وتخصيص الاعتزال في المحيض, يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها, في غير الوطء في الفرج, جائز. لكن قوله " وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ " يدل على ترك المباشرة فيما قرب من الفرج, وذلك فيما بين السرة والركبة, فينبغي تركه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض, أمرها أن تتزر, فيباشرها. وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحيض " حَتَّى يَطْهُرْنَ " أي: ينقطع دمهن, فإذا انقطع الدم, زال المنع الموجود وقت جريانه, الذي كان لحله شرطان, انقطاع الدم, والاغتسال منه. فلما انقطع الدم, زال الشرط الأول وبقي الثاني, فلهذا قال: " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ " أي: اغتسلن " فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " أي: في القبل لا في الدبر, لأنه محل الحرث. وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض, وأن انقطاع الدم, شرط لصحته. ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده, وصيانة عن الأذى قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ " أي: من ذنوبهم على الدوام " وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " أي: المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث. ففيه مشروعية الطهارة مطلقا, لأن الله تعالى يحب المتصف بها, ولهذا كانت الطهارة مطلقا, شرطا لصحة الصلاة والطواف, وجواز مس المصحف. ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة, والصفات القبيحة, والأفعال الخسيسة.

"نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ "
" نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ " مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل, لكونه موضع الحرث, وهو الموضع الذي يكون منه الولد. وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر, لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث. وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك, ولعن فاعله. " وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ " أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات, ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته, ويجامعها على وجه القربة والاحتساب, وعلى رجاء تحصيل الذرية, الذين ينفع الله بهم. " وَاتَّقُوا اللَّهَ " أي: في جميع أحوالكم, كونوا ملازمين لتقوى الله, مستعينين على ذلك بعلمكم " وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ " ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها. " وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ " لم يذكر المبشر به, ليدل على العموم, وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة: وكل خير, واندفاع كل ضير, رتب على الإيمان - فهو داخل في هذه البشارة. وفيها محبة الله للمؤمنين, ومحبة ما يسرهم, واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

"وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
المقصود من اليمين والقسم, تعظيم المقسم به, وتأكيد المقسم عليه. وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان, وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء. ولكن الله تعالى استثنى من ذلك, إذا كان البر باليمين, يتضمن ترك ما هو أحب إليه. فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة, أي: مانعة وحائلة عن أن يبروا أي: يفعلوا خيرا, ويتقوا شرا, ويصلحوا بين الناس. فمن حلف على ترك واجب, وجب حنثه, وحرم إقامته على يمينه. ومن حلف على ترك مستحب, استحب له الحنث. ومن حلف على فعل محرم, وجب الحنث, أو على فعل مكروه, استحب الحنث. وأما المباح, فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة, أنه "إذا تزاحمت المصالح, قدم أهمها". فهنا تتميم اليمين, مصلحة, وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء, مصلحة أكبر من ذلك, فقدمت لذلك. ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: " وَاللَّهُ سَمِيعٌ " أي. لجميع الأصوات " عَلِيمٌ " بالمقاصد والنيات, ومنه, سماعه لأقوال الحالفين, وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر. وفي ضمن ذلك, التحذير من مجازاته, وأن أعمالكم ونياتكم, قد استقر علمها عنده.

"لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ "
ثم قال تعالى " لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ". أي: لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية, التي يتكلم بها العبد, من غير قصد منه ولا كسب قلب, ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل في عرض كلامه: "لا والله" و "بلى والله", وكحلفه على أمر ماض, يظن صدق نفسه. وإنما المؤاخذة, على ما قصده القلب. وفي هذا, دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال, كما هي معتبرة في الأفعال. والله "غفور" لمن تاب إليه, "حليم" بمن عصاه, حيث لم يعاجله بالعقوبة, بل حلم عنه وستر, وصفح مع قدرته عليه, وكونه بين يديه.

"لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة, في أمر خاص وهو حلف الرجل, على ترك وطء زوجته مطلقا. أو مقيدا. بأقل من أربعة أشهر أو أكثر. فمن آلى من زوجته خاصة - فإن كان لدون أربعة أشهر, فهذا مثل سائر الأيمان, إن حنث كفر, وإن أتم يمينه, فلا شيء عليه, وليس لزوجته عليه سبيل, لأنه ملكه أربعة أشهر. وإن كان أبدا, أو مدة تزيد على أربعة أشهر, ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه, إذا طلبت زوجته ذلك, لأنه حق لها. فإذا تمت, أمر بالفيئة, وهو الوطء. فإن وطئ, فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين. وإن امتنع, أجبر على الطلاق, فإن امتنع, طلق عليه الحاكم. ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته, أحب إلى الله تعالى, ولهذا قال: " فَإِنْ فَاءُوا " أي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه, وهو الوطء. " فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ " يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف, بسبب رجوعهم. " رَحِيمٌ " حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة, ولم يجعلها لازمة لهم, غير قابلة للانفكاك, ورحيم بهم أيضا, حيث فاءوا إلى زوجاتهم, وحنوا عليهن ورحموهن.

"وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
" وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ " أي: امتنعوا من الفيئة, فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن, وعدم إرادتهم لأزواجهم, وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق. فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة, وإلا أجبره الحاكم عليه, أو قام به. " فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " فيه وعيد وتهديد, لمن يحلف هذا الحلف, ويقصد بذلك, المضارة والمشاقة. ويستدل بهذه الآية, على أن الإيلاء, خاص بالزوجة, لقوله "من نسائهم, وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة, لأنه بعد الأربعة, يجبر, إما على الوطء, أو على الطلاق, ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا.

"وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
أي: النساء اللاتي طلقهن أزواجهن " يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ " أي: ينتظرن ويعتددن مدة " ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ " أي: حيض, أو أطهار على اختلاف العلماء في المراد بذلك, مع أن الصحيح أن القرء, الحيض, ولهذه العدة, عدة حكم. منها: العلم ببراءة الرحم, إذا تكرر عليها ثلاثة الأقراء, علم أنه ليس في رحمها حمل, فلا يفضي إلى اختلاط الأنساب. ولهذا أوجب تعالى عليهن الإخبار عن " مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ " وحرم عليهن, كتمان ذلك, من حمل أو حيض, لأن كتمان ذلك, يفضي إلى مفاسد كثيرة. فكتمان الحمل, موجب أن تلحقه بغير من هو له, رغبة فيه, أو استعجالا لانقضاء العدة. فإذا ألحقته بغير أبيه, حصل من قطع الرحم والإرث, واحتجاب محارمه وأقاربه عنه, وربما تزوج ذوات محارمه. وحصل في مقابلة ذلك, إلحاقه بغير أبيه, وثبوت توابع ذلك, من الإرث منه وله, ومن جعل أقارب الملحق به, أقارب له. وفي ذلك من الشر والفساد, ما لا يعلمه إلا رب العباد. ولو لم يكن في ذلك, إلا إقامتها مع من نكاحها باطل في حقه, وفيه الإصرار على الكبيرة العظيمة, وهي الزنا - لكفى بذلك شرا. وأما كتمان الحيض, فإن استعجلت فأخبرت به وهي كاذبة, ففيه من انقطاع حق الزوج عنها, وإباحتها لغيره وما يتفرع عن ذلك من الشر, كما ذكرنا. وإن كذب وأخبرت بعدم وجود الحيض, لتطول العدة, فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه, بل هي سحت عليها محرمة من جهتين: من كونها لا تستحقه, ومن كونها, تسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة, وربما راجعها بعد انقضاء العدة, فيكون ذلك سفاحا, لكونها أجنبية منه, فلهذا قال تعالى: " وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ". فصدور الكتمان منهن, دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر, وإلا فلو آمن بالله واليوم الآخر, وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن, لم يصدر منهن شيء من ذلك. وفي ذلك دليل على قبول خبر المرأة, عما تخبر بها عن نفسها, من الأمر الذي لا يطلع عليها غيرها, كالحمل والحيض ونحوها. ثم قال تعالى " وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ " أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة, أن يردوهن إلى نكاحهن " إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا " أي: رغبة وألفة ومودة. ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح, فليسوا بأحق بردهن, فلا يحل لهم أن يراجعوهن, لقصد المضارة لها, وتطويل العدة عليها. وهل يملك ذلك, مع هذا القصد؟ فيه قولان. الجمهور على أنه يملك ذلك, مع التحريم, والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح, لا يملك ذلك, كما هو ظاهر الآية الكريمة, وهذه حكمة أخرى في هذا التربص. وهي: أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه لها, فجعلت له هذه المدة, ليتروى بها ويقطع نظره. وهذا يدل على محبته تعالى, للألفة بين الزوجين, وكراهته للفراق, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". وهذا خاص في الطلاق الرجعي. وأما الطلاق البائن, فليس البعل بأحق برجعتها. بل إن تراضيا على التراجع, فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط. ثم قال تعالى " وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ " أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم, مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة. ومرجع الحقوق بين الزوجين إلى المعروف, وهو: العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله. ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة, والأحوال, والأشخاص والعوائد. في هذا دليل على أن النفقة والكسوة, والمعاشرة, والمسكن, وكذلك الوطء - الكل يرجع إلى المعروف. فهذا موجب العقد المطلق. وأما مع الشرط, فعلى شرطهما, إلا شرطا أحل حراما, أو حرم حلالا. " وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ " أي: رفعة ورياسة, وزيادة حق عليها, كما قال تعالى: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ". ومنصب النبوة والقضاء, والإمامة الصغرى والكبرى, وسائر الولايات بالرجال. وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور, كالميراث ونحوه. " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم, الذي دانت له جميع الأشياء, ولكنه - مع عزته - حكيم في تصرفه. ويخرج من عموم هذه الآية, الحوامل, فعدتهن وضع الحمل. واللاتي لم يدخل بهن, فليس لهن عدة. والإماء, فعدتهن حيضتان, كما هو قول الصحابة "4. وسياق الآية, يدل على أن المراد بها, الحرة.

"الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "
كان الطلاق في الجاهلية, واستمر أول الإسلام, هو أن يطلق الرجل زوجته بلا نهاية. فكان إذا أراد مضارتها, طلقها, فإذا شارفت انقضاء عدتها, راجعها, ثم طلقها وصنع بها مثل ذلك أبدا, فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم. فأخبر تعالى أن " الطَّلَاقَ " أي الذي تحصل به الرجعة " مَرَّتَانِ ". ليتمكن الزوج - إن لم يرد المضارة - من ارتجاعها, ويراجع رأيه في هذه المدة. وأما ما فوقها, فليس محلا لذلك, لأن من زاد على الثنتين, فإما متجرئ على المحرم, أو ليس له رغبة في إمساكها, بل قصده المضارة. فلهذا أمر تعالى الزوج, أن يمسك زوجته " بِمَعْرُوفٍ " أي: عشرة حسنة, ويجري مجرى أمثاله مع زوجاتهم, وهذا هو الأرجح, وإلا يسرحها ويفارقها " بِإِحْسَانٍ ", ومن الإحسان, أن لا يأخذ على فراقه لها شيئا من ماله, لأنه ظلم, وأخذ للمال في غير مقابلة بشيء, فلهذا قال: " وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ " وهي المخالعة بالمعروف, بأن كرهت الزوجة زوجها, لخلقه أو خلقه أو نقص دينه, وخافت أن لا تطيع الله فيه. " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ " لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة. وفي هذا مشروعية الخلع, إذا وجدت هذه الحكمة. " تِلْكَ " أي ما تقدم من الأحكام الشرعية " حُدُودُ اللَّهِ " أي: أحكامه التي شرعها لكم, وأمر بالوقوف معها. " وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال, وتعدى منه إلى الحرام, فلم يسعه ما أحل الله؟ والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله, وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك, وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق. فالشرك, لا يغفره الله بالتوبة, وحقوق العباد, لا يترك الله منها شيئا. والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك, تحت المشيئة والحكمة

"فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "
يقول تعالى: " فَإِنْ طَلَّقَهَا " أي: الطلقة الثالثة " فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ " أي: نكاحا صحيحا ويطأها, لأن النكاح الشرعي لا يكون صحيحا, ويدخل فبه العقد والوطء, وهذا بالاتفاق. ويتعين أن يكون نكاح الثاني, نكاح رغبة. فإن قصد به تحليلها للأول, فليس بنكاح, ولا يفيد التحليل. ولا يفيد وطء السيد, لأنه ليس بزوج. فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها, ثم فارقها وانقضت عدتها " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا " أي: على الزوج الأول والزوجة " أَنْ يَتَرَاجَعَا " أي: يجددا عقدا جديدا بينهما, لإضافته التراجع إليهما, فدل على اعتبار التراضي. ولكن يشترط في التراجع أن يظنا " أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ " بأن يقوم كل منهما, بحق صاحبه. وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق, وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة, فهنا لا جناح عليهما في التراجع. ومفهوم الآية الكريمة, أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله, بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية, والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا, لأن جميع الأمور, إن لم يقم فيها أمر الله, ويسلك بها طاعته, لم يحل الإقدام عليها. وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان, إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور, خصوصا الولايات, الصغار, والكبار, أن ينظر في نفسه. فإن رأى من نفسه قوة على ذلك, ووثق بها, أقدم, وإلا أحجم. ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة قال: " وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ " أي: شرائعه التي حددها وبينها ووضحها. " يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " لأنهم المنتفعون بها, النافعون لغيرهم. وفي هذا من فضيلة أهل العلم, ما لا يخفى, لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده, خاصا بهم, وأنهم المقصودون بذلك. وفيه أن الله تعالى يحب من عباده, معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها.

"وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
ثم قال تعالى: " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ " أي: طلاقا رجعيا بواحدة أو اثنتين. " فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ " أي: قاربن انقضاء عدتهن. " فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ " أي: إما أن تراجعوهن, ونيتكم القيام بحقوقهن, أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار, ولهذا قال: " وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا " أي: مضارة بهن " لِتَعْتَدُوا " في فعلكم هذا الحلال, إلى الحرام. فالحلال: الإمساك بالمعروف, والحرام: المضارة. " وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ " ولو كان الحق يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار. " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا " لما بين تعالى حدوده غاية التبيين, وكان المقصود, العلم بها والعمل, والوقوف معها, وعدم مجاوزتها, لأنه تعالى لم ينزلها عبثا, بل أنزلها بالحق والصدق والجد, نهى عن اتخاذها هزوا, أي: لعبا بها, وهو
التجرى عليها, وعدم الامتثال لواجبها. مثل استعمال المضارة في الإمساك, أو الفراق, أو كثرة الطلاق, أو جمع الثلات. والله - من رحمته - جعل له واحدة بعد واحدة, رفقا به وسعيا في مصلحته. " وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " عموما باللسان, حمدا وثناء. بالقلب, اعترافا, وإقرارا, وبالأركان, بصرفها في طاعة الله. " وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ " أي: السنة اللذين بين لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها, وطرق الشر وحذركم إياها, وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه, وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. وقيل: المراد بالحكمة: أسرار الشريعة, فالكتاب فيه, الحكم. والحكمة فيها, بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه. وكلا المعنيين صحيح. ولهذا قال " يَعِظُكُمْ بِهِ " أي: بما أنزل عليكم, وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة, أسرار الشريعة, لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة, والترغيب, أو الترهيب, فالحكم به, يزول الجهل. والحكمة مع الترغيب, يوجب الرغبة. والحكمة مع الترهيب, يوجب الرهبة " وَاتَّقُوا اللَّهَ " في جميع أموركم " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " فلهذا بين لكم هذه الأحكام, التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان, فله الحمد والمنة.

"وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ "
هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة, وأراد زوجها أن ينكحها, ورضيت بذلك, فلا يجوز لوليها, من أب وغيره; أن يعضلها; أي: يمنعها من التزوج به حنقا عليه; وغضبا; اشمئزازا لما فعل من الطلاق الأول. وذكر أن " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " فإيمانه يمنعه من العضل. " ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ " وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه, هو الرأي واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم تزويجه, كما هو عادة المترفعين المتكبرين. فإن كان يظن أن المصلحة, في عدم تزويجه, فإن " اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ". فامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم, مريد لها, قادر عليها, ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره. وفي هذه الآية, دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح, لأنه نهى الأولياء عن العضل, ولا ينهاهم إلا عن أمر, هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق. ثم قال تعالى " وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ " الآية.

"وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
هذا خبر بمعنى الأمر, تنزيلا له منزلة المتقرر, الذي لا يحتاج إلى أمر بأن " يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ". ولما كان الحول, يطلق على الكامل, وعلى معظم الحول قال: " كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ " فإذا تم للرضيع حولان, فقد تم رضاعه وصار اللبن بعد ذلك, بمنزلة سائر الأغذية, فلهذا كان الرضاع بعد الحولين, غير معتبر, فلا يحرم. ويؤخذ من هذا النص, ومن قوله تعالى " وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ". أن أقل مدة الحمل ستة أشهر, وأنه يمكن وجود الولد بها. " وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ " أي: الأب " رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة, فإن على الأب رزقها, أي: نفقتها وكسوتها, وهي الأجرة للرضاع. ودل هذا, على أنها إذا كانت في حباله, لا يجب لها أجرة, غير النفقة والكسوة, وكل بحسب حاله, فلهذا قال: " لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ", فلا يكلف الفقير أن ينفق نفقة الغني, ولا من لم يجد شيئا بالنفقة حتى يجد. " لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ " أي: لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها, إما أن تمنع من إرضاعه, أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة, والكسوة أو الأجرة. " وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ " بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة, أو تطلب زيادة عن الواجب, ونحو ذلك من أنواع الضرر. ودل قوله " مَوْلُودٌ لَهُ " أن الولد لأبيه, لأنه موهوب له, ولأنه من كسبه. فلذلك جاز له الأخذ من ماله, رضي أو لم يرض, بخلاف الأم وقوله " وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ " أي: على وارث الطفل إذا عدم الأب, وكان الطفل ليس له مال, مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة. فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين, على القريب الوارث الموسر. " فَإِنْ أَرَادَا " أي: الأبوان " فِصَالًا " أي فطام الصبي قبل الحولين. " عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا " بأن يكونا راضيين " وَتَشَاوُرٍ " فيما بينهما, هل هو مصلحة للصبي أم لا؟. فإن كان مصلحة ورضيا " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا " في فطامه قبل الحولين. فدلت الآية بمفهومها, على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر, أو لم يكن مصلحة للطفل, أنه لا يجوز فطامه. وقوله: " وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ " أي: تطلبوا لهم المراضع غير أمهاتهم على غير وجه المضارة " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ " أي: للمرضعات, " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " فمجازيكم على ذلك بالخير والشر.

"وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "
أي: إذا توفي الزوج, مكثت زوجته, متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا. والحكمة في ذلك, ليتبين الحمل في مدة الأربعة الأشهر, ويتحرك في ابتدائه. في الشهر الخامس. وهذا العام مخصوص بالحوامل, فإن عدتهن بوضع الحمل. وكذلك الأمة, عدتها على النصف من عدة الحرة, شهران وخمسة أيام. وقوله: " فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ " أي: انقضت عدتهن " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ " أي: من مراجعتها للزينة والطيب. " بِالْمَعْرُوفِ " أي: على وجه غير محرم ولا مكروه. وفي هذا وجوب الإحداد, مدة العدة, على المتوفى عنها زوجها, دون غيرها من المطلقات والمفارقات, وهو مجمع عليه بين العلماء. " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " أي: عالم بأعمالكم, ظاهرها وباطنها, جليلها وخفيها, فمجازيكم عليها. وفي خطابه للأولياء بقوله: " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ " دليل على أن الولي ينظر على المرأة, ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب, وأنه مخاطب بذلك, واجب عليه.

"وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ "
هذا حكم المعتدة من وفاة, أو المبانة في الحياة. فيحرم على غير مبينها أن يصرح لها في الخطبة, وهو المراد بقوله " وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ". وأما التعريض, فقد أسقط تعالى فيه الجناح. والفرق بينهما: أن التصريح, لا يحتمل غير النكاح, فلهذا حرم, خوفا من استعجالها, وكذبها في انقضاء عدتها, رغبة في النكاح. ففيه دلالة على منع وسائل المحرم, وقضاء, لحق زوجها الأول, بعدم مواعدتها لغيره مدة عدتها. وأما التعريض, وهو: الذي يحتمل النكاح وغيره, فهو جائز للبائن كأن يقول: إني أريد التزوج, وإني أحب أن تشاوريني عند انقضاء عدتك, ونحو ذلك, فهذا جائز لأنه ليس بمنزلة الصريح, وفي النفوس داع قوي إليه. وكذا إضمار الإنسان في نفسه أن يتزوج من هي في عدتها, إذا انقضت. ولهذا قال " أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ " هذا التفصيل كله, في مقدمات العقد. وأما عقد النكاح فلا يحل " حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ". أي: تنقضي العدة. " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ " أي: فانووا الخير, ولا تنووا الشر, خوفا من عقابة ورجاء لثوابه. " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ " لمن صدرت منه الذنوب, فتاب منها, ورجع إلى ربه " حَلِيمٌ " حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم, مع قدرته عليهم.

"لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ "
أي: ليس عليكم - يا معشر الأزواج - جناح وإثم, بتطليق النساء قبل المسيس, وفرض المهر, وإن كان في ذلك كسر لها, فإنه ينجبر بالمتعة. فعليكم أن " فَمَتِّعُوهُنَّ " بأن تعطوهن شيئا من المال, جبرا لخواطرهن. " عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ " أي: المعسر " قَدَرُهُ ". وهذا يرجع الى العرف, وأنه يختلف باختلاف الأحوال ولهذا قال: " مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ " فهذا حق واجب " عَلَى الْمُحْسِنِينَ " ليس لهم أن يبخسوهن. فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن, وتعلق قلوبهن, ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه, فعليهم - في مقابلة ذلك - المتعة. فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي, وأدله على حكمة شارعه ورحمته!! ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟!! فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر.

"وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
ثم ذكر حكم المفروض لهن فقال: أي: إذا طلقتم النساء قبل المسيس, وبعد فرض المهر, فللمطلقات من المهر المفروض, نصفه, ولكم نصفه. وهذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة, بأن تعفو عن نصفها لزوجها, إذا كان يصح عفوها, " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ " وهو الزوج على الصحيح, لأنه الذي بيده حل عقدته. ولأن الولي, لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة, لكونه غير مالك ولا وكيل. ثم رغب في العفو, وأن من عفا, كان أقرب لتقواه, لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر, ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف, وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة, لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب, وهو: أخذ الواجب, وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان, وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق, والغض مما في النفس. فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة, ولو في بعض الأوقات, وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة, أو مخالطة, فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم. ولهذا قال: " إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ".

"حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ "
ثم قال تعالى: " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ " إلخ الآيتين. يأمر تعالى بالمحافظة " عَلَى الصَّلَوَاتِ " عموما وعلى " وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى " وهي العصر خصوصا. والمحافظة عليها: أداؤها بوقتها, وشروطها, وأركانها, وخشوعها, وجميع مالها, من واجب ومستحب. وبالمحافظة على الصلوات, تحصل المحافظة على سائر العبادات, وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر, وخصوصا إذا أكملها كما أمر بقوله: " وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ " أي ذليلين مخلصين; خاشعين. فإن القنوت: دوام الطاعة مع الخشوع.

"فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ "
وقوله: " فَإِنْ خِفْتُمْ " حذف المتعلق, ليعم الخوف من العدو, والسبع, وفوات ما يتضرر العبد بفوته فصلوا, " رِجَالًا " ماشين على أرجلكم. " أَوْ رُكْبَانًا " على الخيل والإبل, وسائر المركوبات, وفي هذه الحال, لا يلزمه الاستقبال. فهذه صفة صلاة المعذور بالخوف. فإذا حصل الأمن, صلى صلاة كاملة. ويدخل في قوله " فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ " تكميل الصلوات. ويدخل فيه أيضا, الإكثار من ذكر الله, شكرا له على نعمة التعليم, لما فيه سعادة العبد. وفي الآية الكريمة, فضيلة العلم, وأن على من علمه الله ما لم يكن يعلم, الإكثار من ذكر الله. وفيه الإشعار أيضا بأن الإكثار من ذكره, سبب لتعليم علوم أخرى, لأن الشكر مقرون بالمزيد.

"وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
ثم قال تعالى: " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ " الآية. اشتهر عند كثير من المفسرين, أن هذه الآية الكريمة, نسختها الآية التي قبلها وهي قوله تعالى. " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " وأن الأمر كان على الزوجة, أن تتربص حولا كاملا, ثم نسخ بأربعة أشهر وعشر. ويجيبون عن تقدم الآية الناسخة, أن ذلك تقدم في الوضع, لا في النزول. لأن شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ. وهذا القول لا دليل عليه. ومن تأمل الآيتين, اتضح له أن القول الآخر في الآية, هو الصواب. وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرا, على وجه التحتيم, على المرأة. وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت, أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم, حولا كاملا, جبرا لخاطرها, وبرا بميتهم. ولهذا قال " وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ " أي: وصية من الله لأهل الميت, أن يستوصوا بزوجته, ويمتعوها ولا يخرجوها. فإن رغبت, أقامت في وصيتها, وإن أحبت الخروج, فلا حرج عليها, ولهذا قال: " فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ". أي: من التجمل واللباس. لكن الشرط, أن يكون بالمعروف, الذي لا يخرجها عن حدود الدين والاعتبار. وختم الآية بهذين الاسمين العظيمين, الدالين على كمال العزة, وكمال الحكمة, لأن هذه أحكام صدرت عن عزته, ودلت على كمال حكمته, حيث وضعها في مواضعها اللائقه بها.

"وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ "
لما بين في الآية السابقة, إمتاع المفارقة بالموت, ذكر هنا أن كل مطلقة, فلها على زوجها, أن يمتعها ويعطيها ما يناسب حاله وحالها, وأنه حق, إنما يقوم به المتقون, فهو من خصال التقوى الواجبة والمستحبة. فإن كانت المرأة لم يسم لها صداق, وطلقها قبل الدخول, فتقدم أنه يجب عليه بحسب يساره وإعساره. وإن كان مسمى لها, فمتاعها نصف المسمى. وإن كانت مدخولا بها, صارت المتعة مستحبة, في قول جمهور العلماء. ومن العلماء من أوجب ذلك, استدلالا بقوله " حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ " والأصل في "الحق" أنه واجب, خصوصا وقد أضافه إلى المتيقين, وأصل التقوى, واجبة.

"كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "
فلما بين تعالى هذه الأحكام الجليلة بين الزوجين, أثنى على أحكامه وعلى بيانه لها وتوضيحه, وموافقتها للعقول السليمة, وأن القصد من بيانه لعباده, أن يعقلوا عنه ما بينه, فيعقلونها حفظا, وفهما وعملا بها, فإن ذلك من تمام عقلها.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ "
أي: ألم تسمع بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل, حيث حل الوباء بديارهم, فخرجوا بهذه الكثرة, فرارا من الموت, فلم ينجهم الفرار, ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون. فعاملهم بنقيض مقصودهم, وأماتهم الله عن آخرهم. ثم تفضل عليهم, فأحياهم, إما بدعوة نبي, كما قاله كثير من المفسرين, وإما بغير ذلك. ولكن ذلك, بفضله وإحسانه, وهو لا زال فضله على الناس, وذلك موجب لشكرهم لنعم الله. بالاعتراف بها وصرفها في مرضاة الله. ومع ذلك, فأكثر الناس قد قصروا بواجب الشكر. وفي هذه القصة, عبرة بأنه على كل شيء قدير, وذلك آية محسوسة على البعث. فإن هذه القصة معروفة منقولة, نقلا متواترا عند بني إسرائيل, ومن اتصل بهم. ولهذا أتى بها تعالى, بأسلوب الأمر الذي قد تقرر عند المخاطبين. ويحتمل أن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم, خوفا من الأعداء, وجبنا عن لقائهم. ويؤيد هذا; أن الله ذكر بعدها. الأمر بالقتال وأخبر عن بني إسرائيل; أنهم كانوا مخرجين من ديارهم وأبنائهم. وعلى الاحتمالين; فإن فيها ترغيبا في الجهاد; وترهيبا من التقاعد عنه, وأن ذلك لا يغني عن الموت شيئا. " قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ".

"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
جمع الله بين الأمر بالقتال في سبيله بالمال والبدن لأن الجهاد لا يقوم إلا بالأمرين. وحث على الإخلاص فيه, بأن يقاتل العبد, لتكون كلمة الله هي العليا. فإن الله " سَمِيعٌ " للأقوال وإن خفيت " عَلِيمٌ " بما تحتوي عليه القلوب من النيات الصالحة وضدها. وأيضا, فإنه إذا علم المجاهد في سبيله, أن الله سميع عليم, هان عليه ذلك, وعلم أنه, بعينه, ما يتحمل المتحملون من أجله, وأنه لا بد أن يمدهم بعونه ولطفه.

"مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "
وتأمل هذا الحث اللطيف على النفقة, وأن المنفق قد أقرض الله الملي, الكريم, ووعده المضاعفة الكثيرة كما قال تعالى: " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ". ولما كان المانع الأكبر من الإنفاق خوف الإملاق, أخبر تعالى أن الغنى والفقر بيد الله, وأنه يقبض الرزق على من يشاء, ويبسطه على من يشاء. فلا يتأخر من يريد الإنفاق خوف الفقر, ولا يظن أنه ضائع بل مرجع العباد كلهم إلى الله. فيجد المنفقون والعاملون أجرهم عنده, مدخرا, أحوج ما يكونون إليه. ويكون له من الوقع العظيم, ما لا يمكن التعبير عنه. والمراد بالقرض الحسن: هو ما جمع أوصاف الحسن, من النية الصالحة, وسماحة النفس, بالنفقة, ووقوعها في محلها وأن لا يتبعها المنفق, منا ولا أذى; ولا مبطلا ومنقصا.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ "
يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة; ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد, ولا ينكلوا عنه. فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة; والناكلين; خسروا الأمرين. فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة; تراودوا في شأن الجهاد, واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا; لينقطع النزاع بتعيينه, وتحصل الطاعة التامة; ولا يبقى لقائل مقال. وأن نبيهم خشي; أن طلبهم هذا, مجرد كلام لا فعل معه. فأجابوا نبيهم, بالعزم الجازم; وأنهم التزموا ذلك التزاما تاما. وأن القتال متعين عليهم, حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم; ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم.

"وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "
وأنه عين لهم نبيهم; طالوت ملكا; يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة. وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت; وثم من هو أحق منه بيتا وأكثر مالا. فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم; بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة; وقوة الجسم; اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة, وحسن التدبير. وأن الملك ليس بكثرة المال; ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم. فالله يؤتي ملكه من يشاء.

"وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بإقناعهم بما ذكره; من كفاءة طالوت, واجتماع الصفاف المطلوبة فيه حتى قال لهم. " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ". وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء. فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت, ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم, حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة, ولهذا قال: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " فحينئذ سلموا وانقادوا.

"فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ "
فلما ترأس فيهم طالوت, وجندهم, ورتبهم, وفصل بهم إلى قتال عدوهم, وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم, ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل قال: " إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ " تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء. " فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي " أي: لا يتبعني, لأن ذلك برهان على قلة صبره, ووفور جزعه " وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي " لصدقه وصبره " إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ " أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء, شربوا كلهم منه " إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ " فإنهم صبروا ولم يشربوا. " فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا " أي: الناكلون أو الذين عبروا: " لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ". فإن كان القائلون, هم الناكلين, فهذا قول يبررون به نكولهم. وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت, فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم. ولكن شجعهم على الثبات والإقدام, أهل الإيمان الكامل حيث قالوا: " كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ " بعونه وتأييده, ونصره, فثبتوا, وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده.

"وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ "
" وَقَتَلَ دَاوُدُ " صلى الله عليه وسلم " جَالُوتَ " وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم. " وَآتَاهُ اللَّهُ " أي: داود " الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ " النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب.

"فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ "
ثم بين تعالى, فائدة الجهاد فقال: " وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ " باستيلاء الكفرة والفجار, وأهل الشر والفساد. " وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ " حيث لطف بالمؤمنين, ودافع عنهم, وعن دينهم, بمل شرعه وبما قدره

"تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ "
فلما بين هذه القصة قال لرسوله صلى الله عليه وسلم. " تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ " . ومن جملة الأدلة على رسالته, هذه القصة, حيث أخبر بها وحيا من الله, مطابقا للواقع. وفي هذه القصة, عبر كثيرة للأمة. منها: فضيلة الجهاد في سبيله, وفوائده, وثمراته, وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين, وحفظ الأوطان, وحفظ الأبدان والأموال. وأن المجاهدين, ولو شقت عليهم الأمور, فإن عواقبهم حميدة, كما أن الناكلين, ولو استراحوا قليلا, فإنهم سيتعبون طويلا. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة, وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين. إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير. وإلى القوة التي ينفذ بها الحق. وأن من اجتمع فيه الأمران, فهو أحق من غيره. ومنها الاستدلال بهذه القصة, على ما قاله العلماء, أنه ينبغي للأمير للجيوش, أن يتفقدها عند فصولها, فيمنع من لا يصلح للقتال, من رجال وخيل وركاب, لضعفه, أو ضعف صبره, أو لتخذيله, أو خوف الضرر بصحبته. فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور اليأس, تقوية المجاهدين, وتشجيعهم, وحثهم على القوة الإيمانية, والاتكال الكامل على الله, والاعتماد عليه, وسؤال الله التثبيت, والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد, غير حقيقته. فقد يعزم الإنسان, ولكن عند حضوره, تنحل عزيمته ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. " أسألك الثبات في الأمر, والعزيمة على الرشد". فهؤلاء الذين عزموا على القتال, وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم, لما جاء الوقت, نكص أكثرهم. ويشبه هذا قوله صلى الله عليه وسلم "وأسألك الرضا بعد القضاء". لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس, هو الرضا الحقيقي.

"تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ "
يخبر الباري أنه فاوت بين الرسل في الفضائل الجليلة, والتخصيصات الجميلة, بحسب ما من الله به عليهم, وقاموا به من الإيمان الكامل; واليقين الراسخ, والأخلاق العالية, والآداب السامية, والدعوة, والتعليم والنفع العميم: فمنهم: من اتخذه خليلا, ومنهم: من كلمه تكليما, ومنهم: من رفعه فوق الخلائق درجات. وجميعهم لا سبيل لأحد من البشر, إلى الوصول, لفضلهم الشامخ. وخص عيسى بن مريم, أنه آتاه البينات الدالة على أنه رسول الله حقا, وعبده صدقا, وأن ما جاء به عن عند الله كله حق. فجعله يبرئ الأكمة والأبرص; ويحيي الموتى بإذن الله وكلم الناس في المهد صبيا, وأيده بروح القدس, أي بروح الإيمان. فجعل روحانيته فائقة روحانية غيره, فحصل له بذلك, القوة والتأييد, وإن كان أصل التأييد بهذه الروح عاما لكل مؤمن, بحسب إيمانه كما قال " وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ " لكن ما لعيسى أعظم, مما لغيره, لهذا خصه الله بالذكر. وقيل: إن روح القدس - هنا - جبريل, أيده الله بإعانته ومؤازرته لكن المعنى الأصح, هو الأول. ولما أخبر عن كمال الرسل, وما أعطاهم من الفضل والخصائص, وأن دينهم واحد, ودعوتهم إلى الخير واحدة, كان موجب ذلك ومقتضاه, أن تجتمع الأمم على تصديقهم, والانقياد لهم, لما آتاهم من البينات التي على مثلها, يؤمن البشر. لكن أكثرهم, انحرفوا عن الصراط المستقيم, ووقع الاختلاف بين الأمم. فمنهم من آمن; ومنهم من كفر. ووقع لأجل ذلك; الاقتتال الذي; هو موجب الاختلاف والتعادي. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى; فما اختلفوا. ولو شاء الله أيضا - بعدما وقع الاختلاف الموجب للاقتتال - ما اقتتلوا. ولكن حكمته; اقتضت جريان الأمور على هذا النظام بحسب الأسباب. ففي هذه الآية أكبر شاهد على أنه تعالى, يتصرف في جميع الأسباب لمسبباتها. وأنه إن شاء أبقاها, وإن شاء منعها. وكل ذلك تبع لحكمته وحده, فإنه فعال لما يريد. فليس لإرادته ومشيئته, ممانع ولا معارض ولا معاون.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ "
يحث الله المؤمنين على النفقات, في جميع طرق الخير. لأن حذف المعمول, يفيد التعميم. ويذكرهم نعمته عليهم, بأنه هو الذي رزقهم, ونوع عليهم النعم. وأنه لم يأمرهم بإخراج جميع ما في أيديهم, بل أتى بـ "من" الدالة على التبعيض. فهذا مما يدعوهم إلى الإنفاق. ومما يدعوهم أيضا إخبارهم أن هذه النفقات, مدخرة عند الله, في يوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه, ولا التبرعات, ولا الشفاعات. فكل أحد يقول: ما قدمت لحياتي. فتنقطع الأسباب كلها, إلا الأسباب المتعلقة بطاعة الله والإيمان به, يوم لا ينفع مال ولا بنون, إلا من أتى الله بقلب سليم. " وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ " . " وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ". ثم قال تعالى: " وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ " وذلك لأن الله خلقهم لعبادته, ورزقهم وعافاهم, ليستعينوا بذلك على طاعته. فخرجوا عما خلقهم الله له, وأشركوا بالله, ما لم ينزل به سلطانا. واستعانوا بنعمه, على الكفر والفسوق والعصيان. فلم يبقوا للعدل موضعا, فلهذا حصر الظلم المطلق فيهم.

"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ "
أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعظم آيات القرآن, لما احتوت عليه من معاني التوحيد والعظمة, وسعة الصفات للباري تعالى. فأخبر أنه " اللَّهِ " الذي له جميع معاني الألوهية, وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو. فألوهية غيره, وعبادة غيره, باطلة. وأنه " الْحَيُّ " الذي له جميع معاني الحياة الكاملة, من السمع, والبصر, والقدرة, والإرادة وغيرها, والصفات الذاتية. كما أن " الْقَيُّومُ " تدخل فيه جميع صفات الأفعال, لأنه القيوم الذي قام بنفسه, واستغنى عن جميع مخلوقاته, وقام بجميع الموجوات, فأوجدها وأبقاها, وأمدها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها. ومن كمال حياته وقيوميته, أنه " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " أي: نعاس " وَلَا نَوْمٌ ". لأن السنة والنوم, إنما يعرضان للمخلوق, الذي يعتريه الضعف, والعجز, والانحلال. ولا يعرضان, لذي العظمة, والكبرياء, والجلال. وأخبر أنه مالك جميع ما في السماوات والأرض. فكلهم عبيد لله مماليك, لا يخرج أحد منهم عن هذا الطور. " إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ". فهو المالك لجميع الممالك, وهو الذي له صفات الملك والتصرف, والسلطان, والكبرياء. ومن تمام ملكه أنه لا " يَشْفَعُ عِنْدَهُ " أحد " إِلَّا بِإِذْنِهِ ". فكل الوجهاء والشفعاء, عبيد له مماليك, لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم. " قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ". والله لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى, ولا يرتضي إلا توحيده, واتباع رسله. فمن لم يتصف بهذا, فليس له في الشفاعة نصيب. ثم أخبر عن علمه الواسع المحيط, وأنه يعلم ما بين أيدي الخلائق, من الأمور المستقبلة, التي لا نهاية لها " وَمَا خَلْفَهُمْ " من الأمورالماضية, التي لا حد لها. وأنه لا تخفى عليه خافية " يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ". وأن الخلق لا يحيط أحد بشيء من علم الله ومعلوماته " إِلَّا بِمَا شَاءَ " منها. وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية, وهو جزء يسير جدا مضمحل في علوم الباري ومعلوماته, كما قال أعلم الخلق به, وهم الرسل والملائكة " سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ". ثم أخبر عن عظمته وجلاله, وأن كرسيه, وسع السماوات والأرض, وأنه قد حفظهما ومن فيهما من العوالم, بالأسباب والنظامات, التي جعلها الله في المخلوقات. ومع ذلك, فلا يؤوده, أي: يثقله حفظهما, لكمال عظمته, واقتداره, وسعة حكمته في أحكامه. " وَهُوَ الْعَلِيُّ " بذاته, على جميع مخلوقاته, وهو العلي بعظمة صفاته. وهو العلي الذي قهر المخلوقات, ودانت له الموجودات, وخضعت له الصعاب, وذلت له الرقاب. " الْعَظِيمِ " الجامع, لجميع صفات العظمة والكبرياء, والمجد والبهاء, الذي تحبه القلوب, وتعظمه الأرواح, ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء, وإن جلت عن الصفة, فإنها مضمحلة في جاب عظمة العلي العظيم. فآية, احتوت على هذه المعاني التي هي أجل المعاني, يحق أن تكون أعظم آيات القرآن, ويحق لمن قرأها, متدبرا متفهما, أن يمتلئ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان, وأن يكون محفوظا بذلك, من شرور الشيطان.

"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي, وأنه - لكمال براهينه, واتضاح آياته, وكونه هو دين العقل والعلم, ودين الفطرة والحكمة, ودين الصلاح والإصلاح, ودين الحق والرشد, فلكماله وقبول الفطر له - لا يحتاج إلى الإكراه عليه. لأن الإكراه, إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب, ويتنافى مع الحقيقة والحق, أو لما تخفى براهينه وآياته. وإلا فمن جاءه هذا الدين, ورده ولم يقبله, فإنه لعناده. فإنه قد تبين الرشد من الغي, فلم يبق لأحد عذر ولا حجة, إذا رده ولم يقبله. ولا منافاة بين هذا المعنى, وبين الآيات الكثيرة الموجبة للجهاد. فإن الله أمر بالقتال, ليكون الدين كله لله, ولدفع اعتداء المعتدين على الدين. وأجمع المسلمون على أن الجهاد, ماض مع البر والفاجر, وأنه من الفروض المستمرة, الجهاد القولي الفعلي. فمن ظن من المفسرين أن هذه الآية, تنافي آيات الجهاد, فجزم بأنها منسوخة - فقوله ضعيف, لفظا ومعنى, كما هو واضح بين, لمن تدبر الآية الكريمة, كما نبهنا عليه. ثم ذكر الله انقسام الناس إلى قسمين: قسم آمن بالله وحده لا شريك له, وكفر بالطاغوت - وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره - فهذا قد استمسك بالعروة الوثقى, التي لا انفصام لها, بل هو مستقيم على الدين الصحيح, حتى يصل به إلى الله; وإلى دار كرامته. ويؤخذ القسم الثاني, من مفهوم الآية, أن من لم يؤمن بالله, بل كفر به, وآمن بالطاغوت, فإنه هالك هلاكا أبديا, ومعذب عذابا سرمديا. وقوله: " وَاللَّهُ سَمِيعٌ " أي: لجميع الأصوات, باختلاف اللغات, على تفنن الحاجات, وسميع لدعاء الداعين, وخضوع المتضرعين. " عَلِيمٌ " بما أكنته الصدور, وما خفي من خفايا الأمور. فيجازي كل أحد, بحسب ما يعلمه, من نياته وعمله.

"اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
هذه الآية مترتبة على الآية التي قبلها. فالسابقة, هي الأساس, وهذه هي الثمرة. فأخبر تعالى, أن الذين آمنوا بالله, وصدقوا إيمانهم, بالقيام بواجبات الإيمان, وترك كل ما ينافيه, أنه وليهم, يتولاهم بولايته الخاصة, ويتولى تربيتهم, فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي والغفلة والإعراض, إلى نور العلم واليقين والإيمان, والطاعة والإقبال الكامل على ربهم. وينور قلوبهم, بما يقذفه فيها من نور الوحي والإيمان, وييسرهم لليسرى, ويجنبهم العسرى. وأما الذين كفروا, فإنهم لما تولوا غير وليهم, ولاهم الله ما تولوا لأنفسهم, وخذلهم, ووكلهم إلى رعاية من تولاهم, ممن ليس عنده نفع ولا ضر. فأضلوهم, وأشقوهم, وحرموهم هداية العلم النافع, والعمل الصالح. وحرموهم السعادة, وصارت النار مثواهم, خالدين فيها مخلدين. اللهم تولنا فيمن توليت.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
يقص الله علينا من أنباء الرسل والسالفين, ما به تتبين الحقائق, وتقوم البراهين المتنوعة على التوحيد. فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم, حيث حاج هذا الملك الجبار, وهو نمرود البابلي, المعطل المنكر لرب العالمين, وانتدب لمقاومة إبراهيم الخليل ومحاجته في هذا الأمر, الذي لا يقبل شكا, ولا إشكالا, ولا ريبا, وهو توحيد الله وربوبيته, الذي هو أجلى الأمور وأوضحها. ولكن هذا الجبار, غره ملكه وأطغاه, حتى وصلت به الحال, إلى أن نفاه, وحاج إبراهيم الرسول العظيم, الذي أعطاه الله من العلم واليقين, ما لم يعط أحدا من الرسل, سوى محمد صلى الله عليه وسلم. فقال إبراهيم مناظرا له " رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ " أي: هو المنفرد بالخلق والتدبير, والإحياء والإماتة. فذكر من هذا الجنس أظهرها, وهو الإحياء والإماتة. فقال ذلك الجبار مباهتا " أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ". وعنى بذلك أني أقتل من أردت قتله, وأستبقي من أردت استبقاءه. ومن المعلوم أن هذا تمويه وتزوير, وحيدة عن المقصود. وأن المقصود, أن الله تعالى هو الذي تفرد بإيجاد الحياة في المعدومات, وردها على الأموات. وأنه هو الذي يميت العباد والحيوانات بآجالها, بأسباب ربطها وبغير أسباب. فلما رآه الخليل مموها تمويها, ربما راج على الهمج الرعاع. قال إبراهيم - ملزما له بتصديق قوله إن كان كما يزعم: " فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ " أي: وقف, وانقطعت جحته, واضمحلت شبهته. وليس هذا من الخليل, انتقالا من دليل إلى آخر. وإنما هو إلزام لنمرود, بطرد دليله إن كان صادقا. وأتى بهذا الذي لا يقبل الترويج والتزوير والتمويه. فجميع الأدلة, السمعية والعقلية, والفطرية, قد قامت شاهدة بتوحيد الله, معترفة بانفراده بالخلق والتدبير. وأن من هذا شأنه, لا يستحق العبادة إلا هو. وجميع الرسل, متفقون على هذا الأصل العظيم. ولم ينكره إلا معاند مكابر, مماثل لهذا الجبار العنيد. فهذا من أدلة التوحيد.

"أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
ثم ذكر أدلة كمال القدرة والبعث والجزاء فقال: " أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ " الآية. هذان دليلان عظيمان, محسوسان في الدنيا قبل الآخرة - على البعث والجزاء. واحد أجراه الله على يد رجل شاك في البعث على الصحيح, كما تدل عليه الآية الكريمة. والآخر, على يد خليله إبراهيم. كما أجرى دليل التوحيد السابق على يده. فهذا الرجل, مر على قرية قد دمرت تدمرا وخوت على عروشها. قد مات أهلها وخربت عمارتها, فقال - على وجه الشك والاستبعاد: " أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا "؟ أي: ذلك بعيد, وهي في هذه الحال. يعني: وغيرها مثلها, بحسب ما قام بقلبه تلك الساعة. فأراد الله رحمته ورحمة الناس, حيث أماته الله مائة عام. وكان معه حمار, فأماته معه. ومعه طعام وشراب, فأبقاهما الله بحالهما كل هذه المدد الطويلة. فلما مضت الأعوام المائة بعثه الله فقال: " كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ " وذلك بحسب ما ظنه. فقال الله " بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ". والظاهر أن هذه المجاوبة على يد بعض الأنبياء الكرام. ومن تمام رحمة الله به وبالناس, أنه أراه الآية عيانا, ليقتنع بها. فبعد ما عرف أنه ميت قد أحياه الله, قيل له: " فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ " أي: لم يتغير في هذه المدد الطويلة. وذلك من آيات قدرة الله, فإن الطعام والشراب - خصوصا ما ذكره المفسرون: أنه فاكهة وعصير - لا يلبث أن يتغير, وهذا قد حفظه الله, مائة عام وقيل له: " وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ", فإذا هو قد تمزق وتفرق, وصار عظاما نخرة. " وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا " أي: نرفع بعضها إلى بعض, ونصل بعضها ببعض, بعد ما تفرقت وتمزقت. " ثُمَّ نَكْسُوهَا " بعد الالتئام " لَحْمًا " ثم, نعيد فيه الحياة. " فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ " رأى عين لا يقبل الريب بوجه من الوجوه. " قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ". فاعترف بقدرة الله على كل شيء وصار آية للناس, لأنهم قد عرفوا موته وموت حماره, وعرفوا قضيته, ثم شاهدوا هذه الآية الكبرى. هذا هو الصواب في هذا الرجل. وأما قول كثير من المفسرين: إن هذا الرجل, مؤمن, أو نبي من الأنبياء, إما عزيز أو غيره, وأن قوله " أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ", يعني كيف تعمر هذه القرية, بعد أن كانت خرابا, وأن الله أماته, ليريه ما يعيد لهذه القرية من عمارتها بالخلق, وأنها عمرت في هذه المدة, وتراجع الناس إليها وصارت عامرة, بعد أن كانت دامرة - فهذا لا يدل عليه اللفظ بل ينافيه, ولا يدل عليه المعنى. فأي آية وبرهان, برجوع البلدان الدامرة إلى العمارة, وهذه لم تزل تشاهد, تعمر قرى ومساكن, وتخرب أخرى. وإنما الآية العظيمة, في إحيائه بعد موته, وإحياء حماره, وإبقاء طعامه وشرابه, لم يتعفن ولم يتغير. ثم قوله " فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ " صريح في أنه لم يتبين له إلا بعد ما شاهد هذه الحال الدالة على كمال قدرته عيانا.

"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
وأما البرهان الآخر, فإن إبراهيم قال طالبا من الله, أن يريه كيف يحيي الموتى: فقال الله له: " أَوَلَمْ تُؤْمِنْ " ليزيل الشبهة عن خليله. " قَالَ " إبراهيم: " بَلَى " يا رب, قد آمنت أنك على كل شيء قدير, وأنك تحيي الموتى, وتجازي العباد. ولكن أريد أن يطمئن قلبي, وأصل إلى درجة عين اليقين. فأجاب الله دعوته, كرامة لا, ورحمة بالعباد. " قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ " ولم يبين أي الطيور هي. فالآية حاصلة بأي نوع منها, وهو المقصود. " فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ " ضمهن, واذبحهن, ومزقهن. " ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ". ففعل ذلك, وفرق أجزاءهن على الجبال, التي حوله, ودعاهن بأسمائهن, فأقبلن إليه, أي: سريعات, لأن السعي: السرعة. وليس المراد, أنهن جئن على قوائمهن, وإنما جئن طائرات, على أكمل ما يكون من الحياة. وخص الطيور بذلك, لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن. وأيضا أزال في هذا كل وهم, ربما يعرض للنفوس المبطلة. فجعلهن متعددات أربعة, ومزقهن جميعا, وجعلهن على رءوس الجبال ليكون ذلك ظاهرا علنا, يشاهد من قرب ومن بعد, وأنه نحاهن عنه كثيرا, لئلا يظن أن يكون عاملا حيلة من الحيل. وأيضا أمره أن يدعوهن, فجئن مسرعات. فصارت هذه الآية, أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته. وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه, وتمام عدله وفضله.

"مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "
هذا حث عظيم من الله لعباده على إنفاق أموالهم في سبيله, وهو طريقه الموصل إليه. فيدخل في هذا, إنفاقه في ترقية العلوم النافعة, وفي الاستعداد للجهاد في سبيله, وفي تجهز المجاهدين وتجهيزهم, وفي جميع المشاريع الخيرية النافعة للمسلمين. ويلي ذلك, الإنفاق على المحتاجين, والفقراء والمساكين. وقد يجتمع الأمران, فيكون في النفقة دفع الحاجات, والإعانة على الخير والطاعات. فهذه النفقات مضاعفة, هذه المضاعفة بسبعمائة إلى أضعاف أكثر من ذلك. ولهذا قال " وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ " وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق, من الإيمان, والإخلاص التام, وفي ثمرات نفقته ونفعها. فإن بعض طرق الخيرات, يترتب على الإنفاق فيها, منافع متسلسلة, ومصالح متنوعة, فكان الجزاء من جنس العمل.

"الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
ثم أيضا, ذكر ثوابا آخر للمنفقين أموالهم في سبيله, نفقة صادرة, مستوفية لشروطها, منتفية موانعها. فلا يتبعون المنفق عليه منا منهم عليه, وتعدادا للنعم, وأذية له, قولية, أو فعلية. فهؤلاء " لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ " بحسب ما يعلمه منه, وبحسب نفقاتهم ونفعها, وبفضله الذي لا تناله, ولا تصل إليه: صدقاتهم. " وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " فنفى عنهم المكروه الماضي, بنفي الحزن, والمستقبل بنفي الخوف عليهم, فقد حصل لهم المحبوب, واندفع عنهم المكروه.

"قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ "
ذكر الله أربع مراتب للإحسان: المرتبة العليا, النفقة الصادرة عن نية صالحة, ولم يتبعها المنفق منا ولا أذى. ثم يليها, قول المعروف وهو: الإحسان القولي بجميع وجوهه, الذي فيه سرور المسلم, والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئا, وغير ذلك من أقوال المعروف. والثالثة: الإحسان بالعفو والمغفرة, عمن أساء إليك, بقول أو فعل. وهذان أفضل من الرابعة, وخير منها, وهي التي يتبعها المتصدق الأذى للمعطي, لأنه كدر إحسانه وفعل خيرا وشرا. فالخير المحض - وإن كان مفضولا - خير من الخير الذي يخالطه شر, وإن كان فاضلا, وفي هذا, التحذير العظيم لمن يؤذي من تصدق عليه, كما يفعله أهل اللؤم والحمق والجهل. " وَاللَّهُ " تعالى " غَنِيٌّ " عن صدقاتهم, وعن جميع عباده. " حَلِيمٌ " مع كمال غناه, وسعة عطاياه, يحلم عن العاصين, ولا يعاجلهم بالعقوبة. بل يعافيهم, ويرزقهم, ويدر عليهم خيره, وهم مبارزون له بالمعاصي.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ "
ثم نهى أشد النهي, عن المن والأذى, وضرب لذلك مثلا فقال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ". الآية ضرب الله في هذه الآيات, ثلاثة أمثلة: للمنفق ابتغاء وجهه, ولم يتبع نفقته منا ولا أذى. ولمن أتبعها منا وأذى, وللمرائي.

"وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
فأما الأول, فإنه لما كانت نفقته مقبولة مضاعفة, لصدورها عن الإيمان والإخلاص التام " ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ " أي: ينفقون, وهم ثابتون على وجه السماحة والصدق فمثل هذا العمل " كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ " وهو المكان المرتفع, لأنه يتبين للرياح والشمس, والماء فيها غزير. فإن لم يصبها ذلك الوابل الغزير, حصل طل كاف, لطيب منبتها, وحسن أرضها, وحصول جميع الأسباب الموفرة لنموها وازدهارها وإثمارها. ولهذا " فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ " أي متضاعفا. وهذه الجنة التي على هذا الوصف, هي أعلى ما يطلبه الناس, فهذا العمل الفاضل بأعلى المنازل.

"أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ "
وأما من أنفق لله, ثم أتبع نفقته منا وأذى, أو عمل عملا, فأتى بمبطل لذلك العمل, فهذا مثله مثال صاحب هذه الجنة, لكن سلط عليها " إِعْصَارٌ " وهو الريح الشديدة " فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ " وله ذرية ضعفاء, وهو ضعيف قد أصابه الكبر. فهذه الحال من أفظع الأحوال, ولهذا صدر هذا المثل بقوله: " أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ " إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته. فإن تلفها دفعة واحدة, بعد زهاء أشجارها, وإيناع ثمارها, مصيبة كبرى. ثم حصول هذه الفاجعة - وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل, وله ذرية ضعفاء, لا مساعدة منهم له, ومؤنتهم عليه - فاجعة أخرى, فصار صاحب هذا المثل, الذي عمل لله, ثم أبطل عمله بمناف له, يشبه حال صاحب الجنة, التي جرى عليها ما جرى, حين اشتدت ضرورته إليها. المثل الثالث: الذي يرائي الناس, وليس معه إيمان بالله, ولا احتساب لثوابه, حيث شبه قلبه بالصفوان, وهو: الحجر الأملس. عليه تراب يظن الرائي, أنه إذا أصابه المطر, أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة. ولكنه كالحجر, الذي أصابه الوابل الشديد, فأذهب ما عليه من التراب, وتركه صلدا. وهذا مثل مطابق لقلب المرائي, الذي ليس فيه إيمان, بل هو قاس لا يلين ولا يخشع. فهذا, أعماله ونفقاته, لا أصل لها, تؤسس عليه, ولا غاية لها, تنتهي إليه, بل ما عمله, فهو باطل, لعدم شرطه. والذي قبله بطل بعد وجود الشرط, لوجود المانع. والأول, مقبول مضاعف, لوجود شرطه الذي هو الإيمان والإخلاص والثبات, وانتفاء الموانع المفسدة. وهذه الأمثال الثلاثة, تنطبق على جميع العاملين. فليزن العبد نفسه وغيره, بهذه الموازين العادلة, والأمثال المطابقة. " وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ".

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ "
يحث الباري عباده, على الإنفاق مما كسبوا, في التجارات, ومما أخرج لهم من الأرض, من الحبوب والثمار. وهذا يشمل زكاة النقدين, والعروض كلها, المعدة للبيع والشراء, والخارج من الأرض, من الحبوب والثمار. ويدخل في عمومها, الفرض والنفل. وأمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها, ولا يقصدوا الخبيث, وهو الرديء الدون, يجعلونه لله. ولو بذله لهم من لهم حق عليه, لم يرتضوه, ولم يقبلوه, إلا على وجه المغاضاة والإغماض. فالواجب, إخراج الوسط من هذه الأشياء, والكمال: إخراج العالي, والممنوع إخراج الرديء فإن هذا لا يجزئ عن الواجب, ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب. " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ " فهو غني عن جميع المخلوقين, وهو الغني عن نفقات المنفقين, وعن طاعات الطائعين. وإنما أمرهم بها, وحثهم عليها, لنفعهم, ومحض فضله وكرمه عليهم. ومع كمال غناه, وسعة عطاياه, فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام, الموصلة لهم إلى دار السلام. وحميد في أفعاله, التي لا تخرج عن الفضل, والعدل والحكمة. وحميد الأوصاف, لأن أوصافه كلها محاسن وكمالات, لا يبلغ العباد كنهها, ولا يدركون وصفها.

"الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "
فلما حثهم على الإنفاق النافع, ونهاهم عن الإمساك الضار, بين لهم أنهم بين داعيين: داعي الرحمن, يدعوهم إلى الخير, ويعدهم عليه الخير, والفضل والثواب العاجل والآجل, وإخلاف ما أنفقوا. وداعي الشيطان, الذي يحثهم على الإمساك ويخوفهم, إن أنفقوا أن يفتقروا. فمن كان مجيبا لداعي الرحمن, وأنفق مما رزقه الله, فليبشر بمغفرة الذنوب, وحصول كل مطلوب. ومن كان مجيبا لداعي الشيطان, فإنه إنما يدعو حزبه, ليكونوا من أصحاب السعير. فليختر العبد أي الأمرين أليق به. وختم الآية بأنه " وَاسِعٌ عَلِيمٌ " أي واسع الصفات كثير الهبات عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين وعليم بمن هو أهل فيوفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات.

"يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ "
لما ذكر أحوال المنفقين للأموال, وأن الله أعطاهم, ومن عليهم بالأموال التي يدركون بها النفقات في الطرق الخيرية, وينالون بها المقامات السنية, ذكر ما هو أفضل من ذلك, وهو أنه يعطي الحكمة من يشاء من عباده, ومن أراد بهم خيرا من خلقه. والحكمة هي: العلوم النافعة, والمعارف الصائبة, والعقول المسددة, والألباب الرزينة, وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال. وهذا أفضل العطايا, وأجل الهبات, ولهذا قال: " وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى, ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال, إلى إصابة الصواب فيها, وحصول السداد, ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم, واستعد لنفع الخلق أعظم نفع, في دينهم ودنياهم. وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة, التي هي: وضع الأشياء في مواضعها. وتنزيل الأمور منازلها, والإقدام في محل الإقدام والإحجام في موضع الإحجام. ولكن ما يتذكر هذا الأمر العظيم, وما يعرف قدر هذا العطاء الجسيم. " إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ " وهم: أهل العقول الوافية, والأحلام الكاملة, فهم الذين يعرفون النافع فيعملونه, والضار فيتركونه. وهذان الأمران, وهما بذل النفقات المالية, وبذل, الحكمة العلمية, أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله, وأعلى ما وصلوا به إلى أجل الكرامات. وهما اللذان ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق, ورجل آتاه الله الحكمه فهو يعلمها الناس".

"وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ "
يخبر تعالى, أنه مهما أنفق المنفقون أو تصدق المتصدقون, أو نذر الناذرون, فإن الله يعلم ذلك. ومضمون الإخبار بعلمه, يدل على الجزاء, وأن الله لا يضيع عنده مثقال ذرة. ويعلم ما صدرت عنه, من نيات صالحة, أو سيئة. وأن الظالمين الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم, أو يقتحمون ما حرم عليهم, ليس من دونهم أنصار, ينصرونهم ويمنعونهم. وأنه لا بد أن تقع بهم العقوبات.

"إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "
وأخبر أن الصدقة, إن أبداها المتصدق, فهي خير, وإن أخفاها, وسلمها للفقير, كان أفضل. لأن الإخفاء على الفقير, إحسان آخر. وأيضا, فإنه يدل على قوة الإخلاص. وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله" من تصدق بصدقة فأخفاها, حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". وفي قوله: " وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ " فائدة لطيفة. وهو أن إخفاءها خير من إظهارها, إذا أعطيت الفقير. فأما إذا صرفت في مشروع خيري, لم يكن في الآية, ما يدل على فضيلة إخفائها, بل هنا قواعد الشرع, تدل على مراعاة المصلحة. فربما كان الإظهار خيرا, لحصول الأسوة والاقتداء, وتنشيط النفوس على أعمال الخير. وقوله: " وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ " في هذا: أن الصدقات يجتمع فيها الأمران. حصول الخير, وهو: كثرة الحسنات والثواب والأجر. ودفع الشر والبلاء الدنيوي والأخروي, بتكفير السيئات. " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " فيجازي كلا بعمله, بحسب حكمته.

"لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ "
أي: إنما عليك - أيها الرسول - البلاغ, وحث الناس على الخير, وزجرهم عن الشر, وأما الهداية, فبيد الله تعالى: ويخبر عن المؤمنين حقا, أنهم لا ينفقون إلا لطلب مرضاة ربهم, واحتساب ثوابه, لأن إيمانهم, يدعوهم إلى ذلك. فهذا خير وتزكية للمؤمنين, ويتضمن التذكير لهم, بالإخلاص. وكرر علمه - تعالى - بنفقاتهم, لإعلامهم أنه لا يضيع عنده, مثقال ذرة "وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما".

"لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ "
يعني أنه ينبغي أن تتحروا بصدقاتكم الفقراء, الذين حبسوا أنفسهم في سبيل الله, وعلى طاعته, وليس لهم إرادة في الاكتساب, أو ليس لهم قدرة عليه, وهم يتعففون. إذا رآهم الجاهل ظن أنهم أغنياء " لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ". فهم لا يسألون بالكلية, وإن سألوا اضطرارا, لم يلحفوا في السؤال. فهذا الصنف من الفقراء, أفضل ما وضعت فيهم النفقات, لدفع حاجتهم, وإعانة لهم على مقصدهم وطريق الخير, وشكرا لهم على ما اتصفوا به, من الصبر, والنظر إلى الخالق, لا إلى الخلق.

"الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
ومع ذلك, فالإنفاق في طرق الإحسان وعلى المحاويج حيثما كانوا, فإنه خير وأجر, وثواب عند الله ولهذا قال تعالى: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً " الآية. " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً " الآية. فإن الله يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله, وإن الله ينيلهم الخيرات ويدفع عنهم الأحزان والمخاوف والكريهات. وقوله: " فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ " أي كل أحد منهم بحسب حاله. وتخصيص ذلك, بأنه عند ربهم, يدل على شرف هذه الحال, ووقوعها في الموقع الأكبر, كما في الحديث الصحيح. " إن العبد ليتصدق بالتمرة من كسب طيب فيتقبلها الجبار بيده فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل العظيم".

"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله, من الخيرات, وما يكفر عنهم, من الذنوب والخطيئات, ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة, وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم. فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين, عوقبوا في البرزخ والقيامة, بأنهم لا يقومون من قبورهم, أو يوم بعثهم ونشورهم " إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " أي: من الجنون والصرع. وذلك عقوبة, وخزي وفضيحة لهم, وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم " إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ". فجمعوا - بجراءتهم - بين ما أحل الله, وبين ما حرم الله, واستباحوا بذلك, الربا. ثم عرض تعالى, العقوبة على المرابين وغيرهم فقال: " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ " بيان مقرون به الوعد والوعيد. " فَانْتَهَى " عما كان يتعاطاه من الربا " فَلَهُ مَا سَلَفَ " مما تجرأ عليه وتاب منه. " وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ " فيما يستقبل من زمانه. فإن استمر على توبته, فالله لا يضيع أجر المحسنين. " وَمَنْ عَادَ " بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا " فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها, وذلك لشناعته, ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان. وهذا من جملة الأحكام, التي تتوقف على وجود شروطها, وانتفاء موانعها. وليس فيها حجة للخوارج, كغيرها من آيات الوعيد. فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة. فيؤمن العبد, بما تواترت به النصوص, من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان, من النار. ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار, إن لم يتب منها.

"يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ "
ثم أخبر تعالى, أنه يمحق مكاسب المرابين, ويربي صدقات المنفقين, عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق, أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده, فإن مادة الرزق وحصول ثمراته, من الله تعالى. وما عند الله, لا ينال إلا بطاعته, وامتثال أمره. فالمتجرئ على الربا, يعاقبه بنقيض مقصوده, وهذا مشاهد بالتجربة و "من أصدق من الله قيلا". " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ " وهو الذي كفر نعمة الله, وجحد منة ربه, وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية, أن الله يحب من كان شكورا على النعماء, تائبا من المآثم والذنوب.

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا, وهي قوله: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ " الآية, لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية, تكميل الإيمان وحقوقه. خصوصا, إقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وإن الزكاة إحسان إلى الخلق, ينافي تعاطي الربا, الذي هو ظلم لهم, وإساءة عليهم.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
ثم وجه الخطاب للمؤمنين, وأمرهم أن يتقوه. ويذروا ما بقي من معاملات الربا, التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك, فإنهم محاربون لله ورسوله. وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا, حيث جعل المصر عليه, محاربا لله ورسوله.

"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ "
ثم قال " وَإِنْ تُبْتُمْ " يعني من المعاملات الربوية. " فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ " الناس بأخذ الربا " وَلَا تُظْلَمُونَ " ببخسكم رءوس أموالكم. فكل من تاب من الربا, فإن كانت معاملات سالفة, فله ما سلف, وأمره منظور فيه. وإن كانت معاملات موجودة, وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله. فإن أخذ زيادة, فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية, بيان لحكمة تحريم الربا, وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين, بأخذ الزيادة, وتضاعف الربا عليهم, وهو واجب إنظارهم.

"وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
ولهذا قال: " وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ". أي: وإن كان الذي عليه الدين معسرا, لا يقدر على الوفاء, وجب على غريمه, أن ينظره إلى ميسرة. وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح, أن يوفى ما عليه. وإن تصدق عليه غريمه - بإسقاط الدين كله أو بعضه - فهو خير له, ويهون على العبد, التزام الأمور الشرعية, واجتناب المعاملات الربوية, والإحسان إلى المعسرين, علمه بأن له يوما يرجع فيه إلى الله, ويوفيه عمله, ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله: " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ".

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا "
ثم قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ " الآية. احتوت هذه الآيات, على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم, إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا تقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها, فإن فيها فوائد كثيرة. منها: جواز المعاملات في الديون, سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجلا ثمنه, فكله جائز, لأن الله أخبر به عن المؤمنين, وما أخبر به عن المؤمنين, فإنه من مقتضيات الإيمان وقد أقرهم عليه الملك الديان. ومنها: وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وحلول الإجارات. ومنها: أنه إذا كان الأجل مجهولا, فإنه لا يحل, لأنه غرر وخطر, فيدخل في الميسر. ومنها: أمره تعالى, بكتابة الديون. وهذا الأمر قد يجب, إذا وجب حفظ الحق, كالذي للعبد عليه ولاية, وكأموال اليتامى, والأوقاف, والوكلاء, والأمناء. وقد يقارب الوجوب, كما إذا كان الحق متمحضا للعبد, فقد يقوى الاستحباب, بحسب الأحوال المقتضية لذلك. وعلى كل حال, فالكتابة من أعظم ما تحفظ به هذه المعاملات المؤجلة, لكثرة النسيان, ولوقوع المغالطات, وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى. ومنها: أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل, فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها, ولا على أحدهما, لعداوة ونحوها. ومنها: أن الكتابة بين المتعاملين من أفضل الأعمال, ومن الإحسان إليهما. وفيها حفظ حقوقهما, وبراءة ذممها, كما أمره الله بذلك. فليحتسب الكاتب بين الناس, هذه الأمور, ليحظى بثوابها. ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفا بالعدل, معروفا بالعدل. لأنه إذا لم يكن عارفا بالعدل, لم يتمكن منه. وإذا لم يكن معتبرا عدلا عند الناس رضيا, لم تكن كتابته معتبرة, ولا حاصلا بها المقصود, الذي هو حفظ الحقوق. ومنها: أن من تمام الكتابة والعدل فيها, أن يحسن الكاتب الإنشاء, والألفاظ المعتبرة, في كل معاملة بحسبها. وللعرف في هذا المقام, اعتبار عظيم. ومنها: أن الكتابة من نعم الله على العباد, التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها, وأن من علمه الله الكتابة, فقد تفضل عليه بفضل عظيم. فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى, أن يقضي بكتابته حاجات العباد, ولا يمتنع من الكتابة ولهذا قال: " وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ".

"فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى "
ومنها: أن الذي يكتبه الكاتب, هو اعتراف من عليه الحق, إذا كان يحسن التعبير عن الحق الذي عليه. فإن كان لا يحسن ذلك - لصغره, أو سفهه, أو جنونه, أو خرسه, أو عدم استطاعته - أملى عنه وليه, وقام وليه في ذلك مقامه. ومنها: أن الاعتراف من أعظم الطرق, التي تثبت بها الحقوق, حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب, ما أملى عليه من عليه الحق. ومنها: ثبوت الولاية على القاصرين, من الصغار, والمجانين, والسفهاء ونحوهم. ومنها: أن الولي يقوم مقام موليه, في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه. ومنها: أن من أمنته في معاملة; وفوضته فيها; فقوله في ذلك مقبول. وهو نائب منابك; لأنه إذا كان الولي على القاصرين; ينوب منابهم. فالذي وليته باختيارك; وفوضت إليه الأمر, أولى بالقبول, واعتبار قوله وتقديمه على قولك; عند الاختلاف. ومنها: أنه يجب على الذي عليه الحق - إذا أملى على الكاتب - أن يتقي الله; ولا يبخس الحق الذي عليه; فلا ينقصه في قدره; ولا في وصفه, ولا في شرط من شروطه; أو قيد من قيوده. بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق; كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له. فمن لم يفعل ذلك; فهو من المطففين الباخسين. ومنها: وجوب الاعتراف بالحقوق الخفية; وأن ذلك من أعظم خصال التقوى; كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها. ومنها: الإرشاد إلى الإشهاد في البيع. فإن كانت في المداينات; فحكمها حكم الكتابة كما تقدم; لأن الكتابة هي كتابة الشهادة. وإن كان البيع بيعا حاضرا; فينبغي الإشهاد فيه. ولا حرج فيه بترك الكتابة; لكثرته وحصول المشقة فيه. ومنها: الإرشاد إلى إشهاد رجلين عدلين. فإن لم يمكن, أو تعذر, أو تعسر, فرجل وامرأتان. وذلك شامل لجميع المعاملات, بيوع الإدارة, وبيوع الديون وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها. وإذا قيل: قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد الواحد مع اليمين, والآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين, أو رجل وامرأتين. قيل: الآية الكريمة, فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم. ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق, وأقواها. وليس فيها, ما ينافي ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالشاهد واليمين. فباب حفظ الحقوق في ابتداء الأمر, يرشد فيه العبد إلى الاحتراز والتحفظ التام. وباب الحكم بين المتنازعين, ينظر فيه إلى المرجحات والبينات, بحسب حالها. ومنها: أن شهادة المرأتين, قائمة مقام الرجل الواحد, في الحقوق الدنيوية. وأما في الأمور الدينية - كالرواية والفتوى - فإن المرأة فيه, تقوم مقام الرجل, والفرق ظاهر بين البابين. ومنها: الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل, وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالبا, وقوة حافظة الرجل. ومنها: أن الشاهد لو نسى شهادته, فذكره الشاهد الآخر, فذكر أنه لا يضر ذلك النسيان, إذا زال بالتذكير لقوله: " أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى " وصن باب أولى, إذا نسي الشاهد, ثم ذكر من دون تذكير, فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين. ومنها: أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين, لا عن شك. فمتى صار عند الشاهد, ريب في شهادته - ولو غلب على ظنه - لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم.

"وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا "
ومنها: أن الشاهد ليس له أن يمتنع, إذا دعي للشهادة, سواء دعي للتحمل أو للأداء. وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة, كما أمر الله بها, وأخبر عن نفعها ومصالحها. ومنها: أنه لا يحل الإضرار بالكاتب, ولا بالشهيد, بأن يدعيا في وقت أو حالة, تضرهما. وكما أنه نهى لأهل الحقوق والمتعاملين, وأن يضاروا الشهود والكتاب, فإنه أيضا, نهى للكاتب والشهيد, أن يضار المتعاملين أو أحدها. وفي هذا أيضا أن الشاهد والكاتب - إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة - أنه يسقط عنهما الوجوب. وفيها التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف, لا يحل إضرارهم, وتحميلهم ما لا يطيقون, فـ "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟". وكذلك على من أحسن وفعل معروفا, أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي, بمن أوقع به المعروف, فإن الإحسان, لا يتم إلا بذلك. ومنها: أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكتابة والشهادة, حيث وجبت, لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد, ولأنه من مضارة المتعاملين. ومنها: التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة, وأن فيها حفظ الحقوق والعدل, وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول ولهذا قال: " ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا " وهذه مصالح ضرورية للعباد.

"إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
ومنها: أن تعلم الكتابة من الأمور الدينية, لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان. ومنها: أن من خصه الله بنعمة من النعم, يحتاج الناس إليها. فمن تمام شكر هذه النعمة, أن يعود بها على عباد الله, وأن يقضي بها حاجتهم, لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة, بتذكير الكاتب بقوله " كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ". ومع هذا "فمن كان في حاجة أخيه, كان الله في حاجته". ومنها: أن الإضرار بالشهود والكتاب, فسوق بالإنسان. فإن الفسوق هو: الخروج عن طاعة الله إلى معصيته, وهو يزيد وينقص, ويتبعض. ولهذا لم يقل "فأنتم فساق" أو "فاسقون" بل قال " فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ". فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه, فإنه يحصل به من الفسوق, بحسب ذلك. واستدل بقوله تعالى " وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ " أن تقوى الله, وسيلة إلى حصول العلم. وأوضح من هذا قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا " أي: علما تفرقون به بين الحقائق, والحق والباطل. ومنها: أنه كما أنه من العلم النافع, تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات, فمنه أيضا, تعليم الأمور الدينوية المتعلقة بالمعاملات, فإن الله تعالى, حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم, وكتابه العظيم فيه تبيان كل شيء.
"وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ "
ومنها: مشروعية الوثيقة بالحقوق, وهي الرهون والضمانات, التي تكفل للعبد حصوله على حقه, سواء عامل برا أو فاجرا, أمينا خائنا. فكم في الوثائق, من حفظ حقوق, وانقطاع منازعات. ومنها: أن تمام الوثيقة في الرهن, أن يكون مقبوضا. ولا يدل ذلك, على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض, بل التقييد بكون الرهن مقبوضا, يدل على أنه قد يكون مقبوضا, تحصل به الثقة التامة, وقد لا يكون مقبوضا, فيكون ناقصا. ومنها: أنه يستدل بقوله " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين الذي به الرهن, أن القول قول المرتهن, صاحب الحق, لأن الله جعل الرهن وثيقة به. فلولا أنه يقبل قوله في ذلك, لم تحصل به الوثيقة لعدم الكتابة والشهود. ومنها: أنه يجوز التعامل بغير وثيقة, ولا شهود, لقوله " فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ " ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله, وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه ولهذا أمر الله في هذه الحال, من عليه الحق, أن يتقي الله ويؤدي أمانته. ومنها: أن من ائتمنه معامله, فقد عمل معه معروفا عظيما, ورضي بدينه وأمانته. فيتأكد على من عليه الحق, أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله, وامتثالا لأمره, ووفاء بحق صاحبه, الذي رضي بأمانته, ووثق به. ومنها: تحريم كتم الشهادة, وأن كاتمها قد أثم قلبه, الذي هو ملك الأعضاء. وذلك لأن كتمها, كالشهادة بالباطل والزور, فيها ضياع الحقوق, وفساد المعاملات, والإثم المتكرر في حقه, وحق من عليه الحق. وأما تقييد الرهن بالسفر - مع أنه يجوز حضرا وسفرا - فللحاجة إليه, لعدم الكاتب والشهيد. وختم الآية بأنه "عليم" بكل ما يعمله العباد, كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة, والترهيب من المعاملات السيئة.

"لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
يخبر تعالى, بعموم ملكه لأهل السماء والأرض, وإحاطة علمه بما أبداه العباد, وما أخفوه في أنفسهم, وأنه سيحاسبهم به, فيغفر لمن يشاء, وهو المنيب إلى ربه, الأواب إليه " فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ". ويعذب من يشاء, وهو المصر على المعاصي, في باطنه وظاهره. وهذه الآية, لا تنافي الأحاديث الواردة في العفو, عما حدث به العبد نفسه, ما لم يعمل أو يتكلم. فتلك الخطرات هي التي تتحدث بها النفوس, التي لا يتصف بها العبد ولا يصمم عليها. وأما هنا فهي العزائم المصممة, والأوصاف الثابتة في النفوس, أوصاف الخير, وأوصاف الشر, ولهذا قال " مَا فِي أَنْفُسِكُمْ " أي: استقر فيها وثبت, من العزائم والأوصاف. وأخبر أنه " عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فمن تمام قدرته, محاسبة الخلائق, وإيصال ما يستحقونه, من الثواب والعقاب.

"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ "
ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن من قرأ هاتيمن الآيتين في ليلته كفتاه أي: من جميع الشرور, وذلك لما احتوتا عليه من المعاني الجليلة. فإن الله أمر في أول هذه السورة, الناس بالإيمان, بجميع أصوله في قوله: " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا " الآية. وأخبر في هذه الآية, أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين, آمنوا بهذه الأصول العظيمة, وبجميع الرسل, وجميع الكتب. ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض, وكفر ببعض, كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة. وفي قرن المؤمنين بالرسول صلى الله عليه وسلم, والإخبار عنهم جميعا بخبر واحد, شرف عظيم للمؤمنين. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم مشارك للأمة في الخطاب الشرعي له, وقيامه التام به, وأنه فاق المؤمنين بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه. وقوله " وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " هذا التزام من المؤمنين, عام لجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة, وأنهم سمعوه سماع قبول وإذعان وانقياد. ومضمون ذلك, تضرعهم إلى الله في طلب الإعانة على القيام به, وأن الله يغفر لهم ما قصروا فيه من الواجبات, وما ارتكبوه من المحرمات, وكذلك تضرعوا إلى الله في هذه الأدعية النافعة. والله تعالى قد أجاب دعاءهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فقال "قد فعلت". فهذه الدعوات, مقبولة من مجموع المؤمنين قطعا, ومن أفرادهم, إذا لم يمنع من ذلك مانع في الأفراد. وذلك أن الله رفع عنهم المؤاخذة, في الخطأ والنسيان, وأن الله سهل عليهم شرعه غاية التسهيل. ولم يحملهم من المشاق, والآصار, والأغلال, ما حمله على من قبلهم, ولم يحملهم فوق طاقتهم, وقد غفر لهم ورحمهم, ونصرهم على القوم الكافرين. فنسأل الله تعالى, بأسمائه وصفاته, وبما من به علينا من التزام دينه, أن يحقق لنا ذلك, وأن ينجز لنا ما وعدنا على لسان نبيه, وأن يصلح أحوال المؤمنين. ويؤخذ من هنا, قاعدة التيسير, ونفي الحرج في أمور الدين كلها. وقاعدة العفو عن النسيان والخطأ, في العبادات, وفي حقوق الله تعالى. وكذلك في حقوق الخلق من جهة رفع المأثم, وتوجه الذم. وأما وجوب ضمان المتلفات, خطأ أو نسيانا, في النفوس والأموال, فإنه مرتب على الإتلاف بغير حق, وذلك شامل لحالة الخطأ والنسيان, والعمد. تم تفسير سورة البقرة, ولله الحمد والثناء. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
سورة آل عمران


"الم "
" الم " من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله.

"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ "
فأخبر تعالى أنه " الْحَيُّ " كامل الحياة " الْقَيُّومُ " القائم بنفسه, المقيم لأحوال خلقه. وقد أقام أحوالهم الدينية, وأحوالهم الدنيوية والقدرية.

"نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ "
فأنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب بالحق, الذي لا ريب فيه, وهو مشتمل على الحق " مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ " من الكتب. أي: شهد بما شهدت به, ووافقها, وصدق من جاء بها من المرسلين. وكذلك " وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ "

"مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ "
" مِنْ قَبْلُ " هذا الكتاب " هُدًى لِلنَّاسِ ". وأكمل الرسالة, وختمها بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق, من الضلالات, واستنقذهم به من الجهالات, وفرق به بين الحق والباطل, والسعادة والشقاوة, والصراط المستقيم, وطرق الجحيم. فالذين آمنوا به واهتدوا, حصل لهم به, الخير الكثير, والثواب العاجل والآجل. و " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ " التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله " لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ " ممن عصاه.

"إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ "
ومن تمام قيوميته تعالى, أن علمه محيط بالخلائق " لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ " حتى ما في بطون الحوامل.

"هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
فهو " الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ " من ذكر وأنثى, وكامل الخلق وناقصه, متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته. فمن هذا شأن مع عباده, واعتناؤه العظيم بأحوالهم, من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم, لا مشارك له في ذلك - فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو. " لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ " الذي قهر الخلائق بقوته, واعتز عن أن يوصف بنقص أو ينعت بذم " الْحَكِيمُ " في خلقه وشرعه.

"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ "
يخبر تعالى, عن عظمته, وكمال قيوميته, أنه هو الذي تفرد لإنزال هذا الكتاب العظيم, الذي لم يوجد - ولن يوجد - له نظير أو مقارب في هدايته, وبلاغته, وإعجازه, وإصلاحه للخلق. وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين, الذي لا يشتبه بغيره. ومنه آيات متشابهات, تحتمل بعض المعاني, ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها, حتى تضم إلى المحكم. فالذين في قلوبهم مرض وزيغ, وانحراف, لسوء قصدهم - يتبعون المتشابه منه. فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة, وآرائهم الزائفة, طلبا للفتنة, وتحريفا لكتابه, وتأويلا له على مشاربهم ومذاهبهم ليضلوا ويضلوا. وأما أهل العلم الراسخون فيه, الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم, فأثمر لهم العمل والمعارف - فيعلمون أن القرآن كله من عند الله, وأنه كله حق, محكمه ومتشابهه, وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف. فلعلمهم أن المحكمات, معناها في غاية الصراحة والبيان, يردون إليها المشتبه, الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم, وناقص المعرفة. فيردون المتشابه إلى المحكم, فيعود كله محكما, ويقولون: " آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ " للأمور النافعة, والعلوم الصائبة " إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ " أي: أهل العقول الرزينة. ففي هذا دليل على أن هذا, من علامة أولي الألباب, وأن اتباع المتشابه, من أوصاف أهل الآراء السقيمة, والعقول الواهية, والقصود السيئة. وقوله " وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ " إن أريد بالتأويل, معرفة عاقبة الأمور, وما تنتهي وتئول, تعين الوقوف على "إلا الله" حيث هو تعالى, المتفرد بالتأويل بهذا المعنى. وإن أريد بالتأويل: معنى التفسير, ومعرفة معنى الكلام, كان العطف أولى. فيكون هذا مدحا للراسخين في العلم, أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة, محكمها ومتشابهها.

"رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ "
ولما كان المقام مقام انقسام إلى منحرفين ومستقيمين, دعوا الله تعالى أن يثبتهم على الإيمان فقالوا: " رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا " أي لا تملها عن الحق إلى الباطل. " بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً " تصلح بها أحوالنا " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " أي كثير الفضل والهبات. وهذه الآية, تصلح مثالا للطريقة, التي يتعين سلوكها في المتشابهات. وذلك: أن الله تعالى ذكر عن الراسخين, أنهم يسألونه أن لا يزيغ قلوبهم, بعد إذ هداهم. وقد أخبر في آيات أخر عن الأسباب التي بها تزيغ قلوب أهل الانحراف وأن ذلك بسبب كسبهم كقوله " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ", " ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ". " وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ". فالعبد إذا تولى عن ربه, ووالى عدوه, ورأى الحق, فصدف عنه, ورأى الباطل, فاختاره - ولاه الله ما تولى لنفسه, وأزاع قلبه, عقوبة له على زيغه. وما ظلمه الله, ولكنه ظلم نفسه, فلا يلم إلا نفسه الأمارة بالسوء. والله أعلم.

"رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ "
هذا من تتمة كلام الراسخين في العلم, وهو يتضمن الإقرار بالبعث والجزاء, واليقين التام, وأن الله, لا بد أن يوقع ما وعد به. وذلك يستلزم موجبه ومقتضاه, من العمل والاستعداد لذلك اليوم. فإن الإيمان بالبعث والجزاء, أصل صلاح القلوب, وأصل الرغبة في الخير, والرهبة من الشر, اللذين هما أساس الخيرات.


"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ "
لما ذكر يوم القيامة, ذكر أن جميع من كفر بالله, وكذب رسل الله, لا بد أن يدخلوا النار ويصلوها. وأن أموالهم وأولادهم, لن تغني عنهم شيئا من عذاب الله. وأنه سيجري عليهم في الدنيا من الأخذات والعقوبات, ما جرى على فرعون وسائر الأمم المكذبة بآيات الله " فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ " وعجل لهم العقوبات الدنيوية, متصلة بالعقوبات الأخروية. " وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ " فإياكم أن تستهونوا بعقابه, فيهون عليكم الإقامة على الكفر والتكديب.

"قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ "
وهذا خبر وبشرى للمؤمنين, وتخويف للكافرين, أنهم لا بد أن يغلبوا في هذه الدنيا. وقد وقع كما أخبر الله, فغلبوا غلبة لم يكن لها مثيل ولا نظير.

"قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ "
وجعل الله تعالى, ما وقع في "بدر" من آياته الدالة على صدق رسوله, وأنه على الحق, وأعداءه على الباطل, حيث التقت فئتان. فئة المؤمنين لا يبلغون إلا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا, مع قلة عددهم. وفئة الكافرين, يناهزون الألف, مع استعدادهم التام في السلاح وغيره. فأيد الله المؤمنين بنصره, فهزموهم بإذن الله. ففي هذا عبرة لأهل البصائر. فلولا أن هذا هو الحق الذي إذا قابل الباطل أزهقه واضمحل الباطل لكان - بحسب الأسباب الحسية - الأمر بالعكس.

"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ "
أخبر تعالى, في هاتين الآيتين, عن حالة الناس, في إيثار الدنيا على الآخرة - وبين التفاوت العظيم, والفرق الجسيم بين الدارين. فأخبر أن الناس, زينت لهم هذه الأمور, فرمقوها بالأبصار, واستحلوها بالقلوب, وعكفت على لذاتها, النفوس. كل طائفة من الناس, تميل إلى نوع من هذه الأنواع, قد جعلوها هي, أكبر همهم, ومبلغ علمهم, وهي - مع هذا - متاع قليل, منقض في مدة يسيرة. فهذا " مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ".

"قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ "
ثم أخبر عن ذلك بأن المتقين لله, القائمين بعبوديته, لهم خير من هذه اللذات. فلهم أصناف الخيرات, والنعيم المقيم, مما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. ولهم رضوان الله, الذي هو أكبر من كل شيء. ولهم الأزواج المطهرة, من كل آفة ونقص, جميلات الأخلاق, كاملات الخلائق, لأن النفي يستلزم ضده, فتطهيرها عن الآفات, مستلزم لوصفها بالكمالات. " وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ " فييسر كلا منهم لما خلق له. أما أهل السعادة, فييسرهم للعمل لتلك الدار الباقية, ويأخذون من هذه الحياة الدنيا, ما يعينهم على عبادة الله وطاعته. وأما أهل الشقاوة والإعراض, فيقيضهم لعمل أهل الشقاوة, ويرضون بالحياة الدنيا, ويطمئنون بها, ويتخذونها قرارا.

"الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "
أي: هؤلاء الراسخون في العلم, أهل العلم والإيمان, يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم, لمغفرة ذنوبهم, ووقايتهم عذاب النار, وهذا من الوسائل التي يحبها الله, أن يتوسل العبد إلى ربه, بما من به عليه من الإيمان والأعمال الصالحة, إلى تكميل نعم الله عليه, بحصول الثواب الكامل, واندفاع العقاب.

"الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ "
ثم وصفهم بأجمل الصفات: بالصبر الذي هو: حبس النفوس على ما يحبه الله, طلبا لمرضاته. يصبرون على طاعة الله, ويصبرون عن معاصيه, ويصبرون على أقداره المؤلمة. وبالصدق بالأقوال والأحوال, وهو استواء الظاهر والباطن, وصدق العزيمة على سلوك الصراط المستقيم. وبالقنوت الذي هو: دوام الطاعة, مع مصاحبة الخشوع والخضوع. بالنفقات في سبل الخيرات, وعلى الفقراء, وأهل الحاجات. وبالاستغفار, خصوصا وقت الأسحار, فإنهم مدوا الصلاة إلى وقت السحر, فجلسوا يستغفرون الله تعالى.

"شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
هذه أجل الشهادات الصادرة من الملك العظيم, ومن الملائكة, وأهل العلم, على أجل مشهود عليه, وهو توحيد الله, وقيامه بالقسط. وذلك يتضمن الشهادة, على جميع الشرع, وجميع أحكام الجزاء. فإن الشرع والدين, أصله وقاعدته, توحيد الله وإفراده بالعبودية, والاعتراف بانفراده, بصفات العظمة والكبرياء, والمجد, والعز, والقدرة, والجلال, ونعوت الجود, والبر والرحمة, والإحسان, والجمال وبكماله المطلق الذي لا يحصى أحد من الخلق, أن يحيطوا بشيء منه, أو يبلغوه, أو يصلوا إلى الثناء عليه, والعبادات الشرعية, والمعاملات وتوابعها, والأمر والنهي, كله عدل وقسط, لا ظلم فيه ولا جور, بوجه من الوجوه. بل هو في غاية الحكمة والإحكام. والجزاء على الأعمال الصالحة والسيئة, كله قسط وعدل. " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ ". فتوحيد الله, ودينه وجزاؤه, قد ثبت ثبوتا لا ريب فيه, وهو أعظم الحقائق وأوضحها, وقد أقام الله على ذلك من البراهين, والأدلة, ما لا يمكن إحصاؤه وعده. وفي هذه الآية: فضيلة العلم والعلماء, لأن الله خصهم بالذكر, من دون البشر. وقرن شهادتهم, بشهادته وشهادة ملائكته. وجعل شهادتهم, من أكبر الأدلة والبراهين, على توحيده ودينه وجزائه. وأنه يجب على المكلفين قبول هذه الشهادة العادلة الصادقة. وفي ضمن ذلك: تعديلهم, وأن الخلق تبع لهم, وأنهم, هم الأئمة المتبوعون. وفي هذا من الفضل والشرف, وعلو المكانة, ما لا يقادر قدره.

"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ "
يخبر تعالى " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ " أي: الدين الذي لا دين له سواه, ولا مقبول غيره, هو " الْإِسْلَامُ " وهو: الانقياد لله وحده, ظاهرا وباطنا, بما شرعه على ألسنة رسله, قال تعالى: " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ". فمن دان بغير دين الإسلام, فهو لم يدن لله حقيقة, لأنه لم يسلك الطريق الذي شرعه على ألسنة رسله. ثم أخبر تعالى, أن أهل الكتاب يعلمون ذلك, وإنما اختلفوا, فانحرفوا عنه, عنادا وبغيا. وإلا فقد جاءهم العلم المقتضي لعدم الاختلاف, الموجب للزوم الدين الحقيقي. ثم لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عرفوه حق المعرفة, ولكن الحسد والبغي والكفر بآيات الله, هي التي صدتهم عن اتباع الحق. " وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " أي: فلينتظروا ذلك فإنه آت, وسيجزيهم الله بما كانوا يعملون.

"فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ "
لما بين أن الدين الحقيقي عنده الإسلام, وكان أهل الكتاب قد شافهوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمجادلة, وقامت عليهم الحجة, فعاندوها, أمره الله تعالى عند ذلك, أن يقول ويعلن, أنه أسلم وجهه أي: ظاهره وباطنه, لله, وأن من اتبعه كذلك, قد وافقوه على هذا الإذعان الخالص. وأن يقول للناس كلهم, من أهل الكتاب, والأميين أي: الذين ليس لهم كتاب, من العرب وغيرهم. إن أسلمتم, فأنتم على الطريق المستقيم والهدى والحق. وإن توليتم, فحسابكم على الله, وأنا ليس علي إلا البلاغ, وقد أبلغتكم, وأقمت عليكم الحجة.

"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ "
أي الذين جمعوا بين هذه الشرور: الكفر بآيات الله وتكذيب رسل الله, والجناية العظيمة على أعظم الخلق حقا على الخلق, وهم الرسل وأئمة الهدى, الذين يأمرون الناس بالقسط, الذي اتفقت عليه الأديان والعقول

"أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ "
فهؤلاء قد " حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " واستحقوا العذاب الأليم, وليس لهم ناصر من عذاب الله, ولا منقذ من عقوبته.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ "
أي: ألا تنظر وتعجب من هؤلاء " الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ " و " يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ " الذي يصدق ما أنزله على رسله. " ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ " عن اتباع الحق. فكأنه قيل: أي داع دعاهم إلى هذا الإعراض, وهم أحق بالاتباع, وأعرفهم بحقيقة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ فذكر لذلك سببين: أمنهم, وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة. وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة حدودها بحسب أهوائهم الفاسدة, كأن تدبير الملك راجع إليهم, حيث قالوا " لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ". ومن المعلوم أن هذه أماني باطلة, شرعا وعقلا. والسبب الثاني: أنهم لما كذبوا بآيات الله وافتروا عليه, زين لهم الشيطان سوء عملهم, واغتروا بذلك, وتراءى لهم أنه الحق, عقوبة لهم على إعراضهم عن الحق, فهؤلاء كيف يكون حالهم - إذا جمعهم الله يوم القيامة, ووفى العاملين ما عملوا, وجرى عدل الله في عباده, فهنالك لا تسأل عما يصلون إليه من العقاب, وما يفوتهم من الخير والثواب, وذلك بما كسبت أيديهم "وما ربك بظلام للعبيد".

"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أصلا, وغيره تبعا - أن يقول عن ربه, معلنا بتفرده بتصريف الأمور, وتدبير العالم العلوي والسفلي, واستحقاقه باختصاصه بالملك المطلق, والتصريف المحكم, وأنه يؤتي الملك من يشاء, وينزع الملك ممن يشاء, ويعز من يشاء, ويذل من يشاء. فليس الأمر بأماني أهل الكتاب ولا غيرهم, بل الأمر أمر الله, والتدبير له. فليس له معارض في تدبيره, ولا معاون في تقديره. وأنه كما أنه المتصرف بمداولة الأيام بين الناس, فهو المتصرف بنفس الزمان. وقوله " بِيَدِكَ الْخَيْرُ " أي: الخير كله منك, ولا يأتي بالحسنات والخيرات, إلا الله. وأما الشر فإنه لا يضاف إلى الله تعالى, لا وصفا, ولا اسما, ولا فعلا. ولكنه يدخل في مفعولاته, ويندرج في قضائه وقدره. فالخير والشر, كله داخل في القضاء والقدر, فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه. ولكن الشر لا يضاف إلى الله. فلا يقال "بيدك الخير والشر", بل يقال "بيدك الخير" كما قاله الله, وقاله رسوله. وأما استدراك بعض المفسرين حيث قال "وكذلك الشر بيد الله" فإنه وهم محض. ملحظهم, حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر, ينافي قضاءه وقدره العام, وجوابه ما فصلنا.

"تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "
يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار, أي: يدخل هذا على هذا, ويحل هذا محل هذا, ويزيد في هذا, ما ينقص من هذا, ليقيم بذلك مصالح خلقه. ويخرج الحي من الميت, كما يخرج الزروع والأشجار المتنوعة من بذورها, والمؤمن من الكافر, والميت من الحي. كما يخرج الحبوب والنوى, والزروع والأشجار, والبيضة من الطائر. فهو الذي يخرج المتضادات, بعضها من بعض, وقد انقادت له جميع العناصر. وقوله " وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " قد ذكر الله في غير هذه الآية, الأسباب التي ينال بها رزقه كقوله: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ". " وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ". فعلى العباد أن لا يطلبوا الرزق, إلا من الله, ويسعوا فيه بالأسباب التي يسرها الله وأباحها.

"لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ "
هذا نهي من الله, وتحذير للمؤمنين, أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين, فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض, والله وليهم. " وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ " التولي " فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ " أي: فهو بريء من الله, والله بريء منه كقوله تعالى " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ". وقوله: " إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً " أي: إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين, فلكم - في هذه الحال - الرخصة في المسألة والمهادنة, لا في التولي الذي هو محبة القلب, الذي تتبعه النصرة. " وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ " أي: فخافوه واخشوه, وقدموا خشيته على خشية الناس, فإنه هو الذي يتولى شئون العباد, وقد أخذ بنواصيهم وإليه يرجعون وسيصيرون إليه. فيجازي من قدم حقوقه ورجاءه, على غيره, بالثواب الجزيل. ويعاقب الكافرين, ومن تولاهم, بالعذاب الوبيل.

"قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
يخبر تعالى بإحاطة علمه بما في الصدور, سواء أخفاه العباد, أو أبدوه. كما أن علمه محيط بكل شيء, في السماء والأرض, فلا تخفى عليه خافية. ومع إحاطة علمه, فهو العظيم القدير على كل شيء, الذي لا يمتنع عن إرادته موجود.

"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ "
ولما ذكر لهم من عظمته وسعة أوصافه, ما يوجب للعباد أن يراقبوه في كل أحوالهم, ذكر لهم أيضا, داعيا آخر إلى مراقبته وتقواه, وهو: أنهم كلهم صائرون إليه, وأعمالهم - حينئذ, من خير وشر - محضرة. فحينئذ يغتبط أهل الخير, بما قدموه لأنفسهم, ويتحسر أهل الشر إذا وجدوا ما عملوه محضرا ويودون أن بينهم وبينه أمدا بعيدا فإذا عرف العبد أنه ساع إلى ربه, وكادح في هذه الحياة, وأنه لا بد أن يلاقي ربه, ويلاقي سعيه, أوجب له أخذ الحذر, والتوقي من الأعمال التي توجب الفضيحة والعقوبة, والاستعداد بالأعمال الصالحة, التي توجب السعادة والمثوبة. ولهذا قال تعالى " وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ " وذلك بما يبدي لكم من أوصاف عظمته, وكمال عدله وشدة نكاله, ومع شدة عقابه, فإنه رءوف رحيم. ومن رأفته ورحمته, أنه خوف العباد, وزجرهم عن الغي والفساد, كما قال تعالى - لما ذكر العقوبات " ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ " فرأفته ورحمته, سهلت لهم الطرق, التي ينالون بها الخيرات. ورأفته ورحمته, حذرتهم من الطرق التي تفضي بهم إلى المكروهات. فنسأله تعالى, أن يتمم علينا إحسانه, بسلوك الصراط المستقيم, والسلامة من الطرق, التي تفضي بسالكها, إلى الجحيم.

"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
هذء الآية هي الميزان, التي يعرف بها من أحب الله حقيقة, ومن ادعى ذلك دعوى مجردة. فعلامة محبة الله, اتباع محمد صلى الله عليه وسلم, الذي جعل متابعته, وجميع ما يدعو إليه, طريقا إلى محبته ورضوانه. فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه, إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما, واجتناب نهيهما. فمن فعل ذلك, أحبه الله, وجازاه جزاء المحبين, وغفر له ذنوبه, وستر عليه عيوبه. فكأنه قيل: ومع ذلك, فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟

"قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ "
فأجاب بقوله. " قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ " بامتثال الأمر, واجتناب النهي وتصديق الخبر. " فَإِنْ تَوَلَّوْا " عن ذلك, فهذا هو الكفر والله " لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ".

"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ "
لله تعالى من عباده أصفياء, يصطفيهم ويختارهم, ويمن عليهم بالفضائل العالية, والنعوت السامية, والعلوم النافعة, والأعمال الصالحة, والخصائص المتنوعة. فذكر هذه البيوت الكبار, وما احتوت عليه من كملة الرجال, الذين حازوا أوصاف الكمال, وأن الفضل والخير, تسلسل في ذراريهم وشمل ذكورهم ونساءهم. وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه. " وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " يعلم من يستحق الفضل والتفضيل, فيضع فضله حيث اقتضت حكمته.

"ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
فلما قرر عظمة هذه البيوت, ذكر قصة مريم وابنها عيسى صلى الله عليه وسلم, وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة, وكيف تنقلت بهما الأحوال, من ابتداء أمرهما إلى آخره, وأن امرأة عمران قالت - متضرعة إلى ربها, متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها, التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته: " إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا " أي: خادما لبيت العبادة, المشحون بالمتعبدين. " فَتَقَبَّلْ مِنِّي " هذا العمل أي: اجعله مؤسسا على الإيمان والإخلاص, مثمرا للخير والثواب. " إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى " كان في هذا الكلام, نوع تضرع منها, وانكسار نفس حيث كان نذرها بناء على أنه يكون ذكرا, يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك, ما يحصل من أهل القوة, والأنثى بخلاف ذلك.

"فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "
فجبر الله قلبها, وتقبل الله نذرها, وصارت هذه الأنثى, أكمل وأتم من كثير من الذكور, بل من أكثرهم. وحصل بها من المقاصد, أعظم مما يحصل بالذكر, ولهذا قال: " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " أي: ربيت تربية عجيبة, دينية, أخلاقية, أدبية كملت بها أحوالها, وصلحت بها أقوالها وأفعالها, ونما فيها كمالها, ويسر الله لها زكريا كافلا. وهذا من منة الله على العبد, أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا, حيث يسر لمريم من الرزق الحاصل بلا كد ولا تعب, وإنما هو كرامة أكرمها الله به. إذ " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ " وهو محل العبادة. وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " هنيئا معدا. " قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ". فلما رأى زكريا هذه الحال, والبر واللطف من الله بها, ذكره أن يسأل الله تعالى حصول الولد, على حين اليأس منه فقال: " رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ " اسمه أي: الكلمة التي من الله "عيسى بن مريم": فكانت بشارته بهذا النبي الكريم, تتضمن البشارة بـ "عيسى" ابن مريم, والتصديق له, والشهادة له بالرسالة. فهذه الكلمة من الله, كلمة شريفة, اختص الله بها عيسى بن مريم. وإلا, فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات, كما قال تعالى: " إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " وقوله " وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ". أي: هذا المبشر به وهو يحيى, سيد من فضلاء الرسل وكرامهم: "والحصور" قيل: هو الذي لا يولد له, ولا شهوة له في النساء, وقيل: هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة. وهذا أليق المعنيين: " وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ " الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية.

"قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ "
" قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ". فهذان مانعان. فمن أي طريق - يا رب - يحصل لي ذلك, مع ما ينافي ذلك؟!. " قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ " فإنه - كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة - فإنه قد يخرق ذلك, لأنه الفعال لما يريد, الذي قد انقادت الأسباب لقدرته, ونفذت فيها مشيئته وإرادته, فلا يتعاصى على قدرته, شيء من الأسباب, ولو بلغت في القوة, ما بلغت.

"قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ "
" قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً " ليحصل السرور والاستبشار. وإن كنت - يا رب - متيقنا ما أخبرتني به, ولكن النفس تفرح, ويطمئن القلب, إلى مقدمات الرحمة واللطف. " قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ". وفي هذه المدة اذكر " رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ " أول النهار وآخره. فمنع من الكلام في هذه المدة, فكان في هذا, مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير, والمرأة العاقر. وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين, ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه, آية أخرى. فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار, وشكر الله, وأكثر من الذكر والتسبيح, بالعشايا والأبكار. وكان هذا المولود, من بركات مريم بنت عمران, على زكريا. فإن ما من الله به عليها, من ذلك الرزق الهني, الذي يحصل بغير حساب, ذكره وهيجه على التضرع والسؤال. والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب, ولكنه يقدر أمورا محبوبة على يد من يحبه, ليرفع الله قدره, ويعظم أجره.

"وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ "
ثم عاد تعالى, إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال, مبلغا عظيما فقال تعالى: " وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ " أي اختارك, ووهب للك من الصفات الجليلة, والأخلاق الجميلة. " وَطَهَّرَكِ " من الأخلاق الرذيلة " وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ". ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " كمل من الرجال كثير, ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران, وآسية بنت مزاحم, وخديجة بنت خويلد, وفضل عائشة على النساء, كفضل الثريد على سائر الطعام.

"يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ "
فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك, لتغتبط بنعم الله, وتشكر الله, وتقوم بحقوقه, وتشتغل بخدمته, ولهذا قالت الملائكة. " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " أي: أكثري من الطاعة, والخضوع والخشوع لربك, وأديمي ذلك " وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " أي: صلي مع المصلين. فقامت بكل ما أمرت به, وبرزت, وفاقت في كمالها.

"ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ "
ولما كانت هذه القصة وغيرها, من أكبر الأدلة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, حيث أخبر بها مفصلة محققة, لا زيادة فيها ولا نقص, وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم, لا بتعلم من الناس - قال تعالى: " ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ " حيث جاءت بها أمها, فاختصموا أيهم يكفلها, لأنها بنت إمامهم ومقدمهم, وكلهم يريد الخير والأجر من الله, حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها, فألقوا أقلامهم مقترعين, فأصابت القرعة زكريا, رحمة من الله به وبها. فأنت - يا أيها الرسول - لم تحضر تلك الحالة لتعرفها, فتقصها على الناس, وإنما الله نبأك بها. وهذا هو المقصود الأعظم, من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة. وأعظم العبر, الاستدلال بها على التوحيد والرسالة, والبعث, وغيرها من الأصول الكبار.

"إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ "
" إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ". أي: له الوجاهة, والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق. ومع ذلك فهو - عند الله - من المقربين, الذين هم أقرب الخلائق إلى الله, وأعلاهم درجة. وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات.

"وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ "
ومن تمام هذه البشارة أنه " وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ " فيكون تكليمه آية من آيات الله, ورحمة منه بأمه وبالخلق, وكذلك يكلمهم " وَكَهْلًا " أي في حال كهولته. وهذا تكليم النبوة والدعوة, والإرشاد. فكلامه في المهد, فيه آيات وبراهين, على صدقه, ونبوته, وبراءة أمه مما يظن بها من الظنون السيئة. وكلامه في كهولته, فيه نفعه العظيم للخلق, وكونه واسطة بينهم وبين ربهم, في وحيه, وتبليغ دينه وشرعه. ومع ذلك فهو " مِنَ الصَّالِحِينَ " الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه, وألسنتهم, بالثناء عليه وذكره, وجوارحهم بطاعته وخدمته.

"قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "
" قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ " وهذا من الأمور المستغربة " قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ " ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير, وأنه لا ممانع لإرادته. " إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

"وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ "
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ ". أي: جنس الكتب السابقة, والحكم بين الناس, ويعطيه النبوة.

"وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
ويجعله رسولا " إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ " ويؤيده بالآيات البينات, والأدلة القاهرة حيث قال: " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " تدلكم أني رسول الله حقا. وذلك " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ " وهو ممسوح العينين, الذي فقد بصره وعيناه " وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ " المذكور " لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "

"وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ "
" وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ " فأيده الله بجنسين من الآيات, والبراهين والخوارق المستغربة, التي لا يمكن لغير الأنبياء, الإتيان بها, والرسالة والدعوة, والدين الذي جاء به, وأنه دين التوراة, ودين الأنبياء السابقين, وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين. فإنه لو كان من الكاذبين, لخالف ما جاءت به الرسل, ولناقضهم في أصولهم وفروعهم. فعلم بذلك أنه رسول الله, وأن ما جاء به حق لا ريب فيه. وأيضا فقوله " وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ " أي: لأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال. " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ "

"إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ "
" إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ". وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل, عبادة الله وحده لا شريك له; وطاعتهم. وهذا هو الصراط المستقيم, الذي من يسلكه, أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى. فمنهم من آمن به واتبعه. ومنهم من كفر به وكذبه, ورمى أمه بالفاحشة كاليهود.

"فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ "
" فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ " والاتفاق على رد دعوته " قَالَ " نادبا لبني إسرائيل على مؤازرته " مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ ". أي: الأنصار: " نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " وهذا من منة الله عليهم, وعلى عيسى, حيث ألهم هؤلاء الحواريين, الإيمان به, والانقياد لطاعته, والنصرة لرسوله.

"رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ "
" رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ " وهذا التزام تام للإيمان, بكل ما أنزل الله, ولطاعة رسوله. " فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " لك بالوحدانية, ولنبيك بالرسالة, ولدينك بالحق والصدق.

"وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ "
" فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ " وهم جمهور بني إسرائيل, فإنهم " وَمَكَرُوا " بعيسى " وَمَكَرَ اللَّهُ " بهم " وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ". فاتفقوا على قتله وصلبه, وشبه لهم عيسى.

"إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ "
فقبضوا على من شبه لهم به وقال الله لعيسى " إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ". فرفعه الله إليه, وطهره من الذين كفروا, وصلبوا من قتلوه, ظانين أنه عيسى, وباءوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مربم, في آخر هذه الأمة حكما عدلا, يقتل الخنزير, ويكسر الصليب, ويتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ويعلم الكاذبون غرورهم وخداعهم, وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله " وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " المراد بمن اتبعه: الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه. ثم لما جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فكانوا هم أتباعه حقا, فأيدهم الله ونصرهم على الكفار كلهم, وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ " الآية. ولكن حكمة الله عادلة, فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين, نصره الله النصر المبين. وأن من ترك أمره ونهيه, ونبذ شرعه, وتجرأ على معاصيه, أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء, " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ". وقوله " ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ".

"فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ "
ثم بين ما يفعله بهم فقال: " فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا " الآيتين. وهذا الجزاء عام لكل من اتصف بهذه الأوصاف, من جميع أهل الأديان السابقة. ثم لما بعث سيد المرسلين, وخاتم النبيين, ونسخت رسالته, الرسالات كلها, ونسخ دينه, جميع الأديان, صار المتمسك بغير هذا الدين, من الهالكين.

"ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ "
وقوله تعالى " ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ " الآية. أي: هذا القرآن العظيم, الذي فيه نبأ الأولين والآخرين, والأنبياء والمرسلين - هو آيات الله البينات, وهو الذي يذكر العباد كل ما يحتاجونه, وهو الحكيم المحكم, صادق الأخبار, حسن الأحكام.

"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "
لما ذكر قصة مريم وعيسى ونبأهما الحق وأنه عبد أنعم الله عليه, وأن من زعم أن فيه شيئا من الإلهية, فقد كذب على الله, وكذب جميع أنبيائه, وكذب عيسى صلى الله عليه وسلم. فإن الشبهة التي عرضت لمن اتخذه إلها, شبهة باطلة. فلو كان لها وجه صحيح, لكان آدم أحق منه, فإنه خلق من دون أم ولا أب. ومع ذلك, فاتفق البشر كلهم, على أنه عبد من عباد الله. فدعوى إلهية عيسى, بكونه خلق من أم بلا أب, دعوى من أبطل الدعاوى.

"الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ "
وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه, أن عيسى - كما قال عن نفسه: " مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ". وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران, وقد تصلبوا على باطلهم, بعد ما أقام عليهم النبي صلى الله عليه وسلم البراهين, بأن عيسى عبد الله ورسوله, حيث زعموا إلهيته.

"فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ "
فوصلت به وبهم الحال, إلى أن أمره الله تعالى أن يباهلهم. فإنه قد اتضح لهم الحق, ولكن العناد والتعصب منعاهم منه. فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة, بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه, وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم, ثم يدعون الله تعالى, أن ينزل عقوبته ولعنته, على الكاذبين. فتشاوروا, هل يجيبونه إلى ذلك؟ فاتفق رأيهم أن لا يجيبوه, لأنهم عرفوا أنه نبي الله حقا. وأنهم - إن باهلوه - هلكوا, هم وأولادهم وأهلوهم. فصالحوه, وبذلوا له الجزية, وطلبوا منه الموادعة والمهادنة. فأجابهم صلى الله عليه وسلم ولم يحرجهم, لأنه حصل المقصود من وضوح الحق. وتبين عنادهم حيث صمموا على الامتناع عن المباهلة, وذلك يبرهن على أنهم كانوا ظالمين.

"إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
ولهذا قال تعالى " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ " أي: الذي لا ريب فيه " وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ " الذي قهر بقدرته وقوته جميع الموجودات, وأذعنت له سكان الأرض والسماوات. ومع ذلك فهو " الْحَكِيمُ " الذي يضع الأشياء مواضعها, وينزلها منازلها.

"فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ "
فإن أعرضوا عن الحق بعد ما تبين, ولم يرجعوا عن ضلالاتهم, فهم المفسدون, والله عليم بهم.

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ "
هذه الآية الكريمة, كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب. وكان يقرأ أحيانا في الركعة الأولى من سنة الفجر " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ " الآية. ويقرأ بها في الركعة الآخرة من سنة الصبح, لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد, قد اتفقت عليه الأنبياء والمرسلون, واحتوت على توحيد الإلهية, المبني على عبادة الله وحده, لا شريك له, وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية, لا يستحق منهم أحد شيئا من خصائص الربوبية, ولا من نعوت الإلهية. فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا, فقد اهتدوا. " فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " كقوله تعالى " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " إلى آخرها.

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "
كانت الأديان كلها, اليهود والنصارى, والمشركون, وكذلك المسلمون كلهم, يدعون أنهم على ملة إبراهيم. فأخبر الله تعالى أن أولى الناس به, محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه, وأتباع الخليل, قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وأما اليهود والنصارى, والمشركون, فإبراهيم بريء منهم, ومن ولايتهم, لأن دينه, الحنيفية السمحة, التي فيها الإيمان بجميع الرسل, وجميع الكتب, وهذه خصيصة المسلمين. وأما دعوى اليهود والنصارى, أنهم على ملة إبراهيم, فقد علم أن اليهودية والنصرانية, التي هم يدعون أنهم عليها, لم تؤسس إلا بعد الخليل. فكيف يحاجون في هذا الأمر, الذي يعلم به كذبهم وافتراؤهم؟! فهب أنهم حاجوا فيما لهم به علم, فكيف يحاجون في هذه الحالة؟ فهذا قبل أن ينظر ما احتوى عليه قولهم من البطلان, يعلم فساد دعواهم. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يحل للإنسان أن يقول أو يجادل فيما لا علم له به. وقوله " وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ " فكلما قوي إيمان العبد, تولاه الله بلطفه, ويسره لليسرى, وجنبه العسرى.

"وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ "
هذا من منة الله على هذه الأمة, حيث أخبرهم بمكر أعدائهم من أهل الكتاب, وأنهم - من حرصهم على إضلال المؤمنين - ينوعون المنكرات الخبيثة. فقالت طائفة منهم " آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ " أي: أوله, وارجعوا عن دينهم آخر النهار, فإنهم - إذا رأوكم راجعين, وهم يعتقدون فيكم العلم - استرابوا بدينهم. وقالوا: لولا أنهم رأوا فيه ما لا يعجبهم, ولا يوافق الكتب السابقة, لم يرجعوا. هذا مكرهم, والله تعالى هو الذي يهدي من يشاء, وهو الذي بيده الفضل, يختص به من يشاء. فخصكم - يا هذه الأمة - بما لم يخص به غيركم. ولم يدر هؤلاء الماكرون, أن دين الله حق, إذا وصلت حقيقته إلى القلوب, لم يزدد صاحبه - على طول المدى - إلا إيمانا ويقينا. ولم تزده الشبه, إلا تمسكا لدينه, وحمدا لله, وثناء عليه حيث من به عليه. وقولهم " أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ". يعني: أن الذي حملهم على هذه الأعمال المنكرة, الحسد والبغي, وخشية الاحتجاج عليهم. كما قال تعالى " وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ " الآية.

"وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "
يخبر تعالى عن أهل الكتاب, أن منهم طائفة أمناء, بحيث لو أمنته على قناطير من النقود, وهي المال الكثير, يؤده إليك, ومنهم طائفة خونة, يخونك في أقل القليل. ومع هذه الخيانة الشنيعة, فإنهم يتأولون بالأعذار الباطلة فيقولون: " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ " أي: ليس علينا جناح إذا خناهم واستبحنا أموالهم, لأنهم لا حرمة لهم. قال تعالى: " وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " أن عليهم أشد الحرج. فجمعوا بين الخيانة, وبين احتقار العرب, وبين الكذب على الله, وهم يعلمون ذلك, ليسوا كمن فعل ذلك جهلا, وضلالا. ثم قال تعالى: " بَلَى " أي ليس الأمر كما قالوا. فإنه " مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى " أي: قام بحقوق الله وحقوق خلقه, فإن هذا هو المتقي, والله يحبه.

"بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "
أي: ومن كان بخلاف ذلك, فلم يف بعهده وعقوده, التي بينه وبين الخلق, ولا قام بتقوى الله, فإن الله يمقته. وسيجازيه على ذلك أعظم النكال.

"إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
أي: إن الذين يشترون الدنيا بالدين, فيختارون الحطام القليل من الدنيا, ويتوسلون إليها بالأيمان الكاذبة, والعهود المنكوثة, فهؤلاء " وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " أي: قد حق عليهم سخط الله, ووجب عليهم عقابه, وحرموا ثوابه, ومنعوا من التزكية, وهي: التطهير. بل يردون القيامة, وهم متلوثون بالجرائم, متدنسون بالذنوب العظائم.

"وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "
أي: وإن من أهل الكتاب فريقا, هم محرفون لكتاب الله. " يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ " وهذا يشمل التحريف اللفظي, والتحريف المعنوي,. ثم هم - مع هذا التحريف الشنيع - يوهمون أنه من الكتاب, وهم كذبة في ذلك, ويصرحون بالكذب على الله, وهم يعلمون حالهم, وسوء مغبتهم.

"مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ "
أي: يمتنع ويستحيل كل الاستحالة, لبشر من الله عليه بالوحي والكتاب, والنبوة, وأعطاه الحكم الشرعي - أن يأمر الناس بعبادته, وبعبادة النبيين والملائكة واتخاذهم أربابا, لأن هذا هو الكفر, فكيف, وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه, فكيف يأمر بضده؟!! هذا من الممتنع, لأن حاله وما هو عليه, وما من الله به عليه من الفضائل والخصائص - تقتضي العبودية الكاملة, والخضوع التام لله الواحد القهار. وهذا جواب لوفد نجران, حين تمادى بهم الغرور, ووصلت بهم الحال والكبر, أن قالوا: أتأمرنا - يا محمد - أن نعبدك؟ حين أمرهم بعبادة الله وطاعته. فبين الباري, انتفاء ما قالوا, وأن كلامهم وكلام أمثالهم, في هذا, ظاهر البطلان.

"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ "
هذا إخبار منه تعالى, أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم, بسبب ما أعطاهم ومن به عليهم, من الكتاب والحكمة, المقتضي للقيام التام, بحق الله وتوفيقه. أنه إن جاءهم رسول مصدق لما معهم, بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط, والأصول التي اتفقت عليها الشرائع, أنهم يؤمنون به وينصرونه. فأقروا على ذلك, واعترفوا, والتزموا, وأشهدهم, وشهد عليهم, وتوعد من خالف هذا الميثاق. وهذا أمر عام بين الأنبياء, أن جميعهم طريقهم واحد, وأن دعوة كل واحد منهم, قد اتفقوا وتعاقدوا عليها. وعموم ذلك, أنه أخذ على جميعهم الميثاق, بالإيمان, والنصرة لمحمد صلى الله عليه وسلم. فمن ادعى أنه من أتباعهم, فهذا دينهم الذي أخذه الله عليهم, وأقروا به واعترفوا.

"فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ "
فمن تولى عن اتباع محمد, ممن يزعم أنه من أتباعهم, فإنه فاسق خارج عن طاعة الله, مكذب للرسول الذي يزعم أنه من أتباعه, مخالف لطريقه. وفي هذا إقامة الحجة والبرهان, على كل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتب والأديان. وأنه لا يمكنهم الإيمان برسلهم, الذين يزعمون أنهم أتباعهم, حتى يؤمنوا بإمامهم وخاتمهم, صلى الله عليه وسلم.

"أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ "
قد تقدم في سورة البقرة أن هذه الأصول التي هي أصول الإيمان التي أمر الله بها هذه الأمة, قد اتفقت عليها الكتب والرسل. وأنها هي الغرض الموجه لكل أحد, وأنها هي الدين والإسلام الحقيقي. وأن من ابتغى غيرها, فعمله مردود, وليس له دين يعول عليه. فمن زهد عنه, ورغب عنه, فأين يذهب؟. إلى عبادة الأشجار والأحجار والنيران؟. أو إلى اتخاذ الأحبار والرهبان والصلبان؟. أو إلى التعطيل لرب العالمين؟. أو إلى الأديان الباطلة, التي هي من وحي الشياطين؟ وهولاء كلهم - في الآخرة - من الخاسرين.

"كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
يعني: أنه يبعد كل البعد, أن يهدي الله قوما عرفوا الإيمان, ودخلوا فيه, وشهدوا أن الرسول حق, ثم ارتدوا على أعقابهم, ناكصين ناكثين. لأنهم عرفوا الحق فرفضوه. ولأن من هذه الحالة وصفه, فإن الله يعاقبه بالانتكاس وانقلاب القلب جزاء له, إذ عرف الحق فتركه, والباطل فآثره, فولاه الله ما تولى لنفسه.

"أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "
فهؤلاء " عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " خالدين في اللعنة والعذاب.

"خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ "
" لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ " إذا جاءهم أمر الله لأن الله, عمرهم ما يتذكر فيه من تذكر, وجاءهم النذير.

"إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
ثم إنه تعالى استثنى من هذا الوعيد, التائبين من كفرهم وذنوبهم, المصلحين لعيوبهم, فإن الله يغفر لهم ما قدموه, ويعفو عنهم ما أسلفوه.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ "
ولكن من كفر وأصر على كفره, ولم يزدد إلا كفرا حتى مات على كفره. فهؤلاء هم الضالون عن طريق الهدى, السالكون لطريق الشقاء. وقد استحقوا بهذا, العذاب الأليم, فليس لهم ناصر من عذاب الله. ولو بذلوا ملء الأرض ذهبا ليفتدوا به, لم ينفعهم شيئا. فعياذا بالله, من الكفر وفروعه.

"لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ "
يعني: لن تنالوا وتدركوا البر, الذي هو: اسم جامع للخيرات, وهو الطريق الموصل إلى الجنة حتى تنفقوا مما تحبون, من أطيب أموالكم وأزكاها. فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس, من أكبر الأدلة على سماحة النفس, واتصافها بمكارم الأخلاق, ورحمتها, ورقتها. ومن أول الدلائل على محبة الله, وتقديم محبته على محبة الأموال, التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها. فمن آثر محبة الله على محبة نفسه, فقد بلغ الذروة العليا من الكمال. وكذلك من أنفق الطيبات, وأحسن إلى عباد الله, أحسن الله إليه ووفقه أعمالا وأخلاقا, لا تحصل بدون هذه الحالة. وأيضا فمن قام بهذه النفقة على هذا الوجه, كان قيامه ببقية الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة, من طريق الأولى والأحرى. ومع أن النفقة من الطيبات, هي أكمل الحالات. فمهما أنفق العبد, من نفقة قليلة أو كثيرة, من طيب أو غيره, فإن الله به عليم. وسيجزي كل منفق, بحسب عمله, سيجزيه في الدنيا بالخلف العاجل, وفي الآخرة بالنعيم الآجل.

"كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
من جملة الأمور التي قدح فيها اليهود بنبوة عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم, أنهم زعموا أن النسخ باطل وأنه لا يمكن أن يأتي نبي يخالف النبي الذي قبله. فكذبهم الله بأمر يعرفونه, فإنهم يعترفون بأن جميع الطعام - قبل نزول التوراة - كان حلالا لبني إسرائيل, إلا أشياء يسيرة حرمها إسرائيل وهو: يعقوب عليه السلام - على نفسه ومنعها إياه لمرض أصابه. ثم إن التوراة, فيها من التحريمات التي نسخت, ما كان حلالا قبل ذلك, شيء كثير. قل لهم - إن أنكروا ذلك - " فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " بزعمكم أنه لا نسخ ولا تحليل ولا تحريم. وهذا من أبلغ الحجج, أن يحتج على الإنسان بأمر يقوله ويعترف به ولا ينكره. فإن انقاد للحق, فهو الواجب.

"فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "
وإن أبى ولم ينقد بعد هذا البيان, تبين كذبه وافتراؤه, وظلمه وبطلان ما هو عليه, وهو الواقع من اليهود.

"قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
أي: قل صدق الله في كل ما قاله, ومن أصدق من الله قيلا وحديثا. وقد بين في هذه الآيات, من الأدلة على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, وبراهين دعوته, وبطلان ما عليه المنحرفون من أهل الكتاب, الذين كذبوا رسوله, وردوا دعوته. فقد صدق الله في ذلك, وأقنع عباده على ذلك, ببراهين وحجج, تتصدع لها الجبال, وتخضع لها الرجال. فتعين عند ذلك على الناس كلهم, اتباع ملة إبراهيم, من توحيد الله وحده لا شريك له, وتصديق كل رسول أرسله الله, وكل كتاب أنزله. والإعراض عن الأديان الباطلة المنحرفة. فإن إبراهيم كان معرضا عن كل ما يخالف التوحيد, متبرئا من الشرك وأهله.

"إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ "
يخبر تعالى بعظمة بيته الحرام, وأنه أول البيوت التي وضعها الله في الأرض لعبادته, وإقامة ذكره, وأن فيه من البركات, وأنواع الهدايات, وتنوع المصالح والمنافع للعالمين - شيء كثير, وفضل غزير, وأن فيه آيات بينات, تذكر بمقامات إبراهيم الخليل, وتنقلاته في الحج. ومن بعده, تذكر بمقامات سيد الرسل وإمامهم. وفيه الحرم الذي من دخله كان آمنا قدرا, مؤمنا شرعا ودينا. فلما احتوى على هذه الأمور التي هذه مجملاتها, وتكثر تفصيلاتها - أوجب الله حجه على المكلفين المستطيعين إليه سبيلا, وهو الذي يقدر على الوصول إليه بأي مركوب يناسبه, وزاد يتزوده. ولهذا أتى بهذا اللفظ الذي يمكن تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة, والتي ستحدث. وهذا من آيات القرآن, حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان وكل حال, ولا يمكن الصلاح التام بدونها. فمن أذعن لذلك وقام به, فهو من المهتدين المؤمنين. ومن كفر, فلم يلتزم حج بيته, فهو خارج عن الدين. ومن كفر, فإن الله غني عن العالمين.

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ "
لما أقام فيما تقدم, الحجج على أهل الكتاب - فمع أنهم قبل ذلك, يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم - وبخ المعاندين منهم بكفرهم بآيات الله, وصدهم الخلق عن سبيل الله, لأن عوامهم تبع لعلمائهم. والله تعالى, يعلم أحوالهم وسيجازيهم على ذلك, أتم الجزاء وأوفاه.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ "
لما أقام الحجج على أهل الكتاب, ووبخهم بكفرهم وعنادهم. حذر عباده المؤمنين عن الاغترار بهم, وبين لهم أن هذا الفريق منهم, حريصون على إضراركم وردكم إلى الكفر بعد الإيمان.

"وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "
ولكن - ولله الحمد - أنتم - يا معشر المؤمنين - بعد ما من الله عليكم بالدين, ورأيتم آياته ومحاسنه, ومناقبه وفضائله, وفيكم رسول الله الذي أشدكم إلى جميع مصالحكم, واعتصمتم بالله وبحبله, الذي هو دينه - يستحيل أن يردوكم عن دينكم, لأن الدين الذي بنى على هذه الأصول والدعائم الثابتة الأساس, المشرقة الأنوار, تنجذب إليه الأفئدة, ويأخذ بمجامع القلوب, ويوصل العباد إلى أجل غاية, وأفضل مطلوب. " وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ " أي: يتوكل عليه, ويحتمي بحماه. " فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " وهذا فيه الحث على الاعتصام به, وأنه السبيل إلى السلامة والهداية.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ "
هذه الآيات, فيها حث الله عباده المؤمنين, أن يقوموا بشكر نعمه العظيمة, بأن يتقوه كل تقواه, وأن يقوموا بطاعته, وترك معصيته, مخلصين له بذلك.

"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "
وأن يقيموا دينهم, ويستمسكوا بحبله الذي أوصله إليهم, وجعله السبب بينهم وبينه, وهو دينه وكتابه, والاجتماع على ذلك وعدم التفرق. وأن يستديموا ذلك إلى الممات. وذكرهم ما هم عليه قبل هذه النعمة, وهو: أنهم كانوا أعداء متفرقين. فجمعهم بهذا الدين, وألف بين قلوبهم, وجعلهم إخوانا, وكانوا على شفا حفرة من النار, فأنقذهم من الشقاء. ونهج بهم طريق السعادة. " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " إلى شكر الله والتمسك بحبله.

"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
وأمرهم بتتميم هذه الحالة, والسبب الأقوى الذي يتمكنون به من إقامة دينهم, بأن يتصدى منهم طائفة يحصل فيها الكفاية. " يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ " وهو الدين, أصوله, وفروعه, وشرائعه. " وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ " وهو ما عرف حسنه شرعا وعقلا. " وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ " وهو ما عرف قبحه, شرعا وعقلا. " أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " المدركون لكل مطلوب, الناجون من كل مرهوب. ويدخل في هذه الطائفة, أهل العلم والتعليم, والمتصدون للخطابة ووعظ الناس, عموما وخصوصا, والمحتسبون الذين يقومون بإلزام الناس بإقامة الصلوات, وإيتاء الزكاة, والقيام بشرائع الدين, وينهونهم عن المنكرات. فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم, أو على وجه الخصوص, أو قام بنصيحة عامة أو خاصة, فإنه داخل في هذه الآية الكريمة.

"وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ "
ثم نهاهم عن سلوك مسلك المتفرقين, الذين جاءهم الدين والبينات, الموجب لقيامهم به, واجتماعهم, فتفرقوا واختلفوا وصاروا شيعا. ولم يصدر ذلك عن جهل وضلال, وإنما صدر عن علم وقصد سيئ, وبغي من بعضهم على بعض. ولهذا قال " وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ".

"يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ "
ثم بين متى يكون هذا العذاب العظيم, ويمسهم هذا العذاب الأليم فقال: " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " الآيتين. يخبر تعالى, بتفاوت الخلق يوم القيامة, في السعادة والشقاوة. وأنه تبيض وجوه أهل السعادة, الذين آمنوا بالله, وصدقوا رسله, وامتثلوا أمره, واجتنبوا نهيه. وأن الله تعالى, يدخلهم الجنات, ويفيض عليهم أنواع الكرامات, وهم فيها خالدون. وتسود وجوه أهل الشقاوة, الذين كذبوا رسله, وعصوا أمره, وفرقوا دينهم شيعا وأنهم يوبخون فيقال لهم " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " فكيف اخترتم الكفر على الإيمان؟!. " فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ".

"تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ "
يثني تعالى, على ما قصه على نبيه من آياته, التي حصل بها الفرقان بين الحق والباطل, وبين أولياء الله وأعدائه, وما أعده لهؤلاء من الثواب, وللآخرين من العقاب. وأن ذلك مقتضى فضله وعدله, وحكمته. وأنه لم يظلم عباده, ولم ينقصهم من أعمالهم, أو يعذب أحدا بغير ذنبه, أو يحمل عليه وزر غيره.

"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ "
ولما ذكر أن له الأمر والشرع, ذكر أن له تمام الملك والتصرف والسلطان فقال: " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ " فيجازي المحسنين بإحسانهم والمسيئين بعصيانهم. وكثيرا ما يذكر الله أحكامه الثلاثة مجتمعة ليبين لعباده أنه الحاكم المطلق, فله الأحكام القدرية والأحكام الشرعية, والأحكام الجزائية. فهو الحاكم بين عباده, في الدنيا والآخرة. ومن سواه من المخلوقات, محكوم عليها ليس لها من الأمر شيء.

"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ "
هذا تفضيل من الله لهذه الأمة بهذه الأسباب, التي تميزوا بهذا وفاقوا بها سائر الأمم, وأنهم خير الناس للناس, نصحا, ومحبة للخير, ودعوة, وتعليما, وإرشادا, وأمرا بالمعروف, ونهيا عن المنكر, وجمعا بين تكميل الخلق, والسعي في منافعهم, بحسب الإمكان, وبين تكميل النفس بالإيمان بالله, والقيام بحقوق الإيمان. وأن أهل الكتاب, لو آمنوا بمثل ما آمنتم به, لاهتدوا وكان خيرا لهم. ولكن لم يؤمن منهم إلا القليل. وأما الكثير, فهم فاسقون, خارجون عن طاعة الله, وطاعة رسوله, محاربون للمؤمنين, ساعون في إضراراهم بكل مقدورهم.

"لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ "
ومع ذلك, فلن يضروا المؤمنين إلا أذى باللسان. وإلا, فلو قاتلوهم, لولوا الأدبار, ثم لا ينصرون. وقد وقع ما أخبر الله به. فإنهم لما قاتلوا المسلمين, ولوا الأدبار ونصر الله المسلمين عليهم.

"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ "
هذا إخبار من الله تعالى أن اليهود ضربت عليهم الذلة, فهم خائفون أينما ثقفوا. ولا يؤمنهم شيء إلا معاهدة, وسبب يأمنون به, يرضخون لأحكام الإسلام, ويعترفون بالجزية. أو " وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ " أي: إذا كانوا تحت ولاية غيرهم ونظارتهم, كما شوهد حالهم سابقا ولاحقا. فإنهم لم يتمكنوا في الوقت الأخير من الملك المؤقت في فلسطين, إلا بنصر الدول الكبرى, وتمهيدها لهم كل سبب. " وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ " أي: قد غضب الله عليهم, وعاقبهم بالذلة والمسكنة. والسبب في ذلك, كفرهم بآيات الله, وقتلهم الأنبياء بغير حق. أي: ليس ذلك عن جهل, وإنما هو بغي وعناد. تلك العقوبات المتنوعة عليهم " بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ". فالله تعالى, لم يظلمهم ويعاقبهم بغير ذنب. وإنما الذي أجراه عليهم بسبب بغيهم وعدوانهم, وكفرهم وتكذيبهم للرسل, وجناياتهم الفظيعة.

"لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ "
لما ذكر الله المنحرفين من أهل الكتاب, بين حالة المستقيمن منهم, وأن منهم أمة مقيمين لأصول الدين وفروعه.

"يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ "
" يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ " وهو الخير كله, وينهون عن المنكر وهو جميع الشر. كما قال تعالى " وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ". و " يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ " والمسارعة إلى الخيرات, قدر زائد على مجرد فعلها. فهو وصف لهم بفعل الخيرات, والمبادرة إليها, وتكميلها بكل ما تم به من واجب ومستحب.

"وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ "
ثم بين تعالى أن كل ما فعلوه, من خير, قليل أو كثير, فإن الله سيقبله, حيث كان صادرا عن إيمان وإخلاص. " فَلَنْ يُكْفَرُوهُ " يعني: لن ينكر ما عملوه, ولن يهدر. " وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ " وهم الذين قاموا بالخيرات, وتركوا المحرمات, لقصد رضا الله, وطلب ثوابه.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
بين تعالى: أن الكفار, والذين كفروا بآيات الله, وكذبوا رسله, أنه لا ينقذهم من عذاب الله منقذ, ولا ينفعهم نافع, ولا يشفع لهم عند الله شافع. وأن أموالهم وأولادهم, التي كانوا يعدونها للشدائد والمكاره, لا تفيدهم شيئا. وأن نفقاتهم التي أنفقوها في الدنيا, لنصر باطلهم, ستضمحل.

"مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ "
وأن مثلها " كَمَثَلِ " حرث أصابته " رِيحٍ " شديدة " فِيهَا صِرٌّ " أي: برد شديد, أو نار محرقة, فأهلكت ذلك الحرث, وذلك بظلمهم فلم يظلمهم الله ويعاقبهم بغير ذنب, وإنما ظلموا أنفسهم. وهذه كقوله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ".

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ "
هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار, واتخاذهم بطانة, أو خصيصة وأصدقاء, يسرون إليهم, ويفضون لهم بأسرار المؤمنين. فوضح لعباده المؤمنين, الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم لا يألونكم خبالا. أي: هم حريصون غير مقصرين, في إيصال الضرر بكم, وقد بدت البغضاء من كلامهم, وفلتات ألسنتهم, وما تخفيه صدورهم, من البغضاء والعداوة, أكبر مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم. فإن كانت لكم, فهوم وعقول, فقد وضح الله لكم أمرهم.

"هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ "
وأيضا فما الموجب لمحبتهم واتخاذهم أولياء وبطانة, وقد تعلمون منهم الانحراف العظيم في الدين وفي مقابلة إحسانكم؟. فأنتم مستقيمون على أديان الرسل, تؤمنون بكل رسول أرسله الله, وبكل كتاب أنزله الله. وهم يكفرون بأجل الكتب, وأشرف الرسل, وأنتم تبذلون لهم من الشفقة والمحبة, ما لا يكافئونكم على أقل القليل منه. فكيف تحبونهم, وهم لا يحبونكم, وهم يداهنونكم وينافقونكم. فإذا لقوكم, قالوا: آمنا, وإذا خلوا مع بني جنسهم, عضوا عليكم الأنامل من شدة الغيظ والبغض لكم ولدينكم. قال تعالى " قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ " أي: سترون من عز الإسلام, وذل الكفر, ما يسوءكم, وتموتون بغيظكم, فلن تدركوا شفاء ذلك بما تقصدون. " إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " فلذلك بين لعباده المؤمنين, ما تنطوي عليه صدور أعداء الدين من الكفار والمنافقين.

"إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ "
" إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ " عز ونصر وعافية وخير " تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ " من إدالة العدو, أو حصول بعض المصائب الدنيوية " يَفْرَحُوا بِهَا ". وهذا وصف العدو الشديدة عداوته. لما بين تعالى شدة عداوتهم, وشرح ما هم عليه من الصفات الخبيثة, أمر عباده المؤمنين بالصبر, ولزوم التقوى. وأنهم إذا قاموا بذلك, فلن يضرهم كيد أعدائهم شيئا, فإن الله محيط بهم وبأعمالهم وبمكائدهم, التي يكيدونكم فيها. وقد وعدكم عند القيام بالتقوى, أنهم لا يضرونكم شيئا, فلا تشكوا في حصول ذلك.

"وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
" وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ " إلى آخر القصة. وذلك يوم "أحد" حين خرج صلى الله عليه وسلم بالمسلمين, حين وصل المشركون - بجمعهم - إلى قريب من "أحد". فنزلهم صلى الله عليه وسلم منازلهم, ورتبهم في مقاعدهم, ونظمهم تنظيما عجيبا, يدل على كمال رأيه وبراعته الكاملة في فنون السياسة والحرب, كما كان كاملا في كل المقامات. " وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " لا يخفى عليه شيء من أموركم.

"إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "
" إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا " وهم بنو سلمة, وبنو حارثة. لكن تولاهما الباري بلطفه ورعايته, وتوفيقه. " وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " فإنهم إذا توكلوا عليه, كفاهم وأعانهم, وعصمهم من وقوع ما يضرهم, في دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية ونحوها, وجوب التوكل وأنه على حسب إيمان العبد, يكون توكله. والتوكل. هو: اعتماد العبد على ربه, في حصول منافعه, ودفع مضاره.

"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
فلما ذكر حالهم في "أحد" وما جرى عليهم من المصيبة, أدخل فيها تذكيرهم بنصره, ونعمته عليهم, يوم "بدر" ليكونوا شاكرين لربهم, وليخفف هذا هذا فقال: " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ " في عددكم وعددكم, فكانوا ثلثمائة, وبضعة عشر, في قلة ظهر, ورثاثة سلاح. وأعداؤهم, يناهزون الألف, في كمال العدة والسلاح. " فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " الذي أنعم عليكم بنصره.

"إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ "
" إِذْ تَقُولُ " مبشرا " لِلْمُؤْمِنِينَ " مثبتا لجنانهم: " أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ "

"بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ "
" بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا " أي: من حملتهم هذه بهذا الوجه. " يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ " أي: معلمين علامة الشجعان. واختلف الناس, هل كان هذا الإمداد حصل فيه من الملائكة, مباشرة للقتال, كما قاله بعضهم, أو أن ذلك تثبيت من الله لعباده المؤمنين, وإلقاء الرعب في قلوب المشركين, كما قاله كثير من المفسرين.

"وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ "
ويدل عليه قوله " وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ", وفي هذا أن الأسباب لا يعتمد عليها العبد, بل يعتمد على الله. وإنما الأسباب وتوفرها, فيها طمأنينة للقلوب, وثبات كل على الخير.

"لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ "
" لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ " أي: نصر الله لعباده المؤمنين, لا يعدو أن يكون قطعا لطرف من الكفار. أو ينقلبوا بغيظهم, لم ينالوا خيرا, كما أرجعهم يوم الخندق, بعد ما كانوا قد أتوا على حرد قادرين, أرجعهم الله بغيظهم خائبين:

"لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ "
لما أصيب صلى الله عليه وسلم يوم "أحد" وكسرت رباعيته, وشج في رأسه, جعل يقول: كيف يفلح قوم, شجوا وجه نبيهم, وكسروا رباعيته. فأنزل الله تعالى هذه الآية, وبين أن الأمر كله لله, وأن الرسول صلى الله عليه وسلم, ليس له من الأمر شيء, لأنه عبد من عبيد الله, والجميع تحت عبودية ربهم, مدبرون لا مدبرون. وهؤلاء الذين دعوت عليهم, أيها الرسول, أو استبعدت فلاحهم وهدايتهم, إن شاء الله تاب عليهم, ووفقهم للدخول في الإسلام, وقد فعل, فإن أكثر أولئك, هداهم الله فأسلموا. وإن شاء الله عذبهم, فإنهم ظالمون, مستحقون لعقوبات الله وعذابه.

"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
يخبر تعالى, أنه هو المتصرف في العالم العلوي والسفلي, وأنه يتوب على من يشاء, فيغفر له, ويخذل من يشاء, فيعذبه. " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فمن صفته اللازمة, كمال المغفرة والرحمة, ووجود مقتضياتهما في الخلق والأمر, يغفر للتائبين, ويرحم من قام بالأسباب الموجبة للرحمة. قال تعالى " وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ".

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
تقدم في مقدمة هذا التفسير, أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي, في نفسه وفي غيره. وأن الله تعالى إذا أمره بأمر, وجب عليه - أولا - أن يعرف حده, وما هو الذي أمر به, ليتمكن بذلك من امتثاله. فإذا عرف ذلك, اجتهد, واستعان بالله على امتثاله, في نفسه وفي غيره, بحسب قدرته وإمكانه. وكذلك إذا نهى عن أمر, عرف حده, وما يدخل فيه, وما لا يدخل, ثم اجتهد واستعان بربه في تركه. وأن هذا ينبغي مراعاته, في جميع الأوامر الإلهية والنواهي. [وهذه الآيات الكريمات, وقد اشتملت على أوامر وخصال من خصال الخير: أمر الله بها, وحث على فعلها, وأخبر عن جزاء أهلها. وعلى نواهي, حث على تركها. ولعل الحكمة - والله أعلم - في إدخال هذه الآيات, أثناء قصة "أحد" أنه قد تقدم أن الله تعالى, وعد عباده المؤمنين, أنهم - إذا صبروا, واتقوا - نصرهم على أعدائهم, وخذل الأعداء عنهم كما في قوله تعالى: " وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا " ثم قال: " بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ " الآيات. فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى, التي يحصل بها النصر والفلاح, والسعادة, فذكر الله في هذه الآيات, أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها, فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى. ويدل على ما قلنا, أن الله ذكر لفظ "التقوى" في هذه الآيات, ثلاث مرات. مرة مطلقة وهي قوله " أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ". ومرتين مقيدتين فقال " وَاتَّقُوا اللَّهَ ". " وَاتَّقُوا النَّارَ ". فقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " كل ما في القرآن من قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" افعلوا كذا, أو اتركوا كذا, يدل على أن الإيمان, هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر, واجتناب ذلك النهي. لأن الإيمان هو: التصديق الكامل, بما يجب التصديق به, المستلزم لأعمال الجوارح. فنهاهم عن أكل الربا, أضعافا مضاعفة, وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية, ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية. من أنه إذا حل الدين على المعسر, ولم يحصل منه شيء, قالوا له: إما أن تقضي ما عليك من الدين, وإما أن نزيد في المدة, وتزيد ما في ذمتك. فيضطر الفقير, ويستدفع غريمه, ويلتزم ذلك, اغتناما لراحته الحاضرة. فيزداد - بذلك - ما في ذمته أضعافا مضاعفة, من غير نفع وانتفاع. ففي قوله " أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً " تنبيه على شدة شناعته بكثرته, وتنبيه لحكمة تحريمه. وأن تحريم الربا, حكمته: أن الله منع منه, لما فيه من الظلم. وذلك أن الله أوجب إنظار المعسر, وبقاء ما في ذمته من غير زيادة. فإلزامه بما فوق ذلك, ظلم متضاعف. فيتعين على المؤمن المتقي, تركه, وعدم قربانه, لأن تركه, من موجبات التقوى. والفلاح, متوقف على التقوى, فلهذا قال: " وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ " بترك ما يوجب دخولها, من الكفر, والمعاصي, على اختلاف درجاتها. فإن المعاصي كلها - وخصوصا المعاصي الكبار - تجر إلى الكفر, بل هي من خصال الكفر, الذي أعد الله النار لأهله. فترك المعاصي, ينجي من النار, ويقي من سخط الجبار.

"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "
وأفعال الخير والطاعة, توجب رضا الرحمن, ودخول الجنان, وحصول الرحمة ولهذا قال: " وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ " بفعل الأوامر وامتثالها, واجتناب النواهي " لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ". فطاعة الله وطاعة رسوله, من أسباب حصول الرحمة, كما قال تعالى: " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " الآيات.

"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ "
ثم أمرهم تعالى, بالمسارعة إلى مغفرته, وإدراك جنته, التي عرضها السماوات والأرض, فكيف بطولها التي أعدها الله للمتقين, فهم أهلها وأعمال التقوى هي الموصلة إليها.

"الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
ثم وصف المتقين وأعمالهم فقال: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ " أي: في عسرهم ويسرهم. إن أيسروا, أكثروا من النفقة. وإن أعسروا لم يحتقروا من المعروف شيئا, ولو قل. " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ " أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم - وهو امتلاء قلوبهم من الخنق, الموجب للانتقام بالقول والفعل - هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية, بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ, ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم. " وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ " يدخل في العفو عن الناس, العفو عن كل من أساء إليك بقول, أو فعل. والعفو أبلغ من الكظم, لأن العفو ترك المؤاخذة, مع السماحة عن المسيء. وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة وتخلى عن الأخلاق الرذيلة وممن تاجر مع الله, وعفا عن عباد الله, رحمة بهم, وإحسانا إليهم, وكراهة لحصول الشر عليهم, وليعفو الله عنه, ويكون أجره على ربه الكريم, لا على العبد الفقير, كما قال تعالى " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ". ثم ذكر حالة أعم من غيرها, وأحسن, وأعلى, وأجل, وهي الإحسان. فقال تعالى: " وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " والإحسان نوعان. الإحسان في عبادة الخالق, والإحسان إلى المخلوق. فالإحسان في عبادة الخالق, فسرها النبي صلى الله عليه وسلم لقوله "أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وأما الإحسان إلى المخلوق, فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم, ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم. فيدخل في ذلك, أمرهم بالمعروف, ونهيهم عن المنكر, وتعليم جاهلهم, ووعظ غافلهم, والنصيحة لعامتهم وخاصتهم, والسعي في جمع كلمتهم. وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم, على اختلاف أحوالهم, وتباين أوصافهم. فيدخل في ذلك, بذل الندى, وكف الأذى, واحتمال الأذى, كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات. فمن قام بهذه الأمور, فقد قام بحق الله وحق عبيده.

"وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ "
ثم ذكر اعتذارهم لربهم, من جناياتهم وذنوبهم فقال: " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " أي: صدر منهم أعمال سيئة كبيرة أو ما دون ذلك, بادروا إلى التوبة والاستغفار, وذكروا ربهم, وما توعد به العاصين, ووعد به المتقين. فسألوه المغفرة لذنوبهم, والستر لعيوبهم, مع إقلاعهم عنها, وندمهم عليها. فلهذا قال " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ".

"أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ "
" أُولَئِكَ " الموصوفون بتلك الصفات " جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ " تزيل عنهم كل محذور. " وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " فيها من النعيم المقيم, والبهجة والحبور والبهاء, والخير والسرور, والقصور, والمنازل الأنيقة العاليات, والأشجار المثمرة البهية, والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات. " خَالِدِينَ فِيهَا " لا يحولون عنها, ولا يبغون بها بدلا, ولا يغير ما هم فيه من النعيم. " وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ " عملوا لله قليلا فأجروا كثيرا فـ "عند الصباح يحمد القوم السري" وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا. وهذه الآيات الكريمات, من أدلة أهل السنة والجماعة, على أن الأعمال تدخل في الإيمان, خلافا للمرجئة. وجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية, التي في سورة الحديد, نظير هذه الآيات وهي قوله: " سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ " فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله, وهناك قال " أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ". ثم وصف المتقين, بهذه الأعمال المالية والبدنية. فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات, هم أولئك المؤمنون.

"قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ "
ثم قال تعالى: " قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ " الآيات. وهذه الآيات الكريمات, وما بعدها في قصة "أحد" يعزي تعالى, عباده المؤمنين ويسليهم, ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم, امتحنوا, وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين, فلم يزالوا في مداولة ومجاولة, حتى جعل الله العاقبة للمتقين, والنصر لعباده المؤمنين. وآخر الأمر حصلت الدولة على المكذبين, وخذلهم الله بنصر رسله, وأتباعهم. " فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ " بأبدانكم وقلوبكم " فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين, بأنواع العقوبات الدنيوية. قد خوت ديارهم, وتبين لكل أحد خسارهم, وذهب عزهم وملكهم, وزال بذخهم وفخرهم. أفليس في هذا, أعظم دليل, وأكبر شاهد, على صدق ما جاءت به الرسل؟!! وحكمة الله التي يمتحن بها عباده, ليبلوهم ويتبين صادقهم من كاذبهم.

"هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ "
ولهذا قال تعالى: " هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ " أي: دلالة ظاهرة, تبين للناس الحق من الباطل, وأهل السعادة من أهل الشقاوة, وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين. " وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ " لأنهم هم المنتفعون بالآيات. فتهديهم إلى سبيل الرشاد, وتعظهم وتزجرهم, عن طريق الغنى. وأما باقي الناس, فهي بيان لهم, تقوم به عليهم الحجة من الله, ليهلك من هلك عن بينة. ويحتمل أن الإشارة في قوله " هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ " للقرآن العظيم, والذكر الحكيم, وأنه بيان للناس عموما, وهدى وموعظة للمتقين, خصوصا, وكلا المعنيين, حق.

"وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
يقول تعالى: مشجعا لعباده المؤمنين, ومقويا لعزائمهم ومنهضا لهممهم: " وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا " أي: ولا تهنوا وتضعفوا, في أبدانكم, ولا تحزنوا في قلوبكم, عندما أصابتكم المصيبة, وابتليتم بهذه البلوى. فإن الحزن في القلوب, والوهن على الأبدان, زيادة مصيبة عليكم, وأعون, لعدوكم عليكم. بل شجعوا قلوبكم, وصبروها, وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم. وذكر تعالى أنه لا يليق بهم الوهن والحزن, وهم الأعلون, في الإيمان ورجاء نصر الله وثوابه. فالمؤمن المبتغي ما وعده الله, من الثواب الدنيوي والأخري, لا ينبغي له ذلك. ولهذا قال تعالى: " وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ".

"إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ "
ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة, وبين الحكم العظيمة المترتبة على ذلك, فقال تعالى: " إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ " فأنتم وهم, قد تساويتم في القرح, ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى: " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ". ومن الحكم في ذلك, أن هذه الدار, يعطي الله منها المؤمن والكافر, والبر والفاجر, فيداول الله الأيام بين الناس: يوم لهذه الطائفة, ويوم للطائفة الأخرى. لأن هذه الدار الدنيا, منقضية فانية. وهذا بخلاف الدار الآخرة, فإنها خالصة للذين آمنوا. " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا " هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء, ليتبين المؤمن من المنافق. لأنه لو استمر النصر للمؤمنين, في جميع الوقائع, لدخل في الإسلام, من لا يريده. فإذا حصل في بعض الوقائع, بعض أنواع الابتلاء, تبين المؤمن حقيقة, الذي يرغب في الإسلام, في الضراء والسراء, واليسر والعسر, ممن ليس كذلك. " وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ " وهذا أيضا من بعض الحكم, لأن الشهادة عند الله, من أرفع المنازل, ولا سبيل لنيلها, إلا بما يحصل من وجود أسبابها. فهذا من رحمته بعباده المؤمنين, أن قيض لهم من الأسباب, ما تكرهه النفوس, لينيلهم ما يحبون, من المنازل العالية, والنعيم المقيم. " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " الذين ظلموا أنفسهم, وتقاعدوا عن القتال في سبيله. "ولو أرادوا الخروج, لأعدوا له عدة, ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين".

"وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ "
" وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا " وهذا أيضا من الحكم, أن الله يمحص بذلك المؤمنين, من ذنوبهم وعيوبهم. يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل الله, تكفر الذنوب, وتزيل العيوب. ويمحص الله أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين, فيتخلصون منهم, ويعرفون المؤمن من المنافق. ومن الحكم أيضا أن يقدر ذلك, ليمحق الكافرين. أي: ليكون سببا لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة, فإنهم إذا انتصروا, بغوا, وازدادوا طغيانا إلى طغيانهم; يستحقون به المعاجلة بالعقوبة, رحمة بعباده المؤمنين.

"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ "
ثم قال تعالى: " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " هذا استفهام إنكاري. أي: لا تظنوا, ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة, من دون مشقة, واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته. فإن الجنة, أعلى المطالب, وأفضل ما به يتنافس المتنافسون. وكلما عظم المطلوب, عظمت وسيلته, والعمل الموصل إليه. فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة, ولا يدرك النعيم, إلا بترك النعيم. ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله - عند توطين النفس لها, وتمرينها عليها, ومعرفة ما تئول إليه تنقلب - عند أرباب البصائر - منحا يسرون بها, ولا يبالون بها, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

"وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ "
ثم وبخهم تعالى, على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه, ويودون حصوله فقال: " وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ " وذلك أن كثيرا من الصحابة "4 ممن فاته بدر, كانوا يتمنون أن يحضرهم الله مشهدا, يبذلون فيه جهدهم. قال الله تعالى لهم " فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ " أي: ما تمنيتم بأعينكم " وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ " فما بالكم وترك الصبر؟ هذه حالة لا تليق, ولا تحسن, خصوصا لمن تمنى ذلك, وحصل له ما تمنى. فإن الواجب عليه, بذل الجهد, واستفراغ الوسع في ذلك. وفي هذه الآية, دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة. ووجه الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم, ولم ينكر عليهم. وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها, والله أعلم.

"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ "
ثم قال تعالى: " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ " إلى " وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ". يقول تعالى " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ". أي. ليس ببدع من الرسل, بل هو من جنس الرسل الذين قبله. وظيفتهم تبليغ رسالة ربهم, وتنفيذ أوامره. ليسوا بمخلدين, وليس بقاؤهم شرطا في امتثال أوامر الله. بل الواجب على الأمم, عبادة ربهم في كل وقت وبكل حال. ولهذا قال " أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ " بترك ما جاءكم به, من إيمان أو جهاد, أو غير ذلك. قال الله تعالى " وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا " إنما يضر نفسه. وإلا, فالله تعالى غني عنه, وسيقيم دينه, ويعز عباده المؤمنين. فلما وبخ تعالى, من انقلب على عقبيه, مدح من ثبت مع رسوله, وامتثل أمر ربه فقال " وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ". والشكر لا يكون إلا بالقيام بعبودية الله تعالى, في كل حال. وفي هذه الآية الكريمة, إرشاد من الله تعالى لعباده, أن يكونوا بحالة, لا يزعزعها عن إيمانهم, أو عن بعض لوازمه, فقد رئيس ولو عظم. وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين, بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه, إذا فقد أحدهم, قام به غيره. وأن يكون عموم المؤمنين, قصدهم إقامة دين الله, والجهاد عنه, بحسب الإمكان. لا يكون لهم قصد, في رئيس دون رئيس. فبهذه الحال, يستتب لهم أمرهم, وتستقيم أمورهم. وفي هذه الآية أيضا, أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر, أبي بكر, وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأنهم هم سادات الشاكرين. ثم أخبر تعالى أن النفوس جميعها, معلقة بآجالها, بإذن الله. وقدره وقضائه. فمن حتم عليه بالقدر أن يموت, مات ولو بغير سبب. ومن أراد بقاءه, فلو وقع من الأسباب كل سبب, لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله. وذلك أن الله قضاه, وقدره, وكتبه إلى أجل مسمى. "إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون".

"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ "
ثم أخبر تعالى, أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة, ما تعلقت به إراداتهم, فقال: " وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ". قال الله تعالى " كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ". " وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ " ولم يذكر جزاءهم, ليدل ذلك على كثرته وعظمته, وليعلم أن الجزاء, على قدر الشكر, قلة وكثرة, وحسنا.

"وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "
هذا تسلية للمؤمنين, وحث على الاقتداء بهم, والفعل كفعلهم, وأن هذا, أمر قد كان متقدما, لم تزل سنة الله جارية بذلك فقال: " وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ " أي: وكم من نبي " قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ". أي: جماعات كثيرون من أتباعهم, الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان, والأعمال الصالحة, فأصابهم, قتل وجراح, وغير ذلك. " فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ". أي: ما ضعفت قلوبهم, ولا وهنت أبدانهم, ولا استكانوا. أي: ذلوا لعدوهم. بل صبروا وثبتوا, وشجعوا أنفسهم, ولهذا قال: " وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ".

"وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ "
ثم ذكر قولهم, واستنصارهم لربهم فقال: " وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ " أي: في تلك المواطن الصعبة " إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ". والإسراف هو: مجاوزة الحد, إلى ما حرم. علموا أن الذنوب والإسراف, من أعظم أسباب الخذلان, وأن التخلي منها, من أسباب النصر, فسألوا ربهم مغفرتها. ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به, من الصبر, بل اعتمدوا على الله, وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين, وأن ينصرهم عليهم. فجمعوا بين الصبر, وترك ضده, والتوبة والاستغفار والاستنصار بربهم.

"فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
لا جرم أن الله نصرهم, وجعل لهم العاقبة في الدنيا والآخرة ولهذا قال: " فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا " من النصر والظفر والغنيمة. " وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ " وهو الفوز برضا ربهم, والنعيم المقيم, الذي قد سلم من جميع المنكدات. وما ذاك, إلا أنهم أحسنوا له الأعمال, فجازاهم بأحسن الجزاء, فلهذا قال: " وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " في عبادة الخالق, ومعاملة الخلق. ومن الإحسان, أن يفعل عند جهاد الأعداء, كفعل هؤلاء المؤمنين.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ "
ثم قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا " إلى " وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ". وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين, من المنافقين والمشركين. فإنهم, إذا أطاعوهم, لم يريدوا لهم إلا الشر, وهم قصدهم ردهم إلى الكفر, الذي عاقبته الخيبة والخسران.

"بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ "
ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم, ففيه إخبار لهم بذلك, وبشارة بأنه يتولى أمورهم, بلطفه, ويعصمهم من أنواع الشرور. وفي ضمن ذلك, الحث لهم, على اتخاذه وحده, وليا وناصرا, من دون كل أحد.

"سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ "
فمن ولايته ونصره لهم, أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين, الرعب, وهو الخوف العظيم, الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم, وقد فعل تعالى. وذلك أن المشركين - بعدما انصرفوا من وقعة "أحد" - تشاوروا فيما بينهم, وقالوا: كيف ننصرف, بعد أن قتلنا منهم من قتلنا, وهزمناهم؟ ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك. فألقى الله في قلوبهم الرعب, فانصرفوا خائبين. ولا شك أن هذا, من أعظم النصر, لأنه قد تقدم, أن نصر الله لعباده المؤمنين, لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفا ممن كفروا, أو يكبتهم فينقلبوا خائبين. وهذا من الثاني. ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين فقال: " بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا " أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه, من الأنداد والأصنام, التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة, من غير حجة ولا برهان, وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن. فمن ثم, كان المشرك مرعوبا من المؤمنين, لا يعتمد على ركن وثيق, وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق, هذا حاله في الدنيا. وأما في الآخرة, فأشد وأعظم, ولهذا قال: " وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ". أي: مستقرهم الذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج. " وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ " بسبب ظلمهم وعدوانهم, صارت النار مثواهم.

"وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ "
أي " وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ " بالنصر, فنصركم عليهم, حتى ولوكم أكتافهم, وطفقتم فيهم قتلا, حتى صرتم سببا لأنفسكم, وعونا لأعدائكم عليكم. فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور " وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ " الذي فيه ترك أمر الله, بالائتلاف وعدم الاختلاف, فاختلفتم. فمن قائل: نقيم في مركزنا, الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم. ومن قائل: ما مقامنا فيه, وقد انهزم العدو, ولم يبق محذور. فعصيتم الرسول, وتركتم أمره " مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ " وهو انخذال أعدائكم. لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب, أعظم من غيره. فالواجب في هذه الحال خصوصا, وفي غيرها عموما, امتثال أمر الله ورسوله. " مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا " وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب. " وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ " وهم الذين, لزموا أمر رسول الله, وثبتوا حيث أمروا. " ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ " أي: بعد ما وجدت هذه الأمور منكم, صرف الله وجوهكم عنهم, فصار الوجه لعدوكم, ابتلاء من الله لكم, وامتحانا, ليتبين المؤمن من الكافر, والطائع من العاصي, وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة, ما صدر منكم فلهذا قال: " وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " أي: ذو فضل عظيم عليهم, حيث من عليهم بالإسلام, وهداهم لشرائعه, وعفا عنهم سيئاتهم, وأثابهم على مصيباتهم. ومن فضله على المؤمنين, أن لا يقدر عليهم خيرا ولا مصيبة, إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا, جازاهم جزاء الشاكرين, وإن أصابتهم ضراء فصبروا, جازاهم جزاء الصابرين.

"إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ "
يذكرهم تعالى حالهم, في وقت انهزامهم عن القتال, وبعاتبهم على ذلك فقال " إِذْ تُصْعِدُونَ " أي: تجدون في الهرب " وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ " أي: لا يلوي أحد منكم على أحد, ولا ينظر إليه. بل ليس لكم هم إلا الفرار, والنجاء من القتال. والحال أنه ليس عليكم خطر كبير. إذ لستم آخر الناس, مما يلي الأعداء, ويباشر الهيجاء. بل " وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ " أي: مما يلي القوم يقول: "إلي عباد الله". فلم تلتفتوا إليه, ولا عرجتم عليه, فالفرار نفسه, موجب للوم. ودعوة الرسول الموجبة لتقديمه على النفس, أعظم لوما, بتخلفكم عنها. " فَأَثَابَكُمْ " أي: جازاكم على فعلكم " غَمًّا بِغَمٍّ " أي: غما يتبعه غم. غم بفوات النصر وفوات الغنيمة, وغم بانهزامكم, وغم, أنساكم كل غم, وهو سماعكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل. ولكن الله - بلطفه, وحسن نظره لعباده - جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين, خيرا لهم فقال: " لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " من النصر والظفر. " وَلَا مَا أَصَابَكُمْ " من الهزيمة والقتل والجراح, إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل, هانت عليكم تلك المصيبات, واغتبطتم بوجوده. المسلي عن كل مصيبة ومحنة. فلله ما في ضمن البلايا والمحن, من الأسرار والحكم. وكل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته بأعمالكم, وظواهركم, وبواطنكم. ولهذا قال: " وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ". ويحتمل أن معنى قوله " لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ". يعني: أنه قدر ذلك الغم والمصيبة عليكم, لكي تتوطن نفوسكم, وتمرنوا على الصبر على المصيبات, ويخف عليكم تحمل المشقات.

"ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ "
" ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ " الذي أصابكم " أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ". ولا شك أن هذا رحمة بهم, وإحسان وتثبيت لقلوبهم, وزيادة طمأنينة. لأن الخائف لا يأتيه النعاس, لما في قلبه من الخوف. فإذا زال الخوف عن القلب, أمكن أن يأتيه النعاس. وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس, هم المؤمنون الذين ليس لهم إلا إقامة دين الله, ورضا الله ورسوله, ومصلحة إخوانهم المسلمين. وأما الطائفة الأخرى الذين " قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ " فليس لهم هم في غيرها, لنفاقهم, أو ضعف إيمانهم, فلهذا لم يصبهم من النعاس, ما أصاب غيرهم " يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ". وهذا استفهام إنكاري, أي: ما لنا من الأمر أي: النصر والظهور - شيء. فأساءوا الطن بربهم, وبدينه, وبنبيه, وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله, وأن هذه الهزيمة, هي الفيصلة والقاضية على دين الله. قال الله في جوابهم: " قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ". الأمر يشمل الأمر القدري, والأمر الشرعي. فجميع الأشياء, بقضاء الله وقدره, وعاقبتها, النصر والظفر لأوليائه, وأهل طاعته وإن جرى عليهم, ما جرى. " يُخْفُونَ " يعني المنافقين " فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ". ثم بين الأمر الذي يخفونه فقال: " يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ " أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة " مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ". وهذا إنكار منهم, وتكذيب بقدر الله, وتسفيه منهم لرأي رسول الله, ورأي أصحابه, وتزكية منهم, لأنفسهم فرد الله عليهم بقوله: " قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ " التي هي أبعد شيء عن مظان القتل. " لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ". فالأسباب - وإن عظمت - إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء. فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا, بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ, من الموت والحياة. " وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ " أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان. " وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ " من وساوس الشيطان, وما تأثر عنها من الصفات غير الحميدة. " وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " أي: بما فيها, وما أكنته. فاقتضى علمه وحكمته, أن قدر من الأسباب, ما به يظهر مخبئات الصدور, وسرائر الأمور.

"إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ "
يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم "أحد" وما الذي أوجب لهم الفرار, وأنه من تسويل الشيطان, وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين أدخلوه على أنفسهم, ومكنوه بما فعلوا من المعاصي, لأنها مركبه ومدخله. فلو اعتصموا بطاعة ربهم, لما كان له عليهم من سلطان. قال تعالى: " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ". ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ما فعلوا ما يوجب المؤاخذة. وإلا فلو آخذهم, لاستأصلهم. " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ " للمذنبين الخطائين, بما يوفقهم له من التوبة والاستغفار, والمصائب المكفرة. " حَلِيمٌ " لا يعاجل من عصاه, بل يستأنى به, ويدعوه إلى الإنابة إليه, والإقبال عليه. ثم إن تاب وأناب, قبل منه, وصيره كأنه لم يجر منه ذنب, ولم يصدر عنه عيب. فلله الحمد على إحسانه.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
ينهى تعالى عباده المؤمنين, أن يشابهوا الكافرين, الذين لا يؤمنون بربهم, ولا بقضائه وقدره, من المنافقين وغيرهم. ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء, وفي هذا الأمر الخاص - وهو أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو في النسب: " إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ " أي: سافروا للتجارة " أَوْ كَانُوا غُزًّى " أي: غزاة, ثم جرى عليهم قتل أو موت, يعارضون القدر ويقولون: " لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا " وهذا كذب منهم. فقد قال تعالى: " قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ". ولكن هذا التكذيب لم يفدهم, إلا أن الله يجعل هذا القول, وهذه العقيدة, حسرة في قلوبهم, فتزداد مصيبتهم. وأما المؤمنون, فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله, فيؤمنون ويسلمون, فيهدي الله قلوبهم, ويثبتها, ويخفف بذلك, عنهم المصيبة. قال الله, ردا عليهم " وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ " أي: هو المنفرد بذلك, فلا يغني حذر عن قدر. " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " فيجازيكم بأعمالكم وتكذيبكم.

"وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ "
ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيله, أو الموت فيه, ليس فيه نقص ولا محذور. وإنما هو, مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون, لأنه سبب مفض, وموصل إلى مغفرة الله ورحمته, وذلك خير مما يجمع أهل الدنيا, من دنياهم, وأن الخلق أيضا إذا ماتوا, أو قتلوا بأي حالة كانت, فإنما مرجعهم إلى الله, ومآلهم إليه, فيجازي كلا بعمله. فأين الفرار إلا إلى الله, وما للخلق عاصم إلا الاعتصام بحبل الله؟!!

"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ "
أي برحمة الله لك ولأصحابك, من الله عليك أن ألنت لهم جانبك, وخفضت لهم جناحك, وترققت عليهم, وحسنت لهم خلقك, فاجتمعوا عليك وأحبوك, وامتثلوا أمرك. " وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا " أي: سيء الخلق " غَلِيظَ الْقَلْبِ " أي: قاسيه, " لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ " لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ. فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدنيا, تجذب الناس إلى دين الله, وترغبهم فيه, مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص. والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين, تنفر الناس عن الدين, وتبغضهم إليه, مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص. فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول, فكيف بغيره. أليس من أوجب الواجبات, وأهم المهمات, الاقتداء بأخلاقه الكريمة, ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به صلى الله عليه وسلم, من اللين وحسن الخلق والتأليف, امتثالا لأمر الله, وجذبا لعباد الله لدين الله. ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه, صلى الله عليه وسلم, ويستغفر لهم في التقصير, في حق الله, فيجمع بين العفو والإحسان. " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ " أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة, ونظر, وفكر. فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية, ما لا يمكن حصرة. منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله. ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم, وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث. فإن من له الأمر على الناس - إذا جمع أهل الرأي والفضل, وشاورهم في حادثة من الحوداث - اطمأنت إليه نفوسهم وأحبوه, وعلموا أنه ليس يستبد عليهم, وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع. فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته, لعلمهم بسعيه في مصالح العموم. بخلاف من ليس كذلك, فإنهم لا يكادون بحبونه محبة صادقة, ولا يطيعونه, وإن أطاعوه, فطاعة غير تامة. ومنها: أن في الاستشارة, تنور الأفكار, بسبب إعمالها فيما وضعت له, فصار في ذلك زيادة العقول. ومنها: ما تنتجه الاستشارة, من الرأي المصيب, فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله. وإن أخطأ, أو لم يتم له مطلوب, فليس بملوم. فإذا كان الله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم - وهو أكمل الناس عقلا وأغزرهم علما وأفضلهم رأيا -: " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ " فكيف بغيره. ثم قال تعالى " فَإِذَا عَزَمْتَ " أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه, إن كان يحتاج إلى استشارة. " فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ " أي: اعتمد على حول الله وقوته, متبرئا من حولك وقوتك. " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " عليه; اللاجئين إليه.

"إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "
أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته " فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ". فلو اجتمع عليكم; من في أقطارها; وما عندهم من العدد والعدد, لأن الله لا مغالب له, وقد قهر العباد, وأخذ بنواصيهم. فلا تتحرك دابة إلا بإذنه, ولا تسكن إلا بإذنه. " وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ " ويكلكم إلى أنفسكم " فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ". فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق. وقد ضمن ذلك, الأمر بالاستنصار بالله, والاعتماد عليه, والبراءة من الحول والقوة. ولهذا قال " وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " وتقدم المعمول, يؤذن بالحصر. أي: توكلوا على الله, لا غيره, لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده. فالاعتماد عليه, توحيد محصل للمقصود. والاعتماد على غيره, شرك غير نافع لصاحبه, بل ضار. وفي هذه الآية, الأمر بالتوكل على الله وحده, وأنه بحسب إيمان العبد, يكون توكله.

"وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "
الغلول هو: الكتمان من الغنيمة, والخيانة في كل ما يتولاه الإنسان, وهو محرم إجماعا, بل هو من الكبائر, كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص. فأخبر الله تعالى, أنه ما ينبغي, ولا يليق بنبي, أن يغل. لأن الغلول - كما علمت - من أعظم الذنوب, وشر العيوب. وقد صان الله تعالى أنبياءه, عن كل ما يدنسهم, ويقدح فيهم, وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا, وأطهرهم نفوسا, وأزكاهم وأطيبهم, ونزهم عن كل عيب, وجعلهم محل رسالته, ومعدن حكمته [الله أعلم حيث يجعل رسالته]. فبمجرد علم العبد بالواحد منهم, يجزم بسلامتهم, من كل أمر يقدح فيهم. ولا يحتاج إلى دليل, على فساد ما قيل فيهم, من أعدائهم, لأن معرفته بنبوتهم, تستلزم دفع ذلك, ولذلك أتى بصيغة, يمتنع معها وجود الفعل منهم فقال: " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ " أي: يمتنع ذلك, ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته. ثم ذكر الوعيد على من غل فقال: " وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". أي: يأت به حامله على ظهره, حيوانا كان, أو متاعا, أو غير ذلك, يعذب به يوم القيامة. " ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ " الغال وغيره, كل يوفى أجره ووزره, على مقدار كسبه. " وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " أي: لا يزاد في سيئاتهم, ولا يهضمون شيئا من حسناتهم. وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة. لما ذكر عقوبة الغال, وأنه يأتي يوم القيامة بما غله, ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه, وكان اقتصاره على الغال, يوهم - بالمفهوم - أن غيره من أنواع العاملين, قد لا يوفون - أتى بلفظ عام جامع له ولغيره.

"أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ "
يخبر تعالى, أنه لا يستوي من كان قصده رضوان الله, والعمل على ما يرضيه, كمن ليس كذلك, ممن هو مكب على المعاصي, مسخط لربه هذان لا يستويان في حكم الله, وحكمة الله, وفي فطر عباد الله. [أفمن كان مؤمنا,, كمن فاسقا, لا يستوون] ولهذا قال:

"هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "
" هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ " أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم, بحسب تفاوتهم في أعمالهم. فالمتبعون لرضوان الله, يسعون في نيل الدرجات العاليات, والمنازل والغرفات, فيعطيهم الله من فضله وجوده, على قدر أعمالهم. والمتبعون لمساخط الله, يسعون في النزول في الدركات, إلى أسفل سافلين, كل على حسب عمله. والله بصير بأعمالهم, لا يخفى عليه منها شيء. بل قد علمها, وأثبتها في اللوح المحفوظ, وملائكته الأمناء الكرام, أن يكتبوها ويحفظوها, ويضبطوها.

"لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "
هذه المنة التي امتن الله بها على عباده, أكبر النعم, بل أصلها. وهي الامتنان عليهم, بهذا الرسول الكريم, الذي أنقذهم الله به, من الضلالة, وعصمهم به, من الهلكة فقال: " لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ " يعرفون نسبه, وحاله, ولسانه, من قومهم وقبيلتهم, ناصحا لهم, مشفقا عليهم. " يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ " يعلمهم ألفاظها ومعانيها. " وَيُزَكِّيهِمْ " من الشرك, والمعاصي, والرذائل, وسائر مساوئ الأخلاق. " وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ " إما جنس الكتاب الذي هو القرآن, فيكون قوله " يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ " المراد به الآيات الكونية. أو المراد بالكتاب - هنا - الكتابة, فيكون قد امتن عليهم, بتعليم الكتاب والكتابة, التي بها تدرك العلوم وتحفظ. " وَالْحِكْمَةَ " هي: السنة, التي هي شقيقة القرآن, ووضع الأشياء مواضعها, ومعرفة أسرار الشريعة. فجمع لهم, بين تعليم الأحكام, وما به تنفيذ الأحكام, وما به تدرك فوائدها وثمراتها, ففاقوا بهذه الأمور العظيمة, جميع المخلوقين, وكانوا من العلماء الربانيين. " وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ " بعثة هذا الرسول " لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم, ولا ما يزكي النفوس ويطهرها, بل ما يزين لهم جهلهم فعلوه, ولو ناقض ذلك عقول العالمين.

"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
هذا تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين, حين أصابهم ما أصابهم يوم "أحد" وقتل منهم نحو سبعين, فقال الله: إنكم " قَدْ أَصَبْتُمْ " من المشركين " مِثْلَيْهَا " فقلتم سبعين من كبارهم, وأسرتم سبعين. فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم, مع أنكم لا تستوون, أنتم وهم. فإن قتلاكم في الجنة, وقتلاهم في النار. " قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا " أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ " قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ " حين تنازعتم, وعصيتم, من بعد ما أراكم ما تحبون. فعودا على أنفسكم باللوم, واحذروا من الأسباب المردية. " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فإياكم وسوء الظن بالله, فإنه قادر على نصركم. ولكن له أتم الحكمة, في ابتلائكم, ومصيبتكم. [ذلك ولو شاء الله, لانتصر منهم, ولكن ليبلو بعضكم ببعض].

"وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ "
ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان, جمع المسلمين, وجمع المشركين في "أحد" من القتل والهزيمة, أنه بإذنه, وقضائه وقدره, لا مرد له, ولا بد من وقوعه. والأمر القدري - إذا نفذ, لم يبقى إلا التسليم له, وأنه قدره, لحكم عظيمة, وفوائد جسيمة. وأنه ليتبين بذلك, المؤمن من المنافق, الذين لما أمروا بالقتال.

"وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ "
" وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أي: ذبا عن دين الله, وحماية له وطلبا لمرضاة الله " أَوِ ادْفَعُوا " عن محارمكم وبلدكم, إن لم تكن لكم نية صالحة. فأبوا ذلك واعتذروا بأن " قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ". أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال, لاتبعناكم, وهم كذبة في هذا. قد علموا وتيقنوا, وعلم كل أحد, أن هؤلاء المشركين, قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين, بما أصابوا منهم, وأنهم قد بذلوا أموالهم, وجمعوا ما يقدرون عليه, من الرجال والعدد, وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم, متحرقين على قتالهم. فمن كانت هذه حالهم, كيف يتصور أنه لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلون من المدينة, وبرزوا لهم, هذا من المستحيل. ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر, يروج على المؤمنين. قال تعالى " هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ " أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين " أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ". وهذه خاصة المنافقين, يظهرون بكلامهم وفعالهم, ما يبطنون صده في قلوبهم وسرائرهم. ومنه قولهم " لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ " فإنهم علموا وقوع القتال. ويستدل بهذه الآية على قاعدة "ارتكاب" أخف المفسدتين لدفع أعلاهما, وفعل أدنى المصلحتين, للعجز عن أعلاهما, لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين, فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان. " وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ " فيبديه لعباده المؤمنين, ويعاقبهم عليه.

"الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
ثم قال تعالى " الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ". أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد, وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره. قال الله ردا عليهم. " قُلْ فَادْرَءُوا " أي: ادفعوا " عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا, لا تقدرون على ذلك, ولا تستطيعونه. وفي هذه الآيات, دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر, وخصلة إيمان. وقد يكون إحداهما, أقرب من الأخرى.

"وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ "
هذه الآيات الكريمات, فيها فضل الشهداء وكرامتهم, وما من الله عليهم به, من فضله وإحسانه. وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم, وتعزيتهم, وتنشيطهم للقتال في سبيل الله, والتعرض للشهادة فقال: " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أي: في جهاد أعداء الدين, قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله. " أَمْوَاتًا " أي: لا يخطر ببالك وحسبانك, أنهم ماتوا وفقدوا, وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا, والتمتع بزهرتها, الذي يحذر من فواته, من جبن عن القتال, وزهد في الشهادة. " بَلْ " قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم " أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ " في دار كرامته. ولفظ "عند ربهم" يقتضي علو درجتهم, وقربهم من ربهم. " يُرْزَقُونَ " من أنواع النعيم, الذي لا يعلم وصفه, إلا من أنعم به عليهم. ومع هذا صاروا " فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ " أي: مغتبطون بذلك. وقد قرت به عيونهم, وفرحت به نفوسهم, وذلك لحسنه, وكثرته, وعظمته, وكمال اللذة في الوصول إليه, وعدم المنغص.

"فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
فجمع الله لهم, بين نعيم البدن بالرزق, ونعيم القلب والروح, بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور, وجعلوا " وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ " أي: يبشر بعضهم بعضا, بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم, وأنهم سينالون ما نالوا. " أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم, وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور.

"يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ "
" يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ " أي: يهنئ بعضهم بعضا, بأعظم مهنأ به, وهو: نعمة ربهم, وفضله, وإحسانه. " وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ " بل ينميه ويشكره, ويزيده من فضله, ما لا يصل إليه سعيهم. وفي هذه الآيات, إثبات نعيم البرزخ, وأن الشهداء, في أعلى مكان عند ربهم. وفيه تلاقى أرواح أهل الخير, وزيارة بعضهم بعضا, وتبشير بعضهم بعضا.

"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ "
لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من "أحد" إلى المدينة, ندب أصحابه إلى الخروج فخرجوا - على ما بهم من الجراح - استجابة لله ورسوله, فوصلوا إلى "حمراء الأسد", وجاءهم من جاءهم وقال لهم: " إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ " وهموا باستئصالكم, تخويفا لهم وترهيبا. فلم يزدهم ذلك, إلا إيمانا بالله, واتكالا عليه. " وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ " أي: كافينا كل ما أهمنا " وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " المفوض إليه تدبير عباده, والقائم بمصالحهم.

"فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ "
" فَانْقَلَبُوا " أي: رجعوا " بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ". وجاء الخبر المشركين, أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم, وندم من تخلف منهم. فألقى الله الرعب في قلوبهم, واستمروا, راجعين إلى مكة. ورجع المؤمنون, بنعمة من الله وفضل, حيث من عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم, ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة.

"إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
فسبب إحسانهم بطاعة ربهم, وتقواهم عن معصيته, لهم أجر عظيم, ثم قال تعالى: " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ " أي: إن ترهيب من رهب من المشركين, وقال: إنهم جمعوا لكم, داع من دعاة الشيطان, يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم, أو ضعف. " فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " أي: فلا تخافوا المشركين, أولياء الشيطان, فإن نواصيهم بيد الله, لا يتصرفون إلا بقدره. بل خافوا الله, الذي ينصر أولياءه الخائفين إياه المستجيبين لدعوته. وفي هذه الآية, وجوب الخوف من الله وحده, وأنه من لوازم الإيمان. فعلى قدر إيمان العبد, يكون خوفه من الله. والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.

"وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ "
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق, مجتهدا في هدايتهم. وكان يحزن, إذا لم يهتدوا, قال الله تعالى: " وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ " من شدة رغبتهم فيه وحرصهم عليه " إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ". فالله ناصر دينه, ومؤيد رسوله, ومنفذ أمره من دونهم, فلا تبالهم ولا تحفل بهم. إنما يضرون, ويسعون في ضرر أنفسهم, بفوات الإيمان في الدنيا, وحصول العذاب الأليم في الأخرى, من هوانهم على الله, وسقوطهم من عينه, وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة. ثوابه, خذلهم فلم يوفقهم, لما وفق إليه أولياءه, من أراد به خيرا, عدلا منه وحكمة, لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى, ولا قابلين للرشاد, لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم.

"إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان, ورغبوا فيه, رغبة من يذل ما يحب من المال, في شراء ما يحب من السلع " لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا " بل ضرر فعلهم, يعود على أنفسهم, ولهذا قال: " وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " وكيف يضرون الله شيئا, وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم. وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم. وأعد له - ممن ارتضاه لنصرته - أهل البصائر والعقول, وذوي الألباب من الرجال الفحول. قال الله تعالى " قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا " الآيات.

"وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ "
أي: ولا يظن الذين كفروا بربهم, ونابذوا دينه, وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا, وعدم استئصالنا لهم, وإملائنا لهم - خير لأنفسهم, ومحبة منا لهم. كلا, ليس الأمر كما زعموا, وإنما ذلك لشر, يريده الله بهم, وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم, ولهذا قال: " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ " فالله تعالى يملي للظالم, حتى يزداد طغيانه, ويترادف كفرانه, ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. فليحذر الظالمون من الإمهال, ولا يظنوا, أن يفوتوا الكبير المتعال.

"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ "
أي: ما كان في حكمة الله أن يترك أن المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط, وعدم التمييز, حتى يميز الخبيث من الطيب, والمؤمن من المنافق والصادق من الكاذب. ولم يكن في حكمته أيضا, أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده: فاقتضت حكمته أيضا الباهرة, أن يبتلي عباده, ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب, من أنواع الابتلاء والامتحان. فأرسل الله رسله, وأمر بطاعتهم, والانقياد لهم, والإيمان بهم, ووعدهم - على الإيمان والتقوى - الأجر العظيم. فانقسم الناس - بحسب اتباعم للرسل - قسمين: مطيعين وعاصين, ومؤمنين ومنافقين, ومسلمين وكافرين. ليرتب على ذلك الثواب والعقاب, وليظهر عدله وفضله, وحكمته لخلقه.

"وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "
أي: ولا يظن الذين يبخلون, أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله, من المال, والجاه, والعلم, وغير ذلك, مما منحهم الله, وأحسن إليهم به, وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده, فبخلوا بذلك, وأمسكوه, وضنوا به على عباد الله, وظنوا أنه خير لهم, بل هو شر لهم, في دينهم ودنياهم, وعاجلهم وآجلهم, " سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " أي: يجعل ما بخلوا له, طوقا في أعناقهم, يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح. " إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة, شجاعا أقرع, له زبيبتان يأخذ بلهزميه يقول: أنا مالك, أنا كنزك". وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق ذلك, هذه الآية. فهؤلاء حسبوا أن بخلهم, نافعهم, ومجد عليهم. فانقلب عليهم الأمر, وصار من أعظم مضارهم, وسبب عقابهم. " وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: هو تعالى, مالك الملك, وترد جميع الأملاك إلى مالكها, وينقلب العباد من الدنيا, ما معهم درهم ولا دينار, ولا غير ذلك من المال. قال تعالى " إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ". وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي, الموجب كل واحد, منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله. أخبر أولا: أن الذي عنده وفي يده, فضل من الله ونعمة, ليس ملكا للعبد. بل لولا فضل الله عليه وإحسانه, لم يصل إليه منه شيء. فمنعه ذلك, منع لفضل الله وإحسانه. ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى " وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ". فمن تحقق أن ما بيده, هو فضل من الله, لم يمنع الفضل الذي لا يضره, بل ينفعه في قلبه وماله, وزيادة إيمانه, وحفظه من الآفات. ثم ذكر ثانيا أن هذا الذي بيد العباد كله, يرجع إلى الله, ويرثه تعالى, وهو خير الوارثين. نلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك, منتقل إلى غيرك. ثم ذكر ثالثا, السبب الجزائي فقال " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ". فإذا كان خبيرا بأعمالكم جميعا - ويستلزم ذلك, الجزاء الحسن, على الخيرات, والعقوبات على الشر - لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان, عن الإنفاق الذي يجزي به الثواب, ولا يرضى بالإمساك, الذي به العقاب.

"لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ "
يخبر تعالى, عن قول هؤلاء المتمردين, الذين قالوا أقبح المقالة, وأشنعها, وأسمجها. فأخبر أنه قد سمع ما قالوه, وأنه سيكتبه ويحفظه, مع أفعالهم الشنيعة, وهو: قتلهم الأنبياء الناصحين, وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة, وأنه يقال لهم - بدل قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء - " ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " المحرق النافذ من البدن إلى الأفئدة, وأن عذابهم ليس ظلما من الله لهم فإنه " لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ " فإنه منزه عن ذلك.

"ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ "
وإنما " ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ " من المخازي والقبائح, التي أوجبت استحقاقهم العذاب, وحرمانهم الثواب. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية, نزلت في قوم من اليهود, تكلموا بذلك. وذكروا منهم "فنحاص بن عازوراء" من رؤساء علماء اليهود في المدينة. وأنه لما سمع قول الله تعالى " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " " وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " قال - على وجه التكبر والتجرؤ هذه المقالة, قبحه الله. فذكرها الله عنهم, وأخبر أنه ليس ببدع من شنائعهم, بل قد سبق لهم من الشنائع, ما هو نظير ذلك, وهو: قتلهم الأنبياء بغير حق. هذا القيد يراد به, أنهم تجرأوا على قتلهم, مع علمهم بشناعته, لا جهلا وضلالا, بل تمردا وعنادا.

"الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
يخبر تعالى عن حال هؤلاء المفترين القائلين " إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا " أي: تقدم إلينا, وأوصى, أن لا نؤمن لرسول, حتى يأتينا بقربان تأكله النار. فجمعوا بين الكذب على الله, وحصر آية الرسل بما قالوه, من هذا الإفك المبين. وأنهم إن لم يؤمنوا برسول, لم يأتهم بقربان تأكله النار. فهم - في ذلك - مطيعون لربهم, ملتزمون عهده. وقد علم أن كل رسول يرسله الله, يؤيده من الآيات والبراهين, بما على مثله آمن البشر, ولم يقصرها على ما قالوه, ومع هذا, فقد قالوا, إفكا لم يلتزموه, وباطلا لم يعملوا به. ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لهم: " قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ " الدلات على صدقهم " وَبِالَّذِي قُلْتُمْ " بأن أتاكم بقربان تأكله النار " فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ". أي: في دعواكم الإيمان برسول يأتيكم بقربان تأكله النار. فقد تبين بهذا كذبهم, وعنادهم, وتناقضهم.

"فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ "
ثم بشر رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: " فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ". أي: هذه عادة الظالمين, ودأبهم, الكفر بالله, وتكذيب رسل الله. وليس تكذيبهم لرسل الله, عن تصور بما أتوا به, أو عدم تبين حجة. بل قد " جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ " أي: الحجج العقلية, والبراهين النقلية. " وَالزُّبُرِ " أي: الكتب المزبورة, المنزلة من السماء, التي لا يمكن أن يأتي بها غير الرسل. " وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ " للأحكام الشرعية, وبيان ما اشتملت عليه من المحاسن العقلية, ومنير أيضا للأخبار الصادقة. فإذا كان هذا عادتهم في عدم الإيمان بالرسل, الذين هذا وصفهم. فلا يحزنك أمرهم, ولا يهلك شأنهم.

"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ "
ثم قال تعالى: " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ " الآية. هذه الآية الكريمة, فيها التزهيد في الدنيا بفنائها, وعدم بقائها, وأنها متاع الغرور, تفتن بزخرفها, وتخدع بغرورها, وتغر بمحاسنها. ثم هي منتقلة, ومنتقل عنها, إلى دار القرار, التي توفى فيها النفوس, ما عملت في هذه الدار, من خير, وشر. " فَمَنْ زُحْزِحَ " أي: أخرج " عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ". أي: حصل له الفوز العظيم, بالنجاة من العذاب الأليم, والوصول إلى جنات النعيم, التي فيها, ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. ومفهوم الآية, أن من لم يزحزح عن النار, ويدخل الجنة, فإنه لم يفز, بل قد شقى الشقاء الأبدي, وابتلي بالعذاب السرمدي. وفي هذه الآية, إشارة لطيفة, إلى نعيم البرزخ وعذابه, وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء, مما عملوه, ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه. يفهم هذا من قوله " وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " أي: توفية الأعمال التامة, إنما يكون يوم القيامة. وأما ما دون ذلك, فيكون في البرزخ. بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا كقوله " وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ".

"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ "
يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين, أنهم سيبتلون في أموالهم, من النفقات الواجبة والمستحبة, من التعريض لإتلافها, في سبيل الله, وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة, على كثير من الناس, كالجهاد في سبيل الله, والتعرض فيه للتعب, والقتل, والأسر, والجراح, وكالأمراض التي تصيبه في نفسه, أو فيمن يحب. " وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا " من الطعن فيكم, وفي دينكم, وكتابكم, ورسولكم. وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك, عدة فوائد. منها: أن حكمته تعالى, تقتضي ذلك, ليتميز المؤمن الصادق من غيره. ومنها: أنه تعالى, يقدر عليهم هذه الأمور, لما يريده بهم من الخير ليعلي درجاتهم, ويكفر من سيئاتهم, وليزداد بذلك, إيمانهم, ويتم به إيقانهم. فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر [قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما] ومنها: أنه أخبرهم بذلك, لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك, والصبر عليه إذا وقع. لأنهم قد استعدوا لوقوعه, فيهون عليهم حمله, وتخف عليهم مؤنته ويلجأون إلى الصبر والتقوى, ولهذا قال: " وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا " أي: إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم, من الابتلاء, والامتحان, وعلى أذية الظالمين, وتتقوا الله في ذلك الصبر بأن تنووا به وجه الله, والتقرب إليه, ولم تتعدوا في صبركم, الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال, بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله. " فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " أي: من الأمور التي يعزم عليها, وينافس فيها, ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية كما قال تعالى. " وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ".

"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ "
الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد. وهذا الميثاق أخذه الله تعالى, على كل من أعطاه الله الكتب, وعلمه العلم, أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله, ولا يكتمهم ذلك, ويبخل عليهم به, خصوصا إذا سألوه, أو وقع ما يوجب ذلك. فإن كل من عنده علم, يجب عليه في تلك الحال, أن يبينه, ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون, فقاموا بهذا أتم القيام, وعلموا الناس مما علمهم الله, ابتغاء مرضاة ربهم, وشفقة على الخلق, وخوفا من إثم الكتمان. وأما الذين أوتو الكتاب, من اليهود والنصارى, ومن شابههم, فنبذوا هذه العهود والمواثيق, وراء ظهورهم, فلم يعبأوا بها. فكتموا الحق, وأظهروا الباطل, تجرؤا على محارم الله, وتهاونا بحقوقه تعالى, وحقوق الخلق, واشتروا بذلك الكتمان, ثمنا قليلا. وهو: ما يحصل لهم إن حصل, من بعض الرياسات, والأموال الحقيرة, من سفلتهم المتبعين أهواءهم, المقدمين شهواتهم على الحق. " فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ " لأنه أخس العوض, والذي رغبوا عنه - وهو بيان الحق, الذي فيه السعادة الأبدية, والمصالح الدينية والدنيوية - أعظم المطالب وأجلها فلم يختاروا الدين الخسيس ويتركوا العالي النفيس, إلا لسوء حظهم, وهوانهم, وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له.

"لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
ثم قال تعالى " لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا " أي: من القبائح, والباطل القولي والفعلي. " وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا " أي: بالخير الذي لم يفعلوه, والحق الذي لم يقولوه. فجمعوا بين فعل الشر وقوله, والفرح بذلك, ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه. " فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ " أي: بمحل نجوة منه وسلامة, بل قد استحقوه, وسيصيرون إليه, ولهذا قال " وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ". ويدخل في هذه الآية الكريمة, أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم, ولم ينقادوا للرسول, وزعموا أنهم, المحقون في حالهم ومقالهم. وكذلك كل من ابتدع بدعة, قولية أو فعلية, وفرح بها, ودعا إليها, وزعم أنه محق وغيره مبطل, كما هو الواقع من أهل البدع. ودلت الآية بمفهومها, على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير, واتباع الحق, إذا لم يكن قصده بذلك, الرياء والسمعة, أنه غير مذموم. بل هذا من الأمور المطلوبة, التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين, في الأعمال والأقوال, وأنه جازى بها خواص خلقه, وسألوها منه. كما قال إبراهيم عليه السلام " وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ". وقال " سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ". وقد قال عباد الرحمن " وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " وهي من نعم الباري على عبده, ومننه التي تحتاج إلى الشكر.

"وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
أي: هو المالك للسموات والأرض وما فيهما, من سائر أصناف الخلق, المتصرف فيهم, بكمال القدرة, وبديع الصنعة, فلا يمتنع عليه منهم أحد, ولا يعجزه أحد.

"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ "
يخبر تعالى " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ". وفي ضمن ذلك, حث العباد على التفكر فيها, والتبصر بآياتها, وتدبر خلقها. وأبهم قوله " آيَاتٍ " ولم يقل "على المطلب الفلاني" إشارة لكثرثها وعمومها. وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة, ما يبهر الناظرين, ويقنع المتفكرين, ويجذب أفئدة الصادقين, وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية. فأما تفصيل ما اشتملت عليه, فلا يمكن مخلوقا أن يحصره, ويحيط ببعضه. وفي الجملة, فما فيها من العظمة والسعة, وانتظام السير والحركة, يدل على عظمة خالقها, وعظمة سلطانه وشمول قدرته وما فيها, من الإحكام, والإتقان, وبديع الصنع, ولطائف الفعل, يدل على حكمة الله, ووضعه الأشياء مواضعها, وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق, يدل على سعة رحمة الله, وعموم فضله, وشمول بره ووجوب شكره. وكل ذلك, يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها, وبذل الجهد في مرضاته, وأن لا يشرك به سواه, ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره, مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وخص الله بالآيات, أولي الألباب, وهم: أهل العقول, لأنهم, هم المنتفعون بها, الناظرون إليها بعقولهم, لا بأبصارهم.

"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "
ثم وصف أولي الألباب بأنهم " يَذْكُرُونَ اللَّهَ " في جميع أحوالهم " قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ", وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب. ويدخل في ذلك, الصلاة قائما, فإن لم يستطع فقاعدا, فإن لم يستطع, فعلى جنب. وأنهم " وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: ليستدلوا بها على المقصود منها: ودل هذا, على أن التفكر عبادة, من صفات أولياء الله العارفين. فإذا تفكروا بها, عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا فيقولون. " رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ " عن كل ما لا يليق بجلالك, بالحق وللحق, بل خلقتها مشتملة على الحق. " فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " بأن تعصمنا من السيئات, وتوفقنا للأعمال الصالحات, لننال بذلك, النجاة من النار. ويتضمن ذلك, سؤال الجنة, لأنهم - إذا وقاهم الله عذاب النار - حصلت لهم الجنة. ولكن لما قام الخوف بقلوبهم: دعوا الله بأهم الأمور عندهم.

"رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ "
" رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ " أي: لحصوله على السخط من الله, ومن ملائكته وأوليائه, ووقوع الفضيحة, التي لا نجاة منها, ولا منقذ منها. ولهذا قال: " وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ " ينقذونهم من عذابه. وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم.

"رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ "
" رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ " وهو محمد صلى الله عليه وسلم, يدعو الناس إليه, ويرغبهم فيه, في أصوله وفروعه. " فَآمَنَّا " أي: أجبناه مبادرة, وسارعنا إليه. وفي هذا إخبار منهم بمنة الله عليهم, وتبجح بنعمته, وتوسل إليه بذلك, أن يغفر ذنوبهم ويكفر سيئاتهم, لأن الحسنات يذهبن السيئات. والذي من عليهم بالإيمان, يمن عليهم بالأمان التام. " وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ " يتضمن هذا الدعاء, التوفيق لفعل الخير, وترك الشر, الذي به يكون العبد من الأبرار, والاستمرار عليه, والثبات إلى الممات.

"رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ "
ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان, وتوسلهم به إلى تمام النعمة - سألوه الثواب على ذلك, وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله, من النصر, والظهور في الدنيا, ومن الفوز برضوان الله وجنته, في الآخرة فإنه تعالى, لا يخلف الميعاد, فأجاب الله دعاءهم, وقبل تضرعهم.

"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ "
فلهذا قال: " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ " الآية أي: أجاب الله دعاءهم, دعاء العبادة, ودعاء الطلب وقال: " أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ". فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا. أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب. " فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا ". فجمعوا بين الإيمان والهجرة, ومفارقة المحبوبات, من الأوطان, والأموال, طلبا لمرضاة ربهم, وجاهدوا في سبيل الله. " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " الذي يعطي عبده الثواب الجزيل, على العمل القليل. " وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ " مما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. فمن أراد ذلك, فليطلبه من الله بطاعته, والتقرب إليه, بما يقدر عليه العبد.

"لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ "
وهذه الآية, المقصود منها, التسلية عما يحصل للذين كفروا, من متاع الدنيا, وتنعمهم فيها, وتقلبهم في البلاد, بأنواع التجارات, والمكاسب واللذات, وأنواع العز, والغلبة في بعض الأوقات,

"مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ "
فإن هذا كله " مَتَاعٌ قَلِيلٌ " ليس له ثبوت ولا بقاء, بل يتمتعون به قليلا, ويعذبون عليه طويلا, هذه أعلى حالة تكون للكافر, وقد رأيت ما تئول إليه.

"لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ "
وأما المتقون لربهم, المؤمنون به - فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها " لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ". فلو قدر أنهم في دار الدنيا, قد حصل لهم كل بؤس, وشدة, وعناد, ومشقة - لكان هذا - بالنسبة إلى النعيم المقيم, والعيش السليم, والسرور والحبور, والبهجة - نزرا يسيرا, ومنحة في صورة محنة, ولهذا قال تعالى: " وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ " وهم الذين برت قلوبهم, فبرت أقوالهم وأفعالهم. فأثابهم البر الرحيم من بره, أجرا عظيما, وعطاء جسيما, وفوزا دائما.

"وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ "
أي: وإن من أهل الكتاب, طائفة موفقة للخير, يؤمنون بالله, ويؤمنون بما أنزل إليكم, وما أنزل إليهم. وهذا هو الإيمان النافع, لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب, ويكفر ببعض. ولهذا - لما كان إيمانهم عاما حقيقيا - صار نافعا, فأحدث لهم خشية الله, وخضوعهم لجلاله, الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه, والوقوف عند حدوده. وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة, كما قال تعالى: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ". ومن تمام خشيتهم لله, أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. فلا يقدمون الدنيا على الدين, كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا. وأما هؤلاء, فعرفوا الأمر على الحقيقة, وعلموا أن من أعظم الخسران, الرضا بالدون عن الدين, والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية, وترك الحق, الذي هو: أكبر حظ وفوز, من الدنيا والآخرة فآثروا الحق, وبينوه, ودعو إليه, وحذروا عن الباطل. فأثابهم الله على ذلك, بأن وعدهم الأجر الجزيل, والثواب الجميل. وأخبرهم بقربه, وأنه سريع الحساب, فلا يستبطئوا ما وعدهم الله. لأن ما هو آت, محقق حصوله, فهو قريب.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
ثم حض المؤمنين, على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو: الفوز بالسعادة والنجاح, وأن الطريق الموصل إلى ذلك, لزوم الصبر, الذي هو حبس النفس على ما تكرهه, من ترك المعاصي, ومن الصبر على المصائب, وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس, فأمرهم بالصبر على جميع ذلك. والمصابرة هي: الملازمة والاستمرار على ذلك, على الدوام, ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة وهو: لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه, وأن يراقبوا أعداءهم ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم, لعلهم يفلحون: يفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي, وينجون من المكروه كذلك. فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات. فلم يفلح من أفلح, إلا بها, ولم يفت أحد, الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها. والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا به. تم تفسير "سورة آل عمران", والحمد لله على نعمته, ونسأله تمام النعمة.
سورة النساء


"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا "
افتتح تعالى هذه السورة, بالأمر بتقواه, والحث على عبادته, والأمر بصلة الأرحام, والحث على ذلك. وبين السبب الداعي, الموجب لكل من ذلك, وأن الموجب لتقواه أنه " رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ " ورزقكم, ورباكم بنعمه العظيمة, التي من جملتها خلقكم " مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا " ليناسبها, فيسكن إليها, وتتم بذلك النعمة, ويحصل به السرور. وكذلك, من الموجب الداعي لتقواه, تساؤلكم به, وتعظيمكم. حتى إنكم إذا أردتم قضاء حاجاتكم ومآربكم, توسلتم بها, بالسؤال. فيقول من يريد ذلك لغيره: أسألك بالله, أن تفعل الأمر الفلاني. لعلمه بما قام في قلبه, من تعظيم الله الداعي, أن لا يرد من سأله بالله. فكما عظمتموه بذلك, فلتعظموه بعبادته وتقواه. وكذلك الإخبار بأنه رقيب, أي: مطلع على العباد, في حال حركاتهم وسكونهم, وسرهم وعلنهم, وجميع الأحوال, مراقبا لهم فيها, مما يوجب مراقبته, وشدة الحياء منه, بلزوم تقواه. وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة, وأنه بثهم في أقطار الأرض, مع رجوعهم إلى أصل واحد - ليعطف بعضهم على بعض, ويرقق بعضهم على بعض. وقرن الأمر بتقواه, بالأمر ببر الأرحام, والنهي عن قطيعتها, ليؤكد هذا الحق. وأنه كما يلزم القيام بحق الله, كذلك يجب القيام بحقوق الخلق, خصوصا الأقربين منهم, بل القيام بحقوقهم, هو من حق الله الذي أمر به. وتأمل كيف افتتح هذه السورة, بالأمر بالتقوى, وصلة الأرحام والأزواج عموما. ثم بعد ذلك, فصل هذه الأمور أتم تفصيل, من أول السورة إلى آخرها. فكأنها مبنية على هذه الأمور المذكورة, مفصلة لما أجمل منها, موضحة لما أبهم. وفي قوله " وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به, لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج. فبينهم وبينهن, أقرب نسب, وأشد اتصال وأوثق علاقة.

"وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا "
وقوله تعالى: " وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ " الآية. هذا أول ما أوصى به من حقوق الخلق في هذه السورة. وهم اليتامى, الذين فقدوا آباءهم, الكافلين لهم, وهم صغار ضعاف, لا يقومون بمصالحهم. فأمر الرءوف الرحيم عباده, أن يحسنوا إليهم, وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن, وأن يؤتوهم أموالهم, إذا بلغوا, ورشدوا, كاملة موفرة. وأن لا " تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ " الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق. " بِالطَّيِّبِ " وهو الحلال, الذي ما فيه حرج ولا تبعة. " وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ " أي: مع أموالكم. ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم, بهذه الحالة, التي هي قد استغنى بها الإنسان, بما جعل الله له, من الرزق في ماله. فمن تجرأ على هذه الحالة, فقد أتى " حُوبًا كَبِيرًا " أي: إثما عظيما, ووزرا جسيما. ومن استبدال الخبيث بالطيب, أن يأخذ الولي, من مال اليتيم, النفيس, ويجعل بدله من ماله, الخسيس. وفيه الولاية على اليتيم, لأن من لازم إيتاء اليتيم ماله, ثبوت ولاية المؤتي على ماله. وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم, لأن تمام إيتائه ماله, حفظه, والقيام به بما يصلحه وينميه, وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار.

"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا "
أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء, التي تحت حجوركم وولايتكم, وخفتم أن لا تقوموا بحقهن, لعدم محبتكم إياهن - فاعدلوا إلى غيرهن, وانكحوا " مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " أي: ما وقع عليهن اختياركم, من ذوات الدين, والمال, والجمال, والحسب, والنسب, وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن, فاختاروا على نظركم. ومن أحسن ما يختار من ذلك, صفه الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "تنكح المرأة لأربع: لمالها, ولجمالها, ولحسبها, ولدينها, فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك". وفي هذه الآية - أنه ينبغي للإنسان, أن يختار قبل النكاح. بل قد أباح له الشارع, النظر إلى من يريد تزوجها, ليكون على بصيرة من أمره. ثم ذكر العدد الذي أباحه من النساء فقال: " مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ " أي: من أحب أن يأخذ اثنتين فليفعل, أو ثلاثا فليفعل, أو أربعا فليفعل, ولا يزيد عليها, لأن الآية سيقت لبيان الامتنان. فلا يحوز الزيادة على غير ما سمى الله تعالى إجماعا. وذلك لأن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة, فأبيح له واحدة بعد واحدة, حتى تبلغ أربعا, لأن في الأربع, غنية لكل أحد, إلا ما ندر. ومع هذا, فإنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه الجور والظلم, ووثق بالقيام بحقوقهن. فإن خاف شيئا من هذا, فليقتصر على واحدة, أو على ملك يمينه. فإنه لا يجب عليه القسم, في ملك اليمين. " ذَلِكَ " أي: الاقتصار على واحدة, أو ما ملكت اليمين " أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا " أي: تظلموا. وفي هذا, إن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم, وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحا - أنه لا ينبغي له أن يتعرض له, بل يلزم السعة والعافية, فإن العافية خير ما أعطي العبد.

"وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا "
ولما كان كثير من الناس, يظلمون النساء, ويهضمونهن حقوقهن - خصوصا الصداق, الذي يكون شيئا كثيرا, ودفعة واحدة, يشق دفعه للزوجة - أمرهم وحثهم على إيتاء النساء " صَدُقَاتِهِنَّ " أي: مهورهن " نِحْلَةً " أي: عن طيب نفس, وحال طمأنينة, فلا تمطلوهن, أو تبخسوا منه شيئا. وفيه: أن المهر يدفع إلى المرأة, إذا كانت مكلفة, وأنها تملكه بالعقد, لأنه أضافه إليها, والإضافة تقتضي التمليك. " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ " أي: من الصداق " نَفْسًا " بأن سمحن لكم عن رضا واختيار, بإسقاط شيء منه, أو تأخيره أو المعاوضة عنه. " فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " أي: لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة. وفيه دليل على أن للمرأة, التصرف في مالها - ولو بالتبرع - إذا كانت رشيدة, فإن لم تكن كذلك, فليس لعطيتها حكم. وأنه ليس لوليها من الصداق شيء, غير ما طابت به. وفي قوله " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " دليل على أن نكاح الخبيثة, غير مأمور به, بل منهي عنه, كالمشركة, وكالفاجرة, كما قال تعالى: " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ " وقال " وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ".

"وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا "
السفهاء, جمع "سفيه" وهو: من لا يحسن التصرف في المال. إما لعدم عقله, كالمجنون والمعتوه, ونحوهما. وإما لعدم رشده, كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء, أن يؤتوا هؤلاء أموالهم, خشية إفسادها وإتلافها. لأن الله جعل الأموال, قياما لعباده, في مصالح دينهم ودنياهم. وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها. فأمر الله الولي أن لا يؤتيهم إياها بل يرزقهم منها, ويكسوهم, ويبذل منها, ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية, وأن يقولوا لهم قولا معروفا, بأن يعدوهم - إذا طلبوها - أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم, ونحو ذلك, ويلطفوا لهم في الأقوال, جبرا لخواطرهم. وفي إضافته تعالى, الأموال إلى الأولياء, إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء, ما يفعلونه في أموالهم, من الحفظ, والتصرف, وعدم التعرض للأخطار. وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه, في مالهم, إذا كان لهم مال, لقوله " وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ". وفيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه, في النفقة الممكنة, والكسوة. لأن الله جعله مؤتمنا على مالهم, فلزم قبول قول الأمين.

"وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا "
الابتلاء هو: الاختبار والامتحان. وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد, الممكن رشده, شيئا من ماله, ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله, فيتبين بذلك رشده من سفهه. فإن استمر غير محسن للتصرف, لم يدفع إليه ماله, بل هو باق على سفهه, ولو بلغ عمرا كثيرا. فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ النكاح " فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ " كاملة موفرة. " وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا " أي مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم, من أموالكم إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم من أموالهم. " وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا " أي: ولا تأكلوها, في حال صغرهم, التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم, ولا منعكم من أكلها, تبادرون بذلك أن يكبروا, فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها. وهذا من الأمور الواقعة, من كثير من الأولياء, الذين ليس عندهم خوف من الله, ولا رحمة ومحبة للمولى عليهم. يرون هذه الحال, حال فرصة, فيغتنمونها, ويتعجلون ما حرم الله عليهم. فنهى الله تعالى, عن هذه الحالة بخصوصها.

"لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا "
كان العرب في الجاهلية - من جبروتهم وقسوتهم, لا يورثون الضعفاء, كالنساء والصبيان, ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء. لأنهم - بزعمهم - أهل الحرب والقتال, والنهب والسلب. فأراد الرب الرحيم الحكيم, أن يشرع لعباده شرعا, يستوي فيه رجالهم ونساؤهم, وأقوياؤهم وضعفاؤهم. وقدم بين يدي ذلك, أمرا مجملا, لتتوطَّن على ذلك النفوس. فيأتي التفصيل بعد الإجمال, قد تشوفت له النفوس, وزالت الوحشة, التي منشأها, العادات القبيحة فقال: " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ " أي: قسط وحصة " مِمَّا تَرَكَ " أي: خلف " الْوَالِدَانِ " أي: الأب والأم " وَالْأَقْرَبُونَ " عموما بعد خصوص " وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ". فكأنه قيل: هل ذلك النصيب, راجع إلى العرف والعادة, وأن يرضخوا لهم ما يشاءون؟ أو شيئا مقدرا؟ فقال تعالى " نَصِيبًا مَفْرُوضًا " أي: قدره العليم الحكيم. وسيأتي - إن شاء الله - تقدير ذلك. وأيضا, فهنا توهم آخر, لعل أحدا يتوهم أن النساء والوالدين, ليس لهم نصيب, إلا من المال الكثير, فأزال ذلك بقوله, " مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ " فتبارك الله أحسن الحاكمين.

"وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا "
وهذا من أحكام الله الحسنة الجليلة, الجابرة للقلوب فقال: " وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ " أي: قسمة المواريث " أُولُو الْقُرْبَى " أي: الأقارب غير الوارثين, بقرينة قوله " الْقِسْمَةَ " لأن الوارثين من المقسوم عليهم. " وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ " أي: المستحقون من الفقراء. " فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ " أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال, الذي جاءكم بغير كد ولا تعب, ولا عناء, ولا نَصَب, فإن نفوسهم متشوفة إليه, وقلوبهم متطلعة. فاجبروا خواطرهم, بما لا يضركم, وهو نافعهم. ويؤخذ من المعنى, أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان, ينبغي له أن يعطيه منه, ما تيسر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه, فليجلسه معه, فإن لم يجلسه معه, فليناوله لقمة أو لقمتين" أو كما قال: وكان الصحابة رضي الله عنهم - إذا بدأت باكورة أشجارهم - أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبرَّك عليها, ونظر إلى أصغر وليد عنده, فأعطاه ذلك, علما منه بشدة تشوفه إلى ذلك, وهذا كله, مع إمكان الإعطاء. فإن لم يمكن ذلك - لكونه حق سفهاء, أو ثَمَّ أهم من ذلك - فليقولوا لهم " قَوْلًا مَعْرُوفًا " يردونهم ردا جميلا, بقول حسن, غير فاحش, ولا قبيح.

"وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا "
قيل: إن هذا خطاب لمن يحضر, من حضره الموت وأجنف في وصيته, أن يأمره بالعدل في وصيته, والمساواة فيها بدليل قوله. " وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا " أي: سدادا, موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده, بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم. وقيل: إن المراد بذلك, أولياء السفهاء, من المجانين, والصغار, والضعاف, أن يعاملوهم في مصالحهم الدينية والدنيوية, بما يحبون أن يعامل به من بعدهم, من ذريتهم الضعاف. " فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ " في ولايتهم لغيرهم, أي: يعاملونهم بما فيه تقوى الله, من عدم إهانتهم, والقيام عليهم, وإلزامهم لتقوى الله.

"إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا "
ولما أمرهم بذلك, زجرهم عن أكل أموال اليتامى, وتوعد فقال: على ذلك أشد العذاب " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا " أي: بغير حق. وهذا القيد, يخرج به ما تقدم, من جواز الأكل للفقير بالمعروف, ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى. فمن أكلها ظلما, فإنما " يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا " أي: فإن الذي أكلوه, نار تتأجج من أجوافهم وهم الذين أدخلوه في بطونهم. " وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " أي: نارا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب, يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها, وأنها موجِبَة لدخول النار. فدل ذلك, أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية.

"يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا "
(أحكام المواريث - بيان أصحابها) هذه الآيات, والآية التي هي آخر السورة من آيات المواريث المتضمنة لها. فإنها - مع حديث عبد الله بن عباس, الثابت في صحيح البخاري "ألحقوا الفرائض بأهلها, فما بقي, فلأولى رجل ذكر" - مشتملات على جلّ أحكام الفرائض, بل على جميعها, كما سترى ذلك, إلا ميراث الجدات, فإنه غير مذكور في ذلك. لكنه قد ثبت في السنن, عن المغيرة بن شعبة, ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس, مع إجماع العلماء على ذلك. (بيان ميراث الأولاد) " يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ " أي: أولادكم - يا معشر الوالدين - عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم, لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية. فتعلمونهم وتؤدبونهم, وتكفونهم عن المفاسد, وتأمرونهم بطاعة الله, وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ " فالأولاد - عند والديهم - موصى بهم. فإما أن يقوموا بتلك الوصية, فلهم جزيل الثواب. وإما أن يضيعوها, فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب. وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين, حيث أوصى الوالدين - مع كمال شفقتهما, عليهم. ثم ذكر كيفية إرثهم فقال " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ " أي: الأولاد للصلب, والأولاد للابن, للذكر مثل حظ الأنثيين, إن لم يكن معهم صاحب فرض, أو ما أبقت الفروض, يقتسمونه كذلك. وقد أجمع العلماء على ذلك, وأنه - مع وجود أولاد الصلب - فالميراث لهم. وليس لأولاد الابن شيء, حيث كان أولاد الصلب, ذكورا وإناثا. هذا مع اجتماع الذكور والإناث. وهنا حالتان: انفراد الذكور, وسيأتي حكمها. وانفراد الإناث, وقد ذكره بقوله. (أحكام البنات في الميراث) " فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ " أي: بنات صلب, أو بنات ابن, ثلاثا فأكثر " فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً " أي: بنتا, أو بنت ابن " فَلَهَا النِّصْفُ " وهذا إجماع. بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين, الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟ فالجواب أنه يستفاد من قوله " وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ". فمفهوم ذلك, أنه إن زادت على الواحدة, انتقل الفرض عن النصف, ولا ثَمَّ بعده إلا الثلثان. وأيضا, فقوله " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ " إذا خلف ابنا وبنتا, فإن الابن, له الثلثان, وقد أخبر الله, أنه مثل حظ الأنثيين. فدل ذلك, على أن للبنتين الثلثين. وأيضا فإن البنت إذا أخذت الثلث مع أخيها - وهو أزيد ضررا عليها من أختها - فأخذها له - مع أختها - من باب أَوْلَى وأحرى. وأيضا فإن قوله تعالى في الأختين " فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ " نص في الأختين الثنتين. فإذا كان الأختان الثنتان - مع بعدهما - يأخذان الثلثين, فالابنتان - مع قربهما - من باب أَوْلَى وأحرى. وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم, ابنتي سعد, الثلثين كما في الصحيح. بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله " فَوْقَ اثْنَتَيْنِ "؟ قيل: الفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان, لا يزيد بزيادتهن على الثنتين, بل من الثنتين فصاعدا. ودلت الآية الكريمة, أنه إذا وجد بنت صلب واحدة, وبنت ابن أو بنات ابن, فإن لبنت الصلب, النصف, ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات, أو بنات الابن, السدس, فيعطى بنت الابن, أو بنات الابن, ولهذا يسمى هذا السدس, تكملة الثلثين. ومثل ذلك, بنت الابن, مع بنات الابن, اللاتي أنزل منها. وتدل الآية, أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين, أنه يسقط من دونهن, من بنات الابن, لأن الله لم يفرض لهن, إلا الثلثين, وقد تم. فلو لم يسقطن, لزم من ذلك أن يفرض لهن, أزيد من الثلثين, وهو خلاف النص. وكل هذه الأحكام, مجمع عليها بين العلماء, ولله الحمد. ودل قوله " مِمَّا تَرَكَ " أن الوارثين, يرثون كل ما خلف الميت, من عقار, وأثاث, وذهب, وفضة, وغير ذلك, حتى الدية, التي لم تجب إلا بعد موته, وحتى الديون التي في الذمة. (أحكام الأبوين في الميراث) ثم ذكر ميراث الأبوين فقال: " وَلِأَبَوَيْهِ ", أي أبوه وأمه " لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ " أي: ولد صلب, أو ولد ابن, ذكرا كان أو أنثى, واحدا أو متعددا. فأما الأم, فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد. (أحكام الأب في الميراث) وأما الأب, فمع الذكور منهم, لا يستحق أزيد من السدس. فإن كان الولد أنثى أو إناثا, ولم يبق بعد الفرض شيء, كأبوين وابنتين, لم يبق له تعصيب. وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء, أخذ الأب السدس فرضا, والباقي تعصيبا. لأننا ألحقنا الفروض بأهلها, فما بقي, فلأولى رجل ذكر, وهو أولى من الأخ والعم, وغيرهما. " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ " أي: والباقي للأب, لأنه أضاف المال إلى الأب والأم, إضافة واحدة, ثم قدر نصيب الأم, فدل ذلك, على أن الباقي للأب. وعلم من ذلك, أن الأب - مع عدم الأولاد - لا فرض له, بل يرث - تعصيبا - المال كله, أو ما أبقت الفروض. ولكن لو وجد مع الأبوين, أحد الزوجين - ويعبر عنهما بالعمريتين - فإن الزوج أو الزوجة, يأخذ فرضه, ثم تأخذ الأم ثلث الباقي, والأب الباقي. وقد دل على ذلك قوله " وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ " ثلث ما ورثه الأبوان. وهو في هاتين الصورتين, إما سدس في زوج وأم وأب, وإما ربع في زوجة وأم وأب. فلم تدل الآية على إرث الأم, ثلث المال كاملا, مع عدم الأولاد. حتى يقال: إن هاتين الصورتين, قد استثنيتا من هذا. ويوضح ذلك, أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة, بمنزلة ما يأخذه الغرماء. فيكون من رأس المال, والباقي, بين الأبوين. ولأنا لو أعطينا الأم ثلث المال, لزم زيادتها على الأب, في مسألة الزوج, أو أخذ الأب في مسألة الزوجة, زيادة عنها نصف السدس, وهذا لا نظير له. فإن المعهود مساواتها للأب, أو أخذه ضعف ما تأخذه الأم. " فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ " أشقاء, أو لأب, أو لأم, ذكورا أو إناثا, وارثين, أو محجوبين بالأب, أو الجد. لكن قد يقال: ليس ظاهرُ قولهِ " فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ " شاملا لغير الوارثين, بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف. فعلى هذا, لا يحجبها عن الثلث من الإخوة, إلا الإخوة الوارثون. ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث, لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال, وهو معدوم. والله أعلم. ولكن يشرط كونهم اثنين فأكثر. ويشكل على ذلك, إتيان لفظ "الإخوة" بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك, بأن المقصود, مجرد التعدد لا الجمع, ويصدق ذلك باثنين. وقد يطلق الجمع, ويراد به الاثنان كما في قوله تعالى عن داود وسليمان " وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ " وقال في الإخوة للأم: " وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ". فأطلق لفظ الجمع, والمراد به, اثنان فأكثر, بالإجماع. فعلى هذا, لو خلف أما وأبا وإخوة, كان للأم السدس, والباقي للأب, فحجبوها عن الثلث, مع حجب الأب إياهم, إلا على الاحتمال الآخر, فإن للأم الثلث, والباقي للأب. ثم قال تعالى " مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ " أي هذه الفروض والأنصباء, والمواريث, إنما ترد وتستحق, بعد نزع الديون التي على الميت لله, أو للآدميين, وبعد الوصايا, التي قد أوصى الميت بها بعد موته, فالباقي عن ذلك, هو التركة, التي يستحقها الورثة. وقدم الوصية - مع أنها مؤخرة عن الدين - للاهتمام بشأنها, لكون إخراجها, شاقا على الورثة, وإلا, فالديون مقدمة عليها, وتكون من رأس المال. وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل, للأجنبي الذي هو غير وارث. وأما غير ذلك, فلا ينفذ, إلا بإجازة الورثة, قال تعالى: " آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ". فلو رد تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم, لحصل من الضرر, ما الله به عليم, لنقص العقول, وعدم معرفتها بما هو اللائق والأحسن, في كل زمان ومكان. فلا يدرون أي الأولاد, أو الوالدين, أنفع لهم وأقرب, لحصول مقاصدهم الدينية والدنيوية. " فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا " أي: فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علما, وأحكم ما شرعه, وقدر ما قدره, على أحسن تقدير, لا تستطيع العقول أن تقترح مثل أحكامه الصالحة الموافقة, لكل زمان, ومكان, وحال.

"وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ "
(حكم الزوج والزوجات في الميراث) ثم قال تعالى: " وَلَكُمْ " أيها الأزواج " نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ". ويدخل في مسمى الولد, المشروط وجوده أو عدمه, ولد الصلب أو ولد الابن الذكر والأنثى, الواحد والمتعدد, الذي من الزوج, أو من غيره, ويخرج عنه, ولد البنات إجماعا. (بيان معنى (الكلالة) ونصيبها في الميراث) ثم قال تعالى " وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ " أي: من أم, كما هي في بعض القراءات. وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة - هنا - الإخوة للأم. فإذا كان يورث كلالة أي: ليس للميت والد ولا ولد, أي: لا أب, ولا جد, ولا ابن, ولا ابن ابن, ولا بنت, ولا بنت ابن وإن نزلوا. وهذه هي: الكلالة, كما فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه, وقد حصل على ذلك, الاتفاق, ولله الحمد. " فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا " أي: من الأخ والأخت " السُّدُسُ ". " فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ " أي: من واحد " فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ " أي: لا يزيدون على الثلث, ولو زادوا عن اثنين. ودل قوله " فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ " أن ذكرهم وأنثاهم سواء, لأن لفظ "الشريك" يقتضي التسوية. ودل لفظ " الْكَلَالَةِ " على أن الفروع وإن نزلوا, والأصول الذكور وإن علوا, يسقطون أولاد الأم, لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة, فلو لم يكن يورث كلالة, لم يرثوا منه شيئا, اتفاقا. ودل قوله " فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ " أن الإخوة الأشقاء, يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية. وهى: زوج, وأم, وإخوة أشقاء.. وللزوج, النصف. وللأم, السدس. وللأخوة للأم: الثلث. ويسقط الأشقاء, لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم. فلو شاركهم الأشقاء, لكان جمعا, لما فرق الله حكمه. وأيضا, فإن الإخوة للأم, أصحاب فروض, والأشقاء, عصبات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "ألحقوا الفرائض بأهلها, فما بقي, فلأولى رجل ذكر". وأهل الفروض هم: الذين قدَّر الله أنصباءهم. ففي هذه المسألة, لا يبقى بعدهم شيء, فيسقط الأشقاء, وهذا هو الصواب في ذلك. وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء, أو لأب, فمذكور في قوله: " يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ " الآية. فالأخت الواحدة, شقيقة, أو لأب, لها النصف. والثنتان, لهما الثلثان. والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب, أو الأخوات, تأخذ النصف والباقي من الثلثين, للأخت, أو الأخوات لأب, وهو السدس, تكملة الثلثين. وإذ استغرقت الشقيقات الثلثين, تسقط الأخوات للأب, كما تقدم في البنات, وبنات الابن. وإن كان الإخوة, رجالا ونساء, فللذكر مثل حظ الأنثيين. (حكم القاتل واختلاف دين الميت وأقربائه) فإن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل, والرقيق, والمخالف في في الدين, والمبعض والخنثى, والجد مع الإخوة لغير أم, والعول, والرد وذوي الأرحام, وبقية العصبة, والأخوات لغير أم, مع البنات, أو بنات الابن, من القرآن أم لا؟ قيل: نعم, فيه تنبيهات وإشارات دقيقة, يعسر فهمها على غير المتأمل, تدل على جميع المذكورات. فأما (القاتل والمخالف في الدين) فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية, في توزيع المال على الورثة, بحسب قربهم, ونفعهم الديني والدنيوي. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله " لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ". وقد علم أن القاتل, قد سعى لمورثه بأعظم الضرر, فلا ينتهض ما فيه, من موجب الإرث, أن يقاوم ضرر القتل, الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فعلم من ذلك, أن القتل أكبر مانع يمنع من الميراث, ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: " وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ". مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية, أن "من استعجل شيئا قبل أوانه, عوقب بحرمانه". وبهذا ونحوه, يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له. وذلك أنه قد تعارض الموجب, الذي هو: اتصال النسب, الموجب للإرث, والمانع الذي, هو المخالفة في الدين, الموجبة للمباينة من كل وجه. فقوي المانع, ومنع موجب الإرث, الذي هو النسب. فلم يعمل الموجب لقيام المانع. يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين, أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية. فإذا مات المسلم, انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به. فيكون قوله تعالى: " وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ " إذا اتفقت أديانهم. وأما مع تباينهم, فالأخوة الدينية, مقدمة على الأخوة النسبية المجردة. قال ابن القيم في "جلاء الأفهام": "وتأمل هذا المعنى من آية المواريث,: وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة, دون المرأة كما في قوله تعالى " وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ". ففيه إيذان بأن هذا التوارث, إنما وقع بالزوجية, المقتضية للتشاكل والتناسب. والمؤمن والكافر, لا تشاكل بينهما, ولا تناسب, فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته, فوق عقول العاقلين" انتهى. (حكم الرقيق في الميراث) وأما (الرقيق), فإنه لا يرث ولا يورث. أما كونه لا يورث فواضح, لأنه ليس له مال يورث عنه, بل كل ما معه, فهو لسيده. وأما كونه لا يرث, فلأنه لا يملك, فإنه لو ملك, لكان لسيده, وهو أجنبي من الميت, فيكون مثل قوله تعالى: " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ", " وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ " " فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ " ونحوها, لمن يتأتى منه التملك. وأما الرقيق, فلا يتأتى منه ذلك, فعلم أنه لا ميراث له. وأما من بعضه حر, وبعضه رقيق, فإنه تتبعض أحكامه. فما فيه من الحرية, يستحق بها ما رتبه الله في المواريث, لكون ما فيه من الحرية, قابلا للتملك, وما فيه من الرق, فليس بقابل لذلك. فإذًا يكون المبعض, يرث ويورث, ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وإذا كان العبد يكون محمودا ومذموما, مثابا ومعاقبا, بقدر ما فيه من موجبات ذلك, فهذا كذلك. (حكم الخنثى والمشكل في الميراث) وأما (الخنثى) فلا يخلو, إما أن يكون واضحا ذكوريته أو أنوثيته, أو مشكلا. فإن كان واضحا, فالأمر فيه واضح. إن كان ذكرا, فله حكم الذكور, ويشمله النص الوارد فيهم. وإن كانت أنثى, فلها حكم الإناث, ويشملها النص الوارد فيهن. وإن كان مشكلا, فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما - كالإخوة للأم - فالأمر فيه واضح. وإن كان يختلف إرثه, بتقدير ذكوريته, وبتقدير أنوثيته, ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك, لم نعطه أكثر التقديرين, لاحتمال ظلم من معه من الورثة, ولم نعطه الأقل, لاحتمال ظلمنا إياه. فوجب التوسط بين الأمرين, وسلوك أعدل الطريقين, قال تعالى: " اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ". فليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا, أكثر من هذا الطريق المذكور. " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا " " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ". (ميراث الجد) وأما (ميراث الجد) مع الإخوة الأشقاء, أو لأب, وهل يرثون معه أم لا؟. فقد دل كتاب الله, على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه, أن الجد يحجب الإخوة, أشقاء, أو لأب, أو لأم, كما يحجبهم الأب. وبيان ذلك: أن الجد: أب في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: " إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ " الآية. وقال يوسف عليه السلام " وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ". فسمى الله الجد, وجد الأب: أبا. فدل ذلك, على أن الجد, بمنزلة الأب, يرث ما يرثه الأب, ويحجب من يحجبه (أي: عند عدمه). وإذا كان العلماء, قد أجمعوا على أن الجد, حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم, من بين الإخوة والأعمام وبنيهم, وسائر أحكام المواريث - فينبغي أيضا, أن يكون حكمه حكمه, في حجب الإخوة لغير أم. وإذا كان ابن الأب بمنزلة ابن الصلب, فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب؟ وإذا كان جد الأب, مع ابن الأخ, قد اتفق العلماء على أنه يحجبه. فلم لا يحجب جد الميت أخاه؟ فليس مع من يورث الإخوة مع الجد, نص ولا إشارة, ولا تنبيه, ولا قياس صحيح. (العول وأحكامه) وأما مسائل (العول) فإنه يستفاد حكمها من القرآن. وذلك أن الله تعالى, قد فرض, وقدر لأهل المواريث أنصباء. وهم بين حالتين. إما أن يحجب بعضهم بعضا, أو لا. فإن حجب بعضهم بعضا, فالمحجوب ساقط, لا يزاحم, ولا يستحق شيئا وإن لم يحجب بعضهم بعضا, فلا يخلو. إما أن لا تستغرق الفروض التركة, أو تستغرقها من غير زيادة ولا نقص أو تزيد الفروض على التركة. ففي الحالتين الأوليين, كل يأخذ فرضه كاملا. وفي الحالة الأخيرة وهي - ما إذا زادت الفروض على التركة - فلا يخلو من حالين. إما أن ننقص بعض الورثة عن فرضه الذي فرضه الله له, ونكمل للباقين منهم فروضهم, وهذا ترجيح بغير مرجح, وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر. فتعينت الحال الثانية, وهو: أننا نعطي كل واحد منهم نصيبه, بقدر الإمكان, ونحاصص بينهم, كديون الغرماء الزائدة على مال الغريم. ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول. فعلم من هذا, أن العول في الفرائض, قد بينه الله في كتابه. (بيان أحكام الرد على أصحاب الفرائض) وبعكس هذه الطريقة بعينها, يعلم (الرد). فإن أهل الفروض - إذا لم تستغرق فروضهم التركة, وبقي شيء ليس له مستحق, من عاصب قريب ولا بعيد, فإن رده على أحدهم, ترجيح بغير مرجح, وإعطاؤه غيرهم, ممن ليس بقريب للميت, جنف وميل, ومعارضة لقوله " وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ". فتعين أن يرد على أهل الفروض, بقدر فروضهم. (حكم الرد على الزوجين في الميراث) ولما كان الزوجان, ليسا من القرابة, لم يستحقا الزيادة على فرضهم المقدر عند القائلين, بعدم الرد عليهما. وأما على القول الصحيح أن حكم الزوجين, حكم باقي الورثة في الرد, فالدليل المذكور, شامل للجميع, كما شملهم دليل العول. (حكم ذوي الأرحام في الميراث) وبهذا يعلم أيضا, ميراث ذوي الأرحام. فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض, ولا عاصبا, وبقي الأمر دائرا بين كون ماله يكون لبيت المال, لمنافع الأجانب, وبين كون ماله يرجع إلى أقربائه المدلين بالورثة, المجمع عليهم, تعين الثاني. ويدل على ذلك قوله تعالى: " وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ". فصرفه لغيرهم, ترك لمن هو أولى من غيره, فتعين توريث ذوي الأرحام. وإذا تعين توريثهم, فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بأعيانهم في كتاب الله. وأن بينهم وبين الميت وسائط, صاروا - بسببها - من الأقارب. فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط. والله أعلم. (بيان من هم عصبة الميت وحكمهم في الميراث) وأما (ميراث بقية العصبة) كالبنوة والأخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم إلخ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ألحقوا الفرائض بأهلها, فما بقي فلأولى رجل ذكر". وقال تعالى: " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ". فإذا ألحقنا الفروض بأهلها, ولم يبق شيء, لم يستحق العاصب شيئا. وإن بقي شيء, أخذة أولي العصبة, بحسب جهاتهم, ودرجاتهم. (جهات العصبة) فإن جهات العصوبة خمس: البنوة, ثم الأبوة ثم الأخوة وبنوهم, ثم العمومة وبنوهم, ثم الولاء, ويقدم منهم الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة, فالأقرب منزلة. فإن كانوا بمنزلة واحدة, فالأقوى, وهو الشقيق. فإن تساووا من كل وجه, اشتركوا. والله أعلم. وأما كون الأخوات لغير أم, مع البنات, أو بنات الابن عصبات, يأخذن ما فضل عن فروضهن, فلأنه ليس في القرآن, ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات. فإذا كان الأمر كذلك, وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن, فإنه يعطى للأخوات, ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن, كابن الأخ والعم, ومن هو أبعد منهم. والله أعلم.

"تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "
أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث, حدود الله, التي يجب الوقوف معها, وعدم مجاوزتها, ولا القصور عنها. وفي ذلك دليل, على أن الوصية للوارث منسوخة, بتقديره تعالى أنصباء الوارثين. ثم قوله تعالى " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا " فالوصية للوارث, بزيادة على حقه, يدخل في هذا التعدي, مع قوله صلى الله عليه وسلم "لا وصية لوارث". ثم ذكر طاعة الله ورسوله, ومعصيتهما, عموما, ليدخل في العموم, لزوم حدوده في الفرائض, أو ترك ذلك فقال: " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " بامتثال أمرهما, الذي أعظمه, طاعتهما في التوحيد, ثم الأوامر على اختلاف درجاتها, واجتناب نهيهما, الذي أعظمه الشرك بالله, ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها " يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ". فمن أدى الأوامر, واجتنب النواهي, فلا بد له من دخول الجنة, والنجاة من النار. " وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " الذي حصل به النجاة, من سخطه وعذابه, والفوز بثوابه ورضوانه, بالنعيم المقيم, الذي لا يصفه الواصفون.

"وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ "
" وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ". إلخ ويدخل في اسم المعصية, الكفر فما دونه من المعاصي. فلا يكون فيها شبهة للخوارج, القائلين بكفر أهل المعاصي. فإن الله تعالى رتب دخول الجنة, على طاعته, وطاعة رسوله. ورتب دخول النار, على معصيته ومعصية رسوله. فمن أطاعه طاعة تامة, دخل الجنة بلا عذاب. ومن عصى الله ورسوله, معصية تامة, يدخل فيها الشرك, فما دونه, دخل النار وخلد فيها. ومن اجتمع فيه معصية وطاعة, كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة, على أن الموحدين, الذين معهم طاعة التوحيد, غير مخلدين في النار. فما معهم من التوحيد, مانع لهم من الخلود فيها.

"وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا "
أي: النساء اللاتي " يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ " أي: الزنا. فوصفها بالفاحشة, لشناعتها وقبحها. " فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ " أي: من رجالكم المؤمنين العدول. " فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ " احبسوهن عن الخروج الموجب للريبة. وأيضا, فإن الحبس, من جملة العقوبات. " حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ " أي: هذا منتهى الحبس. " أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا " أي: طريقا غير الحبس في البيوت. فهذه الآية ليست منسوخة, فإنما هي, مغياة إلى ذلك الوقت. فكان الأمر في أول الإسلام كذلك, حتى جعل الله لهن سبيلا, وهو رجم المحصن والمحصنة وجلد غير المحصن والمحصنة.

"وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا "
وكذلك اللذان " يَأْتِيَانِهَا " أي: الفاحشة " مِنْكُمْ " من الرجال والنساء " فَآذُوهُمَا " بالقول والتوبيخ والتعيير, والضرب الرادع عن هذه الفاحشة. فعلى هذا يكون الرجال إذا فعلوا الفاحشة يؤذون, والنساء يحبسن ويؤذين. فالحبس غايته للموت, والأذية نهايتها إلى التوبة والإصلاح. ولهذا قال " فَإِنْ تَابَا " أي: رجعا عن الذنب الذي فعلاه, وندما عليه, وعزما أن لا يعودا " وَأَصْلَحَا " العمل الدال على صدق التوبة " فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا " أي: عن أذاهما " إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا " أي: كثير التوبة على المذنبين الخطائين, عظيم الرحمة والإحسان, الذي - من إحسانه - وفقهم للتوبة, وقبلها منهم, وسامحهم عن ما صدر منهم. ويؤخذ من هاتين الآيتين, أن بينة الزنا, أن تكون أربعة رجال مؤمنين. ومن باب أولى وأحرى, اشتراط عدالتهم. لأن الله تعالى, شدد في أمر هذه الفاحشة, سترا لعباده. حتى إنه, لا يقبل فيها النساء منفردات, ولا مع الرجل, ولا مع دون أربعة. ولابد من التصريح بالشهادة, كما دلت على ذلك, الأحاديث الصحيحة وتومئ إليه هذه الآية لما قال " فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ". لم يكتف بذلك حتى قال " فَإِنْ شَهِدُوا " أي: لا بد من شهادة صريحة عن أمر يشاهد عيانا, من غير تعريض, ولا كناية. ويؤخذ منهما, أن الأذية بالقول والفعل, والحبس, قد شرعه الله, تعزيرا لجنس المعصية, الذي يحصل به الزجر.

"إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا "
توبة الله على عباده نوعان: توفيق منه للتوبة, وقبول لها, بعد وجودها من العبد. فأخبر هنا - أن التوبة المستحقة على الله, حق أحقه على نفسه, كرما منه وجودا, لمن عمل السوء أي: المعاصي " بِجَهَالَةٍ " أي: جهالة منه لعاقبتها, وإيجابها لسخط الله وعقابه, وجهل منه, لنظر الله ومراقبته له, وجهل منه, بما تئول إليه من نقص الإيمان أو إعدامه. فكل عاص لله, فهو جاهل بهذا الاعتبار, وإن كان عالما بالتحريم. بل العلم بالتحريم, شرط لكونها معصية, معاقبا عليها. " ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ " يحتمل أن يكون المعنى: ثم يتوبون قبل معاينة الموت. فإن الله يقبل توبة العبد, إذا تاب قبل معاينة الموت والعذاب, قطعا. وأما بعد حضور الموت, فلا يقبل من العاصين توبتهم, ولا من الكفار رجوع, كما قال تعالى عن فرعون: " حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " الآية. وقال تعالى: " فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ " وقال هنا:

"وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا "
" وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ " أي: المعاصي فيما دون الكفر. " حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ". وذلك, أن التوبة في هذه الحال توبة اضطرار, لا تنفع صاحبها. إنما تنفع توبة الاختيار. ويحتمل أن يكون معنى قوله "من قريب" أي: قريب من فعلهم الذنب, الموجب للتوبة. فيكون المعنى: من بادر إلى الإقلاع من حين صدور الذنب, وأناب إلى الله, وندم عليه فإن الله يتوب عليه. بخلاف من استمر على ذنبه, وأصر على عيوبه, حتى صارت فيه صفات راسخة, فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة. والغالب أنه لا يرفق للتوبة, ولا ييسر لأسبابها. كالذي يعمل السوء على علم قائم, ويقين متهاون بنظر الله إليه, فإنه يسد على نفسه, باب الرحمة. نعم قد يوفق الله عبده المصر على الذنوب, على عمد ويقين, للتوبة النافعة, التي يمحو بها ما سلف من سيئاته, وما تقدم من جناياته ولكن الرحمة والتوفيق للأول, أقرب. ولهذا ختم الآية الأولى بقوله " وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ". فمن علمه أنه يعلم صادق التوبة وكاذبها, فيجازي كلا منهما, بحسب ما استحق بحكمته. ومن حكمته, أن يوفق من اقتضت حكمته ورحمته, توفيقه للتوبة. ويخذل من اقتضت حكمته وعدله, عدم توفيقه. والله أعلم.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا "
كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته, رأى قريبه, كأخيه, وابن عمه ونحوهما, أنه أحق بزوجته من كل أحد, وحماها عن غيره, أحبت أو كرهت. فإن أحبها, تزوجها على صداق, يحبه دونها. وإن لم يرضها, عضلها, فلا يزوجها إلا من يختاره هو. وربما امتنع من تزويجها, حتى تبذل له شيئا من ميراث قريبه, أو من صداقها. وكان الرجل أيضا, يعضل زوجته التي يكون يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها, فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا حالتين: إذا رضيت, واختارت نكاح قريب زوجها الأول, كما هو مفهوم قوله " كَرْهًا ". وإذا أتين بفاحشة مبينة, كالزنا, والكلام الفاحش, وأذيتها لزوجها, فإنه في هذه الحال, يجوز له أن يعضلها, عقوبة لها على فعلها, لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل. ثم قال " وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية. فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف, من الصحبة الجميلة, وكف الأذى, وبذل الإحسان, وحسن المعاملة, ويدخل في ذلك النفقة, والكسوة ونحوهما. فيجب على الزوج لزوجته, المعروف, من مثله لمثلها, في ذلك الزمان والمكان. وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال. " فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ". أي: ينبغي لكم - أيها الأزواج - أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن, فإن في ذلك, خيرا كثيرا. من ذلك, امتثال أمر الله, وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. ومنها أن إجباره نفسه - مع عدم محبته لها - فيه مجاهدة النفس, والتخلق بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول, وتخلفها المحبة, كما هو الواقع في ذلك. وربما رزق منها ولدا صالحا, نفع والديه في الدنيا والآخرة. وهذا كله, مع الإمكان في الإمساك, وعدم المحذور. فإذا كان لا بد من الفراق, وليس للإمساك محل, فليس الإمساك بلازم.

"وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا "
بل متى " أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ " أي: تطليق زوجة, وتزوج أخرى. أي: فلا جناح عليكم في ذلك ولا حرج. ولكن إذا " وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ " أي: المفارقة, أو التي تزوجها " قِنْطَارًا " أي: مالا كثيرا. " فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا " بل. وفروه لهن, ولا تمطلوا بهن. وفي هذه الآية, دلالة على تحريم كثرة المهر, مع أن الأفضل واللائق, الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في تخفيف المهر. ووجه الدلالة, أن الله أخبر عن أمر يقع منهم, ولم ينكره عليهم. فدل على عدم تحريمه. لكن قد ينهي عن كثرة الصداق, إذا تضمن مفسدة دينية, وعدم مصلحة تقاوم. ثم قال: " أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا " فإن هذا لا يحل, ولو تحيلتم عليه بأنواع الحيل, فإن إثمه واضح.

"وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا "
وقد بين تعالى حكمة ذلك بقوله: " وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ". وبيان ذلك: أن الزوجة قبل عقد النكاح, محرمة على الزوج, ولم ترض بحلها له إلا بذلك المهر, الذي يدفعه لها. فإذا دخل بها, وأفضى إليها, وباشرها المباشرة التي كانت حراما قبل ذلك, والتي لم ترض ببذلها إلا بذلك العوض, فإنه قد استوفى المعوض, فثبت عليه العوض. فكيف يستوفي المعوض, ثم بعد ذلك يرجع في العوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور. وكذلك أخذ الله على الأزواج, ميثاقا غليظا, بالعقد, والقيام بحقوقها.

"وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا "
أي: لا تتزوجوا من النساء, ما تزوجهن آباؤكم, أي: الأب وإن علا. " إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً " أي: أمرا قبيحا يفحش ويعظم قبحه " وَمَقْتًا " من الله لكم ومن الخلق, بل يمقت بسبب ذلك الابن أباه, والأب ابنه, مع الأمر ببره. " وَسَاءَ سَبِيلًا " أي: بئس الطريق طريقا لمن سلكه, لأن هذا من عوائد الجاهلية, التي جاء الإسلام بالتنزه عنها, والبراءة منها.

"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا "
هذه الآيات الكريمات, مشتملات على المحرمات بالنسب, والمحرمات بالصهر, والمحرمات بالجمع, وعلى المحللات من النساء. فأما المحرمات في النسب, فهن السبع اللاتي ذكرهن الله. الأم, يدخل فيها, كل من لها عليك ولادة, وإن بعدت. ويدخل في البنت كل من لك عليها ولادة, والأخوات الشقيقات, أو لأب أو لأم. والعمة كل: أخت لأبيك, أو لجدك, وإن علا. والخالة: كل أخت لأمك, أو جدتك وإن علت, وارثة أم لا. وبنات الأخ, وبنات الأخت, أي: وإن نزلت. فهؤلاء هن المحرمات من النسب, بإجماع العلماء, كما هو نص الآية الكريمة, وما عداهن فيدخل في قوله: " وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ", وذلك كبنت العمة والعم, وبنت الخال والخالة. وأما المحرمات بالرضاع, فقد ذكر الله منهن, الأم, والأخت. وفي ذلك تحريم الأم مع أن اللبن ليس لها, إنما هو لصاحب اللبن. دل بتنبيهه على أن صاحب اللبن, يكون أبا للمرتضع. فإذا ثبتت الأبوة والأمومة, ثبت ما هو فرع عنهما, كأخوتهما, وأصولهما, وفروعهما. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "يحرم من الرضاع, ما يحرم من النسب". فينتشر التحريم من جهة المرضعة, ومن له اللبن, كما ينتشر في الأقارب, وفي الطفل المرتضع, إلى ذريته فقط. لكن بشرط أن يكون الرضاع, خمس رضعات في الحويين, كما بينت السنة. وأما المحرمات بالصهر, فهن أربع. حلائل الآباء وإن علوا, وحلائل الأبناء, وإن نزلوا, وارثين, أو محجوبين. وأمهات الزوجة, وإن علون. فهؤلاء الثلاث يحرمن بمجرد العقد. والرابعة: الربيبة, وهي بنت زوجته وإن نزلت, فهذه لا تحرم حتى يدخل بزوجته كما قال هنا " وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ " الآية. وقد قال الجمهور: إن قوله " اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ " قيد خرج بمخرج الغالب, لا مفهوم له. فإن الربيبة تحرم, ولو لم تكن في حجره, ولكن للتقييد بذلك فائدتان: إحداهما: التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة, وأنها كانت بمنزلة البنت, فمن المستقبح إباحتها. والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة, وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن. والله أعلم. وأما المحرمات بالجمع, فقد ذكر الله, الجمع بين الأختين, وحرمه. وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها, أو خالتها. فكل امرأتين بينهما رحم محرم, لو قدر إحداهما ذكرًا, والأخرى أنثى, حرمت عليه, فإنه يحرم الجمع بينهما, وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام.

"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا "
ومن المحرمات في النكاح " وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ " أي: ذوات الأزواج. فإنه يحرم نكاحهن ما دمن في ذمة الزوج, حتى تطلق, وتنقضي عدتها. و " إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " أي: بالسبي. فإذا سبيت الكافرة ذات الزوج, حلت للمسلمين, بعد أن تستبرأ. وأما إذا بيعت الأمة المزوجة, أو وهبت, فإنه لا ينفسخ نكاحها لأن المالك الثاني, نزل منزلة الأول, ولقصة بريرة, حين خيرها النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله " كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " أي: الزموه واهتدوا به, فإن فيه الشفاء والنور, وفيه تفصيل الحلال من الحرام. ودخل في قوله: " وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ " كل ما لم يذكر في هذه الآية, فإنه حلال طيب. فالحرام محصور, والحلال ليس له حد ولا حصر, لطفا من الله, ورحمة, وتيسيرا للعباد. وقوله " أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ " أي. تطلبوا من وقع عليه نظركم واختياركم, من اللاتي أباحهن الله لكم حالة كونكم " مُحْصِنِينَ " أي: مستعفين عن الزنا, ومعفين نساءكم. " غَيْرَ مُسَافِحِينَ " والسفح: سفح الماء في الحلال والحرام, فإن الفاعل لذلك, لا يحصن زوجته, لكونه وضع شهوته في الحرام, فتضعف داعيته للحلال, فلا يبقى محصنا لزوجته. وفيها دلالة على أنه لا يزوج غير العفيف, لقوله تعالى: " الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ". " فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ " أي: من تزوجتموها " فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ " أي الأجور, في مقابلة الاستمتاع. ولهذا إذا دخل الزوج بزوجته, تقرر عليه صداقها. " فَرِيضَةً " أي إتيانكم إياهن أجورهن, فرض فرضه الله عليكم, ليس بمنزلة التبرع, الذي إن شاء أمضاه, وإن شاء رده. أو معنى قوله فريضة: أي مقدرة قد قدرتموها, فوجبت عليكم, فلا تنقصوا منها شيئا. " وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ " أي: بزيادة من الزوج, أو إسقاط من الزوجة عن رضا وطيب نفس, هذا قول كثير من المفسرين. وقال كثير منهم: إنها نزلت في متعة النساء التي كانت حلالا في أول الإسلام, ثم حرمها النبي صلى الله عليه وسلم, وأنه يؤمر بتوقيتها, وأجرها, ثم إذا انقضى الأمد الذي بينهما, فتراضيا بعد الفريضة, فلا حرج عليهما, والله أعلم. " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا " أي: كامل العلم واسعه, كامل الحكمة. فمن علمه وحكمته, شرع لكم هذه الشرائع, وحد لكم هذه الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام.

"وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
ثم قال تعالى " وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا " الآية. أي: ومن لم يستطع الطول الذي هو المهر لنكاح المحصنات, أي: الحرائر المؤمنات, وخاف على نفسه العَنَت, أي: الزنا والمشقة الكثيرة, فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات. وهذا بحسب ما يظهر, وإلا, فالله أعلم بالمؤمن الصادق من غيره. فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور, وأحكام الآخرة مبنية على ما في البواطن. " فَانْكِحُوهُنَّ " أي: المملوكات " بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ " أي: سيدهن, واحدا, أو متعددا. " وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " أي: ولو كن إماء, فإنه كما يجب المهر للحرة, فكذلك يجب للأمة. ولكن لا يجوز نكاح الإماء, إلا إذا كن " مُحْصَنَاتٍ " أي: عفيفات عن الزنا. " غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ " أي: زانيات علانية. " وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ " أي: أخلاء في السر. فالحاصل, أنه لا يجوز للحر المسلم, نكاح أمة, إلا بأربعة شروط ذكرها الله: إيمانهن, والعفة ظاهرا, وباطنا, وعدم استطاعة طول الحرة, وخوف العنت. فإذا تمت هذه الشروط, جاز له نكاحهن. ومع هذا, فالصبر عن نكاحهن أفضل, لما فيه من تعريض الأولاد للرق, ولما فيه من الدناءة والعيب. وهذا إذا أمكن الصبر, فإن لم يمكن الصبر عن الحرام, إلا بنكاحهن, وجب ذلك. ولهذا قال " وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ". وقوله " فَإِذَا أُحْصِنَّ " أي: تزوجن أو أسلمن, أي الإماء " فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ " أي: الحرائر " مِنَ الْعَذَابِ ". وذلك الذي يمكن تنصيفه, وهو: الجلد, فيكون عليهن خمسون جلدة. وأما الرجم, فليس على الإماء رجم, لأنه لا يتنصف. فعلى القول الأول, إذا لم يتزوجن, فليس عليهن حد, إنما عليهن تعزير يردعهن عن فعل الفاحشة. وعلى القول الثاني: إن الإماء غير المسلمات., إذا فعلن فاحشة أيضا عزرن. وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور الرحيم" لكون هذه الأحكام, رحمة بالعباد, وكرما, وإحسانا إليهم, فلم يضيق عليهم, بل وسع غاية السعة. ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد, إشارة إلى أن الحدود كفارات, يغفر الله بها ذنوب عباده, كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور, حكم الأمة, لعدم الفارق بينهما.

"يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ "
يخبر تعالى, بمنته العظيمة, ومنحته الجسيمة, وحسن تربيته لعباده المؤمنين, وسهولة دينه فقال: " يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ " أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه, من الحق والباطل, والحلال والحرام. " وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " أي: الذين أنعم الله عليهم, من النبيين وأتباعهم, في سيرهم الحميدة, وأفعالهم السديدة, وشمائلهم الكاملة, وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده, ووضح لكم, وبين بيانا, كما بين لمن قبلكم, وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل. " وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ " أي: يلطف لكم في أحوالكم, وما شرعه لكم, حتى تتمكنوا من الوقوف على ما حده الله, والاكتفاء بما أحله, فتقل ذنوبكم, بسبب ما يسر الله عليكم, فهذا من توبته على عباده. ومن توبته عليهم, أنهم إذا أذنبوا, فتح لهم أبواب الرحمة, وأوزع قلوبهم الإنابة إليه, والتذلل بين يديه, ثم يتوب عليهم, بقبول ما وفقهم له. فله الحمد والشكر, على ذلك. وقوله " وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " أي: كامل الحكمة, فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ومنها هذه الأشياء والحدود. ومن حكمته, أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته, التوبة عليه. ويخذل من اقتضت حكمته وعدله, من لا يصلح للتوبة.

"وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا "
وقوله " وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ " أي: توبة تلم شعثكم, وتجمع متفرقكم, وتقرب بعيدكم. " وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ " أي: يميلون معها حيث مالت, ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم, ويعبدون أهواءهم, من أصناف الكفرة والعاصين, المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم. فهؤلاء يريدون " أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا " أي: تنحرفوا عن الصراط المستقيم, إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن, إلى طاعة الشيطان, وعن التزام حدود من السعادة كلها, في امتثال أوامره, إلى مَنْ الشقاوة كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى, يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم, وسعادتكم, وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم, يأمرونكم, بما فيه غاية الخسار والشقاء, فاختاروا لأنفسكم أولى الداعيين, وتخيروا أحسن الطريقتين.

"يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا "
" يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ " أي: بسهولة ما أمركم به, ونهاكم عنه. ثم مع حصول المشقة في بعض الشرائع, أباح لكم ما تقتضيه حاجتكم, كالميتة والدم ونحوهما, للمضطر, وكتزوج الأمة للحر, بتلك الشروط السابقة. وذلك لرحمته التامة, وإحسانه الشامل, وعلمه وحكمته بضعف الإنسان, من جميع الوجوه, ضعف البنية, وضعف الإرادة وضعف العزيمة, وضف الإيمان, وضعف الصبر. فناسب ذلك, أن يخفف الله عنه, ما يضعف عنه, وما لا يطيقه إيمانه, وصبره, وقوته.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا "
ينهى تعالى, عباده المؤمنين, أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل. وهذا يشمل أكلها بالغصوب, والسرقات, وأخذها بالقمار, والمكاسب الرديئة. بل لعله يدخل في ذلك, أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف, لأن هذا من الباطل, وليس من الحق. ثم إنه - لما حرم أكلها بالباطل - أباح لهم أكلها بالتجارات, والمكاسب الخالية من الموانع, المشتملة على الشروط, من التراضي وغيره. " وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ " أي: لا يقتل بعضكم بعضا, ولا يقتل الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك, الإلقاء بالنفس إلى التهلكة, وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك. " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " ومن رحمته, أن صان نفوسكم وأموالكم, ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها, ورتب على ذلك, ما رتبه من الحدود. وتأمل هذا الإيجاز والجمع, في قوله " لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ " " وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ " كيف شمل أموال غيرك, ومال نفسك, وقتل نفسك, وقتل غيرك, بعبارة أخصر من قوله "لا يأكل بعضكم مال بعض" و "لا يقتل بعضكم بعضا" مع قصور هذه العبارة على مال الغير, ونفس الغير. مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين, فيه دلالة على أن المؤمنين, في توادهم, وتراحمهم, وتعاطفهم, ومصالحهم, كالجسد الواحد, حيث كان الإيمان يجمعهم, على مصالحهم الدينية والدنيوية. ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل, التي فيها غاية الضرر عليهم, على الأكل; ومن أخذ ماله - أباح لهم, ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات, وأنواع الحرف والإجارات فقال: " إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ " أي: فإنها مباحة لكم. وشرط التراضي - مع كونها تجارة - لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد ربا, لأن الربا ليس من التجارة, بل مخالف لمقصودها, وأنه لابد أن يرضى كل من المتعاقدين, ويأتي به اختيارا. ومن تمام الرضا, أن يكون المعقود عليه, معلوما, لأنه إذا لم يكن كذلك, لا يتصور الرضا مقدورا على تسليمه, لأن غير المقدور عليه, شبيه ببيع القمار. فبيع الغرر بجميع أنواعه, خال من الرضا, فلا ينفذ عقده. وفيها أنه تنعقد العقود, بما دل عليها, من قول أو فعل, لأن الله شرط الرضا, فبأي طريق حصل الرضا, انعقد به العقد. ثم ختم الآية بقوله " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " ومن رحمته, أن عصم دماءكم وأموالكم, وصانها, ونهاكم عن انتهاكها.

"وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا "
ثم قال " وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ " أي: أكل الأموال بالباطل, وقتل النفوس " عُدْوَانًا وَظُلْمًا " أي: لا جهلا ونسيانا " فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا " أي: عظيمة كما يفيده التنكير " وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ".

"إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا "
وعدهم أنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيات, غفر لهم جميع الذنوب والسيئات, وأدخلهم مدخلا كريما, كثير الخير, وهو الجنة, المشتملة على ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. ويدخل في اجتناب الكبائر, فعل الفرائض التي يكون تاركها مرتكبا كبيرة, كالصلوات الخمس, والجمعة وصوم رمضان, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة, ورمضان إلى رمضان, مكفرات لما بينهما, ما اجتنبت الكبائر". وأحسن ما حدت به الكبائر, أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا, أو وعيد في الآخرة, أو نفي إيمان, أو ترتيب لعنة, أو غضب عليه.

"وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا "
ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم, ما فضل الله به غيره, من الأمور الممكنة, وغير الممكنة. فلا تتمنى النساء خصائص الرجال, التي بها فضلهم على النساء, ولا صاحب الفقر والنقص, حالة الغنى والكامل, تمنيا مجردا, لأن هذا, هو الحسد بعينه, تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك, ويسلب إياها. ولأنه يقتضي السخط على قدر الله, والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة, التي لا يقترن بها عمل, ولا كسب. وإنما المحمود أمران, أن يسعى العبد على حسب قدرته, بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية. ويسأل الله تعالى من فضله. فلا يتكل على نفسه, ولا على غير ربه. ولهذا قال تعالى " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا " أي: من أعمالهم المنتجة للمطلوب. " وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ " فكل منهم لا يناله, غير ما كسبه, وتعب فيه. " وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ " أي: من جميع مصالحكم في الدين والدنيا. فهذا كمال العبد, وعنوان سعادته, لا من يترك العمل, أو يتكل على نفسه, غير مفتقر لربه, أو يجمع بين الأمرين, فإن هذا مخذول خاسر. وقوله " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا " فيعطي من يعلمه أهلا لذلك, ويمنع من يعلمه غير مستحق.

"وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا "
أي: " وَلِكُلٍّ " من الناس " جَعَلْنَا مَوَالِيَ " أي يتولونه ويتولاهم, بالتعزز والنصرة, والمعاونة على الأمور. " مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ " وهذا يشمل سائر الأقارب, من الأصول والفروع والحواشي. هؤلاء الموالي من القرابة. ثم ذكر نوعا آخر من الموالي فقال: " وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ " أي: حالفتموهم بما عقدتم معهم من عقد المحالفة على النصرة والمساعدة, والاشتراك بالأموال, وغير ذلك. وكل هذا من نعم الله على عباده, حيث كان الموالي يتعاونون بما لا يقدر عليه بعضهم مفردا. قال تعالى " فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ " أي: آتوا الموالي نصيبهم, الذي يجب القيام به, من النصرة والمعاونة, والمساعدة, على غير معصية الله. والميراث للأقارب الأدنين من الموالي. " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا " أي: مطلعا على كل شيء, بعلمه لجميع الأمور, وبصره لحركات عباده, وسمعه لجميع أصواتهم.

"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا "
يخبر تعالى أن " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ " أي: قوامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى, من المحافظة على فرائضه, وكفهن عن المفاسد والرجال عليهم, أن يلزموهن بذلك, وقوامون عليهن أيضا, بالإنفاق عليهن, والكسوة, والمسكن. ثم ذكر السبب الموجب لقيام الرجال على النساء فقال: " بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ " أي: بسبب فضل الرجال على النساء, وإفضالهم عليهم. فتفضيل الرجال على النساء, من وجوه متعددة. من كون الولايات مختصة بالرجال, والنبوة والرسالة, واختصاصهم بكثير من العبادات, كالجهاد, والأعياد, والجمع. وبما خصهم الله به, من العقل, والرزانة, والصبر, والجلد, الذي ليس للنساء مثله. وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات, بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال, ويتميزون عن النساء. ولعل هذا, سر قوله " وَبِمَا أَنْفَقُوا " وحذف المفعول, ليدل على عموم النفقة. فعلم من هذا كله, أن الرجل كالوالي والسيد لامرأته, وهي عنده عانية أسيرة. فوظيفته, أن يقوم بما استرعاه الله به. ووظيفتها, القيام بطاعة ربها, وطاعة زوجها, فلهذا قال: " فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ " أي: مطيعات لله تعالى " حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ " أي: مطيعات لأزواجهن حتى في الغيب, تحفظ بعلها بنفسها, وماله, وذلك بحفظ الله لهن, وتوفيقه لهن, لا من أنفسهن, فإن النفس أمارة بالسوء, ولكن من توكل على الله, كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه. ثم قال: " وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ " أي: ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن, بأن تعصيه بالقول أو الفعل, فإنه يؤدبها بالأسهل فالأسهل. " فَعِظُوهُنَّ " أي ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته, والترغيب في الطاعة, والترهيب من المعصية. فإن انتهت, فذلك المطلوب, وإلا فهجرها الزوج في المضجع, بأن لا يضاجعها, ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود. وإلا, ضربها ضربا غير مبرح. فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور, وأطعنكم " فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا " أي: فقد حصل لكم ما تحبون, فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية, والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها, ويحدث بسببه, الشر. " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا " أي: له العلو المطلق, بجميع الوجوه, والاعتبارات, علو الذات, وعلو القدر, وعلو القهر, الكبير الذي لا أكبر منه, ولا أجل, ولا أعظم, كبير الذات والصفات.

"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا "
أي: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين, والمباعدة والمجانبة, حتى يكون كل منهما في شق. " فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا " أي: رجلين مكلفين, مسلمين عدلين, عاقلين, يعرفان ما بين الزوجين, ويعرفان الجمع والتفريق. وهذا مستفاد من لفظ "الحكم" لأنه لا يصلح حكما, إلا من اتصف بتلك الصفات. فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه, ثم يلزمان كلا منهما ما يجب. فإن لم يستطع أحدهما ذلك, أقنعا الزوج الآخر بالرضا, بما تيسر من الرزق والخلق. ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح, فلا يعدلا عنه. فإن وصلت الحال, إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما, إلا على وجه المعاداة والمقاطعة, ومعصية الله, ورأيا أن التفريق بينهما أصلح, فرقا بينهما. ولا يشترط رضا الزوج, كما يدل عليه, أن الله سماهما الحكمين. والحكم يحكم, وإن لم يرض المحكوم عليه. ولهذا قال: " إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا " أي: بسبب الرأي الميمون, والكلام الذي يجذب القلوب, ويؤلف بين القرينين. " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا " أي: عالما بجميع الظواهر والبواطن, مطلعا على خفايا الأمور وأسرارها. فمن علمه وخبره, أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة, والشرائع الجميلة.

"وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا "
يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له, وهو الدخول تحت رق عبوديته, والانقياد لأوامره ونواهيه, محبة, وذلا, وإخلاصا له, في جميع العبادات الظاهرةالباطنة. وينهى عن الشرك به شيئا, لا شركا أصغر, ولا أكبر, لا ملكا, ولا نبيا, ولا وليا ولا غيرهم من المخلوقين, الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا, ولا موتا ولا حياة, ولا نشورا. بل الواجب المتعين, إخلاص العبادة, لمن له الكمال المطلق, من جميع الوجوه, وله التدبير الكامل, الذي لا يشركه, ولا يعينه عليه أحد. ثم بعد ما أمر بعبادته والقيام بحقه, أمر بالقيام بحقوق العباد, الأقرب, فالأقرب. فقال: " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم, والخطاب اللطيف, والفعل الجميل, بطاعة أمرهما, واجتناب نهيهما, والإنفاق عليهما, وإكرام من له تعلق بهما, وصلة الرحم, التي لا رحم لك إلا بهما. وللإحسان ضدان, الإساءة, وعدم الإحسان. وكلاهما منهي عنه. " وَبِذِي الْقُرْبَى " أيضا إحسانا, ويشمل ذلك جميع الأقارب, قربوا, أو بعدوا, بأن يحسن إليهم, بالقول, والفعل, وأن لا يقطع رحمه, بقوله أو فعله. " وَالْيَتَامَى " أي: الذين فقدوا آباءهم وهم صغار, فلهم حق على المسلمين, سواء كانوا أقارب أو غيرهم, بكفالتهم, وبرهم, وجبر خواطرهم, وتأديبهم, وتربيتهم أحسن تربية, في مصالح دينهم ودنياهم. " وَالْمَسَاكِينِ " وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر, فلم يحصلوا على كفايتهم, ولا كفاية من يمونون. فأمر الله تعالى بالإحسان إليهم, بسد خلتهم, وبدفع فاقتهم, والحض على ذلك, والقيام بما يمكن منه. " وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى " أي: الجار القريب, الذي له حقان, حق الجوار, وحق القرابة, فله على جاره حق, وإحسان, راجع إلى العرف. وكذلك " وَالْجَارِ الْجُنُبِ " أي: الذي ليس له قرابة. وكلما كان الجار أقرب بابا, كان آكد حقا. فينبغي للجار, أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة, والدعوة, واللطافة بالأقوال والأفعال, وعدم أذيته, بقول أو فعل. " وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ " قيل: الرفيق في السفر, وقيل: الزوجة, وقيل الصاحب مطلقا, ولعله أولى, فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر, ويشمل الزوجة. فعلى الصاحب لصاحبه, حق زائد على مجرد إسلامه, من مساعدته على أمور دينه ودنياه, والنصح له, والوفاء معه, في اليسر والعسر, والمنشط والمكره, وأن يحب له, ما يحب لنفسه, ويكره له, ما يكره لنفسه, وكلما زادت الصحبة, تأكد الحق, وزاد. " وَابْنَ السَّبِيلِ ": هو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة, أو لم يحتج, فله حق على المسلمين, لشدة حاجته, وكونه في غير وطنه, بتبليغه إلى مقصوده, أو بعض مقصوده, وبإكرامه, وتأنيسه. " وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " أي: من الآدميين والبهائم, بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم, ما يشق عليهم وإعانتهم على ما تحملوه, وتأديبهم لما فيه مصلحتهم. فمن قام بهذه المأمورات, فهو الخاضع لربه, المتواضع لعباد الله, المنقاد لأمر الله وشرعه, الذي يستحق الثواب الجزيل, والثناء الجميل. ومن لم يقم بذلك, فإنه عبد معرض عن ربه, غير منقاد لأوامره, ولا متواضع للخلق. بل هو متكبر على عباد الله, معجب بنفسه, فخور بقوله, ولهذا قال: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا " أي: معجبا بنفسه, متكبرا على الخلق. " فَخُورًا " يثني على نفسه ويمدحها, على وجه الفخر والبطر, على عباد الله. فهؤلاء, ما بهم من الاختيال والفخر, يمنعهم من القيام بالحقوق.

"الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا "
ولهذا ذمهم بقوله " الَّذِينَ يَبْخَلُونَ " أي: يمنعون ما عليهم من الحقوق الواجبة. " وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ " بأقوالهم وأفعالهم. " وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ " أي: من العلم الذي يهتدي به الضالون ويسترشد به الجاهلون, فيكتمونه عنهم, ويظهرون لهم من الباطل, ما يحول بينهم وبين الحق. فجمعوا بين البخل بالمال, والبخل بالعلم, وبين السعي في خسارة أنفسهم, وخسارة غيرهم, وهذه هي صفات الكافرين, فلهذا قال تعالى: " وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا " أي: كما تكبروا على عباد الله, ومنعوا حقوقه, وتسببوا في منع غيرهم, من البخل, وعدم الاهتداء, أهانهم بالعذاب الأليم, والخزي الدائم. فعياذًا بك اللهم من كل سوء.

"وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا "
ثم أخبر عن النفقة الصادرة, عن رياء وسمعة, وعدم إيمان به, فقال: " وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ " أي: ليروهم, ويمدحوهم, ويعظموهم. " وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ " أي: ليس إنفاقهم صادرا عن إخلاص وإيمان بالله, ورجاء ثوابه. أي: فهذا من خطوات الشيطان وأعماله, التي يدعو حزبه إليها, ليكونوا من أصحاب السعير. وصدرت منهم بسبب مقارنته لهم وأزهم إليها, فلهذا قال: " وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا " أي: بئس المقارن والصاحب الذي يريد إهلاك من قارنه, ويسعى فيه أشد السعي. فكما أن من بخل بما آتاه الله, وكتم ما مَنَّ به الله عليه, عاص آثم, مخالف لربه. فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله, فإنه آثم عاص لربه, مستوجب للعقوبة. لأن الله إنما أمر بطاعته, وامتثال أمره, على وجه الإخلاص, كما قال تعالى: " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " فهذا هو العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح والثواب, فلهذا حث تعالى عليه بقوله: " وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " الآية.

"وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا "
أي: أي شيء عليهم, وأي حرج ومشقة, تلحقهم, لو حصل منهم, الإيمان بالله, الذي هو الإخلاص, وأنفقوا من أموالهم, التي رزقهم الله, وأنعم بها عليهم, فجمعوا بين الإخلاص والإنفاق. ولما كان الإخلاص, سرا بين العبد وربه, لا يطلع عليه إلا الله, أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال " وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ".

"إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا "
يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله, وتنزهه عما يضاد ذلك, من الظلم القليل, والكثير فقال: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ " أي: ينقصها من حسنات عبده, أو يزيدها في سيئاته. كما قال تعالى " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ". " وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا " أي: إلى عشرة أمثالها: أي أكثر من ذلك, بحسب حالها ونفعها, وحال صاحبها, إخلاصا, ومحبة: وكمالا. " وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا " أي: زيادة على ثواب العمل بنفسه, من التوفيق لأعمال أخر, وإعطاء البر الكثير, والخير الغزير.

"فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا "
ثم قال تعالى: " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ". أي: كيف تكون تلك الأحوال, وكيف يكون ذلك الحكم العظيم, الذي جمع أن من حكم به, كامل العلم, كامل العدل, كامل الحكمة, بشهادة أزكى الخلق, وهم الرسل, على أممهم, مع إقرار المحكوم عليه؟!! فهذا - والله - الحكم, الذي هو أعم الأحكام, وأعدلها, وأعظمها. وهناك يبقى المحكوم عليهم مقرين له, لكمال الفضل والعدل, والحمد والثناء. وهناك يسعد أقوام, بالفوز والفلاح, والعز والنجاح. ويشقى أقوام, بالخزي والفضيحة, والعذاب المبين, ولهذا قال:

"يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا "
" يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ " أي: جمعوا بين الكفر بالله ورسوله, ومعصية الرسول " لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ " أي: تبتلعهم, ويكونون ترابا وعدما, كما قال تعالى " وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ". " وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا " أي: بل يعترفون له بما عملوا, وتشهد عليهم ألسنتهم, وأيديهم, وأرجلهم, بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم: جزاءهم الحق, ويعلمون أن الله هو الحق المبين. فأما ما ورد, من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم, فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة, حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله. فإذا عرفوا الحقائق, وشهدت عليهم جوارحهم, حينئذ ينجلي الأمر, ولا يبقى للكتمان موضع, ولا نفع, ولا فائدة.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا "
ينهى تعالى عباده المؤمنين, أن يقربوا الصلاة, وهم سكارى, حتى يعلموا ما يقولون. وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة, كالمسجد, فإنه لا يمكن السكران من دخوله. وشامل لنفس الصلاة, فإنه, لا يجوز للسكران, صلاة, ولا عبادة, لاختلاط عقله, وعدم علمه بما يقول. ولهذا حدد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم, بما يقول السكران. وهذه الآية الكريمة, منسوخة بتحريم الخمر مطلقا. فإن الخمر - في أول الأمر - كان غير محرم. ثم إن الله تعالى عرض لعباده بتحريمه, بقوله " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ". ثم إنه تعالى, نهاهم عن الخمر, عند حضور الصلاة كما في هذه الآية. ثم إنه تعالى, حرمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ " الآية. ومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة, لتضمنه هذه المفسدة العظيمة. بعد حصول مقصود الصلاة, الذي هو روحها ولبها, وهو الخشوع وحضور القلب, فإن الخمر يسكر القلب, ويصد عن ذكر الله, وعن الصلاة. ويؤخذ من المعنى, منع الدخول في الصلاة, في حال النعاس المفرط, الذي لا يشعر صاحبه, بما يقول ويفعل. بل لعل فيه إشارة, إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة, أن يقطع عنه كل شاغل, يشغل فكره, كمدافعة الأخبثين, والتوق لطعام ونحوه, كما ورد في ذلك الحديث الصحيح. ثم قال " وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ " أي: لا تقربوا الصلاة, حالة كون أحدكم جنبا إلا في هذه الحال, وهو عابر السبيل أي: تمرون في المسجد, ولا تمكثون فيه. " حَتَّى تَغْتَسِلُوا " أي: فإذا اغتسلتم, فهو غاية المنع, من قربان الصلاة للجنب. فيحل للجنب, المرور في المسجد فقط. " وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ". فأباح التيمم للمريض مطلقا, مع وجود الماء وعدمه والعلة, هي: المرض, الذي يشق معه استعمال الماء, وكذلك السفر, فإنه مظنة فقد الماء. فإدا فقده المسافر, ووجد ما يتعلق بحاجته, من شرب ونحوه, جاز له التيمم. وكذلك إذا أحدث الإنسان, ببول أو غائط, أو ملامسة النساء, فإنه يباح له التيمم, إذا لم يجد الماء, حضرا وسفرا, كما يدل على ذلك عموم الآية. والحاصل: أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء, وهذا مطلقا في الحضر والسفر. وحال المشقة باستعماله, بمرض ونحوه. واختلف المفسرون في معنى قوله " أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ " هل المراد بذلك: الجماع, فتكون الآية نصا في جواز التيمم للجنب, كما تكاثرت بذلك الأحاديث الصحيحة؟ أو المراد بذلك: مجرد اللمس باليد, ويقيد ذلك بما إذا كان مظنة خروج المذي, وهو المس الذي يكون لشهوة, فتكون الآية دالة على نقض الوضوء بذلك؟. واستدل الفقهاء بقوله " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ". بوجوب طلب الماء عند دخول الوقت. قالوا: لأنه لا يقال: "لم يجد" لمن لم يطلب, بل لا يكون ذلك إلا بعد الطلب. واستدل بذلك أيضا, على أن الماء المتغير بشيء من الطاهرات, يجوز, بل يتعين, التطهر به لدخوله في قوله " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً " وهذا ماء. ونوزع في ذلك, أنه ماء غير مطلق, وفي ذلك نظر. وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم العظيم, الذي امتن به الله على هذه الأمة, وهو مشروعية التيمم, وقد أجمع على ذلك العلماء, ولله الحمد. وأن التيمم يكون بالصعيد الطيب, وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض, سواء كان له غبار أم لا. ويحتمل أن يختص ذلك, بذي الغبار, لأن الله قال في آية الوضوء من سورة المائدة الآية 6 " فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ". وما لا غبار له, لا يمسح به. وقوله " فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ " أي: منه. كما في آية "المائدة" هذا محل المسح في التيمم: الوجه جميعه, واليدان إلى الكوعين, كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة, ويستحب أن يكون ذلك بضربة واحدة, كما دل على ذلك حديث عمار, وفيه أن تيمم الجنب, كتيمم غيره, بالوجه واليدين. فائدة اعلم أن قواعد الطب, تدور على ثلاث قواعد: حفظ الصحة عن المؤذيات, والاستفراغ منها, والحمية عنها. وقد نبه تعالى, عليها في كتابه العزيز. أما حفظ الصحة والحمية عن المؤذي, فقد أمر بالأكل والشرب, وعدم الإسراف في ذلك. وأباح للمسافر والمريض الفطر, حفظا لصتحهما, باستعمال ما يصلح البدن, على وجه العدل, وحماية للمريض عما يضره. وأما استفراغ المؤذي, فقد أباح تعالى للمريض المتأذي برأسه, أن يحلقه لإزالة الأبخرة المحتقنة فيه. ففيه تنبيه على استفراغ, ما هو أولى منها, من البول, والغائط, والقيء, والمني, والدم, وغير ذلك. نبه على ذلك ابن القيم, رحمه الله تعالى. وفي الآية وجوب تعميم مسح الوجه واليدين, وأنه يجوز التيمم, ولو لم يضق الوقت, وأنه لا يخاطب بطلب الماء, إلا بعد وجود سبب الوجوب والله أعلم. ثم ختم الآية بقوله " إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ". أي: كثير العفو والمغفرة لعباده المؤمنين, بتيسير ما أمرهم به, وتسهيله غاية التسهيل, بحيث لا يشق على العبد امتثاله, فيحرج بذلك. ومن عفوه ومغفرته, أن رحم هذه الأمة, بشرع الطهارة بالتراب, بدل الماء, عند تعذر استعماله. ومن عفوه ومغفرته, أن فتح للمذنبين باب التوبة والإنابة, ودعاهم إليه, ووعدهم بمغفرة ذنوبهم. ومن عفوه ومغفرته, أن المؤمن لو أتاه بقراب الأرض خطايا, ثم لقيه لا يشرك به شيئا, لأتاه بقرابها مغفرة.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ "
هذا ذم لمن " أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ " وفي ضمنه, تحذير عباده عن الاغترار بهم, والوقوع في أشراكهم. فأخبر أنهم, في أنفسهم " يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ " أي: يحبونها محبة عظيمة, ويؤثرونها إيثار من يبذل المال الكثير, في طلب ما يحبه. فيؤثرون الضلال على الهدى, والكفر على الإيمان, والشقاء على السعادة. ومع هذا يريدون " أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ". فهم حريصون على إضلالكم, غاية الحرص, باذلون جهدهم في ذلك.

"وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا "
ولكن لما كان الله ولي عباده المؤمنين, وناصرهم, بين لهم ما اشتملوا عليه من الضلال والإضلال ولهذا قال: " وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا " أي: يتولى أحوال عباده, ويلطف بهم, في جميع أمورهم, وييسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم. " وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا " ينصرهم على أعدائهم, ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى, فيها حصول الخير, ونصره, فيه زوال الشر.

"مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا "
ثم بين كيفية ضلالهم وعنادهم, وإيثارهم الباطل على الحق فقال: " مِنَ الَّذِينَ هَادُوا " أي: اليهود, وهم علماء الضلال منهم. " يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ " إما بتغيير اللفظ أو المعنى, أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم, التي لا تنطبق ولا تصدق, إلا على محمد صلى الله عليه وسلم, على أنه غير مراد بها, ولا مقصود بها, بل أريد بها, غيره, وكتمانهم ذلك. فهذا حالهم في العلم, شر حال, قلبوا فيه الحقائق, ونزلوا الحق على الباطل, وجحدوا لذلك الحق. وأما حالهم في العمل والانقياد فإنهم يقولون " سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " أي: سمعنا قولك, وعصينا أمرك. وهذا غاية الكفر والعناد, والشرود عن الانقياد. وكذلك يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بأقبح خطاب وأبعده عن الأدب, فيقولون: " وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ " قصدهم: اسمع منا غير مسمع ما تحب, بل مسمع ما تكره. " وَرَاعِنَا " قصدهم بذلك الرعونة, بالعيب القبيح. ويظنون أن اللفظ - لما كان محتملا لغير ما أرادوا من الأمور - أنه يروج على الله وعلى رسوله, فتوصلوا بذلك اللفظ الذي يلوون به ألسنتهم, إلى الطعن في الدين, والعيب للرسول, ويصرحون بذلك فيما بينهم, فلهذا قال: " لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ". ثم أرشدهم إلى ما هو خير لهم من ذلك فقال: " وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ ". وذلك لما تضمنه هذا الكلام, من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول, والدخول تحت طاعة الله, والانقياد لأمره, وحسن التلطف في طلبهم العلم, بسماع سؤالهم, والاعتناء بأمرهم. فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكه. ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية, أعرضوا عن ذلك, وطردهم الله, بكفرهم وعنادهم. ولهذا قال: " وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ".

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا "
يأمر تعالى أهل الكتاب, من اليهود والنصارى, أن يؤمنوا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم, وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم, المهيمن على غيره, من الكتب السابقة التي صدقها, فإنها أخبرت به. فلما وقع المخبر به, كان تصديقا لذلك الخبر. وأيضا, فإنهم - إن لم يؤمنوا بهذا القرآن, فإنهم لم يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب, لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا, ويوافق بعضها بعضا. فدعوى الإيمان ببعضها, دون بعض, دعوى باطلة, لا يمكن صدقها. وفي قوله " آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " حث لهم, وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم, مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به, من العلم, والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم, أعظم من غيرهم, ولهذا توعدهم على عدم الإيمان فقال: " مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا " وهذا جزاء من جنس ما عملوا. فكما تركوا الحق, وآثروا الباطل, وقلبوا الحقائق, فجعلوا الباطل حقا, والحق باطلا جوزوا من جنس ذلك, بطمس وجوههم, كما طمسوا الحق, وردها على أدبارها, بأن تجعل في أقفائهم, وهذا أشنع ما يكون. " أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ " بأن يطردهم من رحمته, ويعاقبهم بجعلهم قردة, كما فعل بإخوانهم الذين اعتدوا في السبت. " فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ". " وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا " كقوله " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ".

"إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا "
يخبر تعالى: أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين, ويغفر ما دون ذلك, من الذنوب, صغائرها, وكبائرها, وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك, إذا اقتضت حكمته مغفرته. فالذنوب التي دون الشرك, قد جعل الله لمغفرتها, أسبابا كثيرة كالحسنات الماحية, والمصائب المكفرة في الدنيا, والبرزخ, ويوم القيامة, وكدعاء المؤمنين,, بعضهم لبعض, وبشفاعة الشافعين. ومن دون ذلك كله, رحمته, التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد. وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك, قد سد على نفسه أبواب المغفرة, وأغلق دونه أبواب الرحمة, فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد, ولا تفيده المصائب شيئا. " فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ". ولهذا قال تعالى " وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا " أي: افترى جرما كبيرا. وأي ظلم, أعظم, ممن سوى المخلوق - من تراب, الناقص من جميع الوجوه, الفقير بذاته من كل وجه. الذي لا يملك لنفسه - فضلا عمن عبده - نفعا ولا ضرا, ولا موتا ولا حياة ولا نشورا - بالخالق لكل شيء الكامل من جميع الوجوه, الغني بذاته, عن جميع مخلوقاته, الذي بيده النفع والضر, والعطاء والمنع, الذي ما من نعمة بالمخلوقين, إلا منه تعالى. فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ ولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب " إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ". وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب. وأما التائب, فإنه يغفر له الشرك فما دونه, كما قال تعالى " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " أي: لمن تاب إليه, وأناب.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا "
هذا تعجب من الله لعباده, وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم, من اليهود والنصارى, ومن نحا نحوهم, من كل من زكى نفسه, بأمر ليس فيه. وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: " نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ". ويقولون: " لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى " وهذا مجرد دعوى, لا برهان عليها. وإنما البرهان, ما أخبر به في القرآن في قوله: " بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ". فهؤلاء هم الذين زكاهم الله, ولهذا قال هنا: " بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ " أي: بالإيمان والعمل الصالح, بالتخلي عن الأخلاق الرذيلة, والتحلي بالصفات الجميلة. وأما هؤلاء, فهم - وإن زكوا أنفسهم بزعمهم, أنهم على شيء, وأن الثواب لهم وحدهم - فإنهم كذبة في ذلك, ليس لهم من خصال الزاكين نصيب, بسبب ظلمهم وكفرهم, لا بظلم من الله لهم, ولهذا قال: " وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ". وهذا لتحقيق العموم, أي: لا يظلمون شيئا, ولا مقدار الفتيل الذي في شق النواة, أو الذي يفتل من وسخ اليد وغيرها.

"انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا "
قال تعالى: " انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ " أي: بتزكيتهم أنفسهم, لأن هذا من أعظم الافتراء على الله. لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم, الإخبار بأن الله, جعل ما هم عليه حقا, وما عليه المؤمنون المسلمون, باطلا. وهذا أعظم الكذب, وقلب الحقائق, بجعل الحق باطلا, والباطل حقا. ولهذا قال: " وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا " أي: ظاهرا بينا, موجبا للعقوبة البليغة, والعذاب الأليم.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا "
وهذا من قبائح اليهود, وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين, أن أخلاقهم الرذيلة, وطبعهم الخبيث, حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت, وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله, أو حكم بغير شرع الله. فدخل في ذلك, السحر والكهانة, وعباده غير الله, وطاعة الشيطان. كل هذا من الجبت والطاغوت. وكذلك حملهم الكفر والحسد, على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله, عبدة الأصنام, على طريق المؤمنين فقال: " وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا " أي لأجلهم, تملقا لهم ومداهنة, وبغضا للإيمان: " هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا " أي: طريقا. فما أسمجهم, وأشد عنادهم, وأقل عقولهم!!. وكيف سلكوا هذا المسلك الوخيم, والوادي الذميم؟!! هل ظنوا أن هذا, يروج على أحد من العقلاء, أو يدخل عقل أحد من الجهلاء. فهل يفضل دين, قام على عبادة الأصنام والأوثان, واستقام على تحريم الطيبات, وإباحة الخبائث, وإحلال كثير من المحرمات, وإقامة الظلم بين الخلق, وتسوية الخالق بالمخلوقين, والكفر بالله, ورسله, وكتبه, على دين قام على عبادة الرحمن, والإخلاص لله, في السر والإعلان والكفر بما يعبد من دونه, من الأوثان, والأنداد, والكاذبين, وعلى صلة الأرحام, والإحسان, إلى جميع الخلق, حتى البهائم, وإقامة العدل والقسط بين الناس, وتحريم كل خبيث وظلم, ومصدق في جميع الأقوال والأعمال فهل هذا إلا من الهذيان. وصاحب هذا القول, إما من أجهل الناس, وأضعفهم عقلا, وإما من أعظمهم عنادا وتمردا, ومراغمة للحق. وهذا هو الواقع, ولهذا قال تعالى عنهم " أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ "

"أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا "
" أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ " أي: طردهم عن رحمته, وأحل عليهم نقمته. " وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا " أي: يتولاه, ويقوم بمصالحه, ويحفظه عن المكاره, هذا غاية الخذلان.

"أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا "
" أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ " أي: فيفضلون من شاءوا على من شاءوا, بمجرد أهوائهم, فيكونون شركاء لله في تدبير المملكة. فلو كانوا كذلك, لشحوا وبخلوا أشد البخل, ولهذا قال: " فَإِذَا " أي: لو كان لهم نصيب من الملك " لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا " أي: شيئا, ولا قليلا. وهذا وصف لهم, بشدة البخل, على تقدير وجود ملكهم, المشارك لملك الله. وأخرج هذا, مخرج الاستفهام المتقرر إنكاره, عند كل أحد.

"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا "
" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ " أي: هل الحامل لهم على قولهم, كونهم شركاء لله, فيفضلون من شاءوا؟ أم الحامل لهم على ذلك, الحسد للرسول وللمؤمنين, على ما آتاهم الله من فضله؟ وذلك ليس ببدع ولا غريب, على فضل الله. " فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا " وذلك ما أنعم الله به على إبراهيم وذريته, من النبوة, والكتاب, والملك الذي أعطاه من أعطاه, من أنبيائه كـ "داود" و "سليمان". فإنعامه لم يزل مستمرا, على عباده المؤمنين. فكيف ينكرون إنعامه, بالنبوة, والنصر, والملك, لمحمد صلى الله عليه وسلم, أفضل الخلق, وأجلهم, وأعظمهم معرفة بالله, وأخشاهم له؟!!

"فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا "
" فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ " أي بمحمد صلى الله عليه وسلم, فنال بذلك السعادة الدنيوية, والفلاح الأخروي. " وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ " عنادا, وبغيا, وصدا, فحصل لهم من شقاء الدنيا ومصائبها, ما هو بعض آثار معاصيهم. " وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا " تسعر على من كفر بالله, وجحد نبوة أنبيائه, من اليهود, والنصارى, وغيرهم, من أصناف الكفرة.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا "
ولهذا قال: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا " أي: عظيمة الوقود, شديدة الحرارة. " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ " أي: احترقت " بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ " أي: ليبلغ العذاب منهم كل مبلغ. ولما تكرر منهم الكفر والعناد, وصار وصفا لهم وسجية; كرر, عليهم العذاب جزاء وفاقا. ولهذا قال: " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا " أي: له العزة العظيمة, والحكمة في خلقه وأمره, وثوابه وعقابه.

"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا "
" وَالَّذِينَ آمَنُوا " أي بالله, وما أوجب الإيمان به " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " من الواجبات والمستحبات " سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ " أي: من الأخلاق الرذيلة, والخلق الذميم, ومما يكون من نساء الدنيا, من كل دنس وعيب " وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا " أي: دائم الظل.

"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا "
الأمانات, كل ما ائتمن عليه الإنسان, وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة, لا منقوصة ولا مبخوسة, ولا ممطولا بها. ويدخل في ذلك, أمانات الولايات والأموال, والأسرار; والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء, أن من ائتمن أمانة; وجب عليه حفظها, في حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها; فوجب ذلك. وفي قوله تعالى " إِلَى أَهْلِهَا " دلالة على أنها, لا تدفع, وتؤدى, لغير المؤتمن, ووكيله بمنزلته; فلو دفعها لغير ربها, لم يكن مؤديا لها. " وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ " وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء, والأموال, والأعراض, القليل من ذلك, والكثير, على القريب, والبعيد, والفاجر, والولي, والعدو. والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به, هو ما شرعه الله على لسان رسوله, من الحدود والأحكام, وهذا يستلزم معرفة العدل, ليحكم به. ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة, قال: " إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا " وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه لاشتمالها على مصالح الدارين, ودفع مضارهما, لأن شارعها السميع البصير, الذي لا تخفى عليه خافية, ويعلم من مصالح العباد, ما لا يعلمون.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا "
ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله, وذلك بامتثال أمرهما, الواجب والمستحب, واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر, وهم: الولاة على الناس, من الأمراء, والحكام, والمفتين, فإنه لا يستقيم للناس, أمر دينهم ودنياهم, إلا بطاعتهم والانقياد لهم, طاعة لله, ورغبة فيما عنده. ولكن بشرط, أن لا يأمروا بمعصية الله, فإن أمروا بذلك, فلا طاعة لمخلوق, في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل, عند الأمر بطاعتهم, وذكره مع طاعة الرسول. فإن الرسول, لا يأمر إلا بطاعة الله, ومن يطعه, فقد أطاع الله. وأما أولو الأمر, فشرط الأمر بطاعتهم, أن لا يكون معصية. ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه; من أصول الدين وفروعه, إلى الله والرسول, أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله; فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية, إما بصريحهما, أو عمومهما; أو إيماء, أو تنبيه, أو مفهوم, أو عموم معنى, يقاس عليه ما أشبهه. لأن كتاب الله وسنة رسوله, عليهما بناء الدين, ولا يستقيم الإيمان إلا بهما. فالرد إليهما, شرط في الإيمان, فلهذا قال: " إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ". فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة, بل مؤمن بالطاغوت, كما ذكر في الآية بعدها. " ذَلِكَ " أي: الرد إلى الله ورسوله " خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " فإن حكم الله ورسوله, أحسن الأحكام وأعدلها, وأصلحها للناس, في أمر دينهم, ودنياهم, وعاقبتهم.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا "
يعجب تعالى عباده, من حالة المنافقين. " الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا " بما جاء به الرسول وبما قبله. ومع هذا " يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ " وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت. والحال أنهم قد " أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ " فكيف يجتمع هذا والإيمان؟. فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه, في كل أمر من الأمور. فمن زعم أنه مؤمن, واختار حكم الطاغوت على حكم الله, فهو كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم, ولهذا قال: " وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا " عن الحق.

"فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا "
" فَكَيْفَ " يكون حال هؤلاء الضالين " إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ " من المعاصي, ومنها تحكيم الطاغوت؟!. " ثُمَّ جَاءُوكَ " معتذرين لما صدر منهم, و " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا " أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم, وهم كذبة في ذلك. فإن الإحسان, تحكيم الله ورسوله. ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. ولهذا قال: " أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ "

"أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا "
" أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ " أي: من النفاق والقصد السيئ. " فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ " أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه. " وَعِظْهُمْ " أي: بين لهم حكم الله تعالى, مع الترغيب في الانقياد لله, والترهيب من تركه. " وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا " أي: انصحهم سرا, بينك وبينهم, فإنه أنجح لحصول المقصود, وبالغ في زجرهم وقمعهم, عما كانوا عليه. وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي, وإن أعرض عنه, فإنه ينصح سرا, ويبالغ في وعظه, بما يظن حصول المقصود به.

"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا "
يخبر تعالى خبرا, في ضمنه الأمر, والحث على طاعة الرسول, والانقياد له. وأن الغاية من إرسال الرسل, أن يكونوا مطاعين, ينقاد لهم المرسل إليهم في جميع ما أمروا به, ونهوا عنه, وأن يكونوا معظمين, تعظيم المطاع من المطيع. وفي هذا إثبات عصمة الرسل, فيما يبلغونه عن الله, وفيما يأمرون به وينهون عنه. لأن الله, أمر بطاعتهم مطلقا, فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ, لما أمر بذلك مطلقا. وقوله: " بِإِذْنِ اللَّهِ " أي: الطاعة من المطيع, صادرة بقضاء الله وقدره. ففيه إثبات القضاء والقدر, والحث على الاستعانة بالله, وبيان أنه لا يمكن الإنسان - إن لم يعنه الله - أن يطيع الرسول. ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده, ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا ويتوبوا, ويستغفروا الله فقال: " وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ " أي: معترفين بذنوبهم, باخعين بها. " فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا " أي لتاب عليهم بمغفرته ظلمهم, ورحمهم بقبول التوبة والتوفيق لها, والثواب عليها. وهذا المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, مختص بحياته, لأن السياق يدل على ذلك, لكون الاستغفار من الرسول, لا يكون إلا في حياته. وأما بعد موته, فإنه لا يطلب منه شيء, بل ذلك شرك.

"فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "
ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة, أنهم لا يؤمنون, حتى يحكموا رسوله, فيما شجر بينهم أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف. بخلاف مسائل الإجماع, فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة. ثم لا يكفي هذا التحكيم, حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق, وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض. ثم لا يكفي هذا التحكيم, حتى يسلموا لحكمه تسليما, بانشراح صدر, وطمأنينة نفس, وانقياد بالظاهر والباطن. فالتحكيم, في مقام الإسلام, وانتفاء الحرج, في مقام الإيمان, والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب, وكملها, فقد استكمل مراتب الدين كلها. ومن ترك هذا التحكيم المذكور, غير ملتزم له, فهو كافر. ومن تركه - مع التزامه - فله حكم أمثاله من العاصين.

"وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا "
يخبر تعالى, أنه لو كتب على عباده, الأوامر الشاقة على النفوس, من قتل النفوس, والخروج من الديار, لم يفعله إلا القليل منهم والنادر. فليحمدوا ربهم, وليشكروه, على تيسير ما أمرهم به, من الأوامر التي تسهل على كل أحد, ولا يشق فعلها. وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي, أن يلحظ العبد, ضد ما هو فيه, من المكروهات, لتخف عليه العبادات, ويزداد حمدا وشكرا لربه. ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به, أي: ما وظف عليهم, في كل وقت بحسبه, فبذلوا هممهم, ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله, ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه, ولم يكونوا بصدده, وهذا هو الذي ينبغي للعبد, أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها, فيكملها, ثم يتدرج شيئا فشيئا, حتى يصل إلى ما قدر له, من العلم والعمل, في أمر الدين والدنيا. وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه, ولم يؤمر به بعد, فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة, وحصول الكسل, وعدم النشاط. ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به, وهو أربعة أمور: "أحدها" الخيرية في قوله " لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ " أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم, من أفعال الخير, التي أمروا بها. أي: وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار, لأن ثبوت الشيء, يستلزم نفي ضده. "الثاني " حصول التثبيت والثبات وزيادته, فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان, الذي هو القيام بما وعظوا به. فيثبتهم في الحياة الدنيا, عند ورود الفتن في الأوامر, والنواهي, والمصائب. فيحصل لهم ثبات, يوفقون به لفعل الأوامر, وترك الزواجر, التي تقتضي النفس فعلها, وعند حلول المصائب, التي يكرهها العبد. فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا, أو الشكر. فينزل عليه معونة من الله, للقيام بذلك, ويحصل له الثبات على الدين, عند الموت وفي القبر. وأيضا فإن العبد القائم بما أمر به, لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية, حتى يألفها, ويشتاق إليها وإلى أمثالها, فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات.

"وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا "
"الثالث " قوله " وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا " أي في العاجل والآجل, الذي يكون للروح والقلب, والبدن, ومن النعيم المقيم, مما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر.

"وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا "
"الرابع" الهداية إلى صراط مستقيم. وهذا عموم بعد خصوص, لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم, من كونها متضمنة للعلم بالحق, ومحبته وإيثاره به, والعمل به, وتوقف السعادة والفلاح, على ذلك. فمن هُدِيَ إلى صراط مستقيم, فقد وُفِّقَ لكل خير, واندفع عنه, كل شر وضير.

"وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا "
أي: كل من أطاع الله ورسوله - على حسب حاله, وقدر الواجب عليه, من ذكر وأنثى وصغير وكبير. " فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح, والسعادة " مِنَ النَّبِيِّينَ " الذين فضلهم الله بوحيه, واختصهم بتفضيلهم, بإرسالهم إلى الخلق, ودعوتهم إلى الله تعالى. " وَالصِّدِّيقِينَ " وهم: الذين كمل تصديقهم, بما جاءت به الرسل, فعلموا الحق, وصدقوه بيقينهم, وبالقيام به, قولا, وعملا, وحالا, ودعوة إلى الله. " وَالشُّهَدَاءِ " الذين قاتلوا في سبيل الله, لإعلاء كلمة الله, فقتلوا. " وَالصَّالِحِينَ " الذين صلح ظاهرهم وباطنهم, فصلحت أعمالهم. فكل من أطاع الله تعالى, كان مع هؤلاء في صحبتهم. " وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " بالاجتماع بهم, في جنات النعيم, والأُنْس بقربهم, في جوار رب العالمين.

"ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا "
" ذَلِكَ الْفَضْلُ " الذي نالوه " مِنَ اللَّهِ ". فهو الذي وفقهم لذلك, وأعانهم عليه, وأعطاهم من الثواب, ما لا تبلغه أعمالهم. " وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ", يعلم أحوال عباده, ومن يستحق منهم الثواب الجزيل, بما قام به, من الأعمال الصالحة, التي تواطأ عليها القلب والجوارح.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا "
يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين. وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب, التي بها يستعان على قتالهم, ويستدفع مكرهم وقوتهم, من استعمال الحصون والخنادق, وتعلم الرمي والركوب, وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك, وما به يعرف مداخلهم, ومخارجهم, ومكرهم, والنفير في سبيل الله. ولهذا قال: " فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ " أي: متفرقين بأن تنفر سرية أو جيش ويقيم غيرهم " أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ". وكل هذا, تبع للمصلحة, والنكاية, والراحة للمسلمين في دينهم. وهذه الآية نظير قوله تعالى " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ".

"وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا "
ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: " وَإِنَّ مِنْكُمْ " أي أيها المؤمنين " لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ " أي يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله, ضعفا, وخورا, وجبنا. هذا هو الصحيح. وقيل معناه: ليبطئن غيره, أي يزهده عن القتال, وهؤلاء, هم المنافقون ولكن الأول أَوْلَى, لوجهين: أحدهما قوله " مِنْكُمْ " والخطاب للمؤمنين. والثاني: قوله في آخر الآية: " كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ". فإن الكفار, من المشركين, والمنافقين قد قطع الله بينهم, وبين المؤمنين المودة. وأيضا, فإن هذا, هو الواقع, فإن المؤمنين على قسمين: صادقون في إيمانهم, أوجب لهم ذلك, كمال التصديق والجهاد. وضعفاء, دخلوا في الإسلام, فصار معهم إيمان ضعيف, لا يقوى على الجهاد. كما قال تعالى " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا " إلى آخر الآيات. ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين, ونهاية مقاصدهم, وأن معظم قصدهم, الدنيا وحطامها فقال: " فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ " أي: هزيمة, وقتل, وظفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال, لما لله في ذلك من الحكم. " قَالَ " ذلك المتخلف " قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ". رأى - من ضعف عقله وإيمانه - أن التقاعد عن الجهاد - الذي فيه تلك المصيبة - نعمة. ولم يدر أن النعمة الحقيقية, هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة, التي بها يقوى الإيمان, ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران, ويحصل له فيها, عظيم الثواب, ورضا الكريم الوهاب. وأما القعود, فإنه, وإن استراح قليلا, فإنه يعقبه تعب طويل, وآلام عظيمة, ويفوته ما يحصل للمجاهدين أي من الأجر العظيم.

"وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا "
ثم قال " وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ " أي: نصر وغنيمة. ما يحصل للمجاهدين. ثم قال " وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ " أي: نصر وغنيمة " لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ". أي: يتمنى أنه حاضر, لينال من المغانم. ليس له رغبة, ولا قصد, في غير ذلك. كأنه ليس منكم, يا معشر المؤمنين - ولا بينكم, وبينه المودة الإيمانية, التي من مقتضاها, أن المؤمنين مشتركون في جميع مصالحهم, ودفع مضارهم, يفرحون بحصولها, ولو على يد غيرهم, من إخوانهم المؤمنين, ويألمون بفقدها, ويسعون جميعا, في كل أمر يصلحون به دينهم ودنياهم. فهذا الذي يتمنى الدنيا فقط, ليست معه الروح الإيمانية المذكورة.

"فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا "
ومن لطف الله بعباده, أن لا يقطع عنهم رحمته, ولا يغلق عنهم أبوابها. بل من حصل على غير ما يليق أمره, دعاه إلى جبر نقصه, وتكميل نفسه. فلهذا أمر هؤلاء, بالإخلاص, والخروج في سبيله فقال: " فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ". هذا أحد الأقوال في هذه الآية, وهو أصحها. وقيل: إن معناه, فليقاتل في سبيل الله, المؤمنون الكاملو الإيمان, الصادقون في إيمانهم. " الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ " أي يبيعون الدنيا, رغبة عنها بالآخرة, رغبة فيها. فإن هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب, لأنهم, الذين قد أعدوا أنفسهم, ووطَّنوها على جهاد الأعداء لما معهم من الإيمان التام, المقتضي لذلك. وأما أولئك المتثاقلون, فلا يعبأ بهم, خرجوا أو قعدوا. فيكون هذا, نظير قوله تعالى: " قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ", إلى آخر الآيات وقوله " فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ". وقيل: إن معنى الآية: فليقاتل المقاتل والمجاهد للكفار, الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. فيكون على هذا الوجه "الذين" في محل نصب على المفعولية. " وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " بأن يكون جهادا, قد أمر الله به ورسوله, ويكون العبد مخلصا لله فيه, قاصدا وجه الله. " فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " زيادة في إيمانه ودينه, وغنيمة, وثناء حسنا, وثواب المجاهدين في سبيل الله الذين أعد الله لهم في الجنة, ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر.

"وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا "
هذا حث من الله لعباده المؤمنين, وتهييج لهم على القتال في سبيله وأن ذلك, قد تعين عليهم, وتوجه اللوم العظيم عليهم, بتركه فقال: " وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " والحال أن المستضعفين من الرجال, والنساء, والولدان, الذين لا يستطيعون حيلة, ولا يهتدون سبيلا ومع هذا, فقد نالهم أعظم الظلم من أعدائهم. فهم يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها لأنفسهم, بالكفر, والشرك, وللمؤمنين بالأذى, والصد عن سبيل الله, ومنعهم من الدعوة لدينهم, والهجرة. ويدعون الله, أن يجعل لهم وليا ونصيرا, يستنقذهم من هذه القرية الظالم أهلها. فصار جهادكم على هذا الوجه, من باب القتال, والذب عن عيلاتكم وأولادكم, ومحارمكم, لأن باب الجهاد, الذي هو الطمع في الكفار فإنه, وإن كان فيه فضل عظيم, ويلام المتخلف عنه أعظم اللوم. فالجهاد الذي فيه استنقاذ المستضعفين منكم, أعظم أجرا, وأكبر فائدة بحيث يكون من باب دفع الأعداء.

"الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا "
ثم قال " الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " الآية. هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله " وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ " الذي هو الشيطان. في ضمن ذلك عدة فوائد: منها: أنه بحسب إيمان العبد, يكون جهاده في سبيل الله, وإخلاصه, ومتابعته. فالجهاد في سبيل الله, من آثار الإيمان, ومقتضياته ولوازمه. كما أن القتال في سبيل الطاغوت, من شعب الكفر ومقتضياته. ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله, ينبغي له, ويحسن منه, من الصبر والجلد, ما لا يقوم به غيره. فإذا كان أولياء الشيطان, يصبرون, ويقاتلون, وهم على باطل, فأهل الحق أولى بذلك, كما قال تعالى في هذا المعنى: " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ " الآية. ومنها أن الذي يقاتل في سبيل الله, معتمد على ركن وثيق, وهو الحق, والتوكل على الله. فصاحب القوة, والركن, يطلب منه, من الصبر والثبات, والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل, عن الباطل, الذي لا حقيقة له, ولا عاقبة حميدة. فلهذا قال تعالى: " فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ". والكيد: سلوك الطرق الخفية, الذي فيه إلحاق الضرر بالعدو. فالشيطان, وإن بلغ مَكْرُهُ مهما بلغ, فإنه في غاية الضعف, الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق, ولا لكيد الله لعباده المؤمنين.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا "
كان المسلمون - إذ كانوا بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة, أي: مواساة الفقراء, لا الزكاة المعروفة, ذات النصب والشروط, فإنها لم تفرض إلا بالمدينة, ولم يؤمروا بجهاد الأعداء, لعدة فوائد: منها: أن من حكمة الباري تعالى, أن يشرع لعباده, الشرائع, على وجه لا يشق عليهم; ويبدأ بالأهم, والأسهل فالأسهل. ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال - مع قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم, وكثرة أعدائهم - لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام. فروعي جانب المصلحة العظمى, على ما دونها, ولغير ذلك من الحِكَم. وكان بعض المؤمنين, يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال, غير اللائق فيها ذلك. وإنما اللائق فيها, القيام بما أمروا به في ذلك الوقت, من التوحيد, والصلاة, والزكاة ونحو ذلك كما قال تعالى: " وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ". فلما هاجروا إلى المدينة, وقوي الإسلام, كتب عليهم القتال, في وقته المناسب لذلك. فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك, خوفا من الناس, وضعفا وخورا: " رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ". وفي هذا تضجرهم, واعتراضهم على الله. وكان الذي ينبغي لهم, ضد هذه الحال - التسليم لأمر الله, والصبر على أوامره. فعكسوا الأمر المطلوب منهم, فقالوا " لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ " أي: هلا أخرت فرض القتال, مدة متأخرة عن الوقت الحاضر. وهذه الحال, كثيرا ما تعرض لمن هو غير رزين, واستعجل في الأمور قبل وقتها. فالغالب عليه, أنه لا يصبر عليها وقت حلولها, ولا ينوء بحملها, بل يكون قليل الصبر. ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال, التي فيها التخلف عن القتل فقال: " قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى " أي: التمتع بلذات الدنيا وراحتها, قليل. فتحمل الأثقال في طاعة الله, في المدة القصيرة, مما يسهل على النفوس ويخف عليها. لأنها, إذا علمت أن المشقة التي تنالها, لا يطول لبثها, هان عليها ذلك. فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة, وأن الآخرة خير منها, في ذاتها, ولذاتها, وزمانها. فذاتها - كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه - "أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها". ولذاتها, صافية عن المكدرات, بل كل ما خطر بالبال, أو دار في الفكر, من تصور لذة - فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى. " فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ". وقال الله على لسان نبيه "أعددت لعبادي الصالحين, ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر". وأما لذات الدنيا, فإنها مشوبة بأنواع التنغيص, الذي لو قوبل بين لذاتها, وما يقترن بها من أنواع الآلام, والهموم والغموم, لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه. وأما زمانها, فإن الدنيا منقضية, وعمر الإنسان - بالنسبة إلى الدنيا - شيء يسير. وأما الآخرة, فإنها دائمة النعيم, وأهلها خالدون فيها. فإذا فكر العاقل في هاتين الدارين, وتصور حقيقتهما حق التصور, عرف ما هو أحق بالإيثار, والسعي له, والاجتهاد لطلبه, ولهذا قال: " وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى " أي: اتقى الشرك, وسائر المحرمات. " وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا " أي: فسعيكم للدار الآخرة, ستجدونه كاملا موفرا, غير منقوص منه شيئا.

"أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا "
ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر, وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئا فقال: " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ " أي: في أي زمان, وأي مكان. " وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ " أي: قصور منيعة, ومنازل رفيعة. وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله, تارة بالترغيب في فضله وثوابه. وتارة بالترهيب من عقوبة تركه, وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم, وتارة بتسهيل الطريق في ذلك, وقصرها. ثم قال " وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ " الآية. يخبر تعالى, عن الذين لا يعلمون, المعرضين عما جاءت به الرسل, المعارضين لهم: أنهم إذا جاءتهم حسنة, أي: خصب وكثرة أموال, وتوفر أولاد وصحة, قالوا. " هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " وأنهم, إن أصابتهم سيئة أي: جدب, وفقر, ومرض, وموت أولاد وأحباب قالوا: " هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ " أي: بسبب ما جئتنا به يا محمد. تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم, كما تطير أمثالهم برسل الله, كما أخبر الله عن قوم فرعون أنهم " فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ". وقال قوم صالح " اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ". وقال قوم ياسين لرسلهم " إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ " الآية. فلما تشابهت قلوبهم بالكفر, تشابهت أقوالهم وأفعالهم. وهكذا كل من نسب حصول الشر, أو زوال الخير, لما جاءت به الرسل أو لبعضه, فهو داخل في هذا الذم الوخيم. قال الله في جوابهم " قُلْ كُلٌّ " أي من الحسنة والسيئة, والخير والشر. " مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " أي: بقضائه وقدره, وخلقه. " فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ " أي: الصادر منهم تلك المقابلة الباطلة. " لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا " أي: لا يفهمون حديثا بالكلية, ولا يقربون من فهمه, أو لا يفهمون منه, إلا فهما ضعيفا. وعلى كل, فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن الله, وعن رسوله, وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم. وفي ضمن ذلك, مدح من يفهم عن الله وعن رسوله, والحث على ذلك, وعلى الأسباب المعينة على ذلك, من الإقبال على كلامهما وتدبره, وسلوك الطرق الموصلة إليه. فلو فقهوا عن الله, لعلموا أن الخير والشر, والحسنات والسيئات, كلها بقضاء الله وقدره, لا يخرج منها شيء عن ذلك. وأن الرسل, عليهم الصلاة والسلام, لا يكونون سببا لشر يحدث, لا هم, ولا ما جاءوا به, لأنهم بعثوا بمصالح الدنيا والآخرة والدين.

"مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا "
ثم قال تعالى " مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ " أي: في الدين والدنيا " فَمِنَ اللَّهِ " هو الذي مَنَّ بها ويسرها بتيسير أسبابها. " وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ " في الدين والدنيا " فَمِنْ نَفْسِكَ " أي: بذنوبك وكسبك, وما يعفو الله عنه أكثر. فالله تعالى, قد فتح لعباده أبواب إحسانه, وأمرهم بالدخول لبره وفضله, وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله. فإذا فعلها العبد, فلا يلومن إلا نفسه, فإنه المانع لنفسه, عن وصول فضل الله وبره. ثم أخبر عن عموم رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: " وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا " على أنك رسول الله حقا بما أيدك بنصره, والمعجزات الباهرة, والبراهين الساطعة, فهي أكبر شهادة على الإطلاق. كما قال تعالى: " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ". فإذا علم أن الله تعالى, كامل العلم, وتام القدرة, عظيم الحكمة, وقد أيد الله رسوله بما أيده, ونصره نصرا عظيما, تيقن بذلك, أنه رسول الله. وإلا فلو تقول عليه بعض الأقاويل, لأخذ منه باليمين, ثم لقطع منه الوتين.

"مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا "
أي: كل من أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه " فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ " تعالى, لكونه لا يأمر ولا ينهى, إلا بأمر الله, وشرعه, ووحيه وتنزيله. وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا. فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله, لم يأمر بطاعته مطلقا, ويمدح على ذلك. وهذا من الحقوق المشتركة, فإن الحقوق ثلاثة: حق الله تعالى, لا يكون لأحد من الخلق, وهو عبادة الله, والرغبة إليه, وتوابع ذلك. وقسم مختص بالرسول, وهو التعزيز, والتوقير, والنصرة. وقسم مشترك, وهو الإيمان بالله ورسوله, ومحبتهما وطاعتهما. كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله " لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ". فمن أطاع الرسول, فقد أطاع الله, وله من الثواب والخير, ما رتب على طاعة الله. " وَمَنْ تَوَلَّى " عن طاعة الله ورسوله, فإنه لا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئا. " فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا " أي: تحفظ أعمالهم, وأحوالهم, بل أرسلناك مبلغا ومبينا وناصحا. وقد أديت وظيفتك, ووجب أجرك على الله, سواء اهتدوا, أم لم يهتدوا. كما قال تعالى " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ " الآية.

"وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا "
ولا بد أن تكون طاعة الله ورسوله, ظاهرا وباطنا, في الحضرة والمغيب. فأما من يظهر في الحضرة, الطاعة والالتزام, فإذا خلا بنفسه, أو أبناء جنسه, ترك الطاعة, وأقبل على ضدها, فإن الطاعة التي أظهرها, غير نافعة ولا مفيدة, وقد أشبه من قال الله فيهم: " وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ " أي: يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك. " فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ " أي: خرجوا, وخلوا في حالة لا يطلع فيها عليهم. " بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ " أي: بيتوا ودبروا غير طاعتك ولا ثَمَّ إلا المعصية. وفي قوله " بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ " دليل على أن الأمر الذي استقروا عليه, غير الطاعة, لأن التبييت, تدبير الأمر ليلا, على وجه يستقر عليه الرأي. ثم توعدهم على ما فعلوا فقال: " وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ " أي: يحفظه عليهم, وسيجازيهم عليه أتم الجزاء, ففيه وعيد لهم. ثم أمر رسوله, بمقابلتهم بالإعراض, وعدم التعنيف, فإنهم لا يضرونه شيئا, إذا توكل على الله, واستعان به, في نصر دينه, وإقامة شرعه. ولهذا قال " فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ".

"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا "
يأمر تعالى بتدبر كتابه, وهو: التأمل في معانيه, وتحديق الفكر فيه, وفي مبادئه وعواقبه, ولوازم ذلك. فإن في تدبر كتاب الله مفتاحا للعلوم والمعارف, وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم. وبه يزداد الإيمان في القلب, وترسخ شجرته. فإنه يعرف بالرب المعبود, وما له من صفات الكمال; وما ينزه عنه من سمات النقص. ويعرف الطريق الموصلة إليه, وصفة أهلها, وما لهم عند القدوم عليه. ويعرف العدو, الذي هو العدو على الحقيقة; والطريق الموصلة إلى العذاب; وصفة أهلها; وما لهم عند وجود أسباب العقاب. وكلما ازداد العبد تأملا فيه, ازداد علما, وعملا, وبصيرة. ولذلك أمر الله بذلك, وحث عليه, وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن, كما قال تعالى: " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ". وقال تعالى " أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ". ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك, يصل العبد إلى درجة اليقين, والعلم بأنه كلام الله, لأنه يراه, يصدق بعضه بعضا, ويوافق بعضه بعضا. فترى الحكم والقصة والأخبار, تعاد في القرآن; في عدة مواضع, كلها متوافقة متصادقة, لا ينقض بعضها بعضا. فبذلك يعلم كمال القرآن, وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. فلذلك قال تعالى " وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ". أي: فلما كان من عند الله; لم يكن فيه اختلاف أصلا.

"وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا "
هذا تأديب من الله لعباده, عن فعلهم هذا, غير اللائق. وأنه ينبغي لهم, إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة, والمصالح العامة, ما يتعلق بالأمن, وسرور المؤمنين, أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم, أن يتثبتوا, ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر. بل يردونه إلى الرسول, وإلى أولي الأمر منهم, أهل الرأي, والعلم والنصح, والعقل, والرزانة, الذين يعرفون الأمور, ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين, وسرورا لهم, وتحرزا من أعدائهم, فعلوا ذلك. وإن رأوا ما فيه مصلحة, أو فيه مصلحة, ولكن مضرته تزيد على مصلحته, لم يذيعوه. ولهذا قال " لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ " أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة, وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية, وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور, ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك, ويجعل إلى أهله, ولا يتقدم بين أيديهم, فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع, لنشر الأمور, من حين سماعها. والأمر بالتأمل قبل الكلام, والنظر فيه, هل هو مصلحة, فيُقْدِم عليه الإنسان, أم لا؟ فيحجم عنه؟ ثم قال تعالى: " وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ " أي في توفيقكم, وتأديبكم, وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون. " لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا " لأن الإنسان بطبعه, ظالم جاهل, فلا تأمره نفسه إلا بالشر. فإذا لجأ إلى ربه, واعتصم به, واجتهد في ذلك, لطف به ربه, ووفقه لكل خير, وعصمه من الشيطان الرجيم.

"فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا "
هذه الحالة, أفضل أحوال العبد, أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله, من الجهاد وغيره, ويحرض غيره عليه. وقد يعدم في العبد, الأمران أو أحدهما, فلهذا قال لرسوله: " فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ " أي: ليس لك قدرة على غير نفسك, فلن تكلف بفعل غيرك. " وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ " على القتال, وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين, وقوة قلوبهم, من تقويتهم, والإخبار بضعف الأعداء, وفشلهم, وبما أُعد للمقاتلين من الثواب, وما على المتخلفين من العقاب. فهذا وأمثاله, كله يدخل في التحريض على القتال. " عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا " أي: بقتالكم في سبيل الله, وتحريض بعضكم بعضا. " وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا " أي: قوة وعزة " وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا " بالمذنب في نفسه, وتنكيلا لغيره, فلو شاء تعالى, لانتصر من الكفار بقوته, ولم يجعل لهم باقية. ولكن - من حكمته - يبلو بعض عباده ببعض, ليقوم سوق الجهاد, ويحصل الإيمان النافع, إيمان الاختيار, لا إيمان الاضطرار والقهر, الذي لا يفيد شيئا.

"مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا "
المراد بالشفاعة هنا: المعاونة على أمر من الأمور. فمن شفع غيره, وقام معه على أمر من أمور الخير - ومنه الشفاعة للمظلومين لمن ظلمهم - كان له نصيب من شفاعته, بحسب سعيه وعمله, ونفعه, ولا ينقص من أجر الأصيل أو المباشر, شيء. ومن عاون غيره على أمر من الشر, كان عليه كفل من الإثم بحسب ما قام به وعاون عليه. ففي هذا, الحث العظيم على التعاون على البر والتقوى, والزجر العظيم, عن التعاون على الإثم والعدوان. وقرر ذلك بقوله: " وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا " أي: شاهدا حفيظا, حسيبا على هذه الأعمال, فيجازي كُلًّا, ما يستحقه.

"وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا "
التحية هي: اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين, على وجه الإكرام والدعاء, وما يقترن بذلك اللفظ, من البشاشة ونحوها. وأعلى أنواع التحية, ما ورد به الشرع, من السلام ابتداء وردًّا. فأمر تعالى, المؤمنين أنهم, إذا حُيّوا بأي تحية كانت, أن يردوها بأحسن منها, لفظا, وبشاشة, أو مثلها في ذلك. ومفهوم ذلك, النهي عن عدم الرد بالكلية, أو ردها بدونها. ويؤخذ من الآية الكريمة, الحث على ابتداء السلام والتحية, من وجهين: أحدهما: أن الله أمر بردها, بأحسن منها, أو مثلها, وذلك يستلزم أن التحية, مطلوبة شرعا. والثاني: ما يستفاد من أفعل التفضيل, وهو "أحسن" الدال على مشاركة التحية وردها, بالحسن, كما هو الأصل في ذلك. ويستثنى من عموم الآية الكريمة, من حيا بحال غير مأمور بها, كـ "على مشتغل بقراءة, أو استماع خطبة, أو مصل ونحو ذلك" فإنه لا يطلب إجابة تحيته. وكذلك يستثنى من ذلك, من أمر الشارع بهجره, وعدم تحيته, وهو العاصي غير التائب, الذي يرتدع بالهجر, فإنه يهجر, ولا يحيا, ولا ترد تحيته, وذلك لمعارضة المصلحة الكبرى. ويدخل في رد التحية, كل تحية اعتادها الناس, وهي غير محظورة شرعا, فإنه مأمور بردها وبأحسن منها. ثم وعد تعالى وتوعد, على فعل الحسنات والسيئات بقوله " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا " فيحفظ على العباد, أعمالهم, حسنها, وسيئها, صغيرها, وكبيرها, ثم يجازيهم بما اقتضاه فضله وعدله, وحكمه المحمود.

"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا "
يخبر تعالى, عن انفراده بالوحدانية, وأنه لا معبود ولا مألوه إلا هو, لكماله في ذاته وأوصافه, ولكونه المنفرد بالخلق والتدبير, والنعم الظاهرة والباطنة. وذلك يستلزم الأمر بعبادته, والتقرب إليه بجميع أنواع العبودية. لكونه المستحق لذلك وحده, والمجازي للعباد, بما قاموا به من عبوديته, أو تركوه منها. ولذلك أقسم على وقوع محل الجزاء - وهو يوم القيامة - فقال: " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " أي: أولكم وآخِركم, في مقام واحد. " إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ " أي: لا شك ولا شبهة, بوجه من الوجوه, بالدليل العقلي, والدليل السمعي. فالدليل العقلي, ما نشاهده من إحياء الأرض بعد موتها, ومن وجود النشأة الأولى, التي وقوع الثانية, أَوْلى منها بالإمكان. ومن الحكمة التي يجزم, بأن الله لم يخلق خلقه عبثا, يحيون ثم يموتون. وأما الدليل السمعي, فهو إخبار أصدق الصادقين بذلك, بل إقسامه عليه, ولهذا قال: " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ". كذلك أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم عليه في غير موضع من القرآن, كقوله تعالى: " زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ". وفي قوله " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ", " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا " إخبار بأن حديثه وأخباره, وأقواله في أعلى مراتب الصدق, بل أعلاها. فكل ما قيل في العقائد والعلوم والأعمال, مما يناقض ما أخبر الله به, فهو باطل, لمناقضته للخبر الصادق اليقين, فلا يمكن أن يكون حقا.

"فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا "
المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون إسلامهم, ولم يهاجروا مع كفرهم. وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم, فيهم اشتباه. فبعضهم تحرج عن قتالهم, وقطع موالاتهم, بسبب ما أظهروه من الإيمان. وبعضهم علم أحوالهم, بقرائن أفعالهم, فحكم بكفرهم.

"وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا "
فأخبر عنه تعالى, أنه لا ينبغي لكم, أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا. بل أمرهم واضح غير مشكل, إنهم منافقون, قد تكرر كفرهم, وودوا - مع ذلك - كفركم, وأن تكونوا مثلهم. فإذا تحققتم ذلك منهم " فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ". وهذا يستلزم عدم محبتهم, لأن الولاية فرع المحبة. ويستلزم أيضا, بغضهم, وعداوتهم, لأن النهي عن الشيء, أمر بضده. وهذا الأمر موقت, بهجرتهم. فإذا هاجروا, جرى عليهم, ما جرى على المسلمين, كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري أحكام الإسلام على كل من كان معه, وهاجر إليه, سواء كان مؤمنا حقيقة, أو ظاهر الإيمان. وأنهم إن لم يهاجروا, وتولوا عنها " فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " أي: في أي وقت, وأي محل كان. وهذا من جملة الأدلة الدالة, على نسخ القتال في الأشهر الحرم, كما هو قول جمهور العلماء. والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة, محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم.

"إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا "
ثم إن الله, استثنى من قتال هؤلاء المنافقين, ثلاث فرق: فرقتين أمر بتركهم, وحتم على ذلك. إحداهما, من يصل إلى قوم, بينهم وبين المسلمين, عهد وميثاق بترك القتال, فينضم إليهم, فيكون له حكمهم, في حقن الدم والمال. والفرقة الثانية قوم " حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ". أي: بقوا, لا تسمح أنفسهم بقتالكم, ولا قتال قومهم, وأحبوا ترك قتال الفريقين. فهؤلاء أيضا, أمر بتركهم, وذكر الحكمة في ذلك بقوله: " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ " فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا معكم, ويقاتلوا أعداءكم: وهذا متعذر من هؤلاء. فدار الأمر, بين قتالكم مع قومهم, وبين ترك قتال الفريقين, وهو أهون الأمرين عليكم, والله قادر على تسليطهم عليكم. فاقبلوا العافية, واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم, مع التمكن من ذلك. فـهؤلاء إن " اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ".

"سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا "
الفرقة الثالثة: قوم يريدون مصلحة أنفسهم, بقطع النظر عن احترامكم. وهم الذين قال الله فيهم " سَتَجِدُونَ آخَرِينَ " أي: من هؤلاء المنافقين. " يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ " أي: خوفا منكم " وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا " أي: لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم. وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن, أعماهم, ونكسهم على رءوسهم, وازداد كفرهم ونفاقهم. وهؤلاء في الصورة - كالفرقة الثانية, وفي الحقيقة, مخالفة لها. فإن الفرقة الثانية, تركوا قتال المؤمنين, احتراما لهم, لا خوفا على أنفسهم. وأما هذه الفرقة, فتركوه خوفا, لا احتراما. بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين, فإنهم سيقدمون لانتهازها. فهؤلاء إن لم يتبين منهم, ويتضح اتضاحا عظيما, اعتزال المؤمنين وترك قتالهم, فإنهم يقاتلون. ولهذا قال " فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ " أي المسالمة والموادعة. " وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا " أي: حجة بينة واضحة, لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة, فلا يلوموا إلا أنفسهم.

"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا "
وهذه الصيغة من صيغ الامتناع. أي: يمتنع ويستحيل, أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن أي: متعمدا. وفي هذا, الإخبار بشدة تحريمه, وأنه مناف للإيمان, أشد منافاة. وإنما يصدر ذلك, إما من كافر, أو من فاسق, قد نقص إيمانه نقصا عظيما, ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك. فإن الإيمان الصحيح, يمنع المؤمن من قتل أخيه, الذي قد عقد الله بينه وبينه, الأخوة الإيمانية, التي من مقتضاها, محبته وموالاته, وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى, وأي أذى أشد من القتل؟. وهذا يصدق قوله صلى الله عليه وسلم "لا ترجعوا بعدي كفارا, يضرب بعضكم رقاب بعض". فعل أن القتل من الكفر العملي, وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله. ولما كان قوله " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا " لفظا عاما, لجميع الأحوال, وأنه لا يصدر منه قتل أخيه, لوجه من الوجوه, استثنى تعالى قتل الخطأ فقال: " إِلَّا خَطَأً " فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل, غير آثم, ولا مجترئ على محارم الله. ولكنه لما كان قد فعل فعلا شنيعا, وصورته كافية في قبحه, وإن لم يقصده - أمر تعالى بالكفارة والدية فقال " وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً " سواء كان القاتل ذكرا أو أنثى, حرا أو عبدا, صغيرا أو كبيرا, عاقلا أو مجنونا, مسلما أو كافرا, كما يفيده لفظ "مَنْ" الدالة على العموم, وهذا من أسرار الإتيان بـ "مَنْ" في هذا الموضع. فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول فإن قتله, ولكن هذا لفظ, لا يشمل ما شمله "مَنْ". وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى, صغيرا أو كبيرا, كما يفيده التنكير في سياق الشرط. فإن على القاتل [تحرير رقبة مؤمنة] كفارة لذلك, تكون في ماله, ويشمل ذلك الصغير والكبير, والذكر والأنثى, والصحيح والمعيب, في قول بعض العلماء. ولكن الحكمة, تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة. لأن المقصود بالعتق, نفع العتيق, وملكه منافع نفسه. فإذا كان يضيع بعتقه, وبقاؤه في الرق أنفع له, فإنه لا يجزئ عتقه. مع أن في قوله "تحرير رقبة" ما يدل على ذلك. فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره, أن تكون له. فإذا لم يكن فيه منافع, لم يتصور وجود التحرير. فتأمل ذلك, فإنه واضح. وأما الدية, فإنها تجب على عاقلة القاتل, في الخطإ, وشبه العمد. " مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ " جبرا لقلوبهم. والمراد بأهله هنا, هم ورثته, فإن الورثة يرثون ما ترك الميت. فالدية داخلة فيما ترك, وللذرية تفاصيل كثيرة, مذكورة في كتب الفقه. وقوله " إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا " أي يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية, فإنها تسقط. وفي ذلك حث لهم على العفو, لأن الله سماها صدقة, والصدقة مطلوبة في كل وقت. " فَإِنْ كَانَ " المقتول " مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ " أي: من كفار حربيين " وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " أي: وليس عليكم لأهله دية, لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم. " وَإِنْ كَانَ " المقتول " مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق. " فَمَنْ لَمْ يَجِدْ " رقبة ولا ثمنها, بأن كان معسرا بذلك, ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية, شيء يفي بالرقبة. " فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ " أي: لا يفطر بينهما من غير عذر. فإن أفطر لعذر, فإن العذر لا يقطع التتابع, كالمرض, والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر, انقطع التتابع, ووجب عليه استئناف الصوم. " تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ " أي هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل, توبة من الله على عباده, ورحمة بهم, وتكفيرا لما عساه أن يحصل منهم, من تقصير, وعدم احتراز, كما هو الواقع كثيرا للقاتل خطأ. " وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " أي: كامل العلم, كامل الحكمة, لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء, ولا أصغر من ذلك, ولا أكبر, في أي وقت كان, وأي محل كان. ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع, شيء. بل كل ما خلقه وشرعه, فهو متضمن لغاية الحكمة. ومن علمه وحكمته, أن أوجب على القاتل, كفارة مناسبة لما صدر منه. فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة, وأخرجها من الوجود إلى العدم. فناسب أن يعتق رقبة, ويخرجها من رق العبودية للخلق, إلى الحرية التامة. فإن لم يجد هذه الرقبة, صام شهرين متتابعين. فأخرج نفسه من رق الشهوات, واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية, إلى التعبد لله تعالى بتركها, تقربا إلى الله. ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها, ووجوب التتابع فيها, ولم يشرع الإطعام, في هذه المواضع, لعدم المناسبة. بخلاف الظهار, كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن حكمته, أن أوجب في القتل, الدية, ولو كان خطأ, لتكون رادعة, وكافة عن كثير من القتل, باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك ومن حكمته أن أوجبت غلى العاقلة في قتل الخطإ, بإجماع العلماء, لكون القاتل, لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة. فناسب أن يقوم بذلك, من بينه وبينهم, المعاونة, والمناصرة, والمساعدة على تحصيل المصالح, وكف المفاسد. ولعل ذلك من أسباب منعهم, لمن يعقلون عنه من القتل, حذار تحميلهم. ويخف عليهم بسبب توزيعه عليهم, بقدر أحوالهم وطاقتهم. وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين. ومن حكمته وعلمه, أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم, بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل.

"وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا "
تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن, وأن القتل من الكفر العملي. وذكر هنا, وعيد القاتل عمدا, وعيدا ترجف له القلوب, وتنصدع له الأفئدة, وينزعج منه أولو العقول. فلم يرد في أنواع الكبائر, أعظم من هذا الوعيد, بل ولا مثله. ألا: وهو الإخبار, بأن جزاءه جهنم. أي: فهذا الذنب العظيم, قد انتهض وحده, أن يجازى صاحبه بجهنم, بما فيها من العذاب العظيم, والخزي المهين, وسخط الجبار وفوات الفوز والفلاح, وحصول الخيبة والخسار. فعياذا بالله, من كل سبب يبعد عن رحمته. وهذا الوعيد, له حكم أمثاله من نصوص الوعيد, على بعض الكبائر والمعاصي, بالخلود في النار, أو حرمان الجنة. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله, في تأويلها, مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة, الذين يخلدونهم في النار, ولو كانوا موحدين. والصواب في تأويلها, ما قاله الإمام المحقق "شمس الدين ابن القيم رحمه الله في "المدارج" فإنه قال - بعد ما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها فقال: وقالت فرقة: إن هذه النصوص وأمثالها, مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة, ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده, فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. وغاية هذه النصوص, الإعلام بأن كذا, سبب للعقوبة ومقتض لها. وقد قام الدليل على ذكر الموانع, فبعضها بالإجماع, وبعضها بالنص. فالتوبة, مانع بالإجماع. والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة, التي لا مدفع لها. والحسنات العظيمة الماحية, مانعة. والمصائب الكبار المكفرة, مانعة. وإقامة الحدود في الدنيا, مانع بالنص. ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص, فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات, اعتبارا لمقتضي العقاب ومانعه, وإعمالا لأرجحها. قالوا: وعلى هذا, بناء مصالح الدارين ومفاسدهما. وعلى هذا, بناء الأحكام الشرعية, والأحكام القدرية, وهو مقتضي الحكمة السارية في الوجود, وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها, خلقا وأمرا. وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه, ويقاومه, ويكون الحكم للأغلب منهما. فالقوة, مقتضية للصحة والعافية. وفساد الأخلاق وبغيها, مانع من عمل الطبيعة. وفعل القوة, والحكم, للغالب منهما وكذلك قوى الأدوية والأمراض. والعبد يكون فيه مقتض للصحة, ومقتض للعطب. وأحدهما, يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه. فإذا ترجح عليه وقهره, كان التأثير له. ومن هنا يعلم, انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة, ولا يدخل النار, وعكسه. ومن يدخل النار ثم يخرج منها, ويكون مكثه فيها, بحسب ما فيه من مقتضي المكث, في سرعة الخروج, وبطئه. ومن له بصيرة منورة, يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه, من أمر المعاد وتفاصيله, حتى كأنه يشاهده رأي العين. ويعلم أن هذا مقتضي إلهيته سبحانه, وربوبيته, وعزته, وحكمته, وأنه مستحيل عليه خلاف ذلك. ونسبة ذلك إليه, نسبة ما لا يليق به إليه. فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته, كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره. وهذا يقين الإيمان, وهو الذي يحرق السيئات, كما تحرق النار الحطب. وصاحب هذا المقام من الإيمان, يستحيل إصراره على السيئات. وإن وقعت منه وكثرت, فإن ما معه من نور الإيمان, يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في عدد أنفاسه, وهذا من أحب الخلق إلى الله. انتهى كلامه, قدس الله روحه, وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا "
يأمر تعالى عباده المؤمنين, إذا خرجوا جهادا في سبيله, وابتغاء مرضاته - أن يتبينوا, ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البيِّنة, لا تحتاج إلى تثبت وتبين, لأن ذلك, تحصيل حاصل وأما الأمور المشكلة غير الواضحة, فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين, هل يقدم عليها أم لا؟. فإن التثبت في هذه الأمور, يحصل فيه من الفوائد الكثيرة, والكف عن شرور عظيمة, فإن به يعرف دين العبد, وعقله, ورزانته. بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها, قبل أن يتبين له حكمها, فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي. كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية, لمَّا لم يتثبتوا, وقتلوا من سلم عليهم, وكان معه غنيمة له أو مال غيره, ظنا أنه يستكفي بذلك قتلهم, وكان هذا خطأ في نفس الأمر, فلهذا عاتبهم بقوله: " وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ". أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل, على ارتكاب ما لا ينبغي, فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي, فما عند الله خير وأبقى. وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له, إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى, وهي مضرة له - أن يُذَكِّرها, ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها, وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه, فإن في ذلك ترغيبا للنفس, في امتثال أمر الله, وإن شق ذلك عليها. ثم قال تعالى - مذكرا لهم بحالهم الأولى, قبل هدايتهم إلى الإسلام. " كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ " أي: فكما هداكم بعد ضلالكم, فكذلك يهدي غيركم. وكما أن الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا, فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة, ومعاملته لمن كان على مثلها, بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى, ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه. ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال " فَتَبَيَّنُوا ". فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله, ومجاهدة أعداء الله, واستعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم, مأمورا بالتبين لمن ألقى إليه السلام, وكانت القرينة قوية, في أنه إنما سلم تعوذا من القتل, وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت, في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه, فيتثبت فيها العبد, حتى يتضح له الأمر, ويتبين الرشد والصواب. " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " فيجازي كُلًّا, ما عمله ونواه, بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.

"لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا "
أي: لا يستوي من جاهد من المؤمنين, بنفسه وماله, ومن لم يخرج للجهاد, ولم يقاتل أعداء الله. ففيه الحث على الخروج للجهاد, والترغيب في ذلك, والترهيب من التكاسل, والقعود عنه, من غير عذر. وأما أهل الضرر, كالمريض, والأعمى, والأعرج, والذي لا يجد ما يتجهز به, فإنهم ليسوا بمنزلة القاعدين, من غير عذر. فمن كان من أولي الضرر, راضيا بقعوده, لا ينوي الخروج في سبيل الله, لولا وجود المانع, ولا يُحَدِّث نفسه بذلك, فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر. ومن كان عازما على الخروج في سبيل الله, لولا وجود المانع, يتمنى ذلك, ويُحَدِّث به نفسه, فإنه بمنزلة من خرج للجهاد. لأن النية الجازمة, إذا اقترن بها مقدورها, من القول, أو الفعل - ينزل صاحبها منزلة الفاعل. ثم صرح تعالى, بتفضيل المجاهدين على القاعدين, بالدرجة أي: الرفعة, وهذا تفضيل على وجه الإجمال. ثم صرح بذلك على وجه التفصيل, ووعدهم بالمغفرة الصادرة من ربهم والرحمة التي تشتمل على حصول كل خير, واندفاع كل شر. والدرجات التي فصلها النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث الثابت عنه في الصحيحين, أن في الجنة مائة درجة, ما بين كل درجتين, كما بين السماء والأرض, أعدها الله للمجاهدين في سبيله. وهذا الثواب, الذي رتبه الله على الجهاد, نظير الذي في سورة الصف في قوله: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " إلى آخر السورة. وتأمل حسن هذا الانتقال, من حالة إلى أعلى منها. فإنه نفى التسوية أولا, بين المجاهد وغيره. ثم صرح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة. ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة, والرحمة, والدرجات. وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل, والمدح, أو النزول من حالة إلى ما دونها, عند القدح والذم - أحسن لفظا, وأوقع في النفس. وكذلك إذا فضل تعالى, شيئا على شيء, وكل منهما له فضل, احترز بذكر الفضل الجامع للأمرين, لئلا يتوهم أحد, ذم المفضل عليه كما قال هنا " وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ". وكما قال تعالى في الآيات المذكورة في الصف في قوله: " وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ " وكما في قوله تعالى " لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ". أي: ممن لم يكن كذلك. ثم قال: " وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ". وكما قال تعالى " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ". فينبغي لمن يبحث في التفضيل بين الأشخاص, والطوائف, والأعمال, أن يفطن لهذه النكتة. وكذلك لو تكلم في ذم الأشخاص والمقالات, ذكر ما تجتمع فيه, عند تفضيل بعضها على بعض, لئلا يتوهم أن المفضَّل, قد حصل له الكمال. كما إذا قيل: النصارى خير من المجوس, فليقل - مع ذلك - وكل منهما كافر. والقتل أشنع من الزنا, وكل منهما معصية كبيرة, حرمها الله ورسوله وزجر عنها.

"دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا "
ولما وعد المجاهدين بالمغفرة والرحمة الصادرَيْن عن اسميه الكريمين " الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " ختم هذا الآية بهما فقال " وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ".

"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا "
هذا الوعيد الشديد, لمن ترك الهجرة, مع قدرته عليها, حتى مات. فإن الملائكة الذين يقبضون روحه, يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم, ويقولون لهم " فِيمَ كُنْتُمْ " أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم, وربما ظاهرتموهم على المؤمنين, وفاتكم الخير الكثير, والجهاد مع رسوله, والكون مع المسلمين ومعاونتهم على أعدائهم. " قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ " أي: ضعفاء مقهورين مظلومين, ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك, لأن الله وبخهم, وتوعدهم, ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. واستثنى المستضعفين حقيقة, ولهذا قالت لهم الملائكة " أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا " وهذا استفهام تقرير, أي: قد تقرر عند كل أحد, أن أرض الله واسعة. فحيثما كان العبد في محل, لا يتمكن فيه من إظهار دينه, فإن له متسعا وفسحة من الأرض, يتمكن فيها من عبادة الله كما قال تعالى: " يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ". قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم " فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا " وهذا كما تقدم, فيه ذكر بيان السبب الموجِب, فقد يترتب عليه, مقتضاه, مع اجتماع شروطه, وانتفاء موانعه, وقد يمنع من ذلك مانع. وفي الآية دليل على أن الهجرة, من أكبر الواجبات, وتركها, من المحرمات, بل من أكبر الكبائر. وفي الآية دليل على أن كل من توفي, فقد استكمل واستوفى, ما قدر له من الرزق, والأجل, والعمل, وذلك مأخوذ من لفظ "التوفي" فإنه يدل على ذلك. لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك, لم يكن متوفيا. وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم, لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم, على وجه التقرير والاستحسان منهم, وموافقته لمحله.

"إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا "
ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة, الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه فقال: " وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ".

"فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا "
فهؤلاء قال الله فيهم: " فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ". و "عسى" ونحوها, واجب وقوعها من الله تعالى, بمقتضى كرمه وإحسانه. وفي الترجية بالثواب, لمن عمل بعض الأعمال, فائدة. وهو أنه قد لا يوفيه حق توفيته, ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي. بل يكون مقصرا, فلا يستحق ذلك الثواب. والله أعلم. وفي الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن المأمور, من واجب وغيره, فإنه معذور, كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد: " لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ". وقال في عموم الأوامر " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر, فأتوا منه ما استطعتم". ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده, وانسدت عليه أبواب الحيل لقوله: " لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ". وفي الآية تنبيه على أن الدليل في الحج والعمرة, ونحوهما - مما يحتاج إلى سفر - من شروط الاستطاعة.

"وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا "
هذا في بيان الحث على الهجرة, والترغيب, وبيان ما فيها من المصالح, فوعد الصادق في وعده, أن من هاجر في سبيله, ابتغاء مرضاته, أنه يجد مراغما في الأرض وسعة, فالمراغم مشتمل على مصالح الدين والسعة على مصالح الدنيا. وذلك أن كثيرا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتا بعد الألفة, وفقرا بعد الغنى, وذلك بعد العز, وشدة بعد الرخاء. والأمر ليس كذلك, فإن المؤمن, ما دام بين أظهر المشركين, فدينه في غاية النقص, لا في العبادات القاصرة عليه, كالصلاة ونحوها, ولا في العبادات المتعدية, كالجهاد بالقول والفعل, وتوابع ذلك, لعدم تمكنه من من ذلك, وهو بصدد أن يفتن عن دينه, خصوصا, إن كان مستضعفا. فإذا هاجر في سبيل الله, تمكن من إقامة دين الله, وجهاد أعداء الله, ومراغمتهم. فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله, من قول وفعل. وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه, وقد وقع كما أخبر الله تعالى. واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم, فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم, وأولادهم, وأموالهم لله, كمل بذلك إيمانهم, وحصل لهم من الإيمان التام, والجهاد العظيم, والنصر لدين الله, ما كانوا به أئمة لمن بعدهم. وكذلك حصل لهم, ما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم, ما كانوا به أغنى الناس. وهكذا كل من فعل فعلهم, يحصل لهم ما حصل لهم, إلى يوم القيامة. ثم قال " وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ " أي: قاصدا ربه, ورضاه, ومحبته لرسوله, ونصرا لدين الله, لا لغير ذلك من المقاصد. " ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ " بقتل أو غيره. " فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " أي: فقد حصل له أجر المهاجر, الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى. وذلك, لأنه نوى وجزم, وحصل منه ابتداء, وشروع في العمل. فمن رحمة الله به وبأمثاله, أن أعطاهم أجرهم كاملا, ولو لم يكملوا العمل وغفر لهم, ما حصل منهم من التقصير في الهجرة وغيرها. ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: " وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " يغفر للمؤمنين, ما اقترفوه من الخطيئات, خصوصا, التائبين المنيبين إلى ربهم. " رَحِيمًا " بجميع الخلق, رحمة أوجدتهم وعافتهم, ورزقتهم من المال والبنين والقوة, وغير ذلك. رحيما بالمؤمنين, حيث وفقهم للإيمان, وعلمهم من العلم, ما يحصل به الإيقان, ويسر لهم أسباب السعادة والفلاح, وما به يدركون غاية الأرباح. وسيرون من رحمته وكرمه, ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. فنسأل الله, أن لا يحرمنا خيره, بشر ما عندنا.

"وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا "
هاتان الآيتان, أصل في رخصة القصر, وصلاة الخوف. يقول تعالى " وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ " أي: في السفر, وظاهر الآية, أنه يقتضي الترخيص في أي سفر كان, ولو كان سفر معصية, كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله, وخالف في ذلك الجمهور, وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم, فلم يجوزوا الترخيص في سفر المعصية, تخصيصا للآية بالمعنى والمناسبة, فإن الرخصة سهولة من الله لعباده, إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا. والعاصي بسفره, لا يناسب حاله التخفيف. وقوله " فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ " أي: لا حرج ولا إثم عليكم في ذلك. ولا ينافي ذلك, كون القصر هو الأفضل, لأن نفي الحرج, إزالة لبعض الوهم الواقع في كثير من النفوس. بل ولا ينافي الوجوب, كما تقدم ذلك في سورة البقرة, في قوله " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " إلى آخر الآية. وإزالة الوهم في هذا الموضع ظاهرة, لأن الصلاة قد تقرر عند المسلمين, وجوبها على هذه الصفة التامة, ولا يزيل هذا عن نفوس أكثرهم, إلا بذكر ما ينافيه. ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران. أحدهما: ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم على القصر في جميع أسفاره. والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد. والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه, كما يكره أن تؤتى معصيته. وقوله " أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ " ولم يقل أن تقصروا الصلاة, فيه فائدتان. إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة, لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود. فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة, وجعلها ركعة واحدة, لأجزأه. فإتيانه بقوله " مِنَ الصَّلَاةِ " ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط, مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. الثانية أن "من" تفيد التبعيض, ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات, لا جميعها. فإن الفجر والمغرب, لا يقصران, وإنما الذي يقصر, الصلاة الرباعية من أربع, إلى ركعتين. فإذا تقرر أن القصر في السفر, رخصة, فاعلم أن المفسرين قد اختلفوا في هذا القيد, وهو قوله: " إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا " الذي يدل ظاهره, أن القصر لا يجوز إلا بوجود الأمرين كليهما, السفر مع الخوف. ويرجع حاصل اختلافهم إلى أنه هل المراد بقوله " أَنْ تَقْصُرُوا " قصر العدد فقط؟ أو قصر العدد والصفة؟ فالإشكال, إنما يكون على الوجه الأول. وقد أشكل هذا على أمير المؤمنين, عمر بن الخطاب رضي الله عنه, حتى سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله, ما لنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟ أي والله يقول " إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم, فاقبلوا صدقته" أو كما قال. فعلى هذا يكون هذا القيد أتى به, نظرا لغالب الحال, التي كان النبي صلى الله عليه وسلم, وأصحابه عليها. فإن غالب أسفاره أسفار جهاد. وفيه فائدة أخرى, وهي بيان الحكمة والمصلحة, في مشروعية رخصة القصر. فبين في هذه الآية أنهى ما يتصور من المشقة المناسبة للرخصة, وهي اجتماع السفر والخوف. ولا يستلزم ذلك أن لا يقصر مع السفر وحده, الذي هو مظنة المشقة. وأما على الوجه الثاني, وهو أن المراد بالقصر: قصر العدد والصفة, فإن القيد على بابه. فإذا وجد السفر والخوف جاز قصر العدد, وقصر الصفة. وإذا وجد السفر وحده, جاز قصر العدد فقط. أو الخوف وحده, جاز قصر الصفة.

"وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا "
ولذلك أتى بصفة صلاة الخوف بعدها بقوله " وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ " أي: صليت بهم صلاة تقيمها, وتتم ما يجب فيها, ويلزم فعلهم ما ينبغي لك ولهم, فعله. ثم فسر ذلك بقوله " فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ " أي: وطائفة قائمة بإزاء العدو, كما يدل على ذلك ما يأتي: " فَإِذَا سَجَدُوا " أي: الذين معك أي: أكملوا صلاتهم, وعبر عن الصلاة بالسجود, ليدل على فضل السجود, وأنه ركن من أركانها, بل هو أعظم أركانها. " فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا " وهم الطائفة الذين قاموا إزاء العدو " فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ". ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى, منتظرا للطائفة الثانية, فإذا حضروا صلى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم, حتى يكملوا صلاتهم, ثم يسلم بهم, وهذا أحد الوجوه في صلاة الخوف. فإنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة, كلها جائزة. وهذه الآية, تدل على أن صلاة الجماعة, فرض عين من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة, وقت اشتداد الخوف من الأعداء, وحذر مهاجمتهم. فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة, فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن, من باب أَوْلَى وأحرى. والثاني: أن المصلين صلاة الخوف, يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم, ويعفى فيها, عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها, وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة, لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب. فلولا وجوب الجماعة, لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها. وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل, أن يصلوا بإمام واحد. ولو تضمن ذلك الإخلال بشيء, لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة, وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين, واتفاقهم, وعدم تفرق كلمتهم, وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم. وأمر تعالى, بأخذ السلاح, والحذر في صلاة الخوف. وهذا, وإن كان فيه حركة, واشتغال عن بعض أحوال الصلاة, فإن فيه مصلحة راجحة, وهو الجمع بين الصلاة والجهاد, والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص, على الإيقاع بالمسلمين, والميل عليهم وعلى أمتعتهم ولهذا قال تعالى: " وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ". ثم إن الله عذر من له عذر, من مرض, أو مطر, أن يضع سلاحه, ولكن مع أخذ الحذر فقال: " وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ". ومن العذاب المهين, ما أمر الله به حزبه المؤمنين, وأنصار دينه الموحدين, من قتلهم وقتالهم, حيثما ثقفوهم, ويأخذوهم, ويحصروهم, ويقعدوا لهم كل مرصد, ويحذروهم في جميع الأحوال, ولا يغفلوا عنهم, خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم. فلله أعظم حمد وثناء, على ما مَنَّ به على المؤمنين, وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه, التي لو سلكوها على وجه الكمال, لم تهزم لهم راية, ولم يظهر عليهم عدو, في وقت من الأوقات. وقوله " فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ " يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى في السلام, لأنه أولا, ذكر أن الطائفة تقوم معه, فأخبر عن مصاحبتهم له. ثم أضاف الفعل بعد, إليهم دون الرسول, فدل ذلك على ما ذكرناه. وفي قوله " وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ " دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا. وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة, في ركعتهم الأولى, وحكما في ركعتهم الأخيرة. فيستلزم ذلك, انتظار الإمام إياهم, حتى يكملوا صلاتهم. ثم يسلم بهم, وهذا ظاهر للمتأمل.

"فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا "
أي: فإذا فرغتم من صلاتكم, صلاة الخوف وغيرها, فاذكروا الله في جميع أحوالكم وهيئاتكم. ولكن خصت صلاة الخوف بذلك لفوائد. منها: أن القلب صلاحه وفلاحه, وسعادته, بالإنابة إلى الله تعالى, في المحبة, وامتلاء القلب من ذكره, والثناء عليه. وأعظم ما يحصل به هذا المقصود, الصلاة, التي حقيقتها: أنها صلة بين العبد وبين ربه. ومنها: أن فيها من حقائق الإيمان, ومعارف الإيقان, ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة. ومن المعلوم أن صلاة الخوف, لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة, بسبب اشتغال القلب, والبدن, والخوف, فأمر بجبرها بالذكر بعدها. ومنها: أن الخوف, يوجب قلق القلب وخوفه, وهو مظنة لضعفه. وإذا ضعف القلب, ضعف البدن عن مقاومة العدو. والذكر لله والإكثار منه من أعظم مقويات القلب. ومنها: أن الذكر لله تعالى - مع الصبر والثبات - سبب للفلاح والظفر بالأعداء. كما قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ". فأمر بالإكثار منه في هذه الحال, إلى غير ذلك من الحِكَم. وقوله " فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ " أي: إذا أمنتم من الخوف, واطمأنت قلوبكم وأبدانكم, فأقيموا صلاتكم على الوجه الأكمل, ظاهرا وباطنا, بأركانها وشروطها, وخشوعها, وسائر مكملاتها. " إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا " أي: مفروضا في وقته. فدل ذلك على فرضيتها, وأن لها وقتا, لا تصح إلا به, وهو هذه الأوقات, التي قد تقررت عند المسلمين, صغيرهم, وكبيرهم, عالمهم وجاهلهم, وأخذوا ذلك عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ودل قوله " عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " على أن الصلاة ميزان الإيمان, وعلى حسب إيمان العبد, تكون صلاته, وتتم وتكمل. ويدل ذلك, على أن الكفار - وإن كانوا ملتزمين لأحكام المسلمين كأهل الذمة - أنهم لا يخاطبون بفروع الدين كالصلاة, ولا يؤمرون بها, بل ولا تصح منهم, ما داموا على كفرهم, وإن كانوا يعاقبون عليها, وعلى سائر الأحكام, في الآخرة.

"وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا "
أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا, في ابتغاء عدوكم من الكفار, أي: في جهادهم, والمرابطة على ذلك فإن وَهَن القلب, مستدع لوَهَن البدن, وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء, نشيطين في قتالهم. ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين, فذكر شيئين. الأول: أن ما يصيبكم من الألم, والتعب, والجراح ونحو ذلك, فإنه يصيب أعداءكم. فليس من المروءة الإنسانية, والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم, وأنتم وهم, وقد تساويتم فيما يوجب ذلك. لأن العادة الجارية, أن لا يضعف, إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام. لا من يدال له مرة, ويدال عليه أخرى. الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون. فترجون الفوز بثوابه, والنجاة من عقابه. بل خواص المؤمنين, لهم مقاصد عالية, وآمال رفيعة, من نصر دين الله, وإقامة شرعه, واتساع دائرة الإسلام, وهداية الضالين, وقمع أعداء الدين. فهذه الأمور, توجب للمؤمن المصدق, زيادة القوة, وتضاعف النشاط, والشجاعة التامة. لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي, إن ناله, ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية, والفوز برضوان الله وجنته. فسبحان من فاوت بين العباد, وفرق بينهم بعلمه وحكمته. ولهذا قال: " وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " كامل العلم, كامل الحكمة.

"إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا "
يخبر تعالى, أنه أنزل على عبده ورسوله, الكتاب بالحق, أي: محفوظا في إنزاله من الشياطين, أن يتطرق إليه منهم باطل. بل نزل بالحق, ومشتملا أيضا على الحق. فأخباره صدق, وأوامره ونواهيه, عدل " وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ". وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ". فيحتمل أن هذه الآية, في الحكم بين الناس, في مسائل النزاع والاختلاف. وتلك في تبيين جميع الدين, وأصوله, وفروعه. ويحتمل أن الآيتين كلتيهما, معناهما واحد. فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد, وفي جميع مسائل الأحكام. وقوله " بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ " أي: لا بهواك, بل بما علَّمك الله وألهمك. كقوله تعالى " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ". وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم, فيما يُبَلِّغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها. وأنه يشترط في الحكم, العلم والعدل لقوله " بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ " ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا, الحكم بين الناس على معرفة الكتاب. ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط, نهاه عن الجور والظلم, الذي هو ضد العدل فقال: " وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا " أي: لا تخاصم عن من عرفت خيانته, من مدع ما ليس له, أو منكر حقا عليه, سواء علم ذلك, أو ظنه. ففي هذا, دليل على تحريم الخصومة في باطل, والنيابة عن المبطل, في الخصومات الدينية, والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم.

"وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا "
" وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ " مما صدر منك, إن صدر. " إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " أي: يغفر الذنب العظيم, لمن استغفره, وتاب إليه وأناب, ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك, الموجِب لثوابه, وزوال عقابه.

"وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا "
" وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ". "الاختيان" و "الخيانة" بمعنى الجناية, والظلم, والإثم, وهذا يشمل النهي عن المجادلة, عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة, من حد أو تعزير, فإنه لا يجادل عنه, بدفع ما صدر منه من الخيانة, أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. " إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا " أي: كثير الخيانة والإثم. وإذا انتفى الحب, ثبت ضده, وهو البُغْض, وهذا كالتعليل, للنهي المتقدم.

"يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا "
ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ". وهذا من ضعف الإيمان, ونقصان اليقين, أن تكون مخافة الخلق عندهم, أعظم من مخافة الله فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة, على عدم الفضيحة عند الناس, وهم - مع ذلك - قد بارزوا الله بالعظائم, ولم يبالوه بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم, في جميع أحوالهم, خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول, من تبرئة الجاني, ورمي البريء بالجناية, والسعي في ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم, ليفعل ما بيتوه. فقد جمعوا بين عدة جنايات, ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات, المطلع على سرائرهم وضمائرهم, ولهذا توعدهم تعالى بقوله: " وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا " أي: قد أحاط بذلك علما. ومع هذا, لم يعاجلهم بالعقوبة, بل استأنى بهم, وعرض عليهم التوبة وحذرهم من الإصرار على ذنبهم, الموجب للعقوبة البليغة.

"هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا "
" هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ". أي: هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا, ودفع عنهم جدالكم بعض ما يحذرون من العار والفضيحة, عند الخَلْق. فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة, وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ " يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ". فمن يجادل عنهم, من يعلم السر وأخفى, ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار؟. وفي هذه الآية, الإرشاد إلى المقابلة, بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله, أو فعل مناهيه. وبين ما يفوت من ثواب الآخرة, أو يحصل من عقوباتها. فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله: ها أنت, تركت أمره كسلا وتفريطا, فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟ وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة, قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت, فإن لذته تنقضي, ويعقبها من الهموم, والغموم, والحسرات, وفوات الثواب, وحصول العقاب - ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبد تدبره, وهو خاصة, العقل الحقيقي. بخلاف من يدعي العقل, وليس كذلك. فإنه - بجهله وظلمه - يؤثر اللذة الحاضرة, والراحة الراهنة, ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان.

"وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا "
ثم قال تعالى: " وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ". أي: من تجرأ على المعاصي, واقتحم على الإثم, ثم استغفر الله استغفارا تاما, يستلزم الإقرار بالذنب, والندم عليه, والإقلاع, والعزم على أن لا يعود. فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد, بالمغفرة والرحمة. فيغفر له ما صدر منه من الذنب, ويزيل عنه, ما ترتب عليه من النقص والعيب, ويعيد إليه, ما تقدم من الأعمال الصالحة, ويوفقه فيما يستقبله من عمره, ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه, لأنه قد غفره, وإذا غفره, غفر ما يترتب عليه. واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق, يشمل سائر المعاصي, الصغيرة, والكبيرة. وسمي "سوءا" لكونه يسوء عامله بعقوبته, ولكونه - في نفسه - سيئا, غير حسن. وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق, يشمل ظلمها بالشرك, فما دونه. ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر, قد يفسر كل واحد منهما, بما يناسبه. فيفسر عمل السوء هنا, بالظلم الذي يسوء الناس, وهو ظلمهم, في دمائهم, وأموالهم وأعراضهم. ويفسر ظلم النفس, بالظلم والمعاصي, التي بين الله وبين عبده. وسمي ظلم النفس "ظلما" لأن نفس العبد, ليست ملكا له, يتصرف فيها بما يشاء. وإنما هي, ملك لله تعالى, قد جعلها أمانة عند العبد وأمره أن يقيمها على طريق العدل, بإلزامها الصراط المستقيم, علما وعملا, فيسعى في تعليمها ما أمر به, ويسعى في العمل بما يجب. فسعيه في غير هذا الطريق, ظلم لنفسه, وخيانة, وعدول بها عن العدل, الذي ضده, الجور والظلم.

"وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا "
ثم قال: " وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ " وهذا يشمل, كل ما يؤثم, من صغير وكبير. فمن كسب سيئة, فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية, على نفسه, لا تتعداها إلى غيرها, كما قال تعالى: " وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ". لكن إذا ظهرت السيئات, فلم تنكر, عمت عقوبتها, وشمل إثمها, فلا تخرج أيضا, عن حكم هذه الآية الكريمة, لأن من ترك الإنكار الواجب, فقد كسب سيئة. وفي هذا, بيان عدل الله وحكمته, أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد, ولا يعاقب أحدا, أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه, ولهذا قال: " وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " أي: له العلم الكامل, والحكمة التامة. ومن علمه وحكمته, أنه يعلم الذنب, ومن صدر منه, والسبب الداعي لفعله, والعقوبة المترتبة على فعله. ويعلم حالة المذنب, أنه إن صدر منه الذنب, بغلبة دواعي نفسه الأمارة بالسوء, مع إنابته إلى ربه, في كثير من أوقاته, أنه سيغفر له, ويوفقه للتوبة. وإن صدر بتجرؤه على المحارم, استخفافا بنظر ربه, وتهاونا بعقابه, فإن هذا بعيد من المغفرة, بعيد من التوفيق للتوبة.

"وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا "
ثم قال " وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً " أي: ذنبا كبيرا " أَوْ إِثْمًا " ما دون ذلك. " ثُمَّ يَرْمِ بِهِ " أي: يتهم بذنبه " بَرِيئًا " من ذلك الذنب, وإن كان مذنبا. " فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا " أي: فقد حمل فوق ظهره, بهتا للبريء وإثما ظاهرا بينا. وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب, وموبقاتها. فإنه قد جمع عدة مفاسد: كسب الخطيئة, والإثم. ثم رمي من لم يفعلها بفعلها. ثم الكذب الشنيع, بتبرئة نفسه, واتهام البريء. ثم ما يترتب على ذلك, من العقوبة الدنيوية, تندفع عمن وجبت عليه, وتقام على من لا يستحقها. ثم ما يترتب على ذلك أيضا, من كلام الناس في البريء, إلى غير ذلك من المفاسد, التي نسأل الله العافية منها, ومن كل شر.

"وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا "
ثم ذكر منته على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله فقال: " وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ". وذلك أن هذه الآيات الكريمات, قد ذكر المفسرون, أن سبب نزولها, أن أهل بيت, سرقوا في المدينة. فلما اطلع على سرقتهم, خافوا الفضيحة, وأخذوا سرقتهم, فرموها ببيت من هو بريء من ذلك. واستعان السارق بقومه, أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويطلبوا منه أن يبرئ صاحبهم, على رءوس الناس. وقالوا: إنه لم يسرق, وإنما الذي سرق, من وجدت السرقة ببيته, وهو البريء. فهَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم, أن يبرئ صاحبهم. فأنزل الله هذه الآيات, تذكيرا, وتبيينا لتلك الواقعة, وتحذيرا للرسول صلى الله عليه وسلم, من المخاصمة عن الخائنين, فإن المخاصمة عن المبطل, من الضلال, فإن الضلال نوعان: ضلال في العلم, وهو الجهل بالحق, وضلال في العمل, وهو: العمل بغير ما يجب. فحفظ الله رسوله, عن هذا النوع من الضلال, كما حفظه عن الضلال في الأعمال. وأخبر أن كيدهم ومكرهم, يعود على أنفسهم, كحالة كل ماكر, فقال: " وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ " لكون ذلك المكر, وذلك التحيل, لم يحصل لهم, فيه مقصودهم, ولم يحصل لهم إلا الخيبة والحرمان, والإثم, والخسران. وهذه نعمة كبيرة, على رسوله صلى الله عليه وسلم, تتضمن النعمة بالعمل, وهو: التوفيق لفعل ما يحب, والعصمة له عن كل محرم. ثم ذكر نعمته عليه بالعلم فقال: " وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ". أي: أنزل عليك هذا القرآن العظيم, والذكر الحكيم, الذي فيه تبيان كل شيء, وعلم الأولين والآخِرين. والحكمة: إما السنة, التي قد قال فيها بعض السلف: إن السنة تنزل عليه, كما ينزل القرآن. وإما: معرفة أسرار الشريعة الزائدة, على معرفة أحكامها, وتنزيل الأشياء منازلها, وترتيب كل شيء بحسبه. " وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ " وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى. فإنه صلى الله عليه وسلم, كما وصفه الله قبل النبوة بقوله " مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ", " وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ". ثم لم يزل يوحي الله إليه, ويعلمه, ويكمله, حتى ارتقى مقاما من العلم, يتعذر وصوله على الأولين والآخرين. فكان أعلم الخلق على الإطلاق, وأجمعهم لصفات الكمال, وأكملهم فيها. ولهذا قال " وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا " ففضله على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم, أعظم من فضله على كل الخلق. وأجناس الفضل التي قد فضله الله به, لا يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها.

"لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا "
أي: لا خير في كثير, مما يتناجى به الناس ويتخاطبون. وإذا لم يكن فيه خير, فإما لا فائدة فيه, كفضول الكلام المباح. وإما شر, ومضرة محضة, كالكلام المحرم بجميع أنواعه. ثم استثنى تعالى فقال: " إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ " من مال, أو علم, أو أي نفع كان. بل لعله, يدخل فيه العبادات القاصرة, كالتسبيح, والتحميد, ونحوه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن بكل تسبيحة صدقة, وكل تكبيرة صدقة, وكل تهليلة صدقة, وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن المنكر صدقة, وفي بضع أحدكم صدقة" الحديث. " أَوْ مَعْرُوفٍ " وهو الإحسان والطاعة, وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه. وإذا أطلق الأمر بالمعروف, من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر, دخل فيه النهي عن المنكر. وذلك لأن ترك المنهيات, من المعروف. وأيضا لا يتم فعل الخير, إلا بترك الشر. وأما عند الاقتران, فيفسر المعروف, بفعل المأمور, والمنكر, بترك المنهي. " أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ " والإصلاح, لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين. والنزاع, والخصام, والتغاضب, يوجب من الشر والفرقة, ما لا يمكن حصره. فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس, في الدماء, والأموال والأعراض. بل وفي الأديان, كلها قال تعالى: " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ". وقال تعالى: " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " الآية. وقال تعالى: " وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ". والساعي في الإصلاح بين الناس, أفضل من القانت بالصلاة, والصيام, والصدقة. والمصلح, لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله. كما أن الساعي في الإفساد, لا يصلح الله عمله, ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ". فهذه الأشياء, حيثما فعلت, فهي خير, كما دل على ذلك, الاستثناء. ولكن كمال الأجر وتمامه, بحسب النية والإخلاص, ولهذا قال: " وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ". فلهذا ينبغي للعبد, أن يقصد وجه الله تعالى, ويخلص العمل لله, في كل وقت, وفي كل جزء من أجزاء الخير, ليحصل له بذلك, الأجر العظيم, وليتعود الإخلاص, فيكون من المخلصين, وليتم له الأجر, سواء تم مقصوده أم لا, لأن النية حصلت, واقترن بها, ما يمكن من العمل.

"وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا "
أي: ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم, ويعانده فيما جاء به " مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى " بالدلائل القرآنية, والبراهين النبوية. " وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ " وسبيلهم هو: طريقهم في عقائدهم وأعمالهم. " نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ", أي: نتركه وما اختاره لنفسه, ونخذله, فلا نوفقه للخير, لكونه رأى الحق وعلمه وتركه. فجزاؤه من الله عدلا, أن يبقيه في ضلاله حائرا, ويزداد ضلالا إلى ضلاله. كما قال تعالى " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ " وقال تعالى " وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ". ويدل مفهومها, على أن من لم يشاقق الرسول, ويتبع سبيل المؤمنين, بأن كان قصده وجه الله, واتباع رسوله, ولزوم جماعة المسلمين, ثم صدر منه, من الذنوب أو الهّم بها, ما هو من مقتضيات النفوس, وغلبات الطباع, فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه, بل يتداركه بلطفه, ويمن عليه, بحفظه, ويعصمه من السوء كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: " كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ". أي: بسبب إخلاصه, صرفنا عنه السوء, وكذلك كل مخلص, كما يدل عليه, عموم التعليل. وقوله " وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ " أي: نعذبه فيها عذابا عظيما. " وَسَاءَتْ مَصِيرًا " أي: مرجعا له ومآلا. وهذا الوعيد, المترتب على الشقاق, ومخالفة المؤمنين, مراتب, لا يحصيها إلا الله, بحسب حالة الذنب, صغرا وكبرا. فمنه ما يخلد في النار, ويوجب جميع الخذلان. ومنه, ما هو دون ذلك, فلعل الآية الثانية, كالتفصيل لهذا المطلق.

"إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا "
وهو: أن الشرك, لا يغفره الله تعالى, لتضمنه القدح في رب العالمين, ووحدانيته, وتسوية المخلوق, الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا, بمن هو مالك النفع والضر, الذي ما من نعمة إلا منه, ولا يدفع النقم إلا هو, الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه, والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات. فمن أعظم الظلم, وأبعد الضلال, عدم إخلاص العباده لمن هذا شأنه وعظمته, وصرف شيء منها للمخلوق, الذي ليس له من صفات الكمال شيء, ولا له من صفات الغنى شيء, بل ليس له إلا العدم. عدم الوجود, وعدم الكمال, وعدم الغنى من جميع الوجوه. وأما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي, فهو تحت المشيئة. إن شاء الله غفره برحمته وحكمته. وإن شاء عذب عليه, وعاقب بعدله وحكمته. وقد استدل بهذه الآية الكريمة, على أن إجماع هذه الأمة, حجة, وأنها معصومة من الخطإ. ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين, بالخذلان والنار. وسبيل المؤمنين مفرد مضاف, يشمل سائر ما المؤمنون عليه, من العقائد والأعمال. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء, أو استحبابه, أو تحريمه أو كراهته, أو إباحته - فهذا سبيلهم. فمن خالفهم في شيء من ذلك, بعد انعقاد إجماعهم عليه, فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ". ووجه الدلالة منها, أن الله تعالى, أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة, لا يأمرون إلا بالمعروف. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء, أو استحبابه, فهو مما أمروا به. فيتعين - بنص الآية - أن يكون معروفا, ولا شيء بعد المعروف, غير المنكر. وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء, فهو مما نهوا عنه, فلا يكون إلا منكرا. ومثل ذلك, قوله تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ". فأخبر تعالى, أن هذه الأمة, جعلها الله وسطا أي: عدلا خيارا, ليكونوا شهداء على الناس, أي: في كل شيء. فإذا شهدوا على حكم, بأن الله أمر به, أو نهى عنه, أو أباحه, فإن شهادتهم معصومة, لكونهم عالمين بما شهدوا به عادلين في شهادتهم. فلو كان الأمر بخلاف ذلك, لم يكونوا عادلين في شهادتهم, ولا عالمين بها. ومثل ذلك قوله تعالى " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ". يفهم منها, أن ما لم يتنازعوا فيه, بل اتفقوا عليه, أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة. وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة, فلا يكون مخالفا. فهذه الأدلة ونحوها, تفيد القطع, أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة. ولهذا بين الله قبح ضلال المشركين بقوله: " إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ " إلى " مَحِيصًا ".

"إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا "
أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله إلا إناثا, أي: أوثانا وأصناما, مسميات بأسماء الإناث, كـ "العزى" و "مناة" ونحوهما. ومن المعلوم, أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها, أسماء مؤنثة ناقصة, دل ذلك, على نقص المسميات بتلك الأسماء, وفقدها لصفات الكمال. كما أخبر الله تعالى, في غير موضع من كتابه, أنها لا تخلق, ولا ترزق, ولا تدفع عن عابديها, بل ولا عن نفسها; نفعا ولا ضرا, ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء, وليس لها أسماع, ولا أبصار, ولا أفئدة. فكيف يعبد, من هذا وصفه, ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى, والصفات العليا والحمد والكمال, والمجد, والجلال, والعز, والجمال, والرحمة, والبر, والإحسان, والانفراد بالخلق والتدبير, والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟!! هل هذا إلا من أقبح القبيح, الدال على نقص صاحبه, وبلوغه من الخسة والدناءة, أدنى ما يتصوره متصور, أو يصفه واصف؟!!. ومع هذا فعبادتهم, إنما صورتها فقط, لهذه الأوثان الناقصة. وبالحقيقة, ما عبدوا غير الشيطان, الذي هو عدوهم, الذي يريد إهلاكهم, ويسعى في ذلك بكل ما يقدر عليه, الذي هو في غاية البعد من الله,

"لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا "
لعنه الله وأبعده عن رحمته. فكما أبعده الله من رحمته, يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله. " إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ". ولهذا أخبر الله عن سعيه, في إغواء العباد, وتزيين الشر لهم والفساد, وأنه قال لربه مقسما. " لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا " أي: مقدرا. علم اللعين, أنه لا يقدر على إغواء جميع عباد الله, وأن عباد الله المخلصين, ليس له عليهم سلطان. وإنما سلطانه, على من تولاه, وآثر طاعته على طاعة مولاه. وأقسم في موضع آخر ليغوينهم فقال: " لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ". فهذا الذي ظنه الخبيث وجزم به, أخبر الله تعالى بوقوعه لقوله: " وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ". وهذا النصيب المفروض, الذي أقسم ليتخذنه منهم, ذكر ما يريده بهم, وما يقصده لهم بقوله: " وَلَأُضِلَّنَّهُمْ "

"وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا "
" وَلَأُضِلَّنَّهُمْ " أي: عن الصراط المستقيم, ضلالا في العلم, وضلالا في العمل. " وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ " أي: مع الإضلال, لأمنينهم أن ينالوا, ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه. فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم, ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم, حيث عملوا أعمال أهل النار, الموجبة للعقوبة, وحسبوا أنها موجبة للجنة. واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم, فإنهم كما حكى الله عنهم. " وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ " " كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ", " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " الآيات: وقال تعالى عن المنافقين أنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين: " أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ". وقوله " وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ " أي: بتقطيع آذانها, وذلك كالبحيرة, والسائبة والوصيلة, والحام, فنبه ببعض ذلك على جميعه. وهذا نوع من الإضلال, يقتضي تحريم ما أحل الله, أو تحليل ما حرم الله. ويلتحق بذلك, من الاعتقادات الفاسدة, والأحكام الجائرة, ما هو من أكبر الإضلال. " وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ " وهذا يتناول الخلقة الظاهرة, بالوشم, والوشر, والنمص, والتفليج للحسن, ونحو ذلك, مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن. وذلك يتضمن التسخط من خلقته, والقدح في حكمته, واعتقاد أن ما يصنعونه بأيديهم, أحسن من خلقة الرحمن, وعدم الرضا بتقديره وتدبيره. ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة. فإن الله تعالى خلق عباده, حنفاء مفطورين, على قبول الحق, وإيثاره فجاءتهم الشياطين, فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل, وزينت لهم الشر والشرك, والكفر, والفسوق, والعصيان. فإن كل مولود يولد على الفطرة, ولكن أبواه, يهوِّدانه, أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه, ونحو ذلك, مما يغيرون به, ما فطر الله عليه العباد, من توحيده, وحبه ومعرفته. فافترستهم الشياطين في هذا الموضع, افتراس السبع والذئاب, للغنم المنفردة. ولولا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين, لجرى عليهم, ما جرى على هؤلاء المفتونين, فخسروا الدنيا والآخرة, ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة وهذا الذي جرى عليهم, من توليهم عن ربهم وفاطرهم, وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر, من كل وجه. ولهذا قال " وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ". وأي خسار أبين وأعظم, ممن خسر دينه ودنياه, وأوبقته معاصيه وخطاياه؟!! فحصل له الشقاء الأبدي, وفاته النعيم السرمدي. كما أن من تولى مولاه, وآثر رضاه, ربح كل الربح, وأفلح كل الفلاح, وفاز بسعادة الدارين, وأصبح قرير العين. اللهم, فلا مانع لما أعطيت, ولا معطي لما منعت. اللهم تولنا فيمن توليت, وعافنا فيمن عافيت.

"يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا "
ثم قال " يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ " أي: يعد الشيطان من يسعى في إضلالهم. والوعد, يشمل حتى الوعيد كما قال تعالى " الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ". فإنه يعدهم - إذا أنفقوا في سبيل الله, افتقروا. ويخوفهم إذا جاهدوا, بالقتل وغيره كما قال تعالى: " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ " الآية. ويخوفهم عند إيثار مرضاة الله, بكل ما يمكن, وما لا يمكن, مما يدخله في عقولهم, حتى يكسلوا عن فعل الخير. وكذلك يمنيهم الأماني الباطلة, التي هي - عند التحقيق - كالسراب الذي لا حقيقة له. ولهذا قال " وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا "

"أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا "
" أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ " أي: من انقاد للشيطان, وأعرض عن ربه, وصار من أتباع إبليس وحزبه, مستقرهم النار. " وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا " أي: مخلصا ولا ملجأ, بل هم خالدون فيها أبدا الآباد.

"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا "
ولما بين مآل الأشقياء, أولياء الشيطان, ذكر مآل السعداء أوليائه فقال: والذين آمنوا: الآية. أي: " آمَنُوا " بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, والقَدَر, خيره وشره, على الوجه الذي أمروا به, علما, وتصديقا, وإقرارا. " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " الناشئة عن الإيمان. وهذا يشمل سائر المأمورات, من واجب, ومستحب, الذي على القلب, والذي على اللسان, والذي على بقية الجوارح. كل له, من الثواب المرتب على ذلك, بحسب حاله ومقامه, وتكميله للإيمان والعمل الصالح. ويقويه, ما رتب على ذلك, بحسب ما أخل به من الإيمان والعمل. وذلك بحسب ما علم من حكمة الله ورحمته. وكذلك وعده الصادق, الذي يعرف من تتبع كتاب الله وسنة رسوله. ولهذا ذكر الثواب المرتب على ذلك بقوله: " سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " فيها ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, من أنواع المآكل, والمشارب اللذيذة, والمناظر العجيبة, والأزواج الحسنة, والقصور, والغرف المزخرفة والأشجار المتدلية, والفواكه المستغربة, والأصوات الشجية, والنعم السابغة وتزاور الإخوان, وتذكرهم ما كان منهم, في رياض الجنات. وأعلى من ذلك وأجلّ, رضوان الله عليهم, وتمتع الأرواح بقربه, والعيون برؤيته, والأسماع بخطابه, الذي ينسيهم كل نعيم وسرور. ولولا الثبات من الله لهم, لطاروا, وماتوا من الفرح والحبور. فلله ما أحلى ذلك النعيم, وما أعلى ما أنالهم الرب الكريم, وما حصل لهم, من كل خير وبهجة, لا يصفه الواصفون. وتمام ذلك وكماله, الخلود الدائم, في تلك المنازل العاليات, ولهذا قال: " خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ". فصدق الله العظيم, الذي بلغ قوله وحديثه في الصدق, أعلى ما يكون. ولهذا لما كان كلامه صدقا, وخبره صدقا - كان ما يدل عليه, مطابقة, وتضمنا, وملازمة, كل ذلك مراد من كلامه. وكذلك كلام رسوله صلى الله عليه وسلم, لكونه لا يخبر إلا بأمره ولا ينطق إلا عن وحيه.

"لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا "
أي: " لَيْسَ " الأمر والنجاة والتزكية " بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ". والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل, المقترن بها, دعوى مجردة, لو عورضت بمثلها, لكانت من جنسها. وهذا عامّ في كل أمر. فكيف بأمر الإيمان, والسعادة الأبدية؟!. فإن أماني أهل الكتاب, قد أخبر الله بها, أنهم قالوا: " لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ " وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب, ولا رسول, من باب أولى وأحرى. وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام, لكمال العدل والإنصاف. فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان, لا يفيد شيئا, إن لم يأت الإنسان ببرهان, على صحة دعواه. فالأعمال تصدق الدعوى, أو تكذبها, ولهذا قال تعالى: " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " وهذا شامل لجميع العاملين. لأن السوء شامل, لأي ذنب كان, من صغائر الذنوب, وكبائرها. وشامل أيضا, لكل جزاء, قليل, أو كثير, دنيوي, أو أخروي. والناس في هذا المقام درجات, لا يعلمها إلا الله, فمستقل ومستكثر. فمن كان عمله سوءا, وذلك لا يكون إلا كافرا. فإذا مات من دون توبة, جوزي بالخلود في العذاب الأليم. ومن كان عمله صالحا, وهو مستقيم في غالب أحواله, وإنما يصدر منه أحيانا بعض الذنوب الصغار, فما يصيبه من الهم, والغم, والأذى, وبعض الآلام, في بدنه, أو قلبه, أو حبيبه, أو ماله, ونحو ذلك - فإنها مكفرات للذنوب, لطفا من الله بعباده. وبين هذين الحالين مراتب كثيرة. وهذا الجزاء, على عمل السوء العام, مخصوص في غير التائبين. فإن التائب من الذنب, كمن لا ذنب له, كما دلت على ذلك النصوص. وقوله " وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا " لإزالة بعض ما لعله يتوهم, أن من استحق المجازاة على عمله, قد يكون له ولي, أو ناصر, أو شافع, يدفع عنه ما استحقه. فأخبر تعالى, بانتفاء ذلك, فليس له ولي, يحصل له المطلوب, ولا نصير يدفع عنه المرهوب, إلا ربه ومليكه.

"وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا "
" وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ " دخل في ذلك, سائر الأعمال القلبية والبدنية. ودخل أيضا, كل عامل, من إنس, أو جن, صغير, أو كبير, ذكر, أو أنثى. ولهذا قال " مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ " وهذا شرط لجميع الأعمال لا تكون صالحة, ولا تقبل, ولا يترتب عليها الثواب, ولا يندفع بها العقاب, إلا بالإيمان. فالأعمال بدون الإيمان, كأغصان شجرة, قطع أصلها, وكبناء, بني على موج الماء. فالإيمان, هو الأصل والأساس, والقاعدة, التي يبنى عليها كل شيء. وهذا القيد, ينبغي التفطن له, في كل عمل مطلق, فإنه مقيد به. " فَأُولَئِكَ " أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. " يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ " المشتملة على ما تشتهي الأنفس, وتلذ الأعين. " وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا " أي: لا قليلا ولا كثيرا, مما عملوه من الخير. بل يجدونه كاملا موفرا, مضاعفا أضعافا كثيرة.

"وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا "
أي: لا أحد أحسن من دين, من جمع بين الإخلاص للمعبود, وهو: إسلام الوجه لله, الدال على استسلام القلب وتوجهه, وإنابته, وإخلاصه وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله. [وهو] مع هذا الإخلاص والاستسلام [محسن] أي: متبع لشريعة الله, التي أرسل الله بها رسله, وأنزل كتبه, وجعلها طريقا لخواص خلقه وأتباعهم. " وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ " أي: دينه وشرعه " حَنِيفًا " أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد, وعن التوجه للخلق, إلى الإقبال على الخالق. " وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا " والخلة أعلى أنواع المحبة. وهذه المرتبة, حصلت للخليلين, محمد, وإبراهيم, عليهما الصلاة والسلام. وأما المحبة من الله, فهي لعموم المؤمنين. وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا, لأنه وفَّى بما أُمر به, وقام بما ابْتُلي به. فجعله الله إماما للناس, واتخذه خليلا, ونوه بذكره في العالمين.

"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا "
وهذه الآية الكريمة, فيها بيان إحاطة الله تعالى بجميع الأشياء. فأخبر أنه له " مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ " أي: الجميع ملكه وعبيده. فهم المملوكون, وهو المالك المتفرد بتدبيرهم. وقد أحاط علمه بجميع المعلومات, وبصره بجميع المبصرات, وسمعه بجميع المسموعات, ونفذت مشيئته وقدرته, بجميع الموجودات, ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات, وقهر بعزه وقهره, كل مخلوق, ودانت له جميع الأشياء.

"وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا "
الاستفتاء: طلب السائل من المسئول, بيان الحكم الشرعي في ذلك المسئول عنه. فأخبر عن المؤمنين, أنهم يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم النساء المتعلق بهم فتولى الله هذه الفتوى بنفسه فقال: " قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ " فاعملوا على ما أفتاكم به, في جميع شئون النساء, من القيام بحقوقهن, وترك ظلمهن, عموما وخصوصا. وهذا أمر عام, يشمل جميع ما شرع الله, أمرا, ونهيا, في حق النساء, الزوجات وغيرهن, الصغار والكبار. ثم خص - بعد التعميم - الوصية بالضعاف, من اليتامى, والولدان, اهتماما بهم, وزجرا عن التفريط في حقوقهم فقال: " وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ " أي: ويفتيكم أيضا, بما يتلى عليكم في الكتاب, في شأن اليتامى من النساء. " اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ". وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت. فإن اليتيمة, إذا كانت تحت ولاية الرجل, بخسها حقها, وظلمها, إما بأكل مالها الذي لها, أو بعضه, أو منعها من التزوج, لينتفع بمالها, خوفا من استخراجه من يده, إنْ زوَّجها, أو يأخذ من صهرها, الذي تتزوج به, بشرط أو غيره, هذا إذا كان راغبا عنها. أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال, ولا يقسط في مهرها, بل يعطيها دون ما تستحق. فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص, ولهذا قال: " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " أي: ترغبون عن نكاحهن, أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله. " وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ " أي: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار, أن تعطوهم حقهم, من الميراث, وغيره, وأن لا تستولوا على أموالهم, على وجه الظلم والاستبداد. " وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ " أي: بالعدل التام. وهذا يشمل القيام عليهم, بإلزامهم أمر الله, وما أوجبه على عباده, فيكون الأولياء, مكلفين بذلك, يلزمونهم بما أوجبه الله. ويشمل القيام عليهم, في مصالحهم الدنيوية, بتنمية أموالهم, وطلب الأحظ لهم فيها, وأن لا يقربوها إلا بالتي هي أحسن. وكذلك لا يحابون فيهم, صديقا ولا غيره, في تزوج وغيره, على وجه الهضم لحقوقهم وهذا من رحمته تعالى بعباده, حيث حثّ غاية الحث, على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه, لضعفه, وفقد أبيه. ثم حثّ على الإحسان عموما, فقال: " وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ " لليتامى ولغيرهم, سواء كان الخير متعديا, أو لازما. " فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا " أي: قد أحاط علمه بعمل العاملين للخير, قلة وكثرة, حسنا وضده, فيجازي كُلًّا بحسب عمله.

"وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا "
أي: إذا خافت المرأة نشوز زوجها, أي ترفعه عنها, وعدم رغبته فيها, وإعراضه عنها, فالأحسن في هذه الحالة, أن يصلحا بينهما صلحا, بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها, على وجه تبقى مع زوجها. إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة, أو الكسوة, أو المسكن, أو القسم, بأن تسقط حقها منه. أو تهب يومها وليلتها, لزوجها, أو لضرتها. فإذا اتفقا على هذه الحالة, فلا جناح ولا بأس عليهما فيها, لا عليها, ولا على الزوج. فيجوز حينئذ لزوجها, البقاء معها على هذه الحال, وهي خير من الفرقة. ولهذا قال: " وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ". ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى, أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء, أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه, لما فيه من الإصلاح, وبقاء الألفة, والاتصاف بصفة السماح. وهو جائز في جميع الأشياء, إلا إذا أحلّ حراما, أو حرّم حلالا, فإنه لا يكون صلحا, وإنما يكون جورا. واعلم أن كل حكم من الأحكام, لا يتم, ولا يكمل, إلا بوجود مقتضيه, وانتفاء موانعه. فمن ذلك, هذا الحكم الكبير, الذي هو الصلح. فذكر تعالى المقتضي لذلك, ونبه على أنه خير, والخير كل عامل يطلبه, ويرغب فيه. فإن كان - مع ذلك - قد أمر الله به, وحثّ عليه ازداد المؤمن طلبا له, ورغبة فيه. وذكر المانع بقوله " وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ " أي: جبلت النفوس على الشح, وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان, والحرص على الحق الذي له. فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا. أي ينبغي لكم, أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء, من نفوسكم, وتستبدلوا به, ضده وهو: السماحة, وهو بذل الحق الذي عليك, والاقتناع ببعض الحق الذي لك. فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن, سهل - حينئذ - عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله, وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه, فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة, لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله, ولا يرضى أن يؤدي ما عليه. فإن كان خصمه مثله, اشتد الأمر. ثم قال: " وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا " أي: تحسنوا في عبادة الخالق, بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه, فإن لم يكن يراه, فإنه يراه. وتحسنوا إلى المخلوقين, بجميع طرق الإحسان, من نفع بمال, أو علم, أو جاه, أو غير ذلك. " وَتَتَّقُوا " الله, بفعل جميع المأمورات, وترك جميع المحظورات. أو تحسنوا بفعل المأمور, وتتقوا بترك المحظور. " فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " قد أحاط به, علما وخبرا, بظاهره وباطنه, فيحفظه لكم, ويجازيكم عليه, أتم الجزاء.

"وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا "
يخبر تعالى: أن الأزواج لا يستطيعون, وليس في قدرتهم العدل التام بين النساء. وذلك, لأن العدل: يستلزم وجود المحبة على السواء, والداعي على السواء, والميل في القلب إليهن على السواء, ثم العمل بمقتضى ذلك. وهذا متعذر غير ممكن, فلذلك عفا الله, عما لا يستطاع ونهى عما هو ممكن بقوله: " فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ " أي: لا تميلوا ميلا كثيرا, بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة. بل افعلوا ما هو باستطاعتكم في العدل. فالنفقة والكسوة, والقسم ونحوها, عليكم أن تعدلوا بينهن فيها. بخلاف الحب, والوطء ونحو ذلك, فإن الزوجة, إذا ترك زوجها, ما يجب لها, صارت كالمعلقة, التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج, ولا ذات زوج, يقوم بحقوقها. " وَإِنْ تُصْلِحُوا " ما بينكم وبين زوجاتكم. وبإجبار أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس, احتسابا وقياما بحق الزوجة. وتصلحوا أيضا, فيما بينكم وبين الناس. وتصلحوا أيضا بين الناس, فيما تنازعوا فيه. وهذا يستلزم الحث على كل طريق يوصل إلى الصلح مطلقا كما تقدم. " وَتَتَّقُوا " الله بفعل المأمور وترك المحظور, والصبر على المقدور. " فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " يغفر ما صدر منكم, من الذنوب, والتقصير في الحق الواجب, ويرحمكم كما عطفتم على أزواجكم ورحمتموهن.

"وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا "
هذه الحالة الثالثة بين الزوجين, إذا تعذر الاتفاق, فإنه لا بأس بالفراق. فقال " وَإِنْ يَتَفَرَّقَا " أي: بطلاق, أو فسخ, أو خلع, أو غير ذلك. " يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا " من الزوجين " مِنْ سَعَتِهِ " أي: من فضله, وإحسانه الواسع الشامل. فيغني الزوج بزوجة, خير له منها, ويغنيها من فضله. وإن انقطع نصيبها من زوجها, فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق, القائم بمصالحهم, ولعل الله يرزقها, زوجا خيرا منه. " وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا " أي: كثير الفضل, واسع الرحمة. وصلت رحمته وإحسانه, إلى حيث وصل إليه علمه. وكان - مع ذلك - " حَكِيمًا " أي: يعطي بحكمته, ويمنع لحكمته. فإذا اقتضت حكمته منع بعض عباده, من إحسانه, بسبب في العبد, لا يستحق معه الإحسان - حرمه, عدلا وحكمة.

"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا "
يخبر تعالى, عن عموم ملكه العظيم الواسع, المستلزم تدبيره, بجميع أنواع التدبير, وتصرفه بأنواع التصريف, قدرا, وشرعا. فتصرفه الشرعي, أن وصى الأولين والآخرين, أهل الكتب السابقة واللاحقة - بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي, وتشريع الأحكام, والمجازاة لمن قام بهذه الوصية, بالثواب, والمعاقبة لمن أهملها وضيعها, بأليم العذاب. ولهذا قال " وَإِنْ تَكْفُرُوا " بأن تتركوا تقوى الله, وتشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا, فإنكم لا تضرون بذلك, إلا أنفسكم, ولا تضرون الله شيئا, ولا تنقصون ملكه. وله عبيد خير منكم, وأعظم, وأكثر, مطيعون له, خاضعون لأمره. ولهذا رتب على ذلك قوله " وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا " له الجود الكامل والإحسان الشامل الصادر من خزائن رحمته, التي لا ينقصها الإنفاق, ولا يغيضها نفقة, سحاء الليل والنهار. لو اجتمع أهل السماوات, وأهل الأرض, أولهم وآخرهم, فسأل كل واحد منهم, ما بلغت أمانيه, ما نقص من ملكه شيئا. ذلك بأنه جواد واجد ماجد, عطاؤه كلام, وعذابه كلام. إنما أمره لشيء إذا أراد شيئا, أن يقول له كن فيكون. ومن تمام غناه, أنه كامل الأوصاف. إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه, لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال. بل, له كل صفة كمال, ومن تلك الصفة كمالها. ومن تمام غناه, أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا, ولا شريكا في ملكه, ولا ظهيرا, ولا معاونا له على شيء, من تدابير ملكه. ومن كمال غناه, افتقار العالم العلوي والسفلي, في جميع أحوالهم وشئونهم إليه, وسؤالهم إياه, جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة. فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة, وأغناهم وأقناهم, ومَنَّ عليهم بلطفه, وهداهم. وأما الحميد, فهو من أسماء الله تعالى الجليلة, الدال على أنه هو المستحق لكل حمد, ومحبة, وثناء وإكرام. وذلك لما اتصف به من صفات الحمد, التي هي صفة الجمال والجلال, ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال, فهو المحمود على كل حال. وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين " الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ "!! فإنه غني محمود, فله كمال من غناه, وكمال من حمده, وكمال من اقتران أحدهما بالآخر.

"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا "
ثم كرر إحاطة ملكه, لما في السماوات والأرض, وأنه على كل شيء وكيل. أي: عالم قائم بتدبير الأشياء, على وجه الحكمة, فإن ذلك, من تمام الوكالة. فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه, والقوة, والقدرة على تنفيذه وتدبيره وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة. فما نقص من ذلك, فهو لنقص بالوكيل. والله تعالى منزه عن كل نقص. أي: هو الغني الحميد الذي له القدرة الكاملة والمشيئة النافذة فيكم.

"إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا "
" إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ " غيركم, هم أطوع لله منكم وخير منكم. وفي هذا تهديد للناس على إقامتهم على كفرهم, وإعراضهم عن ربهم, فإن الله لا يعبأ بهم شيئا, إن لم يطيعوه, ولكنه يمهل, ويملي, ولا يهمل.

"مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا "
ثم أخبر أن من كانت همته وإرادته دنية, غير متجاوزة ثواب الدنيا, وليس له إرادة في الآخرة, فإنه قد قصر سعيه ونظره, ومع ذلك فلا يحصل له من ثواب الدنيا, سوى ما كتب الله له منها. فإنه تعالى, هو المالك لكل شيء, الذي عنده ثواب الدنيا والآخرة, فليطلبا منه, وليستعن به عليهما. قإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته, ولا تدرك الأمور الدينية والدنيوية إلا بالاستعانة به, والافتقار إليه على الدوام. وله الحكمة تعالى, في توفيق من يوفقه, وخذلان من يخذله, وفي إعطائه ومنعه. ولهذا قال " وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ". ثم قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ " الآيتين.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا "
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا " قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ". والقوام, صيغة مبالغة, أي: كونوا في كل أحوالكم, قائمين بالقسط, الذي هو العدل في حقوق الله, وحقوق عباده. فالقسط في حقوق الله, أن لا يستعان بنعمه على معصيته, بل تصرف في طاعته. والقسط في حقوق الآدميين, أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك, كما تطلب حقوقك. فتؤدي النفقات الواجبة, والديون, وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به, من الأخلاق والمكافأة, وغير ذلك. ومن أعظم أنواع القسط, القسط في المقالات والقائلين. فلا يحكم لأحد القولين, أو أحد المتنازعين, لانتسابه أو ميله لأحدهما. بل يجعل وجهته, العدل بينهما. ومن القسط أداء الشهادة, التي عندك على أي وجه كان, حتى على الأحباب, بل على النفس, ولهذا قال: " شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ". أي: فلا تراعوا الغني لغناه, ولا الفقير - بزعمكم - رحمة له. بل اشهدوا بالحق, على من كان. والقيام بالقسط, من أعظم الأمور, وأدلها على دين القائم به, وورعه ومقامه في الإسلام. فيتعين على من نصح نفسه, وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام, وأن يجعله نُصْب عينيه, ومحل إرادته, وأن يزيل عن نفسه, كل مانع وعائق يعوقه, عن إرادة القسط, أو العمل به. وأعظم عائق لذلك, اتباع الهوى, ولهذا, نبه تعالى, على إزالة هذا المانع بقوله: " فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا " أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق. فإنكم - إن اتبعتموها, عدلتم عن الصواب, ولم توفقوا للعدل. فإن الهوى, إما أن يعمي بصيرة صاحبه, حتى يرى الحق باطلا, والباطل حقا. وإما أن يعرف الحق ويتركه, لأجل هواه. فمن سلم من هوى نفسه, وفق للحق, وهدي إلى الصراط المستقيم. ولما بين أن الواجب, القيام بالقسط, نهى عن ما يضاد ذلك, وهو لي اللسان عن الحق, في الشهادات وغيرها, وتحريف النطق, عن الصواب المقصود من كل وجه, أو من بعض الوجوه. ويدخل في ذلك, تحريف الشهادة, وعدم تكميلها, أو تأويل الشاهد على أمر آحر. فإن هذا, من اللي, لأنه الانحراف عن الحق. " أَوْ تُعْرِضُوا " أي: تتركوا القسط المنوط بكم, كترك الشاهد لشهادته وترك الحاكم لحكمه, الذي يجب عليه القيام به. " فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " أي: محيطا بما فعلتم, يعلم أعمالكم, خفيها وجليها. وفي هذا تهديد شديد, للذي يلوي أو يعرض. ومن باب أولى, الذي يحكم بالباطل, أو يشهد بالزور, لأنه أعظم جرما. لأن الأولين, تركا الحق, وقام هو بالباطل.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا "
اعلم أن الأمر, إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه. فهذا يكون أمرا له في الدخول فيه. وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان كقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " الآية وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء, فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد. ومنه ما ذكره الله في هذه الآية, من أمر المؤمنين بالإيمان. فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم, من الإخلاص والصدق, وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات. ويقتضي أيضا, الأمر بما لم يوجد من المؤمن, من علوم الإيمان وأعماله. فإنه كلما وصل إليه نص, وفهم معناه, واعتقده, فإن ذلك من المأمور به. وكذلك سائر الأعمال الظاهرة, والباطنة, كلها من الإيمان, كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة, وأجمع عليه سلف الأمة. ثم الاستمرار على ذلك, والثبات عليه إلى الممات كما قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ". وأمر هنا بالإيمان به, وبرسله, وبالقرآن, وبالكتب المتقدمة. فهذا كله من الإيمان الواجب, الذي لا يكون العبد مؤمنا إلا به. إجمالا فيما لم يصل إليه تفصيله, وتفصيلا فيما علم من ذلك بالتفصيل. فمن آمن هذا الإيمان المأمور به, فقد اهتدى وأنجح. " وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ". وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم, وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟!! واعلم أن الكفر بشيء من هذه الأمور المذكورة, كالكفر بجميعها, لتلازمها, وامتناع وجود الإيمان ببعضها, دون بعض.

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا "
ثم قال " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا " الآية. أي: من تكرر منه الكفر بعد الإيمان, فاهتدى, ثم ضل وأبصر, ثم عمي وآمن, ثم كفر واستمر على كفره, وازداد منه, فإنه بعيد من التوفيق والهداية, لأقوم الطريق, وبعيد عن المغفرة, لكونه أتى بأعظم مانع يمنعه من حصولها. فإن كفره, يكون عقوبة وطبعا, لا يزول كما قال تعالى " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ". " وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ". ودلت الآية: أنهم, إن لم يزدادوا كفرا, بل رجعوا إلى الإيمان, وتركوا ما هم عليه من الكفران, فإن الله يغفر لهم, ولو تكررت منهم الردة. وإذا كان هذا الحكم في الكفر, فغيره - من المعاصي التي دونه - من باب أولى أن العبد لو تكررت منه, ثم عاد إلى التوبة, عاد الله له بالمغفرة.

"بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا "
البشارة, تستعمل في الخير, وتستعمل في الشر بقيد, كما في هذه الآية. يقول تعالى " بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ " أي: الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر, بأقبح بشارة وأسوإها, وهو العذاب الأليم.

"الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا "
وذلك بسبب محبتهم الكفار, وموالاتهم, ونصرتهم, وتركهم لموالاة المؤمنين. فأي شيء حملهم على ذلك؟ أيبتغون عندهم العزة؟. وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين. ساء ظنهم بالله, وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين. ولحظوا بعض الأسباب, التي عند الكافرين, وقصر نظرهم عما وراء ذلك. فاتخذوا الكافرين أولياء, يتعززون بهم, ويستنصرون. والحال أن العزة لله جميعا, فإن نواصي العباد بيده, ومشيئته نافذة فيهم. وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين, ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين. وإدالة العدو عليهم, إدالة غير مستمرة, فإن العاقبة والاستقرار, للمؤمنين. وفي هذه الآية, الترهيب العظيم من موالاة الكافرين; وترك موالاة المؤمنين, وأن ذلك, من صفات المنافقين. وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم, وبغض الكافرين وعداوتهم.

"وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا "
أي: وقد بيَّن الله لكم - فيما أنزل عليكم - حكمه الشرعي عند حضور مجالس الكفر والمعاصي " أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا " أي: يستهان بها. وذلك أن الواجب على كل مكلف في آيات الله, الإيمان بها, وتعظيمها وإجلالها, وتفخيمها. وهذا هو المقصود بإنزالها, وهو الذي خَلَق الله الخَلْق لأجله. فضد الإيمان, الكفر بها, وضد تعظيمها; الاستهزاء بها واحتقارها. ويدخل في ذلك, مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال آيات الله ونصر كفرهم. وكذلك المبتدعون, على اختلاف أنواعهم. فإن احتجاجهم على باطلهم, يتضمن الاستهانة بآيات الله, لأنها لا تدل إلا على الحق, ولا تستلزم إلا صدقا. بل وكذلك يدخل فيه, حضور مجالس المعاصي والفسوق, التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه, وتقتحم حدوده التي حدها لعباده. ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم " حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ " أي: غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. " إِنَّكُمْ إِذًا " أي: إن قعدتم معهم في الحال المذكور " مَثَلُهُمْ " لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم, والراضي بالمعصية, كالفاعل لها. والحاصل أن من حضر مجلسا, يعصى الله به, فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم, مع القدرة, أو القيام مع عدمها. " إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا " كما اجتمعوا على الكفر والموالاة. ولا ينفع المنافقين مجرد كونهم - في الظاهر - مع المؤمنين كما قال تعالى: " يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ " إلى آخر الآيات.


"الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا "
ثم ذكر تحقيق موالاة المنافقين للكافرين, ومعاداتهم للمؤمنين فقال: " الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ " أي: ينتظرون الحالة التي تصيرون عليها, وتنتهون إليها, من خير أو شر, قد أعدوا لكل حالة جوابا بحسب نفاقهم. " فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ". فيظهرون أنهم مع المؤمنين, ظاهرا وباطنا, ليسلموا من القدح والطعن عليهم, وليشركوهم في الغنيمة والفيء, ولينتصروا بهم. " وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ " ولم يقل فتح, لأنه لا يحصل لهم فتح, يكون مبدأ لنصرتهم المستمرة. بل غاية ما يكون, أن يكون لهم نصيب غير مستقر, حكمة من الله. فإذا كان ذلك " قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ " أي: نستولي عليكم " وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ". أي: يتصنعون عندهم, بكف أيديهم عنهم, مع القدرة, ومنعهم من المؤمنين, بجميع وجوه المنع في تنفيرهم, وتزهيدهم في القتال, ومظاهرة الأعداء عليهم, وغير ذلك, مما هو معروف منهم. " فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فيجازي المؤمنين, ظاهرا وباطنا, بالجنة, ويعذب المنافقين والمنافقات, والمشركين والمشركات. " وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " أي: تسلطا واستيلاء عليهم. بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة, لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. ولا يزال الله, يحدث من أسباب النصر للمؤمنين, ودفع تسليط الكافرين, ما هو مشهود بالعيان. حتى إن بعض المسلمين, الذين تحكمهم الطوائف الكافرة, قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم, ولا يكونون مستصغرين عندهم. بل لهم العز التام من الله, فلله الحمد, أولا وآخرا, وظاهرا وباطنا.

"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا "
يخبر تعالى عن المنافقين بما كانوا عليه, من قبيح الصفات, وشنائع السمات. وأن طريقتهم مخادعة الله تعالى, أي: بما أظهروه من الإيمان, وأبطنوه من الكفران. ظنوا أنه يروج على الله, ولا يعلمه, ولا يبديه لعباده, والحال أن الله خادعهم. فمجرد وجود هذه الحال منهم, ومشيهم عليها, خداع لأنفسهم. وأي خداع أعظم, ممن يسعى سعيا, يعود عليه بالهوان والذل والحرمان؟!!. ويدل - بمجرده - على نقص عقل صاحبه, حيث جمع بين المعصية, ورآها حسنة, وظنها من العقل والمكر. فلله ما يصنع الجهل والخذلان بصاحبه!!. ومن خداعه لهم يوم القيامة, ما ذكره الله في قوله: " يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ " إلى آخر الآيات. ومن صفاتهم أنهم " وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ " التي هي أكبر الطاعات العملية, إن قاموا " قَامُوا كُسَالَى " متثاقلين لها, متبرمين من فعلها. والكسل, لا يكون إلا من فقد الرغبة من قلوبهم. فلولا أن قلوبهم فارغة من الرغبة إلى الله, وإلى ما عنده, عادمة للإيمان, لم يصدر منهم الكسل. " يُرَاءُونَ النَّاسَ " أي: هذا الذي انطوت عليه سرائرهم, وهذا مصدر أعمالهم, مراءاة الناس. يقصدون رؤية الناس, وتعظيمهم, واحترامهم, ولا يخلصون لله. فلهذا " وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا " لامتلاء قلوبهم من الرياء. فإن ذكر الله تعالى, وملازمته, لا يكون إلا من مؤمن, ممتلئ قلبه, بمحبة الله وعظمته.

"مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا "
" مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ". أي: مترددين, بين فريق المؤمنين, وفريق الكافرين. فلا من المؤمنين ظاهرا وباطنا, ولا من الكافرين ظاهرا وباطنا. أعطوا باطنهم للكافرين, وظاهرهم للمؤمنين, وهذا أعظم ضلال يقدر. ولهذا قال " وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا " أي: لن تجد طريقا لهدايته, ولا وسيلة لترك غوايته, لأنه انغلق عنه باب الرحمة, وصار بدله, كل نقمة. فهذه الأوصاف المذمومة, تدل - بتنبيهها - على أن المؤمنين, متصفون بضدها, من الصدق والإخلاص, ظاهرا وباطنا. وأنهم لا يجهل ما عندهم, من النشاط في صلاتهم, وعباداتهم, وكثرة ذكرهم لله تعالى. وأنهم قد هداهم الله, ووفقهم للصراط المستقيم. فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين, وليختر أيهما أولى به, والله المستعان.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا "
لما ذكر أن من صفات المنافقين, اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين, نهى عباده المؤمنين أن يتصفوا بهذه الحالة القبيحة, وأن يشابهوا المنافقين, فإن ذلك موجب لأن " تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا " أي: حجة واضحة على عقوبتكم. فإنه قد أنذرنا وحذرنا منها, وأخبرنا بما فيها من المفاسد. فسلوكها - بعد هذا - موجِب للعقاب. وهذه الآية, دليل على كمال عدل الله, وأن الله لا يُعَذِّب أحدا; قبل قيام الحجة عليه. وفيه التحذير من المعاصي; فإن فاعلها يجعل لله عليه سلطانا مبينا.

"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا "
يخبر تعالى, عن مآل المنافقين, أنهم في أسفل الدركات من العذاب, وأشر الحالات من العقاب. فهم تحت سائر الكفار, لأنهم شاركوهم بالكفر بالله, ومعاداة رسله. وزادوا عليهم, المكر والخديعة, والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين, على وجه لا يشعر به ولا يحس. ورتبوا على ذلك, جريان أحكام الإسلام عليهم, واستحقاق ما لا يستحقونه. فبذلك ونحوه, استحقوا أشد العذاب. وليس لهم منقذ من عذابه, ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه. وهذا عام لكل منافق, إلا مَنْ مَنَّ الله عليهم بالتوبة من السيئات " وَأَصْلَحُوا " له الظواهر والبواطن " وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ " والتجأوا إليه, في جلب منافعهم, ودفع المضار عنهم. " وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ " الذي هو الإسلام, والإيمان والإحسان " لِلَّهِ ". فقصدوا وجه الله, بأعمالهم الظاهرة والباطنة, وسلموا من الرياء والنفاق. فمن اتصف بهذه الصفات " فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ " أي: في الدنيا, والبرزخ, ويوم القيامة. " وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا " لا يعلم كنهه إلا الله, مما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص, بالذكر, مع دخولهما في قوله: " وَأَصْلَحُوا " لأن الاعتصام والإخلاص, من جملة الإصلاح, لشدة الحاجة إليهما, خصوصا في هذا المقام الحرج, الذي تمكن فيه النفاق من القلوب. فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله, ودوام اللجأ والافتقار إليه, في دفعه, وكون الإخلاص منافيا كل المنافاة للنفاق. فذكرهما لفضلهما, وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما, ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما. وتأمل كيف - لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين - لم يقل " وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ", مع أن السيئات فيهم. بل قال " وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ". لأن هذه القاعدة الشريفة - لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد, إذا كان السياق في بعض الجزئيات, وأراد أن يرتب عليه ثوابا أو عقابا وكان ذلك مشتركا بينه وبين الجنس الداخل فيه. رتب الثواب, في مقابلة الحكم العام, الذي تندرج تحته, تلك القضية وغيرها. ولئلا يتوهم اختصاص الحكم, بالأمر الجزئي, فهذا من أسرار القرآن البديعة. فالتائب من المنافقين, مع المؤمنين, وله ثوابهم.

"مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا "
ثم أخبر تعالى, عن كمال غناه, وسعة حلمه, ورحمته; وإحسانه فقال: " مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ " والحال أن الله شاكر عليم. يعطي المتحملين لأجله; الأثقال, الدائبين في الأعمال; جزيل الثواب وواسع الإحسان. ومن ترك شيئا لله, أعطاه الله خيرا منه. ومع هذا, يعلم ظاهركم وباطنكم, وأعمالكم, وما تصدر عنه من إخلاص وصدق, وضد ذلك. وهو يريد التوبة والإنابة منكم والرجوع إليه. فإذا أنبتم إليه, فأي شيء يفعل بعذابكم؟ فإنه لا يتشفى بعذابكم, ولا ينتفع بعقابكم. بل العاصي لا يضر إلا نفسه, كما أن عمل المطيع, لنفسه. والشكر هو: خضوع القلب, واعترافه بنعمة الله, وثناء اللسان على المشكور. وعمل الجوارح بطاعته, وأن لا يستعين بنعمه على معاصيه.

"لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا "
يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول, أي: يبغض ذلك ويمقته, ويعاقب عليه. ويشمل ذلك, جميع الأقوال السيئة, التي تسوء وتحزن, كالشتم, والقذف, والسب ونحو ذلك فإن ذلك كله, من المنهي عنه, الذي يبغضه الله. ويدل مفهومها, أنه يحب الحسن من القول, كالذكر, والكلام الطيب اللين. وقوله " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه, ويشتكي منه, ويجهر بالسوء لمن جهر له به, من غير أن يكذب عليه, ولا يزيد على مظلمته, ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه. ومع ذلك, فعفوه, وعدم مقابلته, أولى كما قال تعالى: " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ". " وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا " ولما كانت الآية, قد اشتملت على الكلام السيئ, والحسن, والمباح, أخبر تعالى, أنه سميع, فيسمع أقوالكم, فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم. وفيه أيضا ترغيب على القول الحسن " عَلِيمٌ " بنياتكم ومصدر أقوالكم.

"إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا "
ثم قال تعالى " إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ " وهذا يشمل كل خير, قولي, وفعلي, ظاهر, وباطن, من واجب, ومستحب. " أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ " أي: عمن أساء إليكم في أبدانكم, وأموالكم, واعراضكم, فتسمحوا عنه, فإن الجزاء من جنس العمل. فمن عفا لله, عفا الله عنه, ومن أحسن, أحسن الله إليه, فلهذا قال: " فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا " أي: يعفو عن زلات عباده, وذنوبهم العظيمة, فيسدل عليهم ستره, ثم يعاملهم بعفوه التام, الصادر عن قدرته. وفي هذه الآية, إرشاد إلى التدبر في معاني أسماء الله وصفاته, وأن الخلق والأمر, صادر عنها, وهي مقتضية له, ولهذا يعلل الأحكام, بالأسماء الحسنى, كما في هذه الآية. لما ذكر عمل الخير والعفو عن المسيء, رتب على ذلك, بأن أحالنا على معرفة أسمائه, وأن ذلك يغنينا عن ذكر ثوابها الخاص قال " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ " إلى " وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ".

"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا "
هنا قسمان, قد وضحا لكل أحد مؤمن بالله, وبرسله كلهم, وكتبه, وكافر بذلك كله. وبقي قسم ثالث: وهو: الذي يزعم أنه يؤمن ببعض الرسل, دون بعض, وأن هذا سبيل ينجيه من عذاب الله, إن هذا إلا مجرد أماني. فإن هؤلاء, يريدون التفريق بين الله وبين رسله. فإن من تولى الله حقيقة, تولى جميع رسله, لأن ذلك من تمام توليه. ومن عادى أحدا من رسله, فقد عادى الله, وعادى جميع رسله كما قال تعالى: " مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ " الآيات.

"أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا "
وكذلك من كفر برسول, فقد كفر بجميع الرسل, بل بالرسول, الذي يزعم أنه به مؤمن, ولهذا قال: " أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ". وذلك لئلا يتوهم أن مرتبتهم متوسطة, بين الإيمان والكفر. ووجه كونهم كافرين - حتى بمن زعموا الإيمان به - أن كل دليل دلهم على الإيمان بمن آمنوا به, موجود هو أو مثله, أو ما هو فوقه للنبي الذي كفروا به. وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به, موجود مثلها, أو أعظم منها, فيمن آمنوا به. فلم يبق بعد ذلك, إلا التشهي والهوى, ومجرد الدعوى, التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها. ولما ذكر أن هؤلاء هم الكافرون حقا, ذكر عقابا شاملا لهم, ولكل كافر فقال: " وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا " كما تكبروا عن الإيمان بالله, أهانهم بالعذاب الأليم المخزي.

"وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا "
" وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ " وهذا يتضمن الإيمان, بكل ما أخبر الله به عن نفسه, وبكل ما جاءت به الرسل من الأخبار والأحكام. " وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ " بل آمنوا بهم كلهم. فهذا هو الإيمان الحقيقي, واليقين المبني على البرهان. " أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ " أي: جزاء إيمانهم, وما ترتب عليه, من عمل صالح, وقول حسن, وخلق جميل, كُلٌّ على حسب حاله. ولعل هذا, هو السر في إضافة الأجور إليهم. " وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " يغفر السيئات ويتقبل الحسنات.

"يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا "
هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب, للرسول محمد صلى الله عليه وسلم, على وجه العناد والاقتراح, وجعلهم هذا السؤال. يتوقف عليه تصديقهم, أو تكذيبهم. وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة, كما نزلت التوراة والإنجيل. وهذا غاية الظلم منهم, فإن الرسول, بشر عبد, مدبر, ليس في يده من الأمر شيء, بل الأمر كله لله. وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده, كما قال تعالى عن الرسول, لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين عليه صلى الله عليه وسلم. " قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ". وكذلك جعلهم الفارق, بين الحق والباطل, مجرد إنزال الكتاب جملة, أو مفرقا, مجرد دعوى, لا دليل عليها, ولا مناسبة, بل ولا شبهة. فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء, أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب, نزل مفرقا, فلا تؤمنوا به, ولا تصدقوه؟ بل نزول القرآن مفرقا بحسب الأحوال, مما يدل على عظمته, واعتناء الله بمن أنزل عليه كما قال تعالى: " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا " فلما ذكر اعتراضهم الفاسد, أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم. بل سبق لهم من المقدمات القبيحة, ما هو أعظم مما سلكوا مع الرسول, الذي يزعمون أنهم آمنوا به, من سؤالهم له, رؤية الله عيانا, واتخاذهم العجل إلها يعبدونه, من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم, ما لم يره غيرهم. ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم, وهو التوراة, حتى رفع الطور من فوق رءوسهم, وهددوا أنهم إن لم يؤمنوا, أسقط عليهم, فقبلوا ذلك على وجه الإغماض, والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري. ومن امتناعهم من دخول أبواب القرية, التي أمروا بدخولها سجدا مستغفرين, فخالفوا القول والفعل. ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت, فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة. وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم, فنبذوه وراء ظهورهم, وكفروا بآيات الله, وقتلوا رسله بغير حق. ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه. والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه, بل شُبِّه لهم غيره, فقتلوا غيره وصلبوه. وادعائهم بأن قلوبهم غلف, لا تفقه ولا تقول لهم, ولا تفهمه. وبصدهم الناس عن سبيل الله, فصدوهم عن الحق, ودعوتهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي. وبأخذهم السحت, والربا, مع نهي الله لهم عنه, والتشديد فيه. فالذين فعلوا هذه الأفاعيل, لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا, أن ينزل عليهم كتابا من السماء. وهذه الطريقة, من أحسن الطرق, لمحاجة الخصم المبطل. وهو: أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل, ما جعله شبهة له ولغيره, في رد الحق, أن يبين من حاله الخبيثة, وأفعاله الشنيعة, ما هو من أقبح ما صدر منه, ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس, وأن له مقدمات يجعل هذا معها. وكذلك كل اعتراض يعترضون به, على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, يمكن أن يقابل بمثله, أو ما هو أقوى منه, في نبوة من يدعون إيمانهم به, ليكتفي بذلك شرهم, وينقمع باطلهم. وكل حجة سلكوها, في تقريرهم لنبوة من آمنوا به, فإنها ونظيرها, وما هو أقوى منها, دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة, لم يبسطها في هذا الموضع, بل أشار إليها, وأحال على مواضعها, وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها.

"وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا "
وقوله " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ". يحتمل أن الضمير هنا في قوله " قَبْلَ مَوْتِهِ " يعود إلى أهل الكتاب. فيكون - على هذا - كل كتابي يحضره الموت, ويعاين الأمر حقيقة, فإنه يؤمن بعيسى عليه السلام, ولكنه إيمان لا ينفع, لأنه إيمان اضطرار. فيكون مضمون هذا التهديد لهم والوعيد, أن لا يستمروا على هذه الحال, التي سيندمون عليها قبل مماتهم فكيف يكون حالهم يوم حشرهم وقيامهم؟!! ويحتمل أن الضمير في قوله " قَبْلَ مَوْتِهِ " راجع إلى عيسى عليه السلام. فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب, إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت المسيح, وذلك يكون عند اقتراب الساعة, وظهور علاماتها الكبار. فإنها تكاثرت الأحاديث في نزوله عليه السلام في آخر هذه الأمة. يقتل الدجال, ويضع الجزية, ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين. ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا, يشهد عليهم بأعمالهم, وهل هي موافقة لشرع الله أم لا؟. وحينئذ لا يشهد إلا ببطلان كل ما هم عليه, مما هو مخالف لشريعة القرآن. ولما دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم علمنا بذلك, لعلمنا بكمال عدالة المسيح عليه السلام, وصدقه, وأنه لا يشهد إلا بالحق. إلا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, هو الحق, وما عداه, فهو ضلال وباطل.

"فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا "
ثم أخبر تعالى أنه حرم على أهل الكتاب, كثيرا من الطيبات, التي كانت حلالا عليهم. وهذا تحريم عقوبة, بسبب ظلمهم واعتدائهم, وصدهم الناس عن سبيل الله, ومنعهم إياهم من الهدى, وبأخذهم الربا, وقد نهوا عنه. فمنعوا المحتاجين, ممن يبايعونه عن العدل. فعاقبهم الله من جنس فعلهم, فمنعهم من كثير من الطيبات, التي كانوا بصدد حلها, لكونها طيبة. وأما التحريم الذي على هذه الأمة, فإنه تحريم, تنزيها لهم عن الخبائث التي تضرهم, في دينهم ودنياهم.

"لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا "
لما ذكر معايب أهل الكتاب, ذكر الممدوحين منهم فقال: " لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ " أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم, ورسخ الإيقان في أفئدتهم, فأثمر لهم الإيمان التام العام " بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ". وأثمر لهم الأعمال الصالحة, من إقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, اللذين هما أفضل الأعمال. وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود, والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر, فخافوا الوعيد, ورجو الوعد. " أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا " لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان, والعمل الصالح, والإيمان بالكتب, والرسل السابقة واللاحقة.

"إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا "
يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله, من الشرع العظيم, والأخبار الصادقة, ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء, عليهم الصلاة والسلام, وفي هذا عدة فوائد: منها أن محمدا صلى الله عليه وسلم, ليس ببدع من الرسل, بل أرسل الله قبله من المرسلين, العدد الكثير, والجم الغفير, فاستغراب رسالته لا وجه له إلا الجهل والعناد. ومنها: أنه أوحى إليه, كما أوحى إليهم, في الأصول, والعدل الذي اتقوا عليه, وأن بعضهم يصدق بعضا, ويوافق بعضهم بعضا. ومنها: أنه من جنس هؤلاء الرسل, فليعتبره المعتبر, بإخوانه المرسلين. فدعوته, دعوتهم; وأخلاقهم; متفقة; ومصدرهم واحد; وغايتهم واحدة. فلم يقرنه بالمجهولين; ولا بالكذابين, ولا بالملوك الظالمين. ومنها: أن في ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم, من التنويه بهم, والثناء الصادق عليهم, وشرح أحوالهم, مما يزداد به المؤمن, إيمانا بهم, ومحبة لهم, واقتداء بهديهم, واستنانا بسنتهم, ومعرفة بحقوقهم, ويكون ذلك مصداقا لقوله: " سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ " " سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ " " سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ " " سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ". فكل محسن, له من الثناء الحسن بين الأنام, بحسب إحسانه. والرسل - خصوصا هؤلاء المسمون - في المرتبة العليا من الإحسان. ولما ذكر اشتراكهم بوحيه, ذكر تخصيص بعضهم. فذكر أنه: آتى داود الزبور, وهو الكتاب المعروف, المزبور الذي خص الله به داود عليه السلام, لفضله وشرفه. وأنه كلم موسى تكليما, أي: مشافهة منه إليه, لا بواسطة, حتى اشتهر بهذا عند العالمين, فيقال "موسى كليم الرحمن". وذكر أن الرسل, منهم من قصه الله على رسوله, ومنهم من لم يقصصه عليه. وهذا يدل على كثرتهم, وأن الله أرسلهم مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم, بالسعادة الدنيوية والأخروية, ومنذرين من عصى الله, وخالفهم بشقاوة الدارين, لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فيقولوا: " مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ". فلم يبق للخَلْق على الله حجة لإرساله الرسل تترى, يبينون لهم أمر دينهم, ومراضي ربهم ومساخطه, وطرق الجنة وطرق النار. فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وهذا من كمال عزته تعالى, وحكمته, أن أرسل إليهم الرسل, وأنزل عليهم الكتب. وذلك أيضا من فضله وإحسانه, حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء, أعظم ضرورة تقدر, فأزال هذا الاضطرار, فله الحمد والشكر. ونسأله, كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم, أن يتمها بالتوفيق, لسلوك طريقهم. إنه جواد كريم.

"لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا "
لما ذكر أن الله أوحى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, كما أوحى إلى إخوانه من المرسلين, أخبر هنا, بشهادته تعالى على رسالته وصحة ما جاء به. و " أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ " يحتمل أن يكون المراد, أنزله مشتملا على علمه, أي: فيه من العلوم الإلهية, والأحكام الشرعية, والأخبار الغيبية, ما هو من علم الله تعالى, الذي علم به عباده. ويحتمل أن يكون المراد: أنزله, صادرا عن علمه. ويكون في ذلك إشارة وتنبيه, على وجه شهادته. وأن المعنى: إذا كان تعالى, أنزل هذا القرآن, المشتمل على الأوامر والنواهي, وهو يعلم ذلك, ويعلم حالة الذي أنزله عليه, وأنه دعا الناس إليه, فمن أجابه وصدقه, كان وليه, ومن كذبه وعاداه, كان عدوه, واستباح ماله ودمه, والله تعالى يمكنه, ويوالي نصره, ويجيب دعواته, ويخذل أعداءه, وينصر أولياءه. فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟!! ولا يمكن القدح في هذه الشهادة, إلا بعد القدح بعلم الله, وقدرته, وحكمته, وإخباره تعالى, بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله, لكمال إيمانهم, ولجلالة هذا المشهود عليه. فإن الأمور العظيمة, لا يستشهد عليها, إلا الخواص, كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد: " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " وكفى بالله شهيدا.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا "
لما أخبر عن رسالة الرسل, صلوات الله وسلامه عليهم, وأخبر برسالة خاتمهم محمد, وشهد بها, وشهدت ملائكته - لزم من ذلك, ثبوت الأمر المقرر, والمشهود به, فوجب تصديقهم, والإيمان بهم واتباعهم. ثم توعد من كفر بهم فقال: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ". أي جمعوا بين الكفر بأنفسهم, وصدهم الناس عن سبيل الله. وهؤلاء أئمة الكفر, ودعاة الظلال " قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ". وأي: ضلال, أعظم من ضلال من ضل بنفسه, وأضل غيره, فباء بالإثمين, ورجع بالخسارتين, وفاتته الهدايتان, ولهذا قال: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا "

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا "
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا " وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم, وإلا فالكفر - عند إطلاق الظلم - يدخل فيه. والمراد بالظلم هنا, أعمال الكفر والاستغراق فيه. فهؤلاء بعيدون من المغفرة, والهداية للصراط المستقيم. ولهذا قال: " لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ". وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية, لأنهم استمروا في طغيانهم, وازدادوا في كفرهم, فطبع على قلوبهم, وانسدت عليهم طرق الهداية, بما كسبوا. " وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ".

"إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا "
" وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا " أي: لا يبالي الله بهم, ولا يعبأ, لأنهم لا يصلحون للخير, ولا يليق بهم, إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم.

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا "
يأمر تعالى جميع الناس, أن يؤمنوا بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر السبب الموجب للإيمان به, والفائدة في الإيمان والمضرة, في عدم الإيمان به. فالسبب الموجب, هو: إخباره بأنه جاءهم بالحق. فمجيئه نفسه حق, وما جاء به من الشرع حق. فإن العاقل, يعرف أن بقاء الخلق في جهلهم يعمهون, وفي كفرهم يترددون, والرسالة قد انقطعت عنهم, غير لائق بحكمة الله ورحمته. فمن حكمته ورحمته العظيمة, نفس إرسال الرسول إليهم, ليعرفهم الهدى من الضلال, والغي من الرشد. فمجرد النظر في رسالته, دليل قاطع على صحة نبوته. وكذلك النظر إلى ما جاء به, من الشرع العظيم, والصراط المستقيم. فإنه فيه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة, والخبر عن الله, وعن اليوم الآخر - ما لا يعرفه أحد إلا بالوحي والرسالة. وما فيه من الأمر, بكل خير وصلاح, ورشد, وعدل, وإحسان, وصدق, وبر, وصلة, وحسن خلق, ومن النهي عن الشر والفساد, والبغي والظلم, وسوء الخلق, والكذب والعقوق, مما يقطع به أنه من عند الله. وكلما ازداد به العبد بصيرة, ازداد إيمانه ويقينه, فهذا السبب الداعي للإيمان. وأما الفائدة في الإيمان فأخبر أنه " خَيْرًا لَكُمْ " والخير, ضد الشر. فالإيمان, خير للمؤمنين, في أبدانهم, وقلوبهم, وأرواحهم, ودنياهم, وأخراهم. وذلك لما يترتب عليه, من المصالح والفوائد. فكل ثواب, عاجل وآجل, فمن ثمرات الإيمان. فالنصر, والهدى, والعلم, والعمل الصالح, والسرور, والأفراح, والجنة, وما اشتملت عليه, من النعيم - كل ذلك, سبب عن الإيمان. كما أن الشقاء الدنيوي, والأخروي, من عدم الإيمان, أو نقصه. وأما مضرة عدم الإيمان به صلى الله عليه وسلم, فيعرف بضد ما يترتب على الإيمان. وأن العبد لا يضر إلا نفسه, والله تعالى, غني عنه, لا تضره معصية العاصين. ولهذا قال: " فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: الجميع خلقه وملكه, وتحت تدبيره وتصريفه " وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا " بكل شيء " حَكِيمًا " في خلقه وأمره. فهو العليم بمن يستحق الهداية والغواية, الحكيم في وضع الهداية والغواية, موضعهما.

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا "
ينهى تعالى, أهل الكتاب عن الغلو في الدين, وهو: مجاوزة الحد, والقدر المشروع, إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى, في غلوهم بعيسى عليه السلام, ورفعه عن مقام النبوة, والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله فكما أن التقصير والتفريط, من المنهيات, فالغلو كذلك. ولهذا قال " وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ " وهذا الكلام, يتضمن ثلاثة أشياء. أمرين منهي عنهما, وهما قول الكذب على الله, والقول بلا علم, في أسمائه, وصفاته, وأفعاله, وشرعه, ورسله. والثالث: مأمور وهو: قول الحق في هذه الأمور. ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية, وكان السياق في شأن عيسى عليه السلام, نصا على قول الحق فيه, المخالف للطريقة اليهودية والنصرانية قال: " إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ " أي: غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال, أعلى حالة تكون للمخلوقين, وهي درجة الرسالة, التي هي أعلى الدرجات, وأجلّ المثوبات. وأنه " وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ " أي: كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى, ولم يكن تلك الكلمة, وإنما كان بها, وهذا من باب إضافة التشريف والتكريم. وكذلك قوله " وَرُوحٌ مِنْهُ " أي: من الأرواح التي خلقها, وكملها بالصفات الفاضلة, والأخلاق الكاملة. أرسل الله روحه, جبريل عليه السلام, فنفخ في فرج مريم عليهما السلام. فحملت بإذن الله, بعيسى عليه السلام. فلما بيّن حقيقة عيسى عليه السلام, أمر أهل الكتاب بالإيمان به, وبرسله, ونهاهم أن يجعلوا الله, ثالث ثلاثة, أحدهم عيسى, والثاني مريم فهذه مقالة النصارى, قبحهم الله. فأمرهم أن ينتهوا, وأخبر أن ذلك, خير لهم, لأنه الذي يتعين, أنه سبيل النجاة, وما سواه, فهو طرق الهلاك. ثم نزه نفسه عن الشريك والولد فقال: " إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ " أي: هو المنفرد بالألوهية, الذي لا تنبغي العبادة إلا له. " سُبْحَانَهُ " أي: تنزه وتقدس " أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ " لأن: " لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ " فالكل مملوكون له, مفتقرون إليه, فمحال أن يكون له شريك منهم, أو ولد. ولما أخبر أنه المالك للعالم العلوي والسفلي, أخبر أنه قائم بمصالحهم الدنيوية والأخروية وحافظها, ومجازيها فقال تعالى: " لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ " إلى قوله " وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ".

"لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا "
لما ذكر تعالى غلو النصارى في عيسى عليه السلام, وذكر أنه عبده ورسوله, ذكر هنا, أنه لا يستنكف عن عبادة ربه, أي: لا يمتنع عنها رغبة عنها لا هو " وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ". فنزههم عن الاستنكاف, وتنزيههم عن الاستكبار, من باب أولى. ونفي الشيء فيه إثبات ضده. أي: فعيسى والملائكة المقربون, قد رغبوا في عبادة ربهم, وأحبوها وسعوا فيها, بما يليق بأحوالهم, فأوجب لهم ذلك, الشرف العظيم, والفوز العظيم. فلم يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لربوبيته, ولا لإلهيته, بل يرون افتقارهم لذلك, فوق كل افتقار. ولا يظن أن رفع عيسى, أو غيره من الخلق, فوق مرتبته, التي أنزله الله فيها, وترفعه عن العبادة كمالا, بل هو النقص بعينه, وهو محل الذم والعقاب, ولهذا قال: " وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا " أي: فسيحشر الخلق كلهم إليه, المستنكفين, والمستكبرين وعباده المؤمنين, فيحكم بينهم, بحكمه العدل, وجزائه الفصل.

"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا "
ثم فصل حكمه فيهم فقال: " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " أي: جمعوا بين الإيمان المأمور به, وعمل الصالحات, من واجبات, ومستحبات, في حقوق الله, وحقوق عباده. " فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ " أي: الأجور التي رتبها على الأعمال, كُلٌّ بحسب إيمانه وعمله. " وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ " من الثواب, الذي لم تنله أعمالهم, ولم تصل إليه أفعالهم, ولم يخطر على قلوبهم. ودخل في ذلك, كل ما في الجنة, من المآكل, والمشارب, والمناكح والمناظر, والسرور, ونعيم القلب والروح, ونعيم البدن. بل يدخل في ذلك, كل خير, ديني, ودنيوي, رتب على الإيمان, والعمل الصالح. " وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا " أي عن عبادة الله تعالى " فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " وهو سخط الله وغضبه, والنار الموقدة, التي تطلع على الأفئدة. " وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا " أي: لا يجدون أحدا من الخلق, يتولاهم, فيحصل لهم المطلوب, ولا من ينصرهم, فيدفع عنهم المرهوب. بل قد تخلى عنهم, أرحم الراحمين, وتركهم في عذابهم خالدين. وما حكم به تعالى, فلا رادّ لحكمه, ولا مغيّر لقضائه.

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا "
يمتن تعالى, على سائر الناس, بما أوصل إليهم, من البراهين القاطعة, والأنوار الساطعة, ويقيم عليهم الحجة, ويوضح لهم المحجة فقال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ " أي حجج قاطعة على الحق, تبينه وتوضحه, وتبين ضده وهذا يشمل الأدلة العقلية والنقلية الآيات الأفقية, والنفسية " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ". وفي قوله " مِنْ رَبِّكُمْ " ما يدل على شرف هذا البرهان وعظمته, حيث كان من ربكم, الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية. فمن تربيته لكم, التي يحمد عليها ويشكر, أن أوصل إليكم البينات, ليهديكم إلى الصراط المستقيم, والوصول إلى جنات النعيم. " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا " وهو هذا القرآن العظيم, الذي قد اشتمل على علوم الأولين والآخرين, والأخبار الصادقة النافعة, والأمر بكل عدل وإحسان وخير, والنهي عن كل ظلم وشر. فالناس في ظلمة, إن لم يستضيئوا بأنواره, وفي شقاء عظيم, إن لم يقتبسوا من خيره.

"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا "
ولكن انقسم الناس - بحسب الإيمان بالقرآن, والانتفاع به - قسمين. " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ " أي: اعترفوا بوجوده, واتصافه بكل وصف كامل, وتنزيهه من كل نقص وعيب. " وَاعْتَصَمُوا بِهِ " أي: لجأوا إلى الله, واعتمدوا عليه, وتبرأوا من حولهم وقوتهم, واستعانوا بربهم. " فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ " أي: فسيتغمدهم بالرحمة الخاصة, فيوفقهم للخيرات, ويجزل لهم المثوبات, ويدفع عنهم البليات. " وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا " أي: يوفقهم للعلم والعمل ومعرفة الحق والعمل به. أي: ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به, ويتمسك بكتابه, منعهم من رحمته, وحرمهم من فضله, وخلى بينهم وبين أنفسهم, فلم يهتدوا, بل ضلوا ضلالا مبينا, عقوبة لهم على تركهم الإيمان, فحصلت لهم الخيبة والحرمان. نسأله تعالى, العفو, والعافية, والمعافاة.

"يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
أخبر تعالى أن الناس استفتوا رسوله صلى الله عليه وسلم أي: في الكلالة بدليل قوله: " قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ " وهي: الميت يموت, وليس له ولد صلب, ولا ولد ابن, ولا أب, ولا جد, ولهذا قال: " إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ " أي: لا ذكر ولا أنثى, لا ولد صلب, ولا ولد ابن. وكذلك, ليس له والد, بدليل أنه ورث فيه الإخوة والإخوة بالإجماع, لا يرثون مع الوالد. فإذا هلك, وليس له ولد, ولا والد " وَلَهُ أُخْتٌ " أي: شقيقة, أو لأب, لا لأم, فإنه قد تقدم حكمها. " فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ " أي نصف متروكات أخيها, من نقود, وعقار, وأثاث, وغير ذلك, وذلك من بعد الدين والوصية كما تقدم. " وَهُوَ " أي: أخوها الشقيق, أو الذي للأب " يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ " ولم يقدر له إرث, لأنه عاصب فيأخذ مالها كله, إن لم يكن صاحب فرض ولا عاصب يشاركه, أو ما أبقت الفروض. " فَإِنْ كَانَتَا " أي الأختان " اثْنَتَيْنِ " أي: فما فوق " فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً " أي: اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم, مع الإناث " فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ " فيسقط فرض الإناث, ويعصبهن إخوتهن. " يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا " أي: يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها, ويوضحها, ويشرحها لكم, فضلا منه وإحسانا, لكي تهتدوا ببيانه, وتعملوا بأحكامه, ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم, بسبب جهلكم, وعدم علمكم. " وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " أي: عالم بالغيب والشهادة, والأمور الماضية والمستقبلة ويعلم حاجتكم إلى بيانه, وتعليمه, فيعلم من علمه الذي ينفعكم على الدوام, في جميع الأزمنة والأمكنة. آخر تفسير سورة النساء. فلله الحمد والشكر


سورة المائدة


"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ "
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين, بما يقتضيه الإيمان, بالوفاء بالعقود أي: بإكمالها, وإتمامها, وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود, التي بين العبد وبين ربه, من التزام عبوديته, والقيام بها أتم قيام, وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا, والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه, والتي بينه وبين الوالدين, والأقارب, ببرهم, وصلتهم, وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر, واليسر والعسر, والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات, كالبيع, والإجارة, ونحوهما, وعقود التبرعات, كالهبة ونحوها, والقيام بحقوق المسلمين, التي عقدها الله, بينهم في قوله: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " بل التناصر على الحق, والتعاون عليه, والتآلف بين المسلمين, وعدم التقاطع. فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه, فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها. ثم قال - ممتنا على عباده - " أُحِلَّتْ لَكُمْ " أي لأجلكم, رحمة بكم " بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ " من الإبل, والبقر والغنم. بل ربما دخل في ذلك, الوحش منها, والظباء, وحمر الوحش ونحوها, من الصيود. واستدل بعض الصحابة بهذه الآية, على إباحة الجنين, الذي يموت في بطن أمه, بعدما تذبح. " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " تحريمه منها في قوله " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ " إلى آخر الآية. فإن هذه المذكورات, وإن كانت من بهيمة الأنعام, فإنها محرمة. ولما كانت إباحة بهيمة الأنعام عامة في جميع الأحوال والأوقات, استثنى منها الصيد في حال الإحرام فقال: " غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ " أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال, إلا حيث كنتم متصفين بأنكم, غير محلي الصيد, وأنتم حرم, أي: متجرئون على قتله في حال الإحرام, فإن ذلك لا يحل لكم, إذا كان صيدا, كالظباء ونحوه. والصيد. هو: الحيوان المأكول المتوحش. " إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ " أي: فمهما أراده تعالى, حكم به حكما موافقا لحكمته, كما أمركم بالوفاء بالعقود, لحصول مصالحكم ودفع المفضار عنكم. وأحل لكم بهيمة الأنعام, رحمة بكم, وحرم عليكم ما استثنى منها, من ذوات العوارض, من الميتة ونحوها, صونا لكم, واحتراما, ومن صيد الإحرام, احتراما للإحرام, وإعظاما.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "
يقول تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ " أي: محرماته, التي أمركم بتعظيمها, وعدم فعلها. فالنهي يشمل النهي عن فعلها, والنهي عن اعتقاد حلها, فهو يشمل النهي, عن فعل القبيح, وعن اعتقاده. ويدخل في ذلك, النهي عن محرمات الإحرام, ومحرمات الحرم. ويدخل في ذلك ما نص عليه بقوله " وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ " أي: لا تنتهكوه بالقتال فيه وغيره, من أنواع الظلم كما قال تعالى: " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ". والجمهور من العلماء, على أن القتال في الأشهر الحرم, منسوخ بقوله تعالى: " فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " وغير ذلك من العمومات, التي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقا, والوعيد في التخلف عن قتالهم مطلقا. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل الطائف, في ذي القعدة, وهو من الأشهر الحرم. وقال آخرون: إن النهي عن القتال في الأشهر الحرم, غير منسوخ لهذه الآية وغيرها, مما فيه النهي عن ذلك بخصوصه. وحملوا النصوص المطلقة الواردة على ذلك, وقالوا: المطلق يحمل على المقيد. وفصل بعضهم فقال: لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم, وأما استدامته, وتكميله, إذا كان أوله في غيرها, فإنه يجوز. وحملوا قتال النبي صلى الله عليه وسلم, لأهل الطائف على ذلك, لأن أول قتالهم في "حنين" في "شوال". وكل هذا في القتال الذي ليس المقصود منه الدفع. فأما قتال الدفع - إذا ابتدأ الكفار المسلمين بالقتال - فإنه يجوز للمسلمين القتال, دفعا عن أنفسهم, في الشهر الحرام وغيره, بإجماع العلماء. وقوله " وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ " أي: ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت الله, في حج, أو عمرة, أو غيرها, من نعم وغيرها, فلا تصدوه عن الوصول إلى محله, ولا تأخذوه بسرقة أو غيرها, ولا تقصروا به, أو تحملوه ما لا يطيق, خوفا من تلفه, قبل وصوله إلى محله, بل عظموه, وعظموا من جاء به. " وَلَا الْقَلَائِدَ " هذا نوع خاص من أنواع الهدي, وهو الهدي الذي يفتل له قلائد أو عرى, فيجعل في أعناقه, إظهارا لشعائر الله, وحملا للناس على الاقتداء, وتعليما لهم للسنة, وليعرف أنه هدي, فيحرم, ولهذا كان تقليد الهدي من السنة والشعائر المسنونة. " وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ " أي: قاصدين له " يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ". أي: من قصد هذا البيت الحرام, وقصده فضل الله بالتجارة, والمكاسب المباحة, أو قصده رضوان الله, بحجه وعمرته, والطواف به, والصلاة, وغيرها من أنواع العبادات, فلا تتعرضوا له بسوء, ولا تهينوه, بل أكرموه, وعظموا الوافدين الزائرين لبيت ربكم. ودخل في هذا, الأمر بتأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله, وجعل القاصدين له, مطمئنين مستريحين, غير خائفين على أنفسهم من القتل فما دونه, ولا على أموالهم من المكس والنهب ونحو ذلك. وهذه الآية الكريمة مخصوصة بقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ". فالمشرك, لا يُمَكَّن من الدخول إلى الحرم. والتخصيص في هذه الآية, بالنهي عن التعرض لمن قصد البيت, ابتغاء فضل الله أو رضوانه - يدل على أن من قصده, ليلحد فيه بالمعاصي, فإن من تمام احترام الحرم, صد من هذه حاله, عن الإفساد ببيت الله, كما قال تعالى: " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ". ولما نهاهم عن الصيد في حال الإحرام قال: " وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا " أي: إذا حللتم من الإحرام, بالحج والعمرة, حل لكم الاصطياد, وزال ذلك التحريم. والأمر بعد التحريم, يرد الأشياء إلى ما كانت عليه من قبل. " وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا " أي: لا يحملنكم بغض قوم, وعداوتهم, واعتداؤهم عليكم, حيث صدوكم عن المسجد, على الاعتداء عليهم, طلبا للاشتفاء منهم, فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله, ويسلك طريق العدل, ولو جُنِي عليه, أو ظلم, واعتدي عليه. فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه, أو يخون من خانه. " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى " أي: ليعن بعضكم بعضا على البر. وهو: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه, من الأعمال الظاهرة والباطنة, من حقوق الله, وحقوق الآدميين. والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع, لترك كل ما يكرهه الله ورسوله, من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكل خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها, أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها, فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه, وبمعاونة غيره عليها من إخوانه المؤمنين, بكل قول يبعث عليها, وينشط لها, وبكل فعل كذلك. " وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ " وهو التجري على المعاصي, التي يأثم صاحبها, ويجرح. " وَالْعُدْوَانِ " وهو: التعدي على الخَلْق, في دمائهم, وأموالهم, وأعراضهم. فكل معصية وظلم, يجب على العبد, كف نفسه عنه, ثم إعانة غيره على تركه. " وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " على من عصاه, وتجرأ على محارمه. فاحذروا المحارم, لئلا يحل بكم عقابه العاجل والآجل.

"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
هذا الذي حولنا الله عليه في قوله " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ". واعلم أن الله تبارك وتعالى, لا يحرّم ما يحرّم, إلا صيانة لعباده, وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات, وقد يبين للعباد ذلك, وقد لا يبين. فأخبر أنه حرم " الْمَيْتَةَ ", والمراد بالميتة: ما فقدت حياته بغير ذكاة شرعية, فإنها تحرم, لضررها, وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها, المضر بآكلها. وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها, فتضر بالآكل. ويستثنى من ذلك, ميتة الجراد, والسمك فإنه حلال. " وَالدَّمَ " أي: المسفوح, كما قيد في الآية الأخرى. " وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ " وذلك شامل لجميع أجزائه. وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع, لأن طائفة من أهل الكتاب, من النصارى, يزعمون أن الله أحله لهم. أي: فلا تغتروا بهم, بل هو محرم من جملة الخبائث. " وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ " أي ذكر عليه اسم غير الله, من الأصنام, والأولياء, والكواكب, وغير ذلك من المخلوقين. فكما أن ذكر الله تعالى يطيب الذبيحة, فذكر اسم غيره عليها, يفيدها خبثا معنويا, لأنه شرك بالله تعالى. " وَالْمُنْخَنِقَةُ " أي: الميتة بخنق, بيد, أو حبل, أو إدخالها رأسها بشيء ضيق, فتعجز عن إخراجه, حتى تموت. " وَالْمَوْقُوذَةُ " أي: الميتة بسبب الضرب, بعصا, أو حصى, أو خشبة, أو هدم شيء عليها, بقصد, أو بغير قصد. " وَالْمُتَرَدِّيَةُ " أي: الساقطة من علو, كجبل, أو جدار, أو سطح ونحوه, فتموت بذلك. " وَالنَّطِيحَةُ " وهي التي تنطحها غيرها فتموت. " وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ " من ذئب, أو أسد, أو نمر, أو من الطيور التي تفترس الصيود, فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع, فإنها لا تحل. وقوله " إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ " راجع لهذه المسائل, من منخنقة, وموقوذة, ومتردية, ونطيحة, وأكيلة سبع, إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها. ولهذا قال الفقهاء: "لو أبان السبع أو غيره, حشوتها, أو قطع حلقومها, كان وجود حياتها, كعدمها, لعدم فائدة الذكاة فيها". وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة, فإذا ذكاها وفيها حياة, حلت, ولو كانت مبانة الحشوة, وهو ظاهر الآية الكريمة. " وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ " أي: وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام. ومعنى الاستقسام: طلب ما يقسم لكم, ويقدر بها. وهي قداح ثلاثة, كانت تستعمل في الجاهلية, مكتوب على أحدها "افعل" وعلى الثاني "لا تفعل" والثالث "غفل" لا كتابة فيه. فإذا هَمَّ أحدهم بسفر, أو عرس أو نحوهما, أجال تلك القداح المتساوية في الجرم, ثم أخرج واحدا منها. فإن خرج المكتوب عليه "افعل" مضى في أمره. وإن ظهر المكتوب عليه "لا تفعل" لم يفعل ولم يمض في شأنه. وإن ظهر الآخر, الذي لا شيء عليه, أعادها حتى يخرج أحد القدحين, فيعمل به. فحرم الله عليهم الذي في هذه الصورة, وما يشبهها, وعوضهم عنه, بالاستخارة لربهم, في جميع أمورهم. " ذَلِكُمْ فِسْقٌ " الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات, التي حرمها الله, صيانة لعباده, وأنها فسق, أي: خروج عن طاعته, إلى طاعة الشيطان. ثم امتن على عباده بقوله: " الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ " الآية. واليوم المشار إليه, يوم عرفة, إذ أتم الله دينه, ونصر عبده ورسوله, وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا, بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم, طامعين في ذلك. فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره, يئسوا كل اليأس من المؤمنين, أن يرجعوا إلى دينهم, وصاروا يخافون منهم ويخشون. ولهذا في هذه السنة, التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع - لم يحجج فيها مشرك, ولم يطف بالبيت عريان. ولهذا قال " فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ " أي: فلا تخشوا المشركين, واخشوا الله, الذي نصركم عليهم, وخذلهم, ورد كيدهم في نحورهم. " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " بتمام النصر, وتكميل الشرائع, الظاهرة والباطنة, الأصول والفروع. ولهذا كان الكتاب والسنة, كافيين كل الكفاية, في أحكام الدين, وأصوله وفروعه. فكل متكلف يزعم, أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم, إلى علوم, غير علم الكتاب والسنة, من علم الكلام وغيره, فهو جاهل, مبطل في دعواه, قد زعم أن الدين لا يكمل, إلا بما قاله, ودعا إليه. وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله. " وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " الظاهرة والباطنة " وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا " أي: اخترته واصطفيته لكم دينا, كما ارتضيتكم له. فقوموا به, شكرا لربكم, واحمدوا الذي مَنَّ عليكم, بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها. " فَمَنِ اضْطُرَّ " أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات السابقة, في قوله " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ". " فِي مَخْمَصَةٍ " أي: مجاعة " غَيْرَ مُتَجَانِفٍ " أي: مائل " لِإِثْمٍ " بأن لا يأكل حتى يضطر, ولا يزيد في الأكل على كفايته. " فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " حيث أباح له الأكل في هذه الحال. ورحمه, بما يقيم به بنيته, من غير نقص يلحقه في دينه.

"يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ "
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم " يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ". من الأطعمة؟. " قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ " وهي كل ما فيه نفع أو لذة, من غير ضرر بالبدن, ولا بالعقل. فدخل في ذلك, جميع الحبوب, والثمار, التي في القرى والبراري. ودخل في ذلك, جميع حيوانات البر, إلا ما استثناه الشارع, كالسباع, والخبائث منها. ولهذا دلت الآية بمفهومها, على تحريم الخبائث, كما صرح به في قوله تعالى: " وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ". " وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ". أي: أحل لكم ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية. دلت هذه الآية على أمور: أحدها: لطف الله بعباده, ورحمته لهم, حيث وسع عليهم طرق الحلال, وأباح لهم, ما لم يذكوه, مما صادته الجوارح. والمراد بالجوارح: الكلاب, والفهود, والصقر, ونحو ذلك, مما يصيد بنابه, أو بمخلبه. الثاني: أنه يشترط, أن تكون معلمة, بما يعد في العرف تعليما, بأن يسترسل, إذا أرسل, وينزجر إذا زجر, وإذا أمسك, لم يأكل, ولهذا قال: " تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ " أي: أمسكن من الصيد لأجلكم. وما أكل منه الجارح فإنه لا يعلم أنه أمسكه على صاحبه, ولعله أن يكون أمسكه على نفسه. الثالث: اشتراط أن يجرحه الكلب, أو الطير ونحوهما, لقوله " مِنَ الْجَوَارِحِ " مع ما تقدم من تحريم المنخنقة. فلو خنقه الكلب أو غيره, أو قتله بثقله, لم يبح. هذا بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد, بأنيابها, أو مخالبها. والمشهور أن الجوارح, بمعنى الكواسب أي: المحصلات للصيد, والمدركات له. فلا يكون فيها - على هذا - دلالة. والله أعلم. الرابع: جواز اقتناء كلب الصيد, كما ورد في الحديث الصحيح, مع أن اقتناء الكلب محرم لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه, جواز اقتنائه. الخامس: طهارة ما أصابه فم الكلب, من الصيد, لأن الله أباحه, ولم يذكر له غسلا, فدل على طهارته. السادس: فيه فضيلة العلم, وأن الجارح المعلم - بسبب العلم - يباح صيده, والجاهل بالتعليم, لا يباح صيده. السابع: أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما, ليس مذموما, وليس من العبث والباطل. بل هو أمر مقصود, لأنه وسيلة لحل صيده, والانتفاع به. الثامن: فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد, قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك. التاسع: فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح, وأنه إن لم يسم الله متعمدا, لم يبح ما قتل الجارح. العاشر: أنه يجوز أكل ما صاده الجارح, سواء قتله الجارح, أم لا. وأنه إن أدركه صاحبه, وفيه حياة مستقرة, فإنه لا يباح إلا بها. ثم حث تعالى على تقواه, وحذر من إتيان الحساب في يوم القيامة, وأن ذلك, أمر قد دنا, واقترب فقال: " وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ".

"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ "
كرر تعالى إحلال الطيبات, لبيان الامتنان, ودعوة للعباد إلى شكره والإكثار من ذكره, حيث أباح لهم ما تدعوهم الحاجة إليه, ويحصل لهم الانتفاع به من الطيبات. " وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ " أي: ذبائح اليهود والنصارى, حلال لكم - يا معشر المسلمين - دون باقي الكفار, فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين. وذلك لأن أهل الكتاب, ينتسبون إلى الأنبياء والكتب. وقد اتفق الرسل كلهم, على تحريم الذبح لغير الله, لأنه شرك. فاليهود والنصارى, يتدينون بتحريم الذبح لغير الله, فلذلك أبيحت ذبائحهم, دون غيرهم. والدليل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم, أن الطعام الذي ليس من الذبائح, كالحبوب, والثمار, ليس لأهل الكتاب فيه خصوصية, بل يباح ذلك, ولو كان من طعام غيرهم. وأيضا, فإنه أضاف الطعام إليهم. فدل ذلك, على أنه كان طعاما, بسبب ذبحهم. ولا يقال: إن ذلك للتمليك, وأن المراد: الطعام الذي يملكون. لأن هذا, لا يباح على وجه الغصب, ولا من المسلمين. " وَطَعَامُكُمْ " أيها المسلمون " حِلٌّ لَهُمْ " أي: يحل لكم أن تطعموهم إياه. وأحل لكم الْمُحْصَنَاتِ أي: الحرائر العفيفات " مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ " والحرائر العفيفات " مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ " أي: من اليهود والنصارى. وهذا مخصص لقوله تعالى " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ". ومفهوم الآية, أن الأرقاء من المؤمنات, لا يباح نكاحهن للأحرار, وهو كذلك. وأما الكتابيات, فعلى كل حال, لا يبحن, ولا يجوز نكاحهن للأحرار مطلقا, لقوله تعالى: " مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ". وأما المسلمات - إذا كن رقيقات - فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن إلا بشرطين, عدم الطول, وخوف العنت. وأما الفاجرات, غير العفيفات عن الزنا, فلا يباح نكاحهن, سواء كن مسلمات, أو كتابيات, حتى يتبن لقوله تعالى: " الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً " الآية. وقوله " إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ " أي: أبحنا لكم نكاحهن, إذا أعطيتموهن مهورهن. فمن عزم على أن لا يؤتيها مهرها, فإنها لا تحل له. وأمر بإيتائها, إذا كانت رشيدة, تصلح للإيتاء, وإلا أعطاه الزوج لوليها. وإضافة الأجور إليهن, دليل على أن المرأة, تملك جميع مهرها, وليس لأحد منه شيء, إلا ما سمحت به لزوجها, أو وليها أو غيرهما. " مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ " أي: حالة كونكم - أيها الأزواج - محصنين لنسائكم, بسبب حفظكم لفروجكم عن غيرهن. " غَيْرَ مُسَافِحِينَ " أي: زانين مع كل أحد " وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ". وهو: الزنا مع العشيقات لأن الزناة في الجاهلية, منهم من يزني مع من كان, فهذا هو المسافح. ومنهم من يزني مع خدنه ومحبه. فأخبر الله تعالى أن ذلك كله, ينافي العفة. وأن شروط التزوج, أن يكون الرجل عفيفا عن الزنا. وقوله تعالى: " وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ " أي: ومن كفر بالله تعالى, وما يجب الإيمان به, من كتبه ورسله, أو شيء من الشرائع, فقد حبط عمله, بشرط أن يموت على كفره كما قال تعالى: " وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " " وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " أي: الذين خسروا أنفسهم, وأموالهم, وأهليهم يوم القيامة وحصلوا على الشقاوة الأبدية.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
هذه آية عظيمة, قد اشتملت على أحكام كثيرة, نذكر منها, ما يسره الله وسهله. أحدهما: أن هذه المذكورات فيها امتثالها, والعمل بها من لوازم الإيمان, الذي لا يتم إلا به, لأنه صدرها بقوله " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " إلى آخرها. أي: يا أيها الذين آمنوا, اعملوا بمقتضى إيمانكم, بما شرعناه لكم, والثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله " إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ". والثالث: الأمر بالنية للصلاة, لقوله: " إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ " أي: بقصدها ونيتها. الرابع: اشتراط الطهارة, لصحة الصلاة, لأن الله أمر بها عند القيام إليها, والأصل في الأمر, الوجوب. الخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت, وإنما عند إرادة الصلاة. السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة, في الفرض, والنفل, وفرص الكفاية, وصلاة الجنازة, تشترط له الطهارة, حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء, كسجود التلاوة, والشكر. السابع: الأمر بغسل الوجه, وهو: ما تحصل به المواجهة, من منابت شعر الرأس المعتاد, إلى ما انحدر من اللحيين والذقن, طولا. ومن الأذن إلى الأذن, عرضا. ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق, بالسنة. ويدخل فيه, الشعور التي فيه. لكن إن كانت خفيفة, فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة. وإن كانت كثيفة, اكتفي بظاهرها. الثامن: الأمر بغسل اليدين, وأن حدهما إلى المرفقين. و "إلى" كما قال جمهور المفسرين, بمعنى "مع" كقوله تعالى " وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ". ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق. التاسع: الأمر بمسح الرأس. العاشر: أنه يجب مسح جميعه, لأن الباء ليست للتبعيض, وإنما هي للملاصقة وأنه يعم المسح بجميع الرأس. الحادي عشر: أنه يكفي المسح كيفما كان - بيديه, أو إحداهما, أو خرقة, أو خشبة, أو نحوهما, لأن الله أطلق المسح, ولم يقيده بصفة, فدل ذلك, على إطلاقه. الثاني عشر: أن الواجب, المسح. فلو غسل رأسه, ولم يمر يده عليه, لم يكف, لأنه لم يأت بما أمر الله به. الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين, ويقال فيهما ما يقال في اليدين. الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة, على قراءة الجمهور بالنصب. وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين. الخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح الخفين, على قراءة الجر في "وأرجلكم". وتكون كل من القراءتين, محمولة على معنى. فعلى قراءة النصب فيها, غسلهما, إن كانتا مكشوفتين. وعلى قراءة الجر فيها, مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف. السادس عشر: الأمر بالترتيب في الوضوء, لأن الله تعالى ذكرها مرتبة. ولأنه أدخل ممسوحا - وهو الرأس - بين مغسولين, ولا يعلم لذلك فائدة, غير الترتيب. السابع عشر: أن الترتيب, مخصوص بالأعضاء الأربعة, المسميات في هذه الآية. وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه, أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين, فإن ذلك غير واجب. بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق, على غسل الوجه. وتقديم اليمنى, على اليسرى من اليدين والرجلين. وتقديم مسح الرأس, على مسح الأذنين. الثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء, عند كل صلاة, لتوجد صورة المأمور به. التاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة. العشرون: أنه يجب تعميم الغسل للبدن, لأن الله أضاف التطهر للبدن, ولم يخصصه بشيء دون شيء. الحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة. الثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر, في الحدث الأكبر, ويكفي من هما عليه, أن ينوي, ثم يعمم بدنه, لأن الله لم يذكر إلا التطهر, ولم يذكر أنه يعيد الوضوء. الثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني, يقظة أو مناما, أو جامع ولو لم ينزل. الرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم, ولم يجد بللا, فإنه لا غسل عليه, لأنه لم تتحقق منه الجنابة. الخامس والعشرون: ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد, بمشروعيته التيمم. السادس والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم, وجود المرض, الذي يضره غسله بالماء, فيجوز له التيمم. السادس والعشرون: أن من جملة أسباب جوازة, السفر والإتيان من البول والغائط, إذا عدم الماء. فالمرض يجوز التيمم مع وجود الماء, لحصول التضرر به. وباقيها يجوزه, العدم للماء, ولو كان في الحضر. السابع والعشرون: أن الخارج من السبيلين, من بول وغائط, ينقض الوضوء. الثامن والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران. فلا ينتقض بلمس الفرج, ولا بغيره. التاسع والعشرون: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ, لقوله تعالى: " أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ". الثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة, ناقض للوضوء. الحادي والثلاثون: اشتراط عدم الماء, لصحة التيمم. الثاني والثلاثون: أن مع وجود الماء, ولو في الصلاة, يبطل التيمم, لأن الله إنما أباحه, مع عدم الماء. الثالث والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت, وليس معه ماء, فإنه يلزمه طلبه في رحله, وفيما قرب منه, لأنه لا يقال "لم يجد" لمن لم يطلب. الرابع والثلاثون: أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته, فإنه يلزمه استعماله, ثم يتيمم بعد ذلك. الخامس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات, مقدم على التيمم, أي يكون طهورا, لأن الماء المتغير ماء, فيدخل في قوله " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ". السادس والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم لقوله " فَتَيَمَّمُوا " أي: اقصدوا. السابع والثلاثون: أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض, من تراب وغيره. فيكون على هذا, قوله " فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ " إما من باب التغليب, وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه, ويعلق بالوجه واليدين. وإما أن يكون إرشادا للأفضل, وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فيه, فهو أولى. الثامن والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس, لأنه لا يكون طيبا, بل خبيثا. التاسع والثلاثون: أنه يمسح في التيمم, الوجه واليدان فقط, دون بقية الأعضاء. الأربعون: أن قوله " بِوُجُوهِكُمْ " شامل لجميع الوجه وأن يعمه بالمسح, إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف, وفيما تحت الشعور, ولو خفيفة. الحادي والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط, لأن اليدين عند الإطلاق, كذلك. فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين, لقيده الله بذلك, كما قيده في الوضوء. الثاني والأربعون: أن الآية عامة في جواز التيمم, لجميع الأحداث كلها, الحدث الأكبر, والأصغر, بل ونجاسة البدن, لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء, وأطلق في الآية, فلم يقيد. وقد يقال: إن نجاسة البدن, لا تدخل في حكم التيمم, لأن السياق في الأحداث, وهو قول جمهور العلماء. الثالث والأربعون: أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر, واحد, وهو الوجه واليدان. الرابع والأربعون: أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان, التيمم عنهما, فإنه يجزئ, أخذا من عموم الآية وإطلاقها. الخامس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان, بيده أو غيرها, لأن الله قال "فامسحوا" ولم يذكر الممسوح به, فدل على جوازه بكل شيء. السادس والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم, كما يشترط ذلك في الوضوء. ولأن الله بدأ بمسح الوجه, قبل مسح اليدين. السابع والأربعون: أن الله تعالى - فيما شرعه لنا من الأحكام - لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة, ولا عسر. وإنما هو رحمة منه بعباده, ليطهرهم, وليتم نعمته عليهم. وهذا هو الثامن والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب, تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد, والتوبة النصوح. التاسع والأربعون: أن طهارة التيمم - وإن لم يكن فيها نظافة وطهارة, تدرك بالحس والمشاهدة, فإن فيها طهارة معنوية, ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى. والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحِكَم والأسرار, في شرائع الله, في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما, ويزداد شكرا لله ومحبة له, على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة.

"وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ "
يأمر تعالى عباده بذكر نعمه الدينية والدنيوية, بقلوبهم وألسنتهم. فإن في استدامة ذكرها, داعيا لشكر الله تعالى, ومحبته, وامتلاء القلب من إحسانه. وفيه زوال للعجب, من النفس, بالنعم الدينية, وزيادة لفضل الله وإحسانه. و " مِيثَاقِهِ " أي: واذكروا ميثاقه " الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ " أي: عهده الذي أخذه عليكم. وليس المراد بذلك, أنهم لفظوا ونطقوا بالعهد والميثاق. وإنما المراد بذلك, أنهم - بإيمانهم بالله ورسوله - قد التزموا طاعتهما. ولهذا قال " إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " أي: سمعنا ما دعوتنا به, من آياتك القرآنية والكونية, سمع فهم, وإذعان, وانقياد. وأطعنا ما أمرتنا به, بالامتثال, وما نهيتنا عنه بالاجتناب. وهذا شامل لجميع شرائع الدين, الظاهرة والباطنة. وأن المؤمنين يذكرون في ذلك, عهد الله وميثاقه عليهم, وتكون منهم على بال, ويحرصون على أداء ما أُمِرُوا به كاملا غير ناقص. " وَاتَّقُوا اللَّهَ " في جميع أحوالكم " إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " أي: ما تنطوي عليه, من الأفكار, والأسرار, والخواطر. فاحذروا أن يطلع, من قلوبكم, على أمر لا يرضاه, أو يصدر منكم ما يكرهه, واعمروا قلوبكم, بمعرفته, ومحبته, والنصح لعباده. فإنكم - إن كنتم كذلك - غفر لكم السيئات, وضاعف لكم الحسنات, لعلمه بصلاح قلوبكم.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ "
أي " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " بما أُمِرُوا بالإيمان به, قوموا بلازم إيمانكم, بأن تكونوا " قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ", بأن تنشط للقيام بالقسط, حركاتكم الظاهرة والباطنة. وأن يكون ذلك القيام, لله وحده, لا لغرض من الأغراض الدنيوية. وأن تكونوا قاصدين للقسط, الذي هو العدل, لا الإفراط ولا التفريط, في أقوالكم ولا في أفعالكم. وقوموا بذلك, على القريب, والبعيد, والصديق والعدو. " وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ " أي لا يحملنكم " شَنَآنُ قَوْمٍ " أي: بُغْضهم. " عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا " كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط. بل كما تشهدون لوليكم, فاشهدوا عليه, وكما تشهدون على عدوكم, فاشهدوا له, فلو كان كافرا أو مبتدعا. فإنه يجب العدل فيه, وقبول ما يأتي به من الحق, لا لأنه قاله. ولا يرد الحق لأجل قوله, فإن هذا ظلم للحق. " اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى " أي: كلما حرصتم على العدل, واجتهدتم في العمل به, كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم, فإن تم العدل, كملت التقوى. " إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " فمجازيكم بأعمالكم, خيرها, وشرها, صغيرها, وكبيرها, جزاء عاجلا, وآجلا.

"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ "
أي " وَعَدَ اللَّهُ " الذي لا يخلف الميعاد, وهو أصدق القائلين - المؤمنين به, وبكتبه, ورسله, واليوم الآخر. " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " من واجبات, ومستحبات - بالمغفرة لذنوبهم, بالعفو عنها, وعن عواقبها, وبالأجر العظيم الذي لا يعلم عظمه إلا الله تعالى. " فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ".

"وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ "
" وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا " الدالة على الحق المبين, فكذبوا بها, بعد ما أبانت الحقائق. " أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ " الملازمون لها, ملازمة الصاحب لصاحبه.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "
يُذَكِّر تعالى عباده المؤمنين, بنعمه العظيمة, ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان. وأنهم - كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم, وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمة - فليعدوا أيضا, إنعامه عليهم, بكف أيديهم عنهم, ورد كيدهم في نحورهم, نعمة. فإن الأعداء, قد هموا بأمر, وظنوا أنهم قادرون عليه. فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم, فهو نصر من الله, لعباده المؤمنين ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك, ويعبدوه ويذكروه. وهذا يشمل كل من هَمَّ بالمؤمنين بشر, من كافر, ومنافق, وباغ, كف الله شره عن المسلمين, فإنه داخل في هذه الآية. ثم أمرهم بما يستعينون به على الانتصار على عدوهم, وعلى جميع أمورهم فقال: " وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية, ويتبرأوا من حولهم وقوتهم, ويثقوا بالله تعالى, في حصول ما يحبون. وعلى حسب إيمان العبد, يكون توكله, وهو من واجبات القلب المتفق عليها.

"وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ "
يخبر تعالى أنه أخذ على بني إسرائيل الميثاق الثقيل المؤكد. وذكر صفة الميثاق وأجرهم, إن قاموا به, وإثمهم, إن لم يقوموا به. ثم ذكر أنهم ما قاموا به, وذكر ما عاقبهم به فقال: " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " أي: عهدهم المؤكد الغليظ. " وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " أي: رئيسا وعريفا على ما تحته, ليكون ناظرا عليهم, حاثا لهم على القيام بما أُمِرُوا به, مطالبا يدعوهم. " وَقَالَ اللَّهُ " للنقباء الذين تحملوا من الأعباء ما تحملوا: " إِنِّي مَعَكُمْ " أي: بالعون والنصر, فإن المعونة, بقدر المؤنة. ثم ذكر ما واثقهم عليه فقال: " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " ظاهرا, وباطنا, بالإتيان بما يلزم وينبغي فيها, والمداومة على ذلك. " وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ " لمستحقيها " وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي " جميعهم, الذين أفضلهم وأكملهم, محمد صلى الله عليه وسلم. " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " أي: عظمتموهم, وأديتم ما يجب لهم من الاحترام والطاعة. " وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " وهو الصدقة والإحسان, الصادر عن الصدق والإخلاص, وطيب المكسب. فإذا قمتم بذلك " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ". فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم, واندفاع المكروه بتكفير السيئات, ودفع ما يترتب عليها من العقوبات. " فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ " العهد والميثاق المؤكد بالإيمان, والالتزامات المقرون بالترغيب بذكر ثوابه. " فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ " أي: عن عمد وعلم, فيستحق ما يستحقه الضالون, من حرمان الثواب, وحصول العقاب. فكأنه قيل: ليت شعري, ماذا فعلوا؟ وهل وفوا بما عاهدوا الله عليه, أم نكثوا؟ فبين أنهم نقضوا ذلك فقال: " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ "

"فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
" فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ " أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات. الأولى: أن " لَعَنَّاهُمْ " أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا, حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة, ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم, الذي هو سببها الأعظم. الثانية: قوله " وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً " أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ, ولا تنفعها الآيات والنذر, فلا يرغبهم تشويق, ولا يزعجهم تخويف. وهذا من أعظم العقوبات على العبد, أن يكون قلبه بهذه الصفة, التي لا يفيده معها, الهدى, والخير إلا شرا. الثالثة: أنهم " يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ " أي: ابتلوا بالتغيير والتبديل, فيجعلون الكلام الذي أراد الله له معنى, غير ما أراد الله, ولا رسوله. الرابعة: أنهم نسوا " حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ". فإنهم ذكروا بالتوراة, وبما أنزل الله على موسى, فنسوا حظا منه. وهذا شامل, لنسيان علمه, وأنهم نسوه, وضاع عنهم, ولم يوجد كثير مما أنساهم الله إياه, عقوبة منه لهم. وهذا شامل لنسيان العمل, الذي هو الترك, فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به. ويستدل بهذا على أهل الكتاب, بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم, أو وقع في زمانهم, أنه مما نسوه. الخامسة: الخيانة المستمرة التي لا " تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " أي خيانتهم لله, ولعباده المؤمنين. ومن أعظم الخيانة منهم, كتمهم الحق, عن من يعظهم, ويحسن فيهم الظن, وإبقاؤهم على كفرهم, فهذه خيانة عظيمة. وهذه الخصال الذميمة, حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم. فكل من لم يقم بما أمر الله به, وأخذ به عليه الالتزام, كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب, والابتلاء بتحريف الكلم, وأنه لا يوفق للصواب ونسيان حظ مما ذُكِّر به. وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة. نسأل الله العافية. وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظا, لأنه هو أعظم الحظوظ, وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية. كما قال تعالى " فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ". وقال في الحظ النافع " وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ". وقوله " إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ " أي: فإنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه فوفقهم, وهداهم للصراط المستقيم. " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ " أي: لا تؤاخذهم بما يصدر منهم من الأذى, الذي يقتضي أن يعفى عنهم. واصفح, فإن ذلك من الإحسان " وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ". والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه, فإنه يراك. وفي حق المخلوقين: بذل النفع الديني والدنيوي لهم.

"وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ "
أي: وكما أخذنا من اليهود العهد والميثاق, فكذلك أخذنا من " الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى " لعيسى ابن مريم, وزكوا أنفسهم بالإيمان بالله ورسله, وما جاءوا به, ونقضوا العهد. " فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ " نسيانا علميا, ونسيانا عمليا. " فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " أي: سلطنا بعضهم على بعض, وصار بينهم من الشرور والإحن, ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة. وهذا أمر مشاهد, فإن النصارى لم يزالوا في بغض وعداوة وشقاق. " وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " فيعاقبهم عليه.

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ "
لما ذكر تعالى, ما أخذه الله على أهل الكتاب, من اليهود والنصارى وأنهم نقضوا ذلك, إلا قليلا, أمرهم جميعا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم, واحتج عليهم بآية قاطعة دالة على صحة نبوته. وهي: أنه يبين لهم كثيرا مما يُخْفُون عن الناس, حتى عن العوام من أهل ملتهم. فإذا كانوا هم المشار إليهم في العلم ولا عند أحد في ذلك الوقت إلا ما عندهم, فالحريص على العلم, لا سبيل له إلى إدراكه إلا منهم. فإتيان الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن العظيم, الذي بيَّن به ما كانوا يتكاتمون بينهم, وهو أُمِّيّ لا يقرأ ولا يكتب - من أدل الدلائل على القطع برسالته. وذلك مثل صفة محمد في كتبهم, ووجود البشائر به في كتبهم, وبيان آية الرجم ونحو ذلك. " وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ " أي: يترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة. " قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ " وهو القرآن, يستضاء به في ظلمات الجهالة, وعماية الضلالة. " وَكِتَابٌ مُبِينٌ " بكل ما يحتاج الخلق إليه, من أمور دينهم ودنياهم, من العلم بالله, وأسمائه, وصفاته, وأفعاله, ومن العلم بأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية.

"يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "
ثم ذكر مَنْ الذي يهتدي بهذا القرآن؟ وما هو السبب الذي من العبد لحصول ذلك فقال: " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ " أي: يهدي من اجتهد وحرص, على بلوغ مرضاة الله, وصار قصده حسنا - سبل السلام, التي يسلم صاحبها من العذاب, وتوصله إلى دار السلام, وهو العلم بالحق والعمل به, إجمالا وتفصيلا. " وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ " ظلمات الكفر والبدعة والمعصية, والجهل والغفلة. " إِلَى النُّورِ " نور الإيمان والسنة, والطاعة, والعلم, والذكر. وكل هذه من الهداية بإذن الله, الذي ما شاء كان, وما لم يشأ, لم يكن. " وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ".

"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
لما ذكر تعالى أخذ الميثاق على أهل الكتابين, وأنهم لم يقوموا به بل نقضوه - ذكر أقوالهم الشنيعة. فذكر قول النصارى, القول الذي ما قاله أحد غيرهم, بأن الله هو المسيح ابن مريم. ووجه شبهتهم, أنه ولد من غير أب, فاعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل. مع أن حواء نظيره, خُلِقَت بلا أم. وآدم أولى منه, خلق بلا أب ولا أم. فهلا ادعوا فيهما الإلهية, كما ادعوها في المسيح؟. فدل على أن قولهم, اتباع هوى من غير برهان ولا شبهة. فرد الله عليهم, بأدلة عقلية واضحة فقال: " قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ". فإذا كان المذكورون, لا امتناع عندهم, يمنعهم لو أراد الله أن يهلكهم, ولا قدرة لهم على ذلك - دل على بطلان إلهية من لا يمتنع من الإهلاك, ولا في قوته شيء من الفكاك. ومن الأدلة أن " لِلَّهِ " وحده " مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا " يتصرف فيهم بحكمه الكوني والشرعي والجزائي, وهم مملوكون مدبرون. فهل يليق أن يكون المملوك العبد الفقير, إلها معبودا, غنيا من كل وجه؟ هذا من أعظم المحال. ولا وجه لاستغرابهم, لخلق المسيح عيسى ابن مريم, من غير أب فإن الله " يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ " إن شاء من أب وأم, كسائر بني آدم, وإن شاء من أب بلا أم, كحواء وإن شاء من أم بلا أب, كعيسى. وإن شاء من غير أب ولا أم, كآدم. فنوع خليقته تعالى, بمشيئته النافذة, التي لا يستعصي عليها شيء ولهذا قال: " وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ".

"وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ "
ومن مقالات اليهود والنصارى, أن كلا منهما, ادعى دعوى باطلة, يذكون بها أنفسهم بأن قال كل منهما: " نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ". والابن في لغتهم هو الحبيب, ولم يريدوا البنوة الحقيقية, فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح. قال الله ردا عليهم, حيث ادعوا بلا برهان: " قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ "؟. فلو كنتم أحبابه, ما عذبكم لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضيه. " بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ " تجري عليكم أحكام العدل والفضل. " يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ " إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب. " وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ " أي: فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة, وأنتم من جملة المماليك, ومن جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة, فيجازيكم بأعمالكم.

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب - بسبب ما من عليهم من كتابه - أن يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم, ويشكروا الله تعالى, الذي أرسله إليهم " عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ " وشدة حاجة إليه. وهذا مما يدعو إلى الإيمان به, وأن يبين لهم جميع المطالب الإلهية والأحكام الشرعية. وقد قطع الله بذلك حجتهم, لئلا يقولوا: " مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ". يبشر بالثواب العاجل والآجل, وبالأعمال الموجبة لذلك, وصفة العاملين بها. وينذر بالعقاب العاجل والآجل, وبالأعمال الموجبة لذلك, وصفة العاملين بها. " وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " انقادت الأشياء طوعا وإذعانا, لقدرته, فلا يستعصي عليه شيء منها. ومن قدرته أن أرسل, الرسل وأنزل الكتب, وأنه يثيب من أطاعهم ويعاقب من عصاهم.

"وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ "
لما امتن الله على موسى وقومه, بنجاتهم من فرعون وقومه, وأسرهم واستبعادهم, ذهبوا قاصدين, لأوطانهم ومساكنهم, وهي بيت المقدس, وما حواليه وقاربوا وصول بيت المقدس. وكان الله قد فرض عليهم جهاد عدوهم, ليخرجوه من ديارهم. فوعظهم موسى عليه السلام. وذكرهم, ليقروا على الجهاد فقال: " وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " بقلوبكم وألسنتكم. فإن ذكرها, داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة. " إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ " يدعونكم إلى الهدى, ويحذرونكم من الردى ويحثونكم على سعادتكم الأبدية, ويعلمونكم ما لم تكونوا تعلمون. " وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا " تملكون أمركم, بحيث إنه زال عنكم استعباد عدولكم, فكنتم تملكون أمركم, وتتمكنون من إقامة دينكم. " وَآتَاكُمْ " من النعم الدينية والدنيوية " مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ". فإنهم - في ذلك الزمان - خيرة الخلق, وأكرمهم على الله. وقد أنعم عليهم بنعم ما كانت لغيرهم. فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية, الداعي ذلك لإيمانهم, وثباته, وثباتهم على الجهاد, وإقدامهم عليه ولهذا قال: " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ "

"يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ "
" يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ " أي: المطهرة " الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ". فأخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم, إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله. وأنه قد كتب الله لهم دخولها, وانتصارهم على عدوها. " وَلَا تَرْتَدُّوا " أي: ترجعوا " عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ " قد خسرتم دنياكم, بما فاتكم من النصر على الأعداء, وفتح بلادكم. وآخرتكم, بما فاتكم من الثواب, وما استحققتم - بمعصيتكم - من العقاب.

"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ "
فقالوا قولا, يدل على ضعف قلوبهم, وخور نفوسهم, وعدم اهتمامهم بأمر الله ورسوله. " يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ " شديدي القوة والشجاعة, أي: فلهذا من الموانع لنا من دخولها. " وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ". وهذا من الجبن وقلة اليقين. وإلا, فلو كان معهم رشدهم, لعلموا أنهم كلهم من بني آدم, وأن القوي, من أعانه الله بقوة من عنده, فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. ولعلموا أنهم سينصرون عليهم, إذ وعدهم الله بذلك, وعدا خاصا.

"قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
" قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ " الله تعالى, مشجعين لقومهم, منهضين لهم على قتال عدوهم, واحتلال بلادهم. " أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا " بالتوفيق, وكلمة الحق, في هذا الموطن المحتاج إلى مثل كلامهم, وأنعم عليهم بالصبر واليقين. " ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ " أي: ليس بينكم وبين نصركم عليهم إلا أن تجزموا عليهم, وتدخلوا عليهم الباب, فإذا دخلتموه عليهم, فإنهم سينهزمون. ثم أمرهم بعدة هي أقوى العدد فقال: " وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ". فإن في التوكل على الله - وخصوصا في هذا الموطن - تيسيرا للأمر, ونصرا على الأعداء. ودل هذا على وجوب التوكل, وعلى أنه بحسب إيمان العبد, يكون توكله.

"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ "
فلم ينجع فيهم هذا الكلام, ولا نفع فيهم الملام, فقالوا قول الأذلين: " يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ". فما أشنع هذا الكلام منهم, ومواجهتهم به لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق, الذي قد دعت الحاجة والضرورة فيه إلى نصرة نبيهم, وإعزاز أنفسهم. وبهذا وأمثاله, يظهر التفاوت بين سائر الأمم, وأمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين شاورهم في القتال يوم "بدر" مع أنه لم يحتم عليهم: يا رسول الله, لو خضت بنا هذا البحر, لخضناه معك, ولو بلغت بنا برك الغماد, ما تخلف عنك أحد. ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى " فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ". ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون, من بين يديك ومن خلفك, وعن يمينك, وعن يسارك.

"قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ "
فلما رأى موسى عليه السلام, عتوهم عليه " قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي " أي: فلا, يدان لنا بقتالهم, ولست بجبار على هؤلاء. " فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " أي: احكم بيننا وبينهم, بأن تنزل فيهم من العقوبة, ما اقتضته حكمتك. ودل ذلك, على أن قولهم وفعلهم, من الكبائر العظيمة الموجبة للفسق.

"قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ "
" قَالَ " الله مجيبا لدعوة موسى: " فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ " أي: إن من عقوبتهم, أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي كتبها الله لهم, مدة أربعين سنة. وتلك المدة أيضا, يتيهون في الأرض, لا يهتدون إلى طريق, ولا يبقون مطمئنين. وهذه عقوبة دنيوية, لعل الله تعالى, كفر بها عنهم, ودفع عنهم عقوبة أعظم منها. وفي هذا, دليل على أن العقوبة على الذنب: قد تكون بزوال نعمة موجودة, أو دفع نقمة, قد انعقد سبب وجودها أو تأخرها, إلى وقت آخر. ولعل الحكمة في هذه المدة, أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة, الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات. بل قد ألفت الاستعباد لعدوها, ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها وعلوها. ولتظهر ناشئة جديدة, تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء, وعدم الاستعباد, والذل المانع من السعادة. ولما علم الله تعالى, أن عبده موسى, في غاية الرحمة على الخلق, خصوصا قومه, وأنه ربما رق لهم, واحتملته الشفقة على الحزن عليهم في هذه العقوبة, أو الدعاء لهم بزوالها, مع أن الله قد حتمها, قال: " فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " أي: لا تأسف عليهم ولا تحزن, فإنهم قد فسقوا, وفسقهم اقتضى وقوع ما نزل بهم, لا ظلما منا.

"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ "
أي: قص على الناس, وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق, تلاوة يعتبر بها المعتبرون, صدقا, لا كذبا, وجدا, لا لعبا. والظاهر أن ابني آدم, هما: ابناه لصلبه, كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق, وهو قول جمهور المفسرين. أي: اتل عليهم نبأهما, في حال تقريبها للقربان, الذي أداهما إلى الحال المذكورة. " إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا " أي: أخرج كل منهما شيئا من ماله, لقصد التقرب إلى الله. " فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ " بأن علم ذلك بخبر من السماء, أو بالعادة السابقة في الأمم, أن علامة تقبل الله لقربان, أن تنزل نار من السماء فتحرقه. " قَالَ " الابن, الذي لم يتقبل منه للآخر, حسدا وبغيا " لَأَقْتُلَنَّكَ ". فقال له الآخر مترفقا له في ذلك " إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " فأي: ذنب لي وجناية, توجب لك أن تقتلني؟ إلا أني اتقيت الله تعالى, الذي تقواه واجبة عليّ وعليك, وعلى كل أحد؟. وأصح الأقوال في تفسير المتقين هنا, أي: المتقين لله في ذلك العمل, بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله, متبعين فيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

"لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ "
ثم قال له - مخبرا أنه لا يريد أن يتعرض لقتله, لا ابتداء, ولا مدافعة فقال: " لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ". وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني " أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ " والخائف لله, لا يقدم على الذنوب, خصوصا, الذنوب الكبار. وفي هذا, تخويف لمن يريد القتل, وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخاف.

"إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ "
" إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ " أى ترجع " بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ". أي: إنه إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلا أو تقتلني, فإني أوثر أن تقتلني, فتبوء بالوزرين " فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ". دل هذا, على أن القتل من كبائر الذنوب, وأنه موجب لدخول النار.

"فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ "
فلم يرتدع ذلك الجاني, ولم يزجر, ولم يزل يعزم نفسه ويجزمها, حتى طوعت له قتل أخيه, الذي يقتضي الشرع والطبع, احترامه. " فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ " دنياهم وآخرتهم, وأصبح قد سن هذه السنة, لكل قاتل. "ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنه "ما من نفس تقتل, إلا كان على ابن آدم الأول, شطر من دمها, لأنه أول من سن القتل".

"فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ "
فلما قتل أخاه, لم يدر كيف يصنع به, لأنه أول ميت مات من بني آدم, " فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ " أي: يثيرها ليدفن غرابا آخر ميتا. " لِيُرِيَهُ " بذلك " كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ " أي: بدنه, لأن بدن الميت يكون عورة " فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ". وهكذا عاقبة المعاصي, الندامة والخسارة.

"مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ "
يقول تعالى " مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ " الذي ذكرناه في قصة ابني آدم, وقتل أحدهما أخاه, وسنه القتل لمن بعده, وأن القتل, عاقبته وخيمة وخسارة في الدنيا والآخرة. " كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ " أهل الكتب السماوية " أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ " أي: بغير حق " فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ". لأنه ليس معه داع يدعوه إلى التبين, وأنه لا يقدم على القتل, إلا بحق. فلما تجرأ على قتل النفس, التي لم تستحق القتل, علم أنه لا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره. وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء. فتجرؤه على قتله, كأنه قتل الناس جميعا. وكذلك من أحيا نفسا أي: استبقى أحدا, فلم يقتله مع دعاء نفسه له إلى قتله, فمنعه خوف الله تعالى من قتله, فهذا كأنه أحيا الناس جميعا. لأن ما معه من الخوف يمنعه من قتل من لا يستحق القتل. ودلت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين. إما أن يقتل نفسا بغير حق, متعمدا في ذلك, فإنه يحل قتله, إن كان مكلفا مكافئا, ليس بوالد للمقتول. وإما أن يكون مفسدا في الأرض, بإفساده لأديان الناس, أو أبدانهم, أو أموالهم, كالكفار المرتدين, والمحاربين, والدعاة إلى البدع الذين لا ينكف شرهم إلا بالقتل. وكذلك قطاع الطريق ونحوهم, ممن يصول على الناس لقتلهم, أو أخذ أموالهم. " وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ " التي لا يبقى معها حجة لأحد. " ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ " أي: من الناس " بَعْدِ ذَلِكَ " البيان القاطع للحجة, الموجب للاستقامة في الأرض " لَمُسْرِفُونَ " في العمل بالمعاصي, ومخالفة الرسل, الذين جاءوا بالبينات والحجج.

"إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ "
المحاربون لله ولرسوله, الذين بارزوه بالعداوة, وأفسدوا في الأرض, بالكفر, والقتل, وأخذ الأموال, وإخافة السبل. والمشهور أن هذه الآية الكريمة, في أحكام قطاع الطريق, الذين يعرضون للناس, في القرى والبوادي, فيغصبونهم أموالهم, ويقتلونهم, ويخيفونهم, فيمتنع الناس من سلوك الطريق, التي بها, فتنقطع بذلك. فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم - عند إقامة الحد عليهم - أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور. واختلف المفسرون: هل ذلك على التخيير, وأن كل قاطع طريق, يفعل به الإمام أو نائبه, ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة؟ وهذا ظاهر اللفظ. أو أن عقوبتهم, تكون بحسب جرائمهم, فكل جريمة لها قسط يقابلها, كما تدل عليه الآية, بحكمها وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا ولم يأخذوا ما لا تحتم قتلهم وصلبهم, حتى يشتهروا ويختزنوا, ويرتدع غيرهم. وإن قتلوا, ولم يأخذوا ما لا تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا, ولم يقتلوا, تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف, اليد اليمنى, والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس, ولم يقتلوا, ولا أخذوا مالا, نفوا من الأرض, فلا يتركون يأوون في بلد, حتى تظهر توبتهم. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه, وكثير من الأئمة, على اختلاف في بعض التفاصيل. " ذَلِكَ " النكال " لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا " أي: فضيحة وعار " وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " فدل هذا, أن قطع الطريق, من أعظم الذنوب, موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة. وأن فاعله, محارب لله ولرسوله. وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة, علم أن تطهير الأرض من المفسدين, وتأمين السبل والطرق, عن القتل, وأخذ الأموال, وإخافة الناس, من أعظم الحسنات, وأجل الطاعات, وأنه إصلاح في الأرض, كما أن ضده إفساد في الأرض.

"إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ " أي: من هؤلاء المحاربين. " فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي: فيسقط عنه, ما كان لله, من تحتم القتل, والصلب, والقطع, والنفي. ومن حق الآدمي أيضا, إن كان المحارب كافرا ثم أسلم. فإن كان المحارب مسلما, فإن حق الآدمي, لا يسقط عنه من القتل, وأخذ المال. ودل مفهوم الآية, على أن توبة المحارب - بعد القدرة عليه - أنها لا تسقط عنه شيئا. والحكمة في ذلك ظاهرة. وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه, تمنع من إقامة الحد في الحرابة, فغيرها من الحدود - إذا تاب من فعلها, قبل القدرة عليه - من باب أولى.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين, بما يقتضيه الإيمان, من تقوى الله, والحذر من سخطه وغضبه. وذلك بأن يجتهد العبد, ويبذل غاية ما يكنه المقدور, في اجتناب ما يسخطه الله, من معاصي القلب, واللسان, والجوارح, الظاهرة, والباطنة. ويستعين بالله على تركها, لينجو بذلك من سخط الله وعذابه. " وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ " أي: القرب منه, والحظوة لديه, والحب له. وذلك بأداء فرائضه القلبية, كالحب له, وفيه, والخوف, والرجاء, والإنابة والتوكل. والبدنية, كالزكاة, والحج. والمركبة من ذلك, كالصلاة ونحوها, من أنواع القراءة والذكر, ومن أنواع الإحسان إلى الخلق, بالمال, والعلم, والجاه, والبدن, والنصح لعباد الله. فكل هذه الأعمال, تقرب إلى الله. ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله, حتى يحبه. فإذا أحبه, كان سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ويستجيب الله له الدعاء. ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه, الجهاد في سبيله, وهو: بذل الجهد في قتال الكافرين, بالمال, والنفس, والرأي, واللسان, والسعي في نصر دين الله, بكل ما يقدر عليه العبد, لأن هذا النوع, من أجل الطاعات, وأفضل القربات. ولأن من قام به, فهو على القيام بغيره, أحرى وأولى " لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " إذا اتقيتم الله, بترك المعاصي, وابتغيتم الوسيلة إلى الله, بفعل الطاعات, وجاهدتم في سبيله, ابتغاء مرضاته. والفلاح هو: الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب, والنجاة من كل مرهوب. فحقيقته, السعادة الأبدية, والنعيم المقيم.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
يخبر تعالى عن شناعة حال الكافرين يوم القيامة وما لهم من العذاب الفظيع. وأنهم لو افتدوا من عذاب الله, بملء الأرض ذهبا ومثله معه, ما تقبل منهم ولا أفاد لأن محل الافتداء قد فات, ولم يبق إلا العذاب الأليم,

"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
السارق: هو من أخذ مال غيره المحترم خفية, بغير رضاه. وهو من كبائر الذنوب الموجبة, لترتب العقوبة الشنيعة, وهو قطع اليد التي, كما هو في قراءة بعض الصحابة. وحد اليد عند الإطلاق: من الكوع. فإذا سرق, قطعت يده من الكوع, وحسمت في زيت, لتنسد العروق فيقف الدم. ولكن السنة قيدت عموم هذه الآية, من عدة أوجه: منها: الحرز, فإنه لابد أن تكون السرقة من حرز, وحرز كل مال: ما يحفظ به عادة. فلو سرق من غير حرز, فلا قطع عليه. ومنها: أنه لابد أن يكون المسروق نصابا, وهو: ربع دينار, أو ثلاثة دراهم, أو ما يساوي أحدهما. فلو سرق دون ذلك, فلا قطع عليه. ولعل هذا يؤخذ من لفظ السرقة ومعناها. فإن لفظ "السرقة" أخذ الشيء, على وجه, لا يمكن الاحتراز منه. وذلك أن يكون المال محرزا. فلو كان غير محرز, لم يكن ذلك سرقة شرعية. ومن الحكمة أيضا أن لا تقطع اليد, في الشيء النزر التافه. فلما كان لابد من التقدير, كان التقدير الشرعي, مخصصا للكتاب. والحكمة في قطع اليد في السرقة, أن ذلك حفظ للأموال, واحتياط لها, وليقطع العضو الذي صدرت منه الجناية. فإن عاد السارق, قطعت رجله اليسرى. فإن عاد, فقيل: تقطع يده اليسرى, ثم رجله اليمنى, وقيل: يحبس حتى يموت. وقوله " جَزَاءً بِمَا كَسَبَا " أي: ذلك القطع, جزاء للسارق بما سرقه, من أموال الناس. " نَكَالًا مِنَ اللَّهِ " أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره, ليرتدع السراق - إذا علموا - أنهم سيقطعون إذا سرقوا. " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " أي: عز وحكم, فقطع السارق.

"فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
" فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ". فيغفر لمن تاب, فترك الذنوب, وأصلح الأعمال والعيوب.

"أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
وذلك أن الله له ملك السماوات والأرض, يتصرف فيهما بما شاء, من التصاريف القدرية والشرعية, والمغفرة, والعقوبة, بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته.

"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ "
كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق - يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان, ثم يرجع إلى الكفر. فأرشده الله تعالى, إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء. فإن هؤلاء, لا في العير ولا في النفير. إن حضروا, لم ينفعوا وإن غابوا, لم يفقدوا. ولهذا قال - مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: " مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ " فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم, من كان معدودا من المؤمنين, ظاهرا وباطنا. وحاشا لله, أن يرجع هؤلاء عن دينهم, ويرتدوا, فإن الإيمان - إذا خالطت بشاشته القلوب - يعدل به صاحبه غيره, ولم يبغ به بدلا. " وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا " أي: اليهود " سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ". أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم, المبني أمرهم على الكذب, والضلال, والغي. وهؤلاء الرؤساء المتبعون " لَمْ يَأْتُوكَ " بل أعرضوا عنك, وفرحوا بما عندهم من الباطل. " يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ " أي: يجلبون معاني الألفاظ, ما أرادها الله, ولا قصدها, لإضلال الخلق, ولدفع الحق. فهؤلاء المنقادون, للدعاة إلى الضلال, المتبعين للمحال, الذي يأتون بكل كذب, لا عقول لهم ولا همم. فلا تبال أيضا, إذا لم يتبعوك, لأنهم في غاية النقص, والناقص لا يؤبه له, ولا يبالي به. " يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا " أي: هذا قولهم عند محاكمتهم إليك, لا قصد لهم, إلا اتباع الهوى. يقول بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم, الذي يوافق هواكم, فاقبلوا حكمه. وإن لم يحكم لكم به, فاحذروا أن تتابعوه على ذلك. وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس. " وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " كقوله تعالى: " إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ". " أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ " أي: فلذلك صدر منهم ما صدر. فدل ذلك, على أن من كان مقصوده بالتحاكم, إلى الحكم الشرعي, اتباع هواه, وأنه إن حكم له رضي, وإن لم يحكم له, سخط, فإن ذلك من عدم طهارة قلبه. كما أن من حاكم وتحاكم إلى الشرع, ورضي به, وافق هواه أو خالفه, فإنه من طهارة القلب. ودل على أن طهارة القلب, سبب لكل خير, وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد, وعمل سديد. " لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ " أي: فضيحة وعار " وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " هو: النار, وسخط الجبار.

"سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "
" سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ " والسمع ههنا, سمع استجابة أي: من قلة دينهم وعقلهم, أن استجابوا لمن دعاهم إلى القول الكذب. " أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ " أي: المال الحرام, بما يأخذونه على سفلتهم وعوامهم, من المعلومات والرواتب, التي بغير الحق. فجمعوا بين اتباع الكذب, وأكل الحرام. " فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " فأنت مخير في ذلك. وليست هذه منسوخة, فإنه- عند تحاكم هذا الصنف إليه- يخير بين أن يحكم بينهم, أو يعرض عن الحكم بينهم, بسبب أنه, لا قصد لهم في الحكم الشرعي, إلا أن يكون موافقا لأهوائهم. وعلى هذا, فكل مستفت ومتحاكم إلى عالم, يعلم من حاله أنه, إن حكم عليه, لم يرض, لم يجب الحكم, ولا الإفتاء لهم. فإن حكم بينهم, وجب أن يحكم بالقسط, ولهذا قال: " وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ". حتى ولو كانوا ظلمة وأعداء, فلا يمنعك ذلك من العدل في الحكم بينهم. وفي هذا بيان فضيلة العدل والقسط في الحكم بين الناس, وأن الله تعالى يحبه.

"وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ "
ثم قال متعجبا منهم: " وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ". فإنهم - لو كانوا مؤمنين عاملين بما يقتضيه الإيمان ويوجبه - لم يصدفوا عن حكم الله الذي في التوراة, التي بين أيديهم, إلا لعلهم أن يجدوا عندك ما يوافق أهواءهم. وحين حكمت بينهم بحكم الله الموافق لما عندهم أيضا, لم يرضوا بذلك, بل أعرضوا عنه, فلم يرتضوه أيضا. قال تعالى " وَمَا أُولَئِكَ " الذين, هذا صنيعهم " بِالْمُؤْمِنِينَ ". أي: ليس هذا دأب المؤمنين, وليسوا حريين بالإيمان. لأنهم جعلوا آلهتهم أهواءهم, وجعلوا أحكام الإيمان, تابعة لأهوائهم.

"إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ "
" إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ " على موسى بن عمران, عليه الصلاة والسلام. " فِيهَا هُدًى " يهدي إلى الإيمان والحق, يعصم من الضلالة. " وَنُورٌ " يستضاء به في ظل الجهل والحيرة والشكوك, والشبهات, والشهوات. كما قال تعالى: " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ". " يَحْكُمُ بِهَا " بين الذين هادوا, أي: اليهود في القضايا والفتاوى " النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا " لله, وانقادوا لأوامره, الذين إسلامهم, أعظم من إسلام غيرهم, صفوة الله من العباد. فإذا كان هؤلاء النبيون الكرام, والسادة للأنام, قد اقتدوا بها, وائتموا, ومشوا خلفها, فما الذي منع هؤلاء الأراذل من اليهود, من الاقتداء بها؟ وما الذي أوجب لهم, أن ينبذوا أشرف ما فيها من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي لا يقبل عمل ظاهر وباطن, إلا بتلك العقيدة؟ هل لهم إمام في ذلك؟ نعم لهم أئمة دأبهم التحريف, وإقامة رياستهم ومناصبهم بين الناس, والتآكل بكتمان الحق, وإظهار الباطل, أولئك أئمة الضلال, الذين يدعون إلى النار. وقوله: " وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ " أي: وكذلك يحكم بالتوراة الذين هادوا "أئمة الدين من الربانيين أي: العلماء العاملين المعلمين, الذين يربون الناس بأحسن تربية, ويسلكون معهم مسلك الأنبياء المشفقين. والأحبار أي: العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم, وترمق آثارهم, ولهم لسان الصدق بين أممهم. وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق " بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ " أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه, وجعلهم أمناء عليه, وهو أمانة عندهم, أوجب عليهم حفظه, من الزيادة والنقصان. والكتمان, وتعليمه لمن لا يعلمه. وهم شهداء عليه, بحيث أنهم المرجوع إليهم فيه, وفيما اشتبه على الناس منه. فالله تعالى قد حمل أهل العلم, ما لم يحمله الجهال, فيجب عليهم القيام بأعباء ما حملوا وأن لا يقتدوا بالجهال, في الإخلاد إلى البطالة والكسل. وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة, من أنواع الذكر, والصلاة, والزكاة, والحج, والصوم, ونحو ذلك من الأمور, التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا. وأما أهل العلم, فكما أنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاحون إليه, من أمور دينهم, خصوصا الأمور الأصولية, والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم ولهذا قال: " فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا " فتكتموا الحق, وتظهروا الباطل, لأجل متاع الدنيا القليل. وهذه الآفات, إذا سلم منها العالم, فهو من توفيقه. وسعادته بأن يكون همه, الاجتهاد في العلم والتعليم, ويعلم, أن الله قد استحفظه بما أودعه من العلم, واستشهده عليه وأن يكون خائفا من ربه. ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم, من القيام بما هو لازم له. وأن لا يؤثر الدنيا على الدين. كما أن علامة شقاوة العلم, أن يكون مخلدا للبطالة, غير قائم بما أمر به, ولا مبال بما استحفظ عليه. قد أهمله وأضاعه, قد باع الدين بالدنيا, قد ارتشى في أحكامه, وأخذ المال على فتاويه, ولم يعلم عباد الله, إلا بأجرة وجعالة. فهذا قد من الله عليه بمنة عظيمة, كفرها, ودفع حظا جسيما, حرم منه غيره. فنسألك اللهم, علما نافعا, وعملا متقبلا, وأن ترزقنا العفو والعافية, من كل بلاء. يا كريم. " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ " من الحق المبين, وحكم بالباطل الذي يعلمه, لغرض من أغراضه الفاسدة " فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ". فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر, وقد يكون كفرا ينقل عن الملة. وذلك إذ اعتقد حله وجوازه. وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب, ومن أعمال الكفر, قد استحق من فعله, العذاب الشديد.

"وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "
هذه الأحكام من جملة الأحكام التي في التوراة, يحكم بها النبيون الذين أسلموا, للذين هادوا, والربانيون, والأحبار. فإن الله أوجب عليهم, أن النفس - إذا قتلت - تقتل بالنفس بشرط العمد والمكافأة. والعين, تقلع بالعين, والأذن, تؤخذ بالأذن, والسن ينزع بالسن. ومثل هذه ما أشبهها من الأطراف التي يمكن الاقتصاص منها بدون حيف. " وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ " والاقتصاص. أن يفعل به كما فعل. فمن جرح غيره عمدا, اقتص من الجار جرحا, مثل جرحه للمجروح, حدا, وموضعا, وطولا, وعرضا وعمقا. وليعلم أن شرع من قبلنا, شرع لنا, ما لم يرد شرعنا بخلافه. " فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ " أي: بالقصاص في النفس, وما دونها من الأطراف والجروح, بأن عفا عمن جنى, وثبت له الحق قبله. " فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ " أي: كفارة للجاني, لأن الآدمي عفا عن حقه. والله تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه. وكفارة أيضا عن العافي, فإنه كما عفا عمن جنى عليه, أو عمن يتعلق به- فإن الله يعفو عن زلاته وجناياته. " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " قال ابن عباس, كفر دون كفر 4 وظلم دون ظلم, وفسق دون فسق. فهو ظلم أكبر, عند استحلاله, وعظيمة كبيرة عند فعله, غير مستحل له.

"وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ "
أي: واتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين, الذين يحكمون بالتوراة, بعبدنا ورسولنا, عيسى بن مريم, روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة, فهو شاهد لموسى, ولما جاء به من التوراة, بالحق والصدق, ومؤيد لدعوته, وحاكم بشريعته, وموافق له في أكثر الأمور الشرعية. وقد يكون عيسى عليه السلام أخف في بعض الأحكام, كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل. " وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ". " وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ " الكتاب العظيم, المتمم للتوراة. " فِيهِ هُدًى وَنُورٌ " يهدي إلى الصراط المستقيم, ويبين الحق من الباطل. " وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ " بتثبيتها والشهادة لها, والموافقة. " وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ " فإنهم الذين ينتفعون بالهدى, ويتعظون بالمواعظ, ويرتدعون عما لا يليق.

"وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ "
" وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ " أي: يلزمهم التقيد بكتابهم, ولا يجوز لهم العدول عنه. " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ".

"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ "
يقول تعالى " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ " الذي هو القرآن العظيم, أفضل الكتب وأجلها. " بِالْحَقِّ " أي: إنزالا بالحق, ومشتملا على الحق, في أخباره, وأوامره, ونواهيه. " مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ " لأنه شهد للكتب السابقة, ووافقها, وطابقت أخباره أخبارها, وشرائعه الكبار شرائعها, وأخبرت به, فصار وجودها مصداقا لخبرها. " وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ " أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة, وزيادة في المطالب الإلهية, والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به, وحث عليه, وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين. وهو الكتاب الذي, فيه الحكم, والحكمة, والأحكام, الذي عرضت عليه الكتب السابقة. فما شهد له بالصدق, فهو المقبول, وما شهد له بالرد, فهو مردود, قد دخله التحريف والتبديل. وإلا, فلو كان من عند الله, لم يخالفه. " فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ " من الحكم الشرعي, الذي أنزله الله عليك. " وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ " أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق, بدلا عما جاءك من الحق, فتستبدل الذي هو أدنى, بالذي هو خير. " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ " أيها الأمم " شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا " أي: سبيلا وسنة. وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم, هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال, وكلها ترجع إلى العدل, في وقت شرعتها. وأما الأصول الكبار, التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان, فإنها لا تختلف, فتشرع في جميع الشرائع. " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً " تبعا لشريعة واحدة, لا يختلف متأخرها ولامتقدمها. " وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ " فيختبركم, وينظر كيف تعملون, ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته, ويؤتي كل أحد ما يليق به, وليحصل التنافس بين الأمم. فكل أمة تحرص على سبق غيرها, ولهذا قال: " فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ". أي: بادروا إليها, وأكملوها, فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب, من حقوق الله, وحقوق عباده, لا يصير فاعلها سابقا لغيره, مستوليا على الأمر, إلا بأمرين. المبادره إليها, وانتهاز الفرصه, حين يجيء وقتها, ويعرض عارضها, والاجتهاد في أدائها, كاملة على الوجه المأمور به. ويستدل بهذه الآية, على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها, في أول وقتها. وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزي في الصلاة وغيرها من العبادات, من الأمور الواجبة. بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات, التي يقدر عليها, لتتم وتكمل, ويحصل بها السبق. " إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا " الأمم السابقة واللاحقة, كلهم سيجمعهم الله, ليوم لا ريب فيه. " فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " من الشرائع والأعمال. فيثيب أهل الحق والعمل الصالح, ويعاقب أهل الباطل, والعمل السيئ.

"وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ "
" وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ " هذه الآية التي قيل إنها ناسخة لقوله " فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ". والصحيح: أنها ليست بناسخة, وأن تلك الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم مخير بين الحكم بينهم, وبين عدمه, وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق. وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم, فإنه يحكم بينهم. بما أنزل الله, من الكتاب والسنة. وهو القسط الذي تقدم أن الله قال " وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ". ودل هذا, على بيان القسط, وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط, وما خالف ذلك, فهو جور وظلم. " وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ " كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها. ولأن ذلك, في مقام الحكم والفتوى, وهو أوسع, وهذا في مقام الحكم وحده. كلاهما, يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم, المخالفة للحق, ولهذا قال: " وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ". أي: إياك والاغترار بهم, وأن يفتنوك, فيصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب, والفرض اتباعه. " فَإِنْ تَوَلَّوْا " عن اتباعك, واتباع الحق " فَاعْلَمْ " أن ذلك عقوبة عليهم و " أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ " فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة ومن أعظم العقوبات, أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول, وذلك لفسقه. " وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ " أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله, واتباع رسوله.

"أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ "
" أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ " أي: أفيطلبون بتوليتهم وإعراضهم عنك, حكم الجاهلية. وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول, ابتلي بالثاني المبني على الجهل, والظلم, والغي ولهذا, أضافه الله للجاهلية. وأما حكم الله تعالى, فبني على العلم, والعدل, والقسط, والنور,والهدى. " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " فالموقن, هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز - بإيقانه - ما في حكم الله من الحسن والبهاء, وأنه يتعين - عقلا وشرعا - اتباعه. واليقين, هو: العلم التام, الموجب للعمل.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
يرشد تعالى عباده المؤمنين, حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى, وصفاتهم غير الحسنة, أن لا يتخذوهم أولياء. فإن " بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ " يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم. فأنتم, لا تتخذوهم أولياء, فإنهم, الأعداء على الحقيقة. ولا يبالون بضركم, بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم. فلا يتولاهم, إلا من هو مثلهم, ولهذا قال: " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ". لأن التولي التام, يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل, يدعو إلى الكثير, ثم يتدرج شيئا فشيئا, حتى يكون العبد منهم. " إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " أي: الذين وصفهم الظلم, وإليه يرجعون, وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية, ما تبعوك, ولا انقادوا لك.

"فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ "
ولما نهى الله المؤمنين عن توليهم, أخبر أن ممن يدعي الإيمان, طائفة تواليهم فقال: " فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " أي: شك, ونفاق, وضعف إيمان, يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة فإننا " نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ " أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى فإذا كانت الدائرة لهم, فإذا لنا معه يد يكافؤننا عنها, وهذا سوء ظن منهم بالإسلام. قال تعالى - رادا لظنهم السيئ - " فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ " الذي يعز الله به الإسلام, على اليهود والنصارى, ويقهر المسلمون " أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ " ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين, من اليهود وغيرهم. " فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا " أي: أضمروا " فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ " على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم. فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين, وأذل به الكفر والكافرين. فندموا وحصل لهم من الغم, ما الله به عليم.

"وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ "
" وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا " متعجبين من حال هؤلاء الذين في قلوبهم مرض: " أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ " أي: حلفوا وأكدوا حلفهم, وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعكم في الإيمان, وما يلزمه من النصرة, والحبة, والموالاة. ظهر ما أضمروه, وتبين ما أسروه, وصار كيدهم الذي كادوه, وظنهم الذي ظنوه بالإسلام وأهله - باطلا. وبطل كيدهم فـ " حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ " في الدنيا " فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ " حيث فاتهم مقصودهم, وحضر الشقاء والعذاب.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "
يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين, وأنه من يرتد عن دينه, فلن يضر الله شيئا, وإنما يضر نفسه. وأن لله, عبادا مخلصين, ورجالا صادقين, قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم, ووعد بالإتيان بهم, وأنهم أكمل الخلق أوصافا, وأقواهم نفوسا وأحسنهم أخلاقا. أجل صفاتهم أن الله " يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ". فإن محبة الله للعبد, من أجل نعمة أنعم بها عليه, وأفضل فضيلة, تفضل الله بها عليه. وإذا أحب الله عبدا, يسر له الأسباب, وهون عليه كل عسير, ووفقه لفعل الخيرات, وترك المنكرات, وأقبل بقلوب عباده إليه, بالمحبة والوداد ومن لوازم محبة العبد لربه, أنه لابد أن يتصف بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم, ظاهرا وباطنا, في أقواله وأعماله, وجميع أحواله. كما قال تعالى " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ". كما أن من لوازم محبة الله للعبد, أن يكثر العبد من التقرب إلى الله, بالفرائض والنوافل, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه, ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولو سألني لأعطينه, ولو استعاذني لأعيذنه". ومن لوازم محبة الله, معرفته تعالى, والإكثار من ذكره. فإن المحبة بدون معرفة بالله, ناقصة جدا, بل غير موجودة, إن وجدت دعواها. ومن أحب الله أكثر من ذكره. وإذا أحب الله عبدا, قبل منه اليسير من العمل, وغفر له الكثير من الزلل. ومن صفاتهم أنهم " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ". فهم للمؤمنين أذلة, من محبتهم لهم, ونصحهم لهم, ولينهم ورفقهم, ورأفتهم, ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم, وقرب الشيء الذي يطلب منهم. وعلى الكافرين بالله, المعاندين لآياته, المكذبين لرسله - أعزة قد اجتمعت هممهم وعزائمهم, على معاداتهم, وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم. قال تعالى: " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ". وقال تعالى " أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ". فالغلظة الشديدة على أعداء الله, مما يقرب العبد إلى الله, ويوافق العبد ربه, في سخطه عليهم. ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة, دعوتهم, إلى الدين الإسلامي, بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم, واللين في دعوتهم, وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم. " يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " بأموالهم وأنفسهم, بأقوالهم وأفعالهم. " وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ " بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين. وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم, فإن ضعيف القلب, ضعيف الهمة. تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين, وتفتر قوته, عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعد لغير الله, بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم, على أمر الله. فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله, حتى لا يخاف: الله لومة لائم. ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم من الصفات, الجميلة, والمناقب العالية, المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير - أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه, لئلا, يعجبوا بأنفسهم, وليشكروا الذي من عليهم بذلك ليزيدهم من فضله, وليعلم غيرهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب, فقال: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " أي: واسع الفضل والإحسان, جزيل المنن, قد عمت رحمته كل شيء, ويوسع علما أوليائه من فضله, ما لا يكون لغيرهم. ولكنه عليم بمن يستحق الفضل, فيعطيه, فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا.

"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ "
لما نهى عن ولاية الكفار, من اليهود والنصارى وغيرهم, وذكر مآل توليهم أنه الخسران المبين, أخبر تعالى من يجب ويتعين توليه. وذكر فائدة ذلك ومصلحته فقال: " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ". فولاية الله, تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا, كان لله وليا, ومن كان لله وليا, فهو ولي لرسوله. ومن تولى الله ورسوله, كان تمام ذلك, تولي من تولاه, وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان, ظاهرا وباطنا, وأخلصوا للمعبود, بإقامتهم الصلاة, بشروطها وفروضها, ومكملاتها, وأحسنوا للخلق, وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم. وقوله: " وَهُمْ رَاكِعُونَ " أي: خاضعون لله ذليلون. فأداة الحصر في قوله " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا " تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين, والتبري من ولاية غيرهم. ثم ذكر فائدة هذه الولاية فقال:

"وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ "
" وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ". أي: فإنه من الحزب المضافين إلى الله, إضافة عبودية وولاية, وحزبه الغالبون, الذين لهم العاقبة في الدنيا: والآخرة, كما قال تعالى: " وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ". وهذه بشارة عظيمة, لمن قام بأمر الله, وصار من حزبه وجنده, أن له الغلبة. وإن أديل عليه في بعض الأحيان, لحكمة يريدها الله تعالى, فآخر أمره, الغلبة والانتصار, ومن أصدق من الله قيلا.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
ينهى الله عباده المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن سائر الكفار. أولياء, يحبونهم, ويتولونهم, ويبدون لهم أسرار المؤمنين, ويعاونونهم على بعض أمورهم, التي تضر الإسلام والمسلمين. وأن ما معهم من الإيمان, يوجب عليهم ترك موالاتهم, ويحثهم على معاداتهم. وكذلك التزامهم لتقوى الله, التي هي امتثال أوامره واجتناب زواجره مما يدعوهم إلى معاداتهم. وكذلك ما كان عليه المشركون, والكفار والمخالفون للمسلمين من قدحهم في دين المسلمين, واتخاذهم إياه هزوا ولعبا, واحتقاره واستصغاره, خصوصا الصلاة, التي هي أظهر شعائر المسلمين, وأجل عباداتهم. إنهم إذا نادوا إليها اتخذوها هزوا ولعبا, وذلك لعدم عقلهم, ولجهلهم العظيم. وإلا فلو كان لهم عقول, لخضعوا لها, ولعلموا أنها أكبر من جميع الفضائل التي تتصف بها النفوس. فإذا علمتم - أيها المؤمنون, حال الكفار وشدة معاداتهم لكم ولدينكم - فمن لم يعادهم بعد هذا, دل على أن الإسلام عنده, رخيص, وأنه لا يبالي بمن قدح فيه, أو قدح بالكفر والضلال, وأنه ليس عنده من المروءة والإنسانية شيء. فكيف تدعي لنفسك دينا قيما, وأنه الدين الحق; وما سواه باطل, وترضى بموالاة من اتخذه هزوا ولعبا, وسخر به وبأهله, من أهل الجهل والحمق؟! وهذا فيه من التهييج على عداوتهم, ما هو معلوم لكل من له أدنى مفهوم.

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ "
أي: " قُلْ " يا أيها الرسول " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ " ملزما لهم. إن دين الإسلام هو الدين الحق, وإن قدحهم فيه, قدح بأمر ينبغي المدح عليه: " هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ " أي: هل لنا من العيب, إلا إيماننا بالله, وبكتبه السابقة واللاحقة, وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين, وبأننا نجزم أن من لم يؤمن كهذا الإيمان, فإنه كافر فاسق؟. فهل تنقمون منا, بهذا الذي أوجب الواجبات على جميع المكلفين؟!! ومع هذا, فأكثرهم فاسقون, أي: خارجون عن طاعة الله متجرئون على معاصيه فأولى لكم - أيها الفاسقون - السكوت. فلو كان عيبكم, وأنتم سالمون من الفسق, وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم.

"قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ "
ولما كان قدحهم في المؤمنين, يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شر, قال تعالى: " قُلْ " لهم, مخبرا عن شناعة ما كانوا عليه: " هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ " الذي نقمتم فيه علينا, مع التنزل معكم. " مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ " أي: أبعده عن رحمته " وَغَضِبَ عَلَيْهِ " وعاقبه في الدنيا والآخرة " وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ " وهو الشيطان, وكل ما عبد من دون الله, فهو طاغوت. " أُولَئِكَ " المذكورون بهذه الخصال القبيحة " شَرٌّ مَكَانًا " من المؤمنين الذين رحمة الله قريب منهم, ورضي الله عنهم, وأثابهم في الدنيا والآخرة, لأنهم أخلصوا له الدين. وهذا النوع, من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه. وكذلك قوله " وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ " أي: وأبعد عن قصد السبيل.

"وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ "
" وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا " نفاقا ومكرا وهم قد " دَخَلُوا " مشتملين " بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ " فمدخلهم ومخرجهم, بالكفر - وهم يزعمون أنهم مؤمنون. فهل أشر من هؤلاء, وأقبح حالا منهم؟!! " وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ " فيجازيهم بأعمالهم, خيرها وشرها.

"وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
ثم استمر تعالى, يعدد معايبهم, انتصارا لقدحهم في عباده المؤمنين فقال: " وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ " أي: من اليهود " يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " أي: يحرصون, ويبادرون المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين. " وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ " الذي هو الحرام. فلم يكتف بمجرد الإخبار أنهم يفعلون ذلك, حتى أخبر أنهم يسارعون فيه. وهذا يدل على خبثهم وشرهم, وأن نفسهم مجبولة على حب المعاصي والظلم. هذا, وهم يدعون لأنفسهم, المقامات العالية. " لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " وهذا في غاية الذم لهم, والقدح فيهم.

"لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ "
" لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ". أي: هلا ينهاهم العلماء, المتصدون لنفع الناس, الذين من الله عليهم بالعلم والحكمة - عن المعاصي التي تصدر منهم, ليزول ما عندهم من الجهل, وتقوم حجة الله. عليهم. فإن العلماء, عليهم أمر الناس ونهيهم, وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي, ويرغبوهم في الخير: ويرهبوهم من الشر " لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ".

"وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ "
يخبر تعالى, عن مقالة اليهود الشنيعة, وعقيدتهم الفظيعة فقال: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " أي: عن الخير والإحسان, والبر. " غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " وهذا دعاء عليهم, بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم, بالبخل, وعدم الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم. فكانوا أبخل الناس, وأقلهم إحسانا, وأسوأهم ظنا بالله, وأبعدهم عن رحمته التي وسعت كل شيء وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي. ولهذا قال: " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " لا حجر عليه, ولا مانع يمنعه, مما أراد. فإنه تعالى, قد بسط فضله, وإحسانه الديني والدنيوي, وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده, وأن لا يسدوا: على أنفسهم أبواب إحسانه, بمعاصيهم. فيده سحاء الليل والنهار, وخيره في جميع الأوقات مدرارا. يفرج كربا, ويزيل غما, ويغني فقيرا, ويفك أسيرا ويجبر كسيرا, ويجيب سائلا: ويعطي فقيرا عائلا ويجيب المضطرين, ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم يسأله, ويعافى من طلب العافية, ولا يحرم من خيره عاصيا. بل خيره, يرتع فيه البر والفاجر, ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال. ثم يحمدهم عليها, ويضيفها إليهم, وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل, ما لا يدركه الوصف, ولا يخطر على بال العبد. ويلطف بهم في جميع أمورهم, ويوصل إليهم من الإحسان ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه. فسبحان من كل النعم, التي بالعباد, فمنه, وإليه يجأرون في دفع المكاره. وتبارك من لا يحصى أحد, ثناء عليه, بل هو كما أثنى على نفسه. وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين, بل ولا وجود لهم, ولا بقاء إلا بجوده. وقبح الله من استغنى بجهله عن ربه, ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله. بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة, ونحوهم ممن حاله كحالهم, ببعض قولهم, لهلكوا, وشقوا في دنياهم. ولكنهم يقولون تلك الأقوال, وهو تعالى, يحلم عنهم, ويصفح, ويمهلهم, ولا يهملهم. وقوله " وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا " وهذا من أعظم العقوبات على العبد, أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله, الذي فيه حياة القلب والروح, وسعادة الدنيا والآخرة, وفلاح الدارين, الذي هو أكبر منه, امتن الله بها على عباده, توجب عليهم المبادرة إلى قبولها, والاستسلام لله بها, وشكرا لله عليها, أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه, وطغيان إلى طغيانه, وكفر إلى كفره. وذلك, بسبب, إعراضه عنها, ورده لها, ومعاندته إياها, ومعارضته لها, بالشبه الباطلة. " وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فلا يتألفون, ولا يتناصرون, ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم. بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم, متعادين بأفعالهم, إلى يوم القيامة, " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ " ليكيدوا بها الإسلام وأهله, وأبدوا, وأعادوا, وأجلبوا بخيلهم ورجلهم " أَطْفَأَهَا اللَّهُ " بخذلانهم, وتفرق جنودهم, وانتصار المسلمين عليهم. " وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا " أي: يجتهدون ويجدون, ولكن بالفساد في الأرض. أي: بعمل المعاصي, والدعوة إلى دينهم الباطل, والتعويق عن الدخول في الإسلام. " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " بل يبغضهم أشد البغض, وسيجازيهم على ذلك.

"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ "
ثم قال تعالى: " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ". وهذا من كرمه وجوده, حيث لما ذكر قبائح أهل الكتاب ومعايبهم, وأقوالهم الباطلة, دعا إلى التوبة, وأنهم لو آمنوا بالله وملائكته, وجميع كتبه, وجميع رسله, واتقوا المعاصي, لكفر عنهم سيئاتهم, ولو كانت ما كانت, ولأدخلهم جنات النعيم, التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

"وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ "
" وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ " أي: قاموا بأوامرها, كما ندبهم الله وحثهم. ومن إقامتهما الإيمان بما دعيا إليه, من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة, التي أنزلها ربهم إليهم, أي: لأجلهم وللاعتناء بهم. " لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ " أي: لأدر الله عليهم الرزق, ولأمطر عليهم السماء, وأنبت لهم الأرض كما قال تعالى: " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ". " مِنْهُمْ " أي: من أهل الكتاب " أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ " أي: عاملة بالتوراة والإنجيل, عملا غير قوي ولا نشيط. " وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ " أي: والمسيء منهم الكثير. وأما السابقون منهم, فقليل ما هم.

"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ "
هذا أمر من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم, بأعظم الأوامر وأجلها, وهو: التبليغ لما أنزل الله إليه. ويدخل في هذا, كل أمر تلقته الأمة عنه صلى الله عليه وسلم من العقائد, والأعمال, والأقوال, والأحكام الشرعية, والمطالب الإلهية. فبلغ صلى الله عليه وسلم أكمل تبليغ, ودعا, وأنذر, وبشر, ويسر, وعلم الجهال الأميين, حتى صاروا من العلماء الربانيين. وبلغ, بقوله, وفعله, وكتبه, ورسله. فلم يبق خير إلا دل أمته عليه, ولا شر إلا حذرها عنه. وشهد له بالتبليغ, أفاضل الأمة, من الصحابة, فمن بعدهم من أئمة الدين, ورجال المسلمين. " وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ " أي: لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك " فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ " أي: فما امتثلت أمره. " وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ " هذه حماية وعصمة من الله, لرسوله من الناس, وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ, ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهـم بيد الله, وقد تكفل بعصمتك, فأنت إنما عليك البلاغ المبين, فمن اهتدى, فلنفسه. وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم, ولا يوفقهم للخير, بسبب كفرهم.

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ "
أي: قل لأهل الكتاب - مناديا على ضلالهم, ومعلنا بباطلهم: " لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ " من الأمور الدينية, فإنكم, لا بالقرآن ومحمد, آمنتم ولا بنبيكم وكتابكم صدقتم, ولا بحق تمسكتم, ولا على أصل اعتمدتم. " حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ " أي: تجعلوهما قائمين بالإيمان بهما واتباعهما, والتمسك بكل ما يدعوان إليه. وتقيموا ما " أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ " الذي رباكم, وأنعم عليكم, وجعل أجل إنعامه, إنزال الكتب إليكم. فالواجب عليكم, أن تقوموا بشكر الله, وتلتزموا أحكام الله, وتقوموا بما حملتم من أمانة الله وعهده. " وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ".

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
يخبر تعالى عن أهل الكتاب, من أهل القرآن والتوراة والإنجيل, أن سعادتهم ونجاتهم, في طريق واحد, وأصل واحد, وهو الإيمان بالله واليوم الآخر, والعمل الصالح. فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر, وعمل صالحا, فله النجاة, ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة, ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها. وهذا الحكم المذكور, يشمل سائر الأزمنة.

"لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ "
يقول تعالى: " لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " أي: عهدهم الثقيل بالإيمان بالله, والقيام بواجباته, التي تقدم الكلام عليها في قوله " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " إلى آخر الآيات. " وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا " يتوالون عليهم بالدعوة, ويتعاهدونهم بالإرشاد ولكن ذلك, لم ينجح فيهم, ولم يفد " كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ " من الحق, كذبوه, وعاندوه, وعاملوه أقبح المعاملة. " فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ "

"وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "
" وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ " أي: ظنوا أن معصيتهم وتكذيبهم, لا يجر عليهم عذابا, ولا عقوبة, واستمروا على باطلهم. " فَعَمُوا وَصَمُّوا " عن الحق " ثُمَّ " نعشهم وتاب " عَلَيْهِمْ " حين تابوا إليه, وأنابوا. " ثُمَّ " يستمروا على ذلك, حتى انقلب أكثرهم إلى الحال القبيحة. حيث " عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ " بهذا الوصف, والقليل استمروا على توبتهم وإيمانهم. " وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " فيجازي كل عامل بعمله, إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ "
يخبر تعالى عن كفر النصارى بقولهم " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ". بشبهة أنه خرج من أم بلا أب, وخالف المعهود من الخلقة الإلهية. والحال أنه عليه الصلاة والسلام قد كذبهم في هذه الدعوى, وقال لهم: " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ " فأثبت لنفسه العبودية التامة, ولربه العبودية الشاملة لكل مخلوق. " إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ " أحدا من المخلوقين, لا عيسى ولا غيره. " فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ " وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق, وصرف ما خلقه الله له - وهو العباده الخالصة - لغير من هي له, فاستحق أن يخلد في النار. " وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ " ينقذونهم من عذاب الله, أو يرفعون عنهم بعض ما نزل بهم.

"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم. زعموا أن الله ثالث ثلاثة الله, وعيسى, ومريم, تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى. كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء, والعقيدة والقبيحة؟!!. كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوق؟!!. كيف خفى عليهم رب العالمين؟!! قال تعالى - رادا عليهم وعلى أشباههم -: " وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ " متصف بكل صفة كمال, منزه عن كل نقص, منفرد بالخلق والتدبير ما بالخلق من نعمة إلا منه. فكيف يجعل معه إله غيره؟!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم توعدهم بقوله " وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ".

"أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
ثم دعاهم إلى التوبة عما صدر منهم, وبين أنه يقبل التوبة عن عباده فقال: " أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ " أي: يرجعون إلى ما يحبه ويرضاه من الإقرار لله بالتوحيد, وبأن عيسى, عبد الله ورسوله- عما كانوا يقولونه. " وَيَسْتَغْفِرُونَهُ " عن ما صدر منهم " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي يغفر ذنوب التائبين, ولو بلغت عنان السماء, ويرحمهم, بقبول توبتهم, وتبديل سيئاتهم حسنات. وصدر دعوتهم إلى التوبة بالعرض الذي هو غاية اللطف واللين في قوله: " أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ ".

"مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ "
ثم ذكر حقيقة المسيح وأمه, الذي هو الحق, فقال: " مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ". أي: هذا غايته, ومنتهى أمره, أنه من عباد الله المرسلين, الذين ليس لهم من الأمر, ولا من التشريع, إلا ما أرسلهم به الله, وهو من جنس الرسل قبله, لا مزية له عليهم, تخرجه عن البشرية, إلى كل مرتبة الربوبية. " وَأُمَّهُ " مريم " صِدِّيقَةٌ " أي: هذا أيضا غايتها, أن كانت من الصديقين, الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء. والصديقية, هي: العلم النافع, المثمر لليقين, والعمل الصالح. وهذا دليل على أن مريم, لم تكن نبية, بل أعلى أحوالها, الصديقية, وكفى بذلك فضلا, وشرفا. وكذلك سائر النساء, لم يكن منهن نبية, لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين. في الرجال, كما قال تعالى " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ". فإذا كان عيسى عليه السلام من جنس الأنبياء والرسل من قبله, وأمه صديقة, فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله.. وقوله: " كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ " دليل ظاهر, على أنهما عبدان فقيران, محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب. فلو كانا إلهين, لاستغنيا عن الطعام والشراب, ولم يحتاجا إلى شيء, فإن الإله, هو الغني الحميد. ولما بين تعالى البرهان قال: " انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ " الموضحة للحق, الكاشفة لليقين, ومع هذا, لا تفيد فيهم شيئا, بل لا يزالون على إفكهم, وكذبهم, وافترائهم. وذلك ظلم وعناد منهم.

"قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "
أي: " قُلْ " لهم أيها الرسول: " أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " من المخلوقين الفقراء المحتاجين. " مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا " وتدعون من انفرد بالضر والنفع, والعطاء والمنع. " وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ " لجميع الأصوات, باختلاف اللغات, على تفنن الحاجات. " الْعَلِيمُ " بالظواهر والبواطن, والغيب والشهادة, والأمور الماضية والمستقبلة. فالكامل تعالى, الذي هذه أوصافه, هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة, ويخلص له الدين.

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ "
يقول تعالى, لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ " أي: لا تتجاوزوا وتتعدوا الحق إلى الباطل. وذلك كقولهم في المسيح, ما تقدم حكايته عنهم. وكغلوهم في بعض المشايخ, متبعين " أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ " أي: تقدم ضلالهم. " وَأَضَلُّوا كَثِيرًا " من الناس, بدعوتهم إياهم إلى الدين, الذي هم عليه. " وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ " أي: قصد الطريق, فجمعوا بين الضلال والإضلال. وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر الله عنهم, وعن اتباع أهوائهم المردية, وآرائهم المضلة.

"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ "
ثم قال تعالى: " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ " أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله. " عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ " أي: بشهادتهما وإقرارهما, بأن الحجة قد قامت عليهم, وعاندوها. " ذَلِكَ " الكفر واللعن " بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ". أي: بعصيانهم لله, وظلمهم لعباد الله, صار سببا لكفرهم, وبعدهم عن رحمة الله, فإن للذنوب والظلم, عقوبات.

"كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ "
ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات, وأوقعت بهم العقوبات أنهم: " كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ " أي: كانوا يفعلون المنكر, ولا ينهى بعضهم بعضا. فيشترك بذلك المباشر وغيره, الذي سكت عن النهي عن المنكر, مع قدرته على ذلك. وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله, وأن معصيته خفيفة عليهم. فلو كان لديهم تعظيم لربهم, لغاروا لمحارمه, ولغضبوا لغضبه. وإنما كان السكوت عن المنكر - مع القدرة - موجبا للعقوبة, لما فيه من المفاسد العظيمة. منها: أن مجرد السكوت, فعل معصيه, وإن لم يباشرها الساكت. فإنه - كما يجب اجتناب المعصية - فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية. ومنها: ما تقدم, أنه يدل على التهاون بالمعاصي, وقلة الاكتراث بها. ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة, على الإكثار من المعاصي, إذا لم يردعوا عنها, فيزداد الشر, وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية, ويكون لهم الشوكة والظهور. ثم بعد ذلك, يضعف أهل الخير, عن مقاومة أهل الشر, حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون: عليه أولا. ومنها: أنه - بترك الإنكار للمنكر - يندرس العلم, ويكثر الجهل. فإن المعصية - مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص, وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية, وربما ظن الجاهل أنها عباده مستحسنة. وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله, حلالا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟!! ومنها: أن بالسكوت على معصية العاصين, ربما تزينت المعصية في صدور الناس, واقتدى بعضهم ببعض. فالإنسان, مولع بالاقتداء بأحزابه, وبني جنسه. ومنها ومنها. فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة, نص الله تعالى, أن بني إسرائيل الكفار منهم, لعنهم بمعاصيهم, واعتدائهم, وخص من ذلك هذا المنكر العظيم. " لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ "

"تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ "
" تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا " بالمحبة والموالاة والنصر. " لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ " البضاعة الكاسدة, والصفقة الخاسرة. وهي: سخط الله, الذي يسخط لسخطه كل شيء, والخلود الدائم في العذاب العظيم. فقد ظلمتهم أنفسهم, حيث قدمت لهم, هذا النزل, غير الكريم. وقد ظلموا أنفسم إذ فوتوها النعيم المقيم.

"وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ "
" وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ". فإن الإيمان بالله وبالنبي, وما أنزل إليه, يوجب على العبد موالاة ربه, وموالاة أوليائه, ومعاداة من كفر به وعاداه, وأوضع في معاصيه. فشرط ولاية الله والإيمان به, أن لا يتخذ أعداء الله أولياء. وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط, فدل على انتفاء المشروط. " وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ " أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به, وبالنبي. ومن فسقهم, موالاة أعداء الله.

"لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ "
ثم قال تعالى " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً " إلى " أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ". يقول تعالى - في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين, وإلى ولايتهم, ومحبتهم, وأبعد من ذلك: " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ". فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق, أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين, وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم. وذلك, لشدة بغضهم لهم, بغيا, وحسدا, وعنادا, وكفرا. " وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ". وذكر تعالى لذلك عدة أسباب. منها: أن " مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا " أي: علماء متزهدين, وعبادا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد, وكذلك العبادة - مما يلطف القلب ويرققه, ويزيل عنه ما فيه, من الجفاء والغلظة, فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود, وشدة المشركين. ومنها: أنهم " لَا يَسْتَكْبِرُونَ " أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو, عن الانقياد الحق. وذلك موجب لقربهم من المسلمين, ومن محبتهم. فإن المتواضع, أقرب إلى الخير, من المستكبر.
"وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ "
ومنها: أنهم إذا " سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ " محمد صلى الله عليه وسلم أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له, وفاضت أعينهم, بحسب ما سمعوا من الحق الذي تيقنوه, فلذلك آمنوا, وأقروا به فقالوا: " رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون لله بالتوحيد, ولرسله بالرسالة, وصحة ما جاءوا به, ويشهدون على الأمم السابقة, بالتصديق والتكذيب. وهم عدول, شهادتهم مقبولة, كما قال تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ".

"وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ "
فكأنهم ليموا على إيمانهم, ومسارعتم فيه, فقالوا: " وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ". أي: وما الذي يمنعنا, من الإيمان بالله. والحال, أنه قد جاءنا الحق من ربنا, الذي لا يقبل الشك والريب. ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق, طمعنا أن يدخلنا الله الجنة, مع القوم الصالحين. فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان, وعدم التخلف عنه.

"فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ "
قال الله تعالى: " فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا " أي: بما تفوهوا به من الإيمان, ونطقوا به من التصديق بالحق. " جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ " وهذه الآيات, نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كالنجاشي وغيره, ممن آمن منهم. وكذلك لا يزال يوجد فيهم, من يختار دين الإسلام, ويتبين له بطلان ما كانوا عليه, وهم أقرب من اليهود والمشركين, إلى دين الإسلام.

"وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ "
ولما ذكر ثواب المحسنين, ذكر عقاب المسيئين فقال: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ " لأنهم كفروا بالله وكذبوا بآياته المبينة للحق.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "
يقول تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ " من المطاعم والمشارب, فإنها نعم أنعم الله بها عليكم, فاحمدوه, إذ أحلها لكم, واشكروه, ولا تردوا نعمته بكفرها, أو عدم قبولها, أو اعتقاد تحريمها. فتجمعوا بذلك بين قول الكذب على الله وكفر النعمة, واعتقاد تحريمها. فتجمعوا بذلك بين قول الكذب على الله وكفر النعمة, واعتقاد الحلال الطيب, حراما خبيثا, فإن هذا من الاعتداء. والله قد نهى عن الاعتداء فقال: " وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " بل يبغضهم ويمقتهم, ويعاقبهم على ذلك.

"وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ "
ثم أمر بضد ما عليه المشركون, الذين يحرمون, ما أحل الله فقال: " وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا " أي كلوا من رزقه الذي ساقه إليكم, بما يسره من الأسباب, إذا كان حلالا, لا سرقة, ولا غصبا, ولا غير ذلك, من أنواع الأموال, التي تؤخذ بغير حق. وكان أيضا طيبا, وهو: الذي لا خبث فيه. فخرج بذلك, الخبيث من السباع والخبائث. " وَاتَّقُوا اللَّهَ ", في امتثال أوامره, واجتناب نواهيه. " الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ " فإن إيمانكم بالله, يوجب عليكم تقواه ومراعاة حقه. فإنه لا يتم إلا بذلك. ودلت الآية الكريمة, على أنه إذا حرم حلالا عليه, من طعام, وشراب, وسرية, وأمة, ونحو ذلك, فإنه لا يكون حراما بتحريمه. لكن لو فعله, فعليه كفارة يمين, كما قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ " الآية. إلا أن تحريم الزوجة, فيه كفارة ظهار. ويدخل في هذه الآية, أنه لا ينبغي للإنسان, أن يتجنب الطيبات, ويحرمها على نفسه, بل يتناولها, مستعينا بها, على طاعة ربه.

"لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
أي: في أيمانكم, التي صدرت على وجه اللغو, وهي الأيمان, التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد, أو عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلاف ذلك. " وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ " أي: بما عزمتم عليه, وعقدت عليه قلوبكم. كما قال في الآية الأخرى " وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ". " فَكَفَّارَتُهُ " أي: كفارة الأيمان, التي عقدتموها بقصد, " إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ". وذلك الإطعام " مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ " أي: كسوة عشرة مساكين, والكسوة, هي التي تجزي في الصلاة. " أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ " كما قيدت في غير هذا الموضع. فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة, فقد انحلت يمينه. " فَمَنْ لَمْ يَجِدْ " واحدا من هذه الثلاثة " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ " المذكور " كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ " تكفرها, وتمحوها, وتمنع من الإثم. " وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ " عن الحلف بالله كاذبا, وعن كثرة الأيمان, واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيهـا, إلا إذا كان الحنث خيرا, فتمام الحفظ: أن يفعل الخير, ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير. " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ " المبينة للحلال من الحرام, الموضحة للأحكام. " لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " الله, حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فعلى العبد, شكر الله تعالى, على ما من به عليه, من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة, ويخبر أنها من عمل الشيطان, وأنها رجس. " فَاجْتَنِبُوهُ " أي: اتركوه " لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " فإن الفلاح, لا يتم إلا بترك ما حرم الله, خصوصا هذه الفواحش المذكورة. وهي الخمر وهي كل ما خامر العقل أي: غطاه بسكره. والميسر, وهو: جميع المغالبات, التي فيها عوض من الجانبين, كالمراهنة ونحوها. والأنصاب, وهي: الأصنام والأنداد ونحوها, مما ينصب ويعبد من دون الله. والأزلام, التي يقتسمون بها. فهذه الأربعة, نهى الله عنها, وزجر, وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها, واجتنابها. فمنها: أنها رجس, أي: نجس, خبث معنى, وإن لم تكن نجسة حسا. والأمور الخبيثة, مما ينبغي اجتنابها, وعدم التدنس بأوضارها. ومنها: أنها من عمل الشيطان, الذي هو أعدى الأعداء للإنسان. ومن المعلوم أن العدو يحذر منه, وتحذر مصايده وأعماله, خصوصا, الأعمال التي يعملها, ليوقع فيها عدوه, فإنها فيها هلاكه. فالحزم كل الحزم, البعد عن عمل العدو المبين, والحذر منهـا, والخوف من الوقوع فيها. ومنها: أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها. فإن الفلاح هو: الفوز بالمطلوب المحبوب, والنجاة من المرهوب. وهذه الأمور مانعة من الفلاح, ومعوقة له. ومنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس, والشيطان حريص على بثها, خصوصا: الخمر والميسر, ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء. فإن في الخمر, من انقلاب العقل, وذهاب حجاه, ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه, من المؤمنين. خصوصا, إذا اقترن بذلك من الأسباب, ما هو من لوازم شارب الخمر, فإنه ربما أوصل إلى القتل. وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر, وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة, ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء. ومنها: أن هذه الأشياء تصد القلب, وتبعد البدن عن ذكر الله, وعن الصلاة, اللذين خلق لهما العبد, وبهما سعادته. فالخمر والميسر, يصدانه عن ذلك أعظم صد, ويشتغل قلبه, ويذهل لبه في الاشتغال بهما, حتى يمضي عليه مدة طويلة, وهو لا يدري أين هو. فأي معصية أعظم وأقبح, من معصية تدنس صاحبها, وتجعله من أهل الخبث, وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه, فينقاد له, كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها, وتحول بين العبد, وبين فلاحه, وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين, وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟!! فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟!! ولهذا عرض تعالى, على العقول السليمة, النهي عنها, عرضا بقوله " فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ". لأن العاقل - إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد - انزجر عنها, وكفت نفسه, ولم يحتج إلى وعظ كثير, ولا زجر بليغ.

"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ "
طاعة الله وطاعة رسوله, واحدة, فمن أطاع الله, فقد أطاع الرسول, ومن أطاع الرسول, فقد أطاع الله. وذلك شامل للقيام, بما أمر الله به ورسوله, من الأعمال, والأقوال الظاهرة, والباطنة, الواجبة والمستحبة, المتعلقة بحقوق الله, وحقوق خلقه, والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه, كذلك. وهذا الأمر أعم الأوامر, فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي, ظاهر, وباطن. وقوله: " وَاحْذَرُوا " أي: من معصية الله, ومعصية رسوله, فإن في ذلك, الشر والخسران المبين. " فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ " عما أمرتم به, ونهيتم عنه. " فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ " وقد أدى ذلك. فإن اهتديتم فلأنفسكم, وإن أسأتم فعليها, والله, هو الذي يحاسبكم. والرسول قد أدى ما عليه, وما حمل به.

"لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
لما نزل تحريم الخمر, والنهي الأكيد والتشديد فيه, تمنى أناس من المؤمنين, أن يعلموا حال إخوانهم, الذين ماتوا على الإسلام, قبل تحريم الخمر, ويشربونها. فأنزل الله هذه الآية, وأخبر تعالى أنه " لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ " أي: حرج وإثم " فِيمَا طَعِمُوا " من الخمر والميسر قبل تحريمها. ولما كان نفي الجناح, يشمل المذكورات وغيرها, قيد ذلك بقوله: " إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " أى بشرط أنهم تاركون للمعاصي, مؤمنون بالله إيمانا صحيحا, موجبا لهم عمل الصالحات, ثم استمروا على ذلك. وإلا, فقد يتصف العبد بذلك, في وقت دون آخر. فلا يكفي, حتى يكون كذلك, حتى يأتيه أجله, ويدوم على إحسانه, فإن الله يحب المحسنين في عبادة الخالق المحسنين, في نفع العبيد. ويدخل في هذه الآية الكريمة, من طعم المحرم, أو فعل غيره بعد التحريم, ثم اعترف بذنبه, وتاب إلى الله, واتقى وعمل صالحا, فإن الله يغفر له, ويرتفع عنه الإثم في ذلك.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
هذا من منن الله على عباده, أن أخبرهم بما سيفعل قضاء وقدرا, ليطيعوه, ويقدموا على بصيرة, ويهلك من هلك عن بينة, ويحيا من حي عن بينة. فقال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " لابد أن يختبر الله إيمانكم. " لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ " أي: بشيء غير كثير, فتكون محنة يسيرة, تخفيفا منه تعالى ولطفا. وذلك الصيد الذي يبتليكم الله به " تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ " أي: تتمكنون من صيده, ليتم بذلك الابتلاء, لا غير مقدور عليه بيد, ولا رمح فلا يبقى للابتلاء فائدة. ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء فقال: " لِيَعْلَمَ اللَّهُ " علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب " مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ". فيكف عما نهى الله عنه, مع قدرته عليه, وتمكنه, فيثيبه الثواب الجزيل, ممن لا يخافه بالغيب, فلا يرتدع عن معصية تعرض له فيصطاد ما تمكن منه. " فَمَنِ اعْتَدَى " منكم " بَعْدِ ذَلِكَ " البيان, الذي قطع الحجج, وأوضح السبيل. " فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " أي: مؤلم موجع, لا يقدر على وصفه إلا الله, لأنه لا عذر لذلك المعتدي, والاعتبار بمن يخافه بالغيب, وعدم حضور الناس عنده. وأما إظهار مخافة الله عند الناس, فقد يكون ذلك, لأجل مخافة الناس, فلا يثاب على ذلك.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ "
ثم خرج بالنهي, عن قتل الصيد, في حال الإحرام فقال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ " أي: محرمون في الحج والعمرة. والنهي عن قتله, يشمل النهي عن مقدمات القتل, وعن المشاركة في القتل, والدلالة عليه, والإعانة على قتله, حتى إن من تمام ذلك, أنه ينهى المحرم من أكل ما قتل, أو صيد لأجله. وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم, أنه يحرم على المحرم, قتل وصيد ما كان حلالا له قبل الإحرام. وقوله: " وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا " قتل صيدا عمدا فعليه جزاء " مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ " أى الإبل, أو البقر, أو الغنم. فينظر ما يشبهه من ذلك, فيجب عليه مثله, يذبحه ويتصدق به. والاعتبار بالمماثلة " يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " أي: عدلان يعرفان الحكم, ووجه الشبه, كما فعل الصحابة رضي الله عنهم, حيث قضوا بالحمامة شاة, وفي النعامة بدنة, وفي بقر الوحش - على اختلاف أنواعه - بقرة. هكذا كل ما يشبه شيئا من النعم, ففيه مثله. فإن لم يشبه شيئا, ففية قيمته, كما هو القاعدة في المتلفات. وذلك الهدي لا بد أن يكون " هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ " أي: يذبح في الحرم. " أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ " أي: كفارة ذلك الجزاء, طعام مساكين, أي: يجعل مقابل المثل من النعم, طعام يطعم المساكين. قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء, فيشتري بقيمته طعام, فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره. " أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ " الطعام " صِيَامًا " أي: يصوم عن إطعام كل مسكين يوما. " لِيَذُوقَ " بإيجاب الجزاء المذكور عليه " وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ " بعد ذلك " فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ". وإنما نص الله على المتعمد لقتل الصيد, مع أن الجزاء يلزم المتعمد والمخظئ, كما هو القاعدة الشرعية - أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة, فإنه يضمنها على أي حال كان, إذا كان إتلافه بغير حق. لأن الله رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام, وهذا للمتعمد. وأما المخطئ, فليس عليه عقوبة, إنما عليه الجزاء. هذا قول جمهور العلماء. والصحيح, ما صرحت به الآية, أنه لا جزاء على غير المتعمد, كما لا إثم عليه.

"أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ "
ولما كان الصيد يشمل الصيد البري والبحري, استثنى تعالى, الصيد البحري فقال: " أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ " أي أحل لكم - في حال إحرامكم - صيد البحر وهو: الحي من حيواناته, وطعامه, وهو: الميت منها, فدل ذلك على حل ميتة البحر. " مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ " أي: الفائدة في إباحته لكم أنه لأجل انتفاعكم, وانتفاع رفقتكم, الذين يسيرون معكم. " وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ". ويؤخذ من لفظ "الصيد" أنه لا بد أن يكون وحشيا لأن الإنسي ليس بصيد. ومأكولا, فإن غير المأكول, لا يصاد, ولا يطلق عليه اسم الصيد. " وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " أي: اتقوه بفعل ما أمر به, وترك ما نهى عنه. واستعينوا على تقواه بعلمكم, أنكم إليه تحشرون. فيجازيكم, هل قمتم بتقواه فيثيبكم الثواب الجزيل, أم لم تقوموا, فيعاقبكم؟

"جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
يخبر تعالى, أنه جعل " الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ". يقوم, بالقيام بتعظيمه, دينهم ودنياهم, فبذلك يتم إسلامهم, وبه تحط أوزارهم, وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة والإحسان الكثير. وبسببه تنفق الأموال, وتقتحم - من أجله - الأهوال. ويجتمع فيه, من كل فج عميق, جميع أجناس المسلمين, فيتعارفون, ويستعين. بعضهم ببعض, ويتشاورون المصالح العامة, وتنعقد بينهم الروابط, في مصالحهم الدينية والدنيويه. قال تعالى: " لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ". ومن أجل كون البيت قياما للناس قال من قال من العلماء: إن حج بيت الله, فرض كفاية في كل سنة. فلو ترك الناس حجه, لأثم كل قادر, بل لو ترك الناس حجه, لزال ما به قوامهم, وقامت القيامة. وقوله " وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ " أي: وكذلك جعل الهدي والقلائد - التي هي أشرف أنواع الهدي - قياما للناس, ينتفعون بهما, ويثابون عليها. " ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ". فمن علمه, أن جعل لكم هذا البيت الحرام, لما يعلمه من مصالحكم الدينية والدنيوية.

"اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
" اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي: ليكن هذان العلمان, موجودين في قلوبكم, على وجه الجزم واليقين, تعلمون أن الله شديد العقاب - العاجل والآجل - على من عصاه, وأنه غفور رحيم, لمن تاب إليه وأطاعه. فيثمر لكم هذا العلم, الخوف من عقابه, والرجاء لمغفرته وثوابه. وتعملون على ما يقتضيه الخوف والرجاء.

"مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ "
ثم قال تعالى: " مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ " وقد بلغ كما أمر, وقام بوظيفته, وما سوى ذلك, فليس له من الأمر شيء. " وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ " فيجازيكم بما يعلمه - تعالى - منكم.

"قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
أي " قُلْ " للناس - محذرا عن الشر ومرغبا في الخير -: " لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ " من كل شيء. فلا يستوي الإيمان والكفر, والطاعة والمعصية, ولا أهل الجنة وأهل النار, ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة, ولا يستوي المال الحرام, بالمال الحلال. " وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ " فإنه لا ينفع صاحبه شيئا, بل يضره. في دينه ودنياه. " فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ". فأمر أولي الألباب, أي: أهل العقول الوافية, والآراء الكاملة, فإن الله تعالى يوجه إليهم الخطاب. وهم: الذين يؤبه لهم, ويرجى أن يكون فيهم خير. ثم أخبر أن الفلاح, متوقف على التقوى, التي هي موافقة الله, في أمره ونهيه. فمن اتقاه, أفلح كل الفلاح. ومن ترك تقواه, حصل له الخسران, وفاتته الأرباح.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ "
ينهى عباده المؤمنين, عن سؤال الأشياء, التي إذا بينت لهم, ساءتهم وأحزنتهم. وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم, عن آبائهم, وعن حالهم في الجنة أو النار. فهذا ربما أنه, لو بين للسائل, لم يكن له فيه خير, كسؤالهم للأمور غير الواقعة. وكالسؤال, الذي يترتب عليه, تشديدات في الشرع, ربما أحرجت الأمة. وكالسؤال عما لا يعني. فهذه الأسئلة, وما أشبهها, هى المنهي عنها. وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك, فهو مأمور به, كما قال تعالى: " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ". " وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ " أي: وإذا وافق سؤالكم محله, فسألتم عنها, حين ينزل عليكم القرآن, فتسألون عن آية أشكلت, أو حكم خفي وجهه عليكم, في وقت يمكن فيه نزول الوحي من السماء, تبدلكم, أي: تبين لكم وتظهر, وإلا, فاسكتوا عما سكت الله عنه. " عَفَا اللَّهُ عَنْهَا " أي: سكت معافيا لعباده منها. فكل ما سكت الله عنه, فهو مما أباحه, وعفا عنه. " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي: لم يزل بالمغفرة موصوفا, وبالحلم والإحسان معروفا. فتعرضوا لمغفرته وإحسانه, واطلبوه, من رحمته ورضوانه.

"قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ "
وهذه المسائل التي نهيت عنها " قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ " أي: جنسها وشبهها, سؤال تعنت لا استرشاد. فلما بينت لهم وجاءتهم " أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه, وما أمرتكم به, فأتوا منه ما استطعتم, فإنما أهلك من كان قبلكم, كثرة مسائلهم, واختلافهم على أنبيائهم"

"مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ "
هذا ذم للمشركين, الذين شرعوا في الدين, ما لم يأذن به الله, وحرموا ما أحله الله. فجعلوا بآرائهم الفاسدة, شيئا من مواشيهم محرما, على حسب اصطلاحاتهم, التي عارضت ما أنزل الله, فقال: " مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ " وهي: ناقة, يشقون أذنها, ثم يحرمون ركوبها, ويرونها محترمة. " وَلَا سَائِبَةٍ " وهي: ناقة, أو بقرة, أو شاة, إذا بلغت سنا اصطلحوا عليه, سيبوها, فلا تركب, ولا يحمل عليها, ولا تؤكل, وبعضهم ينذر شيئا من ماله, يجعله سائبة. " وَلَا حَامٍ " أي: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل, إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم. فكل هذه, مما جعلها المشركون محرمة, بغير دليل ولا برهان. وإنما ذلك, افتراء على الله, وصادرة من جهلهم, وعدم عقلهم, ولهذا قال: " وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ". فلا نقل فيها ولا عقل, ومع هذا, فقد أعجبوا بآرائهم التي بنيت على الجهالة والظلم.

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ "
فإذا دعوا " إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ " أعرضوا, فلم يقبلوا, و " قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا " من الدين, ولو كان غير سديد, ولا دينا ينجي من عذاب الله. ولو كان في آبائهم كفاية ومعرفة ودراية, لهان الأمر. ولكن آباءهم لا يعقلون شيئا, أي, ليس عندهم من المعقول شيء, ولا من العلم والهدى, شيء. فتبا لمن قلد من لا علم عنده صحيح, ولا عقل رجيح, وترك اتباع ما أنزل الله, واتباع رسله, الذي يملأ القلوب, علما, وإيمانا, وهدى, وإيقانا

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "
يقول تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ " أي: اجتهدوا في إصلاحها, وكمالها, وإلزامها سلوك الصراط المستقيم. فإنكم - إذا صلحتم - لا يضركم من ضل عن الصراط المستقيم, ولم يهتد إلى الدين القويم, وإنما يضر نفسه. ولا يدل هذا, أن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, لا يضر العبد تركهما وإهمالهما. فإنه لا يتم هداه, إلا بالإتيان بما يجب عليه, من الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر. نعم, إذا كان عاجزا عن إنكار المنكر, بيده, ولسانه, وأنكره بقلبه, فإنه لا يضرة ضلال غيره. وقوله " إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا " أي: مآلكم, يوم القيامة, واجتماعكم بين يدي الله تعالى. " فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " من خير وشر.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ "
يخبر تعالى خبرا متضمنا للأمر, بإشهاد اثنين على الوصية, إذا حضر الإنسان مقدمات الموت وعلائمه. فينبغي له, أن يكتب وصيته, ويشهد عليها اثنين, ذوي عدل, ممن يعتبر, شهادتهما. " أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ " أي: من غير أهل دينكم, من اليهود, أو النصارى, أو غيرهم, وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرها من المسلمين. " إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ " أي: سافرتم فيها. " فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ " أي: فأشهدوهما. ولم يأمر يإشهادهما, إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول, ويؤكد عليهما, أن يحبسا " مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ " التي يعظمونها. " فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ " أنهما صدقا, وما غيرا, ولا بدلا. هذا " إِنِ ارْتَبْتُمْ " في شهادتهما, فإن صدقتموها, فلا حاجة إلى القسم بذلك. ويقولان: " لَا نَشْتَرِي بِهِ " أي: بأيماننا " ثَمَنًا " بأن نكذب فيها, لأجل عرض من الدنيا. " وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى " فلا نراعيه لأجل قربة منا " وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ " بل نؤديها على ما سمعناها " إِنَّا إِذًا " أي: إن كتمناها " لَمِنَ الْآثِمِينَ ".

"فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ "
" فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا " أي: الشاهدين " اسْتَحَقَّا إِثْمًا " بأن وجد من القرآن, ما يدل على كذبهما, وأنهما خانا, فآخران يقومان مقامهما من. الذين استحق عليهما الأوليان. أي: فيقم رجلان من أولياء الميت, وليكونا من أقرب الأولياء إليه. " فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا " أي: أنهما كذبا, وغيرا, وخانا. " وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ " أي: إن ظلمنا واعتدينا, وشهدنا بغير الحق. قال الله تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها, وردها على أولياء الميت, حين تظهر من الشاهدين الخيانة.

"ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ "
" ذَلِكَ أَدْنَى " أي: أقرب " أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا " حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات. " أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ " أي: أن لا تقبل أيمانهم, ثم ترد على أولياء الميت. " وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " أي: الذين وصفهم الفسق, فلا يريدون. الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم. وحاصل هذا, أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه, مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين. فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين, جاز أن يوصي إليها. ولكن لأجل كفرهما, فإن الأولياء, إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة, أنهما ما خانا, ولا كذبا, ولا غيرا, ولا بدلا, فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما. فإن لم يصدقوهما, ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين فإن شاء أولياء الميت, فليقم منهم اثنان, فيقسمان بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين, الأولين, وأنهما خانا وكذبا, فيستحقون منهما ما يدعون. وهذه الآيات الكريمة, نزلت في قصة "تميم الداري" و "عدي بن بداء" المشهورة حين أوصى لهما العدوي, والله أعلم ويستدل بالآيات الكريمات, على عدة أحكام. منها: أن الوصية مشروعة, وأنه ينبغي لمن حضره الموت, أن يوصي. ومنها: أنها معتبرة, لو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلامته, ما دام عقله ثابتا. ومنها: أن شهادة الوصية, لابد فيها من اثنين عدلين - ومنها: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها, مقبولة لوجود الضرورة. وهذا مذهب الإمام أحمد. وزعم كثير من أهل العلم: أن هذا الحكم منسوخ. وهذه دعوى لا دليل عليها. ومنها: أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه, أن شهادة الكفار عند عدم غيرهم, حتى في غير هذه المسألة - مقبولة, كما ذهب إلى ذلك, شيخ الإسلام ابن تيمية. ومنها: جواز سفر المسلم مع الكافر, إذا لم يكن محذور. ومنها: جواز السفر للتجارة. ومنها: أن الشاهدين - إذا ارتيب منهما, ولم تبد قرينة تدل على خيانتهما, وأراد الأولياء - أن يؤكدوا عليهما اليمين, يحبسونهما من بعد الصلاة, فيقسمان بصفة ما ذكر الله تعالى. ومنها: أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما, وتأكيد اليمين عليهما. ومنها: تعظيم أمر الشهادة, حيث أضافها تعالى, إلى نفسه, وأنه يحب الاعتناء بها, والقيام بها, بالقسط. ومنها: أنه يجوز امتحان الشاهدين, عند الريبة منهما, وتفريقهما, لينظر في قيمة شهادتهما صدقا أو كذبا. ومنها: أنه إذا وحدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة - قام اثنان من أولياء الميت, فأقسما بالله. أن أيماننا أصدق من أيمانهما, ولقد خانا وكذبا. ثم يدفع إليهما ما ادعياه, وتكون القرينة - مع أيمانهما - قائمة مقام البينة.
"يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ "
يخبر تعالى, عن يوم القيامة, وما فيه من الأهوال العظام, وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم. " مَاذَا أُجِبْتُمْ " أي: ماذا أجابتكم به أممكم؟ " قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا " وإنما العلم لك - يا ربنا, فأنت أعلم منا. " إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ " أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة.

"إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ "
" إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ " أي: اذكرها بقلبك ولسانك, وقم بواجبها شكرا لربك, حيث أنعم عليك نعما, ما أنعم بها على غيرك. " إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ " أي: إذ قويتك بالروح والوحي, الذي طهرك وزكاك, وصار لك قوة على القيام بأمر الله والدعوة إلى سبيله. وقيل: إن المراد "بروح القدس" جبريل عليه السلام, وأن الله أعانه به, وبملازمته له, وتثبيته, في المواطن المشقة. " تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا " المراد بالتكليم هنا, غير التكليم المعهود الذي هو مجرد الكلام. وإنما المراد بذلك التكليم الذي ينتفع به المتكلم والمخاطب, وهو الدعوة إلى الله. ولعيسى عليه السلام من ذلك, ما لإخوانه, من أولي العزم, من المرسلين, من التكليم في حال الكهولة, بالرسالة والدعوة إلى الخير, والنهي عن الشر. وامتاز عنهم, بأنه كلم الناس في المهد فقال: " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا " الآية. " وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ " فالكتاب, يشمل الكتب السابقة, وخصوصا التوراة, فإنه من أعلم أنبياء بني إسرائيل - بعد موسى - بها. ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه. والحكمة: معرفة أسرار الشرع, وفوائده, وحكمه وحسن الدعوة والتعليم, ومراعاة ما ينبغي, على الوجه الذي ينبغي. " وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ " أي: طيرا مصورا, لا روح فيه. " فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ " الذي: لا بصر له ولا عين. " وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي ". فهذه آيات بينات, ومعجزات باهرات, يعجز عنها الأطباء وغيرهم. أيد الله بها عيسى, وقوى بها دعوته. " وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ " لما جاءهم الحق مؤيدا بالبينات الموجبة للإيمان به. " إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ". وهموا بعيسى أن يقتلوه, وسعوا في ذلك. فكف الله أيديهم عنه, وحفظه منهم, وعصمه. فهذه منن, امتن الله بها على عبده ورسوله, عيسى ابن مريم, ودعاه إلى شكرها, والقيام بها. فقام بها عليه السلام, أتم القيام, وصبر كما صبر إخوانه, من أولي العزم.

"وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ "
أي: واذكر نعمتي عليك, إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم, وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي, وأوحيت إليهم على لسانك, أي: أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله. فأجابوا لذلك وانقادوا, وقالو: آمنا, واشهد بأننا مسلمون. فجمعوا بين الإسلام الظاهر: والانقياد بالأعمال الصالحة والإيمان الباطن, المخرج لصاحبه من النفاق, ومن ضعف الإيمان. والحواريون هم: الأنصار, كما قال عيسى بن مريم للحواريين: " مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ".

"إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
" إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ " أي: مائدة فيها طعام. وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله, واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك, من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق, وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين, ربما أوهم ذلك, وعظهم عيسى عليه السلام فقال: " اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " فإن المؤمن, يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى, وأن ينقاد لأمر الله, ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها. فأخبر الحواريون, أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى, وإنما لهم مقاصد صالحة.

"قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ "
لأجل الحاجة إلى ذلك " قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا " وهذا دليل على. أنهم محتاجون لها. " وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا " بالإيمان, حين نرى الآيات العيانية, حتى يكون الإيمان عين اليقين. كما سأل الخليل, عليه الصلاة والسلام ربه, أن يريه كيف يحيي الموتى " قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ". فالعبد محتاج إلى زيادة العلم, واليقين, والإيمان كل وقت, ولهذا قال: " وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا " أي: نعلم صدق ما جئت به, أنه حق وصدق. " وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ " فتكون مصلحة لمن بعدنا, نشهدها لك, فتقوم الحجة, ويحصل زيادة البرهان بذلك.

"قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ "
فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك, وعلم مقصودهم, أجابهم إلى طلبهم في ذلك. فقال: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ " أي: يكون وقت نزولها, عيدا وموسما, يتذكر به هذه الآية العظيمة, فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات, وتكرر السنين. كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم, مذكرة لآياته, ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة, وفضله وإحسانه عليهم. " وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ " أي: اجعلها لنا رزقا. فسأل عيسى عليه السلام نزولها أن تكون لهاتين المصلحتين, مصلحة الدين, بأن تكون آية باقية, ومصلحة الدنيا, وهي أن تكون رزقا.

"قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ "
" قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ " لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر, عنادا وظلما, فاستحق العذاب الأليم, والعقاب الشديد. واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها, وتوعدهم إن كفروا - بهذا الوعيد. ولم يذكر أنه أنزلها. فيحتمل أنه لم ينزلها, بسبب أنهم لم يختاروا ذلك. ويدل على ذلك, أنه يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى, ولا له وجود. ويحتمل أنها. نزلت, كما وعد الله, وأنه لا يخلف الميعاد. ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم, من الحظ الذي ذكروا به فنسوه. أو أنه يذكر في الإنجيل أصلا, وإنما ذلك كان متوارثا بينهم, ينقله الخلف عن السلف, فاكتفى الله بذلك, عن ذكره في الإنجيل. ويدل على هذا المعنى قوله " وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ " والله أعلم بحقيقة الحال.

"وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ "
" وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ". وهذا توبيخ للنصارى, الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة فيقول الله هذا الكلام لعيسى. فيتبرأ منه عيسى ويقول " سُبْحَانَكَ " عن هذا الكلام القبيح, وعما لا يليق بك. " مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ " أي: ما ينبغي لي, ولا يليق أن أقول شيئا, ليس من أوصافي, ولا من حقوقي. فإنه ليس أحد من المخلوقين, لا الملائكة المقربون, ولا الأنبياء المرسلين. ولا غيرهم, له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية. وإنما الجميع عباد, مدبرون, وخلق مسخرون, وفقراء عاجزون. " إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ " فأنت أعلم بما صدر مني. " إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ " وهذا من كمال أدب المسيح عليه الصلاة والسلام, في خطابه لربه. فلم يقل عليه السلام "لم أقل شيئا من ذلك". وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف,. وأن هذا من الأمور المحالة. ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه, ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة.

"مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ "
ثم صرح بذكر ما اتسم به بني إسرائيل فقال: " مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ " فأنا عبد متبع لأمرك, لا متجرئ على عظمتك. " أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ " أي: ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده, وإخلاص الدين له, المتضمن للنهي, عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله, وبيان أني عبد مربوب, فكما أنه ربكم فهو ربي. " وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ " أشهد على من قام بهذا الأمر, ممن لم يقم به. " فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم. " وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " علما وسمعا وبصرا. فعلمك قد أحاط بالمعلومات, وسمعك بالمسموعات, وبصرك بالمبصرات, فأنت الذي تجازي عبادك, بما تعلمه فيهم من خير وشر.

"إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
" إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ " وأنت أرحم بهم من أنفسهم, وأعلم بأحوالهم, فلولا أنهم عباد متمردون, لم تعذبهم. " وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " أي: فمغفرتك صادرة عن تمام عزة وقدرة, لا كمن يغفر ويعفو, عن عجز وعدم قدرة. الحكيم حيث كان من مقتضى حكمتك, أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة.

"قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "
" قَالَ اللَّهُ " مبينا لحال عباده يوم القيامة, ومن الفائز منهم, ومن الهالك, من الشقي, ومن السعيد. " هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ " والصادقون الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم, ونياتهم, على الصراط المستقيم, والهدى القويم. فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق, إذا أحلهم الله في مقعد صدق, عند مليك مقتدر. ولهذا قال: " لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ". والكاذبون بضدهم, سيجدون ضرر كذبهم وافترائهم, وثمرة أعمالهم الفاسدة.

"لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
" لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ " لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه القدري, وحكمه الشرعي, وحكمه الجزائي, ولهذا قال: " وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فلا يعجزه شيء, بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته, ومسخرة بأمره. تم تفسير سورة المائدة, بفضل من الله وإحسان والحمد لله رب العالمين
سورة الأنعام


"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ "
هذا إخبار عن حمده والثناء عليه, بصفات الكمال, ونعوت العظمة والجلال عموما, وعلى هذه المذكورات خصوصا. فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض, الدالة على كمال قدرته, وسعة علمه ورحمته, وعموم حكمته, وانفراده بالخلق والتدبير, وعلى جعله الظلمات والنور. وذلك شامل للحسي من ذلك, كالليل والنهار, والشمس والقمر. والمعنوي, كظلمات الجهل, والشك, والشرك, والمعصية, والغفلة, ونور العلم والإيمان, واليقين, والطاعة. وهذا كله, يدل دلالة قاطعة أنه تعالى, هو المستحق للعبادة, وإخلاص الدين له. ومع هذا الدليل ووضوح البرهان " ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ " به سواه. يسوونهم به في العبادة والتعظيم, مع أنهم لم يساووا الله في شيء من الكمال, وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه.

"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ "
" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ " وذلك بخلق مادتكم وأبيكم آدم. عليه السلام. " ثُمَّ قَضَى أَجَلًا " أي: ضرب لمدة إقامتكم في هذه الدار, أجلا فتتمتعون به وتمتحنون, وتبتلون بما يرسل إليكم به رسله. " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " ويعمركم ما يتذكر فيه من تذكر. " وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ " وهي: الدار الآخرة, التي ينتقل العباد إليها من هذه الدار, فيجازيهم بأعمالهم من خطر وشر. " ثُمَّ " مع هذا البيان التام وقطع الحجة " أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ " أي: تشكون في وعد الله ووعيده, ووقوع الجزاء يوم القيامة. وذكر الله الظلمات بالجمع, لكثرة موادها, وتنوع طرقها. ووحد النور, لكون الصراط الموصلة إلى الله واحدة, لا تعدد فيها, وهي: الصراط المتضمنة للعلم بالحق, والعمل به كما قال تعالى " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ".

"وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ "
أي: وهو المألوه المعبود, في السماوات وفي الأرض, فأهل السماء والأرض, متعبدون لربهم, خاضعون لعظمته, مستكينون لعزه وجلاله, الملائكة المقربون, والأنبياء والمرسلون, والصديقون, والشهداء والصالحون. وهو تعالى, يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون, فاحذروا معاصيه وارغبوا في الأعمال, التي تقربكم منه, وتدنيكم من رحمته, واحذروا من كل عمل يبعدكم منه, ومن رحمته.

"وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ "
هذا إخبار منه تعالى, عن إعراض المشركين, وشدة تكذيبهم وعداوتهم, وأنهم لا تنفع فيهم الآيات, حتى تحل بهم المثلات فقال: " وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ " الدالة على الحق دلالة قاطعة, الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله. " إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ " لا يلقون لها بالا, ولا يصغون لها سمعا, قد انصرفت قلوبهم إلى غيرها, وولوها أدبارهم.

"فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ "
" فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ " والحق حقه, أن يتبع, ويشكر الله على تيسيره لهم, وإتيانهم به. فقابلوه بضد ما يجب مقابلته به فاستحقوا العقاب الشديد. " فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " أي: فسوف يرون ما استهزأوا به, أنه الحق والصدق, ويبين الله للمكذبين كذبهم وافترائهم وكانوا يستهزئون بالبعث والجنة والنار. فإذا كان يوم القيامة قيل للمكذبين " هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ". وقال تعالى: " وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُالَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ "

"أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ "
ثم أمرهم أن يعتبروا بالأمم السابقة فقال: " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ " أي: كم تتابع إهلاكنا للأمم المكذبين, وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك, بأن " مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ " من الأموال والبنين والرفاهية. " وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ " تنبت لهم بذلك ما شاء الله, من زروع وثمار, يتمتعون بها, ويتناولون منها ما يشتهون. فلم يشكروا الله على نعمه, بل أقبلوا على الشهوات, وألهتهم اللذات فجاءتهم رسلهم بالبينات, فلم يصدقوها, بل ردوها وكذبوها " فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ " أي: فأهلكهم الله بذنوبهم, وأنشأ من بعدهم قرنا آخرين. فهذه سنة الله ودأبه, في الأمم السابقين واللاحقين. فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم.

"وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ "
هذا إخبار من الله لرسوله عن شدة عناد الكافرين, وأنه ليس تكذيبهم لقصور فيما جئتهم به, ولا لجهل منهم بذلك, وإنما ذلك ظلم وبغي, لا حيلة لكم فيه. فقال: " وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ " وتيقنوه " لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا " ظلما وعدوانا " إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ". فأي بينة أعظم من هذه البينة, وهذا قولهم الشنيع فيها, حيث كابروا المحسوس, الذي لا يمكن من له أدنى مسكة من عقل دفعه؟!!

"وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ "
" وَقَالُوا " أيضا - تعنتا مبنيا على الجهل, وعدم العلم بالمعقول. " لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ " أي: هلا أنزل مع محمد ملك, يعاونه ويساعده على ما هو عليه بزعمهم أنه بشر, وأن رسالة الله, لا تكون إلا على أيدي الملائكة. قال الله - في بيان رحمته ولطفه بعباده, حيث أرسل إليهم بشرا منهم يكون الإيمان بما جاء به, عن علم وبصيرة, وغيب. " وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا " برسالتنا, لكان الإيمان لا يصدر عن معرفة بالحق ولكان إيمانا بالشهادة, الذي لا ينفع شيئا وحده. وهذا إن آمنوا, والغالب أنهم لا يؤمنون بهذه الحالة. فلو لم يؤمنوا " لَقُضِيَ الْأَمْرُ " بتعجيل الهلاك عليهم, وعدم إنظارهم, لأن هذه سنة الله, فيمن طلب الآيات المقترحة, فلم يؤمن بها. فإرسال الرسول البشري إليهم, بالآيات البينات, التي يعلم الله أنها أصلح للعباد, وأرفق بهم, مع إمهال الله للكافرين والمكذبين - خير لهم وأنفع. فطلبهم لإنزال الملك, شر لهم, لو كانوا يعلمون. ومع ذلك, فالملك لو أنزل عليهم, وأرسل, لم يطيقوا التلقي عنه, ولا احتملوا ذلك, ولا أطاقته قواهم الفانية.

"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ "
" وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا " لأن الحكمة لا تقتضي سوى ذلك. " وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ " أي: ولكان الأمر, مختلطا عليهم, وملبوسا. وذلك بسبب ما لبسوه على أنفسهم, فإنهم بنوا أمرهم على هذه القاعدة التي فيها اللبس, وعدم بيان الحق. فلما جاءهم الحق, بطرقه الصحيحة, وقواعده التي هي قواعده, لم يكن ذلك هداية لهم, إذا اهتدى بذلك غيرهم. والذنب ذنبهم, حيث أغلقوا على أنفسهم باب الهدى, وفتحوا أبواب الضلال.

"وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ "
يقول تعالى - مسليا لرسوله, ومصبرا ومتهددا أعداءه, ومتوعدا. " وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ " لما جاءوا أممهم بالبينات, كذبوهم واستهزأوا بهم, وبما جاءوا به. فأهلكهم الله بذلك الكفر والتكذيب, ووفر لهم من العذاب أكمل نصيب. " فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " فاحذروا - أيها, المكذبون - أن تستمروا على تكذيبكم, فيصيبكم ما أصابهم.

"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ "
" قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " أي: فإن شككتم في ذلك, أو ارتبتم, فسيروا في الأرض, ثم انظروا, كيف كان عاقبة المكذبين, فلن تجدوا إلا قوما مهلكين, وأمما في المثلات تالفين. قد أوحشت منهم المنازل, وعدم من تلك الربوع كل متمتع بالسرور نازل. أبادهم الملك الجبار, وكان نبأهم عبرة لأولي الأبصار. وهذا السير المأمور به, سير القلوب والأبدان, الذي يتولد منه - الاعتبار. وأما مجرد النظر من غير اعتبار, فإن ذلك لا يفيد شيئا.

"قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم " قُلْ " لهؤلاء المشركين, مقررا لهم وملزما بالتوحيد: " لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: من الخلق لذلك, المالك له, المتصرف فيه؟ " قُلْ " لهم: " لِلَّهِ " وهم مقرون بذلك لا ينكرونه, أفلا, حين اعترفوا بانفراد الله, بالملك والتدبير أن يعترفوا له بالإخلاص والتوحيد؟!!. وقوله " كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " أي: العالم العلوي والسفلي, تحت ملكه وتدبيره, هو تعالى, قد بسط عليهم رحمته وإحسانه, وتغمدهم برحمته وامتنانه, وكتب على نفسه كتابا "أن رحمته تغلب غضبه" و"أن العطاء أحب إليه من المنع" و"أن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة, إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم, دعاهم إليها, إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم" وقوله " لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ " وهذا قسم منه, وهو أصدق المخبرين. وقد أقام على ذلك, من الحجج والبراهين. ما يجعله حق اليقين. ولكن أبى الظالمون إلا جحودا, وأنكروا قدرة الله على بعث الخلائق, فأوضعوا في معاصيه, وتجرأوا على الكفر به, فخسروا دنياهم وأخراهم. ولهذا قال: " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ".

"وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "
اعلم أن هذه السورة الكريمة, قد اشتملت على تقرير التوحيد, بكل دليل عقلي, ونقلي. بل كادت أن تكون كلها, في شأن التوحيد, ومجادلة المشركين بالله, المكذبين لرسوله. فهذه الآيات, ذكر الله فيها, ما يتبين به الهدى, وينقمع به الشرك. فذكر أن " لَهُ " تعالى " مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ". وذلك هو المخلوقات كلها من آدميها, وجنبها وملائكتها وحيوانتها وجماداتها. فالكل خلق مدبرون, وعبيد مسخرون لربهم العظيم, القاهر المالك. فهل يصح في عقل ونقل, أن يعبد من هؤلاء المماليك, الذي لا نفع عنده ولا ضر؟ ويترك الإخلاص للخالق, المدبر المالك الضار النافع؟!!. أم العقول السليمة, والفطر. المستقيمة, تدعو إلى إخلاص العبادة, والحب, والخوف, والرجاء لله رب العالمين؟!!. " السَّمِيعُ " لجميع الأصوات, على اختلاف اللغات, بتفنن الحاجات. " الْعَلِيمُ " بما كان, وما يكون وما لم يكن, لو كان كيف كان يكون, المطلع على الظواهر والبواطن؟!!.

"قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
" قُلْ " لهؤلاء المشركين بالله: " أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا " من هؤلاء المخلوقات العاجزة, يتولاني, وينصرني؟!!. فلا, أتخذ من دونه تعالى وليا لأنه, فاطر السماوات والأرض, أي: خالقهما ومدبرهما. " وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ " أي: وهو الرازق لجميع الخلق, عن غير حاجة منه تعالى اليهم. فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرزاق, الغني, الحميد؟!! " قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ " لله بالتوحيد, وانقاد له بالطاعة. لأني أولى من غيري, بامتثال أوامر ربي. " وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " أي: ونهيت أيضا, عن أن أكون من المشركين, لا في اعتقادهم, ولا في مجالستهم: ولا في الاجتماع بهم, فهذا أفرض الفروض علي, وأوجب الواجبات.

"قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ "
" قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " فإن المعصية في الشرك, توجب الخلود في النار, وسخط الجبار.

"مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ "
وذلك اليوم, هو اليوم الذي يخاف عذابه, ويحذر عقابه. لأنه من صرف عنه العذاب يومئذ, فهو المرحوم, ومن نجا فيه, فهو الفائز حقا. كما أن من لم ينج منه, فهو الهالك الشقي. ومن أدلة توحيده, أنه تعالى, المنفرد بكشف الضراء, وجلب الخير والسراء.

"وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
ولهذا قال: " وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ " من فقر, أو مرض, أو عسر, أو غم, أو هم أو نحوه. " فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فإذا كان وحده النافع الضار, فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية.

"وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ "
" وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ " فلا يتصرف منهم متصرف, ولا يتحرك متحرك, ولا يسكن ساكن, إلا بمشيئته. وليس للملوك وغيرهم, الخروج عن ملكه وسلطانه, بل هم مدبرون مقهورون. فإذا كان هو القاهر, وغير مقهورا, كان هو المستحق للعبادة. " وَهُوَ الْحَكِيمُ " فيما أمر به ونهى, وأثاب, وعاقب, وفيما خلق وقدر. " الْخَبِيرُ " المطلع على السرائر والضمائر وخفايا الأمور, وهذا كله من أدلة التوحيد.

"قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ "
" قُلْ " لهم - لما بينا لهم الهدى, وأوضحنا لهم المسالك-: " أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً " على هذا الأصل العظيم. " قُلِ اللَّهُ " أكبر شهادة, فهو " شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " فلا أعظم منه شهادة, ولا أكبر, وهو يشهد لي بإقراره وفعله, فيقرني على ما قلت لكم. كما قال تعالى " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ". فالله حكيم قدير, فلا يليق بحكمته وقدرته, أن يقر كاذبا عليه, زاعما أن الله أرسله ولم يرسله, وأن الله أمره بدعوة الخلق, ولم يأمره, وأن الله أباح له دماء من خالفه, وأموالهم ونساءهم, وهو مع ذلك يصدقه بإقراره وبفعله فيؤيده على ما قال بالمعجزات الباهرة, والآيات الظاهرة, وينصره, ويخذل من خالفه وعاداه, فأي شهادة أكبر من هذه الشهادة؟!! وقوله " وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " أي وأوحى الله إلي هذا القرآن, لمنفعتكم ومصلحتكم, لأنذركم به من العقاب الأليم. والنذارة, إنما تكون بذكر ما ينذرهم به, من الترغيب, والترهيب, وببيان الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة, التي من قام بها, فقد قبل النذارة. فهذا القرآن, فيه النذارة لكم, أيها المخاطبون, وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة, فإن فيه بيان كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية. لما بين تعالى شهادته, التي هي أكبر الشهادات على توحيده, قال: قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله, والمكذبين لرسله " أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ ". أي: إن شهدوا, فلا, تشهد معهم. فوازن بين شهادة أصدق القائلين, ورب العالمين وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة, على توحيد الله, وحده لا شريك له, وشهادة أهل الشرك, الذين مرجت عقولهم وأديانهم, وفسدت آراؤهم وأخلاقهم, وأضحكوا على أنفسهم العقلاء. بل خالفت شهادتهم فطرهم, وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى. مع أنه لا يقوم على ما خالفوه أدنى شبهة, فضلا عن الحجج. واختر لنفسك أي الشهادتين, إن كنت تعقل. ونحن نختار لأنفسنا, ما اختاره الله لنبيه, الذي أمرنا الله بالاقتداء به فقال: " قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ " أي: منفرد, لا يستحق العبودية والإلهية سواه, كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير. " وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ " به, من الأوثان, والأنداد, وكل ما أشرك به الله. فهذا حقيقة التوحيد إثبات الإلهية لله ونفيها عما عداه.

"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "
لما بين شهادته وشهادة رسوله على التوحيد وشهادة المشركين الذين لا علم لديهم على ضده, ذكر أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى. " يَعْرِفُونَهُ " أي: يعرفون صحة التوحيد " كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ". أي: لا شك عندهم فيه, بوجه, كما أنهم لا يشتبهون بأولادهم, خصوصا البنين الملازمين في الغالب لآبائهم. ويحتمل أن الضمير, عائد إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم, وأن أهل الكتاب لا يشتبهون بصحة رسالته, ولا يمترون بها, لما عندهم من البشارات به, ونعوته التي تنطبق عليه, ولا تصلح لغيرة. والمعنيان متلازمان. قوله " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " أي: فوتوها ما خلقت له, من الإيمان والتوحيد, وحرموها الفضل من الملك المجيد " فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ". فإذا لم يوجد الإيمان منهم, فلا تسأل عن الخسار والشر, الذي يحصل لهم.

"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ "
أي: لا أعظم ظلما وعنادا, ممن كان فيه أحد الوصفين, فكيف لو اجتمعا, افتراء الكذب على الله, أو التكذيب بآياته, التي جاءت بها المرسلون, فإن هذا, أظلم الناس, والظالم لا يفلح أبدا. ويدخل في هذا, كل من كذب على الله, بادعاء الشريك له والمعين وزعم أنه ينبغي أن يعبد غيره أو اتخذ له صاحبة أو ولدا, وكل من رد الحق الذي جاءت به الرسل أو من قام مقامهم.

"وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ "
يخبر تعالى عن مآل أهل الشرك يوم القيامة وأنهم يسألون ويوبخون فيقال لهم " أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " أي إن الله ليس له شريك, وإنما ذلك على وجه الزعم منهم والافتراء

"ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ "
" ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ " أي لم يكن جوابهم حين يفتنون ويختبرون بذلك السؤال إلا إنكارهم لشركهم وحلفهم أنهم ما كانوا مشركين

"انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ "
" أَنْظُرْ " متعجبا منهم ومن أحوالهم. " كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ " أي كذبوا كذبا عاد بالخسار على أنفسهم وضرهم- والله- غاية الضرر " وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ " من الشركاء الذين زعموهم مع الله, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

"وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ "
أي: ومن هؤلاء المشركين, قوم يحملهم بعض الأوقات, بعض الدواعي إلى الاستماع. ولكنه استماع خال من قصد الحق واتباعه, ولهذا لا ينتفعون بذلك الاستماع, لعدم إرادتهم للخير. " وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً " أي: أغطية وأغشية, لئلا, يفقهوا كلام الله, فصان كلامه عن أمثال هؤلاء. " وَفِي آذَانِهِمْ " جعلنا " وَقْرًا " أي: صمما, فلا يستمعون ما ينفعهم. " وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ", وهذا غاية الظلم والعناد, أن الآيات البينات الدالة على الحق, لا ينقادون لها, ولا يصدقون بها, بل يجادلون بالباطل, ليدحضوا به الحق. ولهذا قال: " حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ " أي: مأخوذ من صحف الأولين المسطورة, التي ليست عن الله, ولا عن رسله. وهذا من كفرهم, وإلا فكيف يكون هذا الكتاب الحاوي لأنباء. السابقين واللاحقين, والحقائق التي جاءت بها الأنبياء والمرسلون, والحق, والقسط, والعدل التام, من كل وجه, أساطير الأولين.

"وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ "
وهم: أي المشركون بالله, المكذبون لرسوله, يجمعون بين الضلال والإضلال. ينهون الناس عن اتباع الحق, ويحذرونهم منه, ويبعدون بأنفسهم عنه. ولن يضروا الله ولا عباده المؤمنين, بفعلهم هذا, شيئا. " وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " بذلك.

"وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ "
يقول تعالى - مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة - وإحضارهم النار. " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ " ليوبخوا ويقرعوا, لرأيت أمرا هائلا, وحالا مفظعة. ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر والفسوق, وتمنوا أن لو يردون إلى الدنيا. " فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ "

"بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ "
" بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ". فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم, أنهم كانوا كاذبين ويبدو في قلوبهم, في كثير من الأوقات. ولكن الأغراض الفاسدة, صدتهم عن ذلك, وصدفت قلوبهم عن الخير, وهم كذبة في هذه الأمنية وإنما قصدهم, أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب. " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ".

"وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ "
" وَقَالُوا " منكرين للبعث " إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا " أي: ما حقيقة الحال والأمر وما المقصود من إيجادنا, إلا الحياة الدنيا وحدها. " وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ".

"وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ "
أي: " وَلَوْ تَرَى " الكافرين " إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ " لرأيت أمرا عظيما, وهولا جسيما. " قَالَ " لهم موبخا ومقرعا " أَلَيْسَ هَذَا " الذي ترون من العذاب " بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا " فأقروا, واعترفوا, حيث لا ينفعهم ذلك. " قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ".

"قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ "
أي: قد خاب وخسر, وحرم الخير كله, من كذب بلقاء الله, فأوجب له هذا التكذيب, الاجتراء على المحرمات, واقتراف الموبقات. " حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ " وهم على أقبح حال وأسوأه, فأظهروا غاية الندم. " قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " ولكن هذا تحسر ذهب وقته. " وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ". فإن وزرهم وزر, يثقلهم, ولا يقدرون على التخلص منه, ولهذا خلدوا في النار, واستحقوا التأبيد في غضب الجبار.

"وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "
أما حقيقة الدنيا: فإنها لعب ولهو لعب في الأبدان ولهو في القلوب فالقلوب لها والهة والنفوس لها عاشقة والهموم فيها متعلقة والاشتغال بها كلعب الصبيان. وأما الآخرة, فإنها " خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " في ذاتها وصفاتها, وبقائها ودوامها. وفيها ما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين, من نعيم القلوب والأرواح, وكثرة السرور والأفراح. ولكنها ليست لكل أحد, وإنما هي للمتقين, الذين يفعلون أوامر الله, ويتركون نواهيه وزواجره. " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " أي: أفلا يكون لكم عقول, بها تدركون, أي الدارين أحق بالإيثار.

"قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ "
أي: قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك, يحزنك ويسوءك. ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر, إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية. فلا تظن أن قولهم, صادر عن اشتباه في أمرك, وشك فيك. " فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ " لأنهم يعرفون صدقك, ومدخلك ومخرجك, وجميع أحوالك, حتى إنهم كانوا يسمونه - قبل بعثته - الأمين. " وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ " أي: فإن تكذيبهم لآيات الله, التي جعلها الله على يديك.

"وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ "
" وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ". فاصبر كما صبروا, تظفر كما ظفروا. " وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ " ما به يثبت فؤادك, ويطمئن به قلبك.

"وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ "
" وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ " أي: شق عليك, من حرصك عليهم, ومحبتك لإيمانهم, فابذل وسعك في ذلك, فليس في مقدورك, أن تهدي من لم يرد الله هدايته. " فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ". أي: فافعل ذلك, فإنه لا يفيدهم شيئا. وهذا قطع لطمعه في هداية أشباه هؤلاء المعاندين. " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى " ولكن حكمته تعالى, اقتضت أنهم يبقون على الضلال. " فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ " الذين لا يعرفون حقائق الأمور, ولا ينزلونها على منازلها.

"إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ "
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ " لدعوتك, ويلبي رسالتك, وينقاد لأمرك ونهيك " الَّذِينَ يَسْمَعُونَ " بقلوبهم, ما ينفعهم وهم أولو الألباب والأسماع. والمراد بالسماع هنا: سماع القلب والاستجابة, وإلا فمجرد سماع الأذن, يشترك فيه البر والفاجر. فكل المكلفين قد قامت عليهم حجة الله تعالى, باستماع آياته, فلم يبق لهم عذر, في عدم القبول. " وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ " يحتمل أن المعنى, مقابل للمعنى المذكور. أي: إنما يستجيب لك, أحياء القلوب وأما أموات القلوب, الذين لا يشعرون بسعادتهم, ولا يحسون بما ينجيهم, فإنهم لا يستجيبون ذلك, ولا ينقادون, وموعدهم يوم القيامة, يبعثهم الله, ثم إليه يرجعون. ويحتمل أن المراد بالآية, على ظاهرها, وأن الله تعالى يقرر المعاد, وأنه سيبعث الأموات يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون. ويكون هذا, متضمنا للترغيب في الاستجابة, لله ورسوله, والترهيب من عدم ذلك.

"وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "
" وَقَالُوا " أي: المكذبون بالرسول, تعنتا وعنادا: " لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ". يعنون بذلك, آيات الاقتراح, التي يقترحونها. بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة. كقولهم " وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا " الآيات. " قُلْ " مجيبا لقولهم: " إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً " فليس في قدرته قصور عن ذلك. كيف, وجميع الأشياء منقادة لعزته, مذعنة لسلطانه؟! " وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " فهم - لجهلهم وعدم علمهم - يطلبون ما هو شر لهم من الآيات, التي لو جاءتهم, فلم يؤمنوا بها - لعوجلوا بالعقاب, كما هي سنة الله, التي لا تبديل لها. ومع هذا, فإن كان قصدهم, الآيات التي تبين لهم الحق, وتوضح السبيل. فقد أتى محمد صلى الله عليه وسلم, بكل آية قاطعة, وحجة ساطعة, دالة على ما جاء به من الحق, بحيث يتمكن العبد في كل مسألة من مسائل الدين, أن يجد فيما جاء به, عدة أدلة عقلية ونقلية, بحيث لا تبق في القلوب, أدنى شك وارتياب. فتبارك الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق, وأيده بالآيات البينات ليهك من هلك عن بينة, ويحيا من حي عن بينة, وإن الله لسميع عليم.

"وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ "
أي: جميع الحيوانات, الأرضية والهوائية, من البهائم والوحوش, والطيور, كلها " أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ " خلقناها كما خلقناكم, ورزقناها كما رزقناكم, ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا, كما كانت نافذة فيكم. " مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ " أي: ما أهملنا ولا أغفلنا, في اللوح المحفوظ, شيئا من الأشياء. بل جميع الأشياء, صغيرها, وكبيرها, مثبتة في اللوح المحفوظ, على ما هي عليه. فتقع جميع الحوادث, طبق ما جرى به القلم. وفي هذه الآية, دليل على أن الكتاب الأول, قد حوى جميع الكائنات. وهذا أحد مراتب القضاء والقدر, فإنها أربع مراتب. علم الله الشامل, لجميع الأشياء, وكتابه المحيط بجميع الموجودات, ومشيئته وقدرته العامة النافذة في كل شيء, وخلقه لجميع المخلوقات, حتى أفعال العباد. ويحتمل أن المراد بالكتاب, هذا القرآن, أن المعنى كالمعنى في قوله تعالى " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ". وقوله " ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ " أي: جميع الأمم تجمع وتحشر إلى الله في موقف القيامة, في ذلك الموقف العظيم الهائل. فيجازيهم بعدله وإحسانه ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه الأولون والآخرون, أهل الماء وأهل الأرض.

"وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "
هذا بيان لحال المكذبين بآيات الله, المكذبين لرسله, أنهم قد سدرا على أنفسهم باب الهدى, وفتحوا باب الردى. وأنهم " صُمٌّ " عن سماع الحق " وَبُكْمٌ " عن النطق به, فلا ينطقون إلا بالباطل. " فِي الظُّلُمَاتِ " أي: منغمسون في ظلمات الجهل, والكفر, والظلم, والعناد, والمعاصي. وهذا من إضلال الله إياهم, فإنه " مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " لأنه المنفرد بالهداية والإضلال, بحسب ما اقتضاه فضله وحكمته.

"قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
يقول تعالى لرسوله: " قُلْ " للمشركين بالله, العادلين به غيره: " أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ". أي إذا حصلت هذه المشقات, وهذه الكروب, التي يضطر إلى دفعها, هل تدعون آلهتكم وأصنامكم, أم تدعون ربكم الملك الحق المبين.

"بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ "
" بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ " فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد, تنسونهم, لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا, ولا موتا, ولا حياة, ولا نشورا. وتخلصون لله الدعاء, لعلمكم أنه هو الضار النافع, المجيب لدعوة المضطر. فما بالكم, في الرخاء, تشركون به, وتجعلون له شركاء؟. هل دلكم على ذلك, عقل أو نقل, أم عندكم من سلطان بهذا. أم تفترون عل الله الكذب؟

"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ "
يقول تعالى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ " من الأمم السالفين, والقرون المتقدمين, فكذبوا رسلنا, وجحدوا بآياتنا. " فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ " أي: بالفقر والمرض والآفات, والمصائب, رحمة منا بهم. " لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ " إلينا, ويلجأون عند الشدة إلينا.

"فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
" فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ". أي: استحجرت فلا تلين للحق. " وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " فظنوا أن ما هم عليه, دين الحق فتمتعوا في باطلهم برهة من الزمان, ولعب بعقولهم الشيطان.

"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ "
" فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ " من الدنيا ولذاتها وغفلاتها. " حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ". أي: آيسون من كل خير, وهذا أشد ما يكون من العذاب, أن يؤخذوا على غرة, وغفلة وطمأنينة, ليكون أشد لعقوبتهم, وأعظم لمصيبتهم.

"فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
" فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا " أي اصطلموا بالعذاب, وتقطعت بهم الأسباب. " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " على ما قضاه وقدره, من هلاك المكذبين. فإن بذلك, نتبين آياته, وإكرامه لأوليائه, وإهانته لأعدائه, وصدق ما جاءت به المرسلون.

"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ "
يخبر تعالى, أنه كما هو المتفرد بخلق الأشياء وتدبيرها, فإنه المنفرد بالوحدانية والإلهية فقال: " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ " فبقيتم بلا سمع ولا بصر ولا عقل " مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ". فإذا لم يكن غير الله, يأتي بذلك, فلم عبدتم معه من لا قدرة له على شيء إلا إذا شاءه الله. وهذا من أدلة التوحيد وبطلان الشرك, ولهذا قال: " انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ". أي: ننوعها, ونأتي بها في كل فن, ولتنير الحق, وتستبين سبيل المجرمين. " ثُمَّ هُمْ " مع هذا البيان التام " يَصْدِفُونَ " عن آيات الله, ويعرضون عنها.

"قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ "
" قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ " أي: أخبروني " إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً " أي: مفاجأة أو قد تقدم أمامه مقدمات, تعلمون بها وقوعه. " هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ " الذين صاروا سببا لوقوع العذاب بهم, بظلمهم وعنادهم. فاحذروا أن تقيموا على الظلم, فإنه الهلاك الأبدي, والشقاء السرمدي

"وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
يذكر تعالى, زبدة ما أرسل به المرسلين, أنه البشارة والنذارة, وذلك مستلزم لبيان المبشر والمبشر به والأعمال التي إذا عملها العبد, حصلت له البشارة. والمنذر والمنذر به, والأعمال التي من عملها, حقت عليه النذارة. ولكن الناس انقسموا - بحسب إجابتهم لدعوتهم وعدمها - إلى قسمين. " فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ " أي: آمن بالله وملائكته, وكتبه, ورسله واليوم الآخر, وأصلح إيمانه وأعماله ونيته " فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ " فيما يستقبل " وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " على ما مضى.

"وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "
" وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ " أي: ينالهم, ويذوقونه " بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ".

"قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ "
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يخاطب المقترحين عليه الآيات أو القائلين له: إنما تدعونا لنتخذك إلها مع الله. " وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ " أي: مفاتيح رزقه ورحمته. " وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ " وإنما ذلك كله عند الله. فهو الذي " مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ " وهو - وحده - عالم الغيب والشهادة. " فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ". " وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ " فأكون نافذ التصرف قويا, فلست أدعي فوق منزلتي, التي أنزلني الله بها. " إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ " أي: هذا غايتي ومنتهى أمري وأعلاه, لا أتبع إلا ما يوحى إلي, فأعمل به في نفسي, وأدعو الخلق كلهم إلى ذلك. فإذا عرفت منزلتي, فلأي شيء يبحث الباحث معي, أو يطلب مني أمرا لست أدعيه. وهل يلزم الإنسان, بغير ما هو بصدده؟. ولأي شيء - إذا دعوتكم, بما يوحى إلي - تلزمونني أني أدعي لنفسي غير مرتبتي. وهل هذا, إلا ظلم منكم, وعناد, وتمرد؟ قل - لهم في بيان الفرق, بين من قبل دعوتي, وانقاد لما أوحي إلي وبين من لم يكن كذلك " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ " فتنزلون الأشياء منازلها, وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار؟

"وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "
هذا القرآن, نذارة للخلق كلهم, ولكن إنما ينتفع به " الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ". فهم متيقنون للانتقال, من هذه الدار, إلى دار القرار, فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. " لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ " أي: من دون الله " وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ " أي: لا من يتولى أمرهم فيحصل لهم المطلوب, ويدفع عنهم المحذور, ولا من يشفع لهم, لأن الخلق كلهم, ليس لهم من الأمر شيء. " لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " الله بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, فإن الإنذار موجب لذلك, وسبب من أسبابه.

"وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ "
" وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ". أي: لا تطرد عنك, وعن مجالستك, أهل العبادة والإخلاص, رغبة في مجالسة غيرهم من الملازمين لدعاء ربهم, دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها, ودعاء المسألة, في أول النهار وآخره, وهم قاصدون بذلك, وجه الله, ليس لهم من الأغراض, سوى ذلك الفرض الجليل. فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم, بل مستحقون لموالاتك إياهم ومحبتهم, وإدنائهم, وتقريبهم, لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء, والأعزاء - في الحقيقة - وإن كانوا - عند الناس - أذلاء. " مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ", أي: كل له حسابه, وله عمله الحسن, وعمله القبيح. " فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ " وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر, أشد امتثال. فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين, صبر نفسه معهم, وأحسن معاملتهم, وألان لهم جانبه, وحسن خلقه, وقربهم منه, بل كانوا هم, أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات, أن أناسا من قريش, أو من أجلاف العرب, قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك, فاطرد فلانا وفلانا, أناسا من فقراء الصحابة, فإنا نستحي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء. فحمله حبه لإسلامهم, واتباعم له, فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها.

"وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ "
" وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ". أي: هذا, من ابتلاء الله لعباده, حيث جعل بعضهم غنيا; وبعضهم فقيرا وبعضهم شريفا وبعضهم وضيعا. فإذا من الله بالإيمان على الفقير, أو الوضيع. كان محل محنة للغني والشريف. فإن كان قصده الحق واتباعه, آمن, وأسلم, ولم يمنعه من ذلك. مشاركه الذي يراه دونه, بالغنى, أو الشرف. وإن لم يكن صادقا في طلب الحق, كانت هذه, عقبة ترده عن اتباع الحق. وقالوا - محتقرين لمن يرونهم دونهم-: " أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ". فمنعهم هذا, من اتباع الحق, لعدم زكائهم. قال الله - مجيبا لكلامهم, المتضمن, الاعتراض على الله في هداية هؤلاء, وعدم هداية الله إياهم. " أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ " الذين يعرفون النعمة, ويقرون بها, ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح, فيضع فضله ومنته عليهم, دون من ليس بشاكر. فإن الله تعالى حكيم, لا يضع فضله, عند من ليس له أهل. وهؤلاء, المعترضون, بهذا الوصف. بخلاف من مَنَّ الله عليهم, بالإيمان, من الفقراء وغيرهم فإنهم هم الشاكرون.

"وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
ولما نهى الله رسوله, عن طرد المؤمنين القانتين, أمره بمقابلتهم بالإكرام والإعظام, والتبجيل والاحترام, فقال: " وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ". أي: وإذا جاءك المؤمنون, فحيهم, ورحب بهم ولقهم منك تحية وسلاما, وبشرهم بما ينشظ عزائمهم وهممهم, من رحمة الله, وسعة جوده وإحسانه, وحثهم على كل سبب وطريق, يوصل لذلك. ورهبهم من الإقامة على الذنوب, وأمرهم بالتوبة من المعاصي, لينالوا مغفرة ربهم وجوده. ولهذا قال: " كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ". أي: فلا بد مع ترك الذنوب, والإقلاع, والندم عليها, من إصلاح العمل, وأداء ما أوجب الله, وإصلاح - ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا وجد ذلك كله " فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته, بحسب ما قاموا به, بما أمرهم به.

"وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ "
" وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ " أي: نوضحها ونبينها, ونميز بين طريق الهدى من الضلال والغي والرشاد, ليهتدي بذلك المهتدون, ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه. " وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ " الموصلة إلى سخط الله وعذابه. فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت, أمكن اجتنابها, والبعد عنها. بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة, فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل.

"قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ "
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قُلْ " لهؤلاء المشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى. " إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " من الأنداد والأوثان, التي لا تملك نفعا ولا ضرا, ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فإن هذا باطل, وليس لكم فيه حجة ولا شبهة, ولا اتباع الهوى الذي اتباعه أعظم الضلال. ولهذا قال " قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا " أي: إن اتبعت أهواءكم " وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ " بوجه من الوجوه.

"قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ "
وأما ما أنا عليه, من توحيد الله, وإخلاص العمل له, فإنه هو الحق الذي تقوم عليه البراهين والأدلة القاطعة. وأنا " عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي " أي: على يقين مبين, بصحته, وبطلان ما عداه. وهذه شهادة من الرسول جازمة, لا تقبل التردد, وهو أعدل الشهود على الإطلاق. فصدق بها المؤمنون, وتبين لهم من صحتها وصدقها, بحسب ما من الله به عليهم. ولكنكم أيها المشركون - كذبتم " بِهِ " وهو لا يستحق هذا منكم, ولا يليق به إلا التصديق. وإذا استمررتم على تكذيبكم, فاعلموا أن العذاب واقع بكم لا محالة وهو عند الله, هو الذي ينزله عليكم, إذا شاء, وكيف شاء. وإن استعجلتم به, فليس بيدي من الأمر شيء " إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ " فكما أنه هو الذي حكم بالحكم الشرعي, فأمر ونهى, فإنه سيحكم بالحكم الجزائي, فيثيب ويعاقب, بحسب ما تقتضيه حكمته. فالاعتراض على حكمه مطلقا, مدفوع وقد أوضح السبيل, وقص على عباده الحق قصا, قطع به معاذيرهم, وانقطعت له حجتهم. ليهلك من هلك عن بينة, ويحيا من حي عن بينة " وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ " بين عباده, في الدنيا والآخرة فيفصل بينهم فصلا, يحمده عليه, حتى من قضى عليه, ووجه الحق نحوه.

"قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ "
" قُلْ " للمستعجلين بالعذاب, جهلا وعنادا وظلما. " لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " فأوقعته بكم, ولا خير لكم في ذلك. ولكن الأمر, عند الحليم الصبور, الذي يعصيه العاصون, ويتجرأ عليه المتجرئون, وهو يعاقبهم, ويرزقهم, ويسدي إليهم نعمه, الظاهرة والباطنة. " وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ " لا يخفى عليه من أحوالهم شيء, فيمهلهم ولا يهملهم.

"وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ "
هذه الآية العظيمة, من أعظم الآيات تفصيلا, لعلمه المحيط, وأنه شامل للغيوب كلها, التي يطلع منها ما شاء من خلقه. وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين, والأنبياء المرسلين, فضلا عن غيرهم من العالمين. وأنه يعلم ما في البراري والقفار, من الحيوانات, والأشجار, والرمال والحصى, والتراب. وما في البحار, من حيوانات, ومعادنها, وصيدها, وغير ذلك, مما تحتويه أرجاؤها, ويشمل عليه ماؤها. " وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ " من أشجار البر والبحر, والبلدان والقفر, والدنيا والآخرة, إلا يعلمها. " وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ " من حبوب الثمار والزروع, وحبوب البذور التي يبذرها الخلق; وبذور النباتات البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات. " وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ " هذا عموم بعد خصوص " إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " وهو اللوح المحفوظ, قد حواها, واشتمل عليها. وبعض هذا المذكور, يبهر عقول العقلاء, ويذهل أفئدة النبلاء. فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته, في أوصافه كلها. وأن الخلق - من أولهم إلى آخرهم - لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته, لم يكن لهم قدرة, ولا وسع في ذلك. فتبارك الرب العظيم, الواسع, العليم, الحميد المجيد, الشهيد, المحيط. وجل من إله, لا يحصي أحد ثناء عليه, بل كما أثنى على نفسه, وفوق ما يثني عليه عباده. فهذه الآية, دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء, وكتابه المحيط, بجميع الحوادث.

"وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "
هذا كله, تقرير لإلهيته, واحتجاج على المشركين به, وبيان أنه تعالى المستحق للحب والتعظيم, والإجلال والإكرام. فأخبر أنه وحده, المتفرد بتدبير عباده, في يقظتهم ومنامهم, وأنه يتوفاهم بالليل, وفاة النوم, فتهدأ حركاتهم, وتستريح أبدانهم. ويبعثهم في اليقظة من نومهم ليتصرفوا في مصالحهم الدينية والدنيوية. وهو - تعالى - يعلم ما جرحوا وما كسبوا من تلك الأعمال. ثم لا يزال تعالى هكذا, يتصرف فيهم, حتى يستوفوا آجالهم. فيقضي بهذا التدبير, أجل مسمى, وهو: أجل الحياة, وأجل آخر فيما بعد ذلك, وهو البعث بعد الموت, ولهذا قال: " ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ " لا إلى غيره " ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " من خير وشر.

"وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ "
" وَهُوَ " تعالى " الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ " ينفذ فيهم إرادته الشاملة, ومشيئته العامة. فليسوا يملكون من الأمر شيئا, ولا يتحركون, ولا يسكنون إلا بإذنه. ومع ذلك, فقد وكل بالعباد, حفظة من الملائكة يحفظون عليه ما عمل كما قال تعالى: " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ " " عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ " " مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ". فهذا حفظه لهم في حال الحياة. " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا " أي الملائكه الموكلون بقبض الأرواح. " وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ " في ذلك, فلا يزيدون ساعة مما قدره الله وقضاه, ولا ينقصون, ولا ينفذون من ذلك, إلا بحسب المراسيم الإلهية, والتقادير الربانية.

"ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ "
" ثُمَّ " بعد الموت والحياة البرزخية, وما فيها من الخير والشر " رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ " أي: الذي تولاهم بحكمه القدري, فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير. ثم تولاهم بأمره ونهيه, وأرسل إليهم الرسل, وأنزل عليهم الكتب. ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء, ويثيبهم على ما عملوا, من الخيرات, ويعاقبهم على الشرور والسيئات,, لهذا قال: " أَلَا لَهُ الْحُكْمُ " وحده لا شريك له " وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ " لكمال علمه وحفظه لأعمالهم, بما أثبته في اللوح المحفوظ, ثم أثبته ملائكته في الكتاب, الذي بأيديهم. فإذا كان تعالى, هو المنفرد بالخلق والتدبير, هو القاهر فوق عباده, وقد اعتنى بهم كل الاعتناء, في جميع أحوالهم وهو الذي له الحكم القدري, والحكم الشرعي, والحكم, الجزائي, فأين للمشركين, العدول عن من هذا وصفه ونعته, إلى عبادة من ليس له من الأمر شيء, ولا عنده مثقال ذرة من النفع, ولا له قدرة وإرادة؟! أما والله لو علموا حلم الله عليهم, وعفوه ورحمته بهم, وهم يبارزونه بالشرك والكفران, ويتجرأون على عظمته بالإفك والبهتان, وهو يعافيهم ويرزقهم لاتجذبت, دواعيهم إلى معرفته, وذهلت عقولهم في حبه. ولمقتوا أنفسهم أشد المقت, حيث انقادوا لداعي الشيطان, الموجب للخزي والخسران, ولكنهم قوم لا يعقلون.

"قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ "
أي " قُلْ " للمشركين بالله, الداعين معه آلهة أخرى, ملزما لهم مما أثبتوه من توحيد الربوبية, على ما أنكروه من توحيد الإلهية. " مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ " أي: شدائدهما ومشقاتهما, وحين يتعذر أو يتعسر عليكم, وجه الحيلة, فتدعون ربكم تضرعا, بقلب خاضع, ولسان لا يزال يلهج بحاجته في الدعاء, وتقولون - وأنتم في تلك الحال: " لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ " الشدة التي وقعنا فيها " لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ " لله أي المعترفين بنعمته, الواضعين لها في طاعة ربهم, الذين حفظوها عن أن يبذلوها في معصيته.

"قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ "
" قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ " أي من هذه الشدة الخاصة, ومن جميع الكروب العامة. " ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ " لا تفون لله بما قلتم, وتنسون نعمه عليكم. فأي برهان أوضح من هذا; على بطلان الشرك, وصحة التوحيد؟!!

"قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ "
أي: هو تعالى قادر على إرسال العذاب إليكم من كل جهة. " مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ " أي: يخلطكم " شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ " أي: في الفتنة, وقتل بعضكم بعضا. فهو قادر على ذلك كله, فاحذروا من الإقامة على معاصيه, فيصيبكم من العذاب, ما يتلفكم ويمحقكم, ومع هذا فقد أخبر أنه قادر على ذلك. ولكن من رحمته, أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم, والحصب, ونحوه, ومن تحت أرجلهم بالخسف. ولكن عاقب من عاقب منهم, بأن أذاق بعضهم بأس بعض, وسلط بعضهم على بعض بهذه العقوبات المذكورة, عقوبة عاجلة يراها المعتبرون, ويشعر بها العاملون. " انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ " أي ننوعها, ونأتي بها على أوجه كثيرة وكلها دالة على الحق. " لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ " أي: يفهمون ما خلقوا من أجله, ويفقهون الحقائق الشرعية, والمطالب الإلهية.

"وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ "
" وَكَذَّبَ بِهِ " أي: بالقرآن " قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ " الذي لا مرية فيه, ولا شك يعتريه. " قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ " أحفظ أعمالكم, وأجازيكم عليها, وإنما أنا منذر ومبلغ.

"لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ "
" لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ " أي: وقت يستقر فيه, وزمان لا يتقدم عنه ولا يتأخر. " وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " ما توعدون به من العذاب.

"وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "
المراد بالخوض في آيات الله: التكلم. بما يخالف الحق, من تحسين المقالات الباطلة, والدعوة إليها, ومدح أهلها, والإعراض عن الحق, والقدح فيه وفي أهله فأمر الله رسوله أصلا, وأمته تبعا, إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر, بالإعراض عنهم, وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل والاستمرار على ذلك, حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره. فإذا كان في كلام غيره, زال النهي المذكور. فإن كان مصلحة, كان مأمورا به, وإن كان غير ذلك, كان غير مفيد ولا مأمور به. وفي ذم الخوض بالباطل, حث على البحث, والنظر, والمناظرة بالحق. ثم قال: " وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ " أي: بأن جلست معهم, على وجه النسيان والغفلة. " فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " يشمل الخائضين بالباطل, وكل متكلم بمحرم, أو فاعل لمحرم, فإنه يحرم الجلوس والحضور, عند حضور المنكر, الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم, لمن جلس معهم, ولم يستعمل تقوى الله, بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم, أو يسكت عنهم, وعن الإنكار. فإن استعمل تقوى الله تعالى, بأن كان يأمر بالخير, وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم, فيترتب على ذلك زواله وتخفيفه - فهذا ليس عليه حرج ولا إثم, ولهذا قال:

"وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "
" وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ". أي: ولكن ليذكرهم, ويعظهم, لعلهم يتقون الله تعالى. وفي هذا دليل على أنه ينبغي أن يستعمل المذكر من الكلام, ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى. وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ, مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره, كان تركه هو الواجب, لأنه إذا ناقض المقصود, كان تركه, مقصودا.

"وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ "
المقصود من العباد, أن يخلصوا لله الدين, بأن يعبدوه وحده لا شريك له, ويبذلوا مقدورهم في كل مرضاته ومحابه. وذلك متضمن لإقبال القلب على الله وتوجهه إليه, وكون سعي العبد نافعا, وجدا, لا هزلا, وإخلاصا, لوجه الله, لا رياء ولا سمعة. هذا هو الدين الحقيقي, الذي يقال له دين. فأما من زعم أنه على الحق, وأنه صاحب دين وتقوى, وقد اتخذ دينه لعبا ولهوا. بأن لها قلبه عن محبة الله ومعرفته, وأقبل على ما يضره, ولها في باطله, ولعب فيه ببدنه لأن العمل والسعي إذا كان لغير الله, فهو لعب. فهذا, أمر الله تعالى أن يترك ويحذر, ولا يغتر به, وتنظر حاله, ويحذر من أفعاله, ولا يغتر بتعويقه عما يقرب إلى الله. " وَذَكِّرْ بِهِ " أي: ذكر بالقرآن, ما ينفع العباد, أمرا, وتفصيلا, وتحسينا له, بذكر ما فيه من أوصاف الحسن, وما يضر العباد نهيا عنه, وتفصيلا لأنواعه, وبيان ما فيه, من الأوصاف القبيحة الشنيعة, الداعيه لتركه. وكل هذا لئلا تبسل نفس بما كسبت, أي: قبل اقتحام العبد للذنوب وتجرؤه على علام الغيوب, واستمراره على ذلك المرهوب. فذكرها, وعظها, لترتدع وتنزجر, وتكف عن فعلها. وقوله " لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ " أي: قبل أن تحيط بها ذنوبها, ثم لا ينفعها أحد من الخلق, لا قريب ولا صديق, ولا يتولاها من دون الله أحد, ولا يشفع لها شافع. " وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ " أي: تفتدي بكل فداء, ولو بملء الأرض ذهبا " لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا " أي: لا يقبل ولا يفيد. " أُولَئِكَ " الموصوفون بما ذكر " الَّذِينَ أُبْسِلُوا " أي: أهلكوا وأيسوا من الخير, وذلك " بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ " أي: ماء حار, قد انتهى حره, يشوي وجوههم, ويقطع أمعاءهم " وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ".

"قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ "
" قُلْ " يا أيها الرسول للمشركين بالله, الداعين معه غيره, الذين يدعونكم إلى دينهم, مبينا وشارحا لوصف آلهتهم, التي يكتفي العاقل بذكر وصفها, عن النهي عنها. فإن كل عاقل إذا تصور مذهب المشركين, جزم ببطلانه, قبل أن تقام البراهين على ذلك, فقال: " أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا ". وهذا وصف, يدخل فيه, كل من عبد من دون الله, فإنه لا ينفع ولا يضر, وليس له من الأمر شيء, إن الأمر إلا لله. " وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ " أي: وننقلب بعد هداية الله لنا إلى الضلال, ومن الرشد إلى الغي, ومن الصراط الموصل إلى جنات النعيم, إلى الطرق التي تفضي بسالكها إلى العذاب الأليم. فهذه حال لا يرتضيها ذو رشد, وصاحبها " كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ " أي أضلته وتيهته عن طريقه ومنهجه, الموصل إلى مقصده. فبقي " حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى " والشياطين يدعونه إلى الردى, فبقي بين الداعيين حائرا. وهذه حال الناس كلهم, إلا من عصمه الله تعالى, فإنهم يجدون فيهم جواذب ودواعي متعارضة, دواعي الرسالة والعقل الصحيح, والفطرة المستقيمة. " يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى " والصعود إلى أعلى عليين. ودواعي الشيطان, ومن سلك مسلكه, والنفس الأمارة بالسوء, يدعونه إلى الضلال, والنزول إلى أسفل سافلين. فمن الناس من يكون مع دواعي الهدى, في أموره كلها أو أغلبها. ومنهم من بالعكس من ذلك. ومنهم من يتساوى لديه الداعيان, ويتعارض عنده الجاذبان. وفي هذا الموضع, تعرف أهل السعادة من أهل الشقاوة. وقوله: " قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى " أي: ليس الهدى إلا الطريق التي شرعها الله على لسان رسوله, وما عداه, فهو ضلال وردى, وهلاك. " وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " بأن ننقاد لتوحيده, ونستسلم لأوامره ونواهيه, وندخل تحت عبوديته. فإن هذا, أفضل نعمة أنعم الله بها على العباد, وأكمل تربية أوصلها إليهم.

"وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ "
" وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ " أي: وأمرنا أن نقيم الصلاة بأركانها وشروطها وسننها ومكملاتها. " وَاتَّقُوهُ " بفعل ما أمر به, واجتناب ما عنه نهى. " وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " أي: تجمعون ليوم القيامة, فيجازيكم بأعمالكم, خيرها وشرها.

"وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ "
" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ " ليأمر العباد وينهاهم, ويثيبهم ويعاقبهم. " وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ " الذي لا مرية فيه ولا مثنوية, ولا يقول شيئا عبثا. " وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ " أي: يوم القيامة خصه بالذكر - مع أنه مالك كل شيء - لأنه تنقطع فيه الأملاك, فلا يبقى ملك إلا الله الواحد القهار. " عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ " الذي له الحكمة التامة, والنعمة السابغة, والإحسان العظيم, والعلم المحيط بالسرائر والبواطن والخفايا, لا إله إلا هو, ولا رب سواه.

"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "
يقول تعالى: واذكر قصة إبراهيم, عليه الصلاة والسلام, مثنيا عليه ومعظما في حال دعوته إلى التوحيد, ونهيه عن الشرك. " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً " أي: لا تنفع ولا تضر وليس لها من الأمر شيء. " إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " حيث عبدتم من لا يستحق من العبادة شيئا, وتركتم عبادة خالقكم, ورازقكم, ومدبركم.

"وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ "
" وَكَذَلِكَ " حين وفقناه للتوحيد والدعوة إليه " نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: ليرى ببصيرته, ما اشتملت عليه, من الأدلة القاطعة, والبراهين الساطعة " وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ". فإنه بحسب قيام الأدلة, يحصل له الإيقان, والعلم التام, بحميع المطالب.

"فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ "
" فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ " أي: أظلم " رَأَى كَوْكَبًا " لعله من الكواكب المضيئة, لأن تخصيصه بالذكر, يدل على زيادته عن غيره. ولهذا - والله أعلم - قال من قال: إنه الزهرة. " قَالَ هَذَا رَبِّي " أي: على وجه التنزل مع الخصم أي: هذا ربي, فهل ننظر, هل يستحق الربوبية؟ وهل يقوم لنا دليل على ذلك؟ فإنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهه هواه بغير حجة ولا برهان. " فَلَمَّا أَفَلَ " أي: غاب ذلك الكوكب " قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ " أي: الذي يغيب ويختفي عمن عبده. فإن المعبود, لا بد أن يكون قائما. بمصالح من عبده, ومدبرا له في جميع شئونه. فأما الذي يمضي وقت كثير وهو غائب, فإنه لا ينبغي العبادة وهل اتخاذه إلها إلا من أسفه السفه, وأبطل الباطل؟!

"فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ "
" فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا " أي: طالعا, رأى زيادته على نور الكواكب ومخالفته لها " قَالَ هَذَا رَبِّي " تنزلا. " فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ". فافتقر غاية الافتقار إلى هداية ربه, وعلم أنه إن لم يهده الله, فلا هادي له, وإن لم يعنه على طاعته, فلا معين له.

"فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ "
" فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ " من الكوكب ومن القمر. " فَلَمَّا أَفَلَتْ " تقرر حينئذ الهدى, واضمحل الردى " قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ " حيث قام البرهان الصادق الواضح, على بطلانه.

"إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
" إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا " أي: لله وحده, مقبلا عليه, معرضا عن من سواه. " وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ " فتبرأ من الشرك, وأذعن بالتوحيد, وأقام على ذلك البرهان. وهذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآيات, هو الصواب. وهو أن المقام مقام مناظرة, من إبراهيم لقومه, وبيان بطلان إلهية هذه الأجرام العلوية وغيرها. وأما من قال: إنه مقام نظر في حال طفوليته, فليس عليه دليل.

"وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ "
" وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي " أي: أي فائدة لمحاجة من لم يتبين له الهدى؟ فأما من هداه الله, ووصل إلى أعلى درجات اليقين, فإنه - هو بنفسه - يدعو الناس إلى ما هو عليه. " وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ " فإنها لن تضرني, ولن تمنع عني من النفع شيئا. " إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ " فتعلمون أنه - وحده - المعبود المستحق للعبودية.

"وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
" وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ " وحالها حال العجز, وعدم النفع, " وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا " أي: إلا بمجرد اتباع الهوى. " فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ".

"الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ "
قال الله تعالى فاصلا بين الفريقين " الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا " أي: يخلطوا " إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ " الأمن من المخاوف, والعذاب والشقاء, والهداية إلى الصراط المستقيم. فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا, لا بشرك, ولا بمعاصي, حصل لهم الأمن التام, والهداية التامة. وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده, ولكنهم يعملون السيئات, حصل لهم أصل الهداية, وأصل الأمن, وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة, أن الذين لم يحصل لهم الأمران, لم يحصل لهم هداية, ولا أمن, بل حظهم الضلال والشقاء.

"وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ "
ولما حكم لإبراهيم عليه السلام, بما بين به من البراهين القاطعة قال: " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ " أي: علا بها عليهم, وفلجهم بها. " نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ " كما رفعنا درجات إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة, فإن العلم يرفع الله به صاحبه, فوق العباد درجات. خصوصا, العالم العامل, المعلم, فإنه يجعله الله إماما للناس, بحسب حاله. ترمق أفعاله, وتقتفى آثاره, ويستضاء بنوره, ويمشي بعلمه في ظلمة ديجوره. قال تعالى " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ". " إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ " فلا يضع العلم والحكمة, إلا في المحل اللائق بهما, وهو أعلم بذلك المحل, وبما ينبغي له.

"وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ "
لما ذكر الله عبده وخليله, إبراهيم عليه السلام, وذكر ما من الله عليه به, من العلم والدعوة, والصبر, ذكر ما أكرمه الله به من الذرية الصالحة, والنسل الطيب. وأن الله جعل صفوة الخلق من نسله, وأعظم بهذة المنقبة والكرامة الجسيمة, التي لا يدرك لها نظير فقال: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ " ابنه, الذي هو إسرائيل, أبو الشعب الذي فضله الله على العالمين. " كُلًّا " منهما " هَدَيْنَاهُ " الصراط المستقيم, في علمه وعمله. " وَنُوحًا هَدَيْنَا " ه " مِنْ قَبْلُ " وهدايته أعلى أنواع الهدايات الخاصة التي لم تحصل إلا لأفراد من العالم وهم أولو العزم من الرسل, الذي هو أحدهم " وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ " يحتمل أن الضمير عائد إلى نوح, لأنه أقرب مذكور, لأن الله ذكر مع من ذكر, لوطا, وهو من ذرية نوح, لا من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه. ويحتمل أن الضمير يعود إلى إبراهيم لأن السياق في مدحه والثناء عليه. ولوط - وإن لم يكن من ذريته - فإنه ممن آمن على يده. فكان منقبة الخليل وفضيلته بذلك, أبلغ من كونه مجرد ابن له. " دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ " بن داود " وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ " بن يعقوب. " وَمُوسَى وَهَارُونَ " ابني عمران. " وَكَذَلِكَ " كما أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل, لأنه أحسن في عبادة ربه, وأحسن في نفع الخلق كذلك. " نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " بأن نجعل لهم من الثناء الصدق, والذرية الصالحة, بحسب إحسانهم.

"وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ "
" وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى " ابنه " وَعِيسَى " بن مريم. " وَإِلْيَاسَ كُلٌّ " هؤلاء " مِنَ الصَّالِحِينَ " في أخلاقهم وأعمالهم, وعلومهم, بل هم سادة الصالحين وقادتهم, وأئمتهم.

"وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ "
" وَإِسْمَاعِيلَ " ابن إبراهيم أبو الشعب, الذي هو أفضل الشعوب, وهو الشعب العربي, ووالد سيد ولد آدم, محمد صلى الله عليه وسلم. " وَيُونُسَ " بن متى " وَلُوطًا " بن هاران أخي إبراهيم. " وَكُلَا " من هؤلاء الأنبياء والمرسلين " فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ " لأن درجات الفضائل أربع - والتي ذكرها الله بقوله: " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ". فهؤلاء من الدرجة العليا, بل هم أفضل الرسل على الإطلاق. فالرسل الذين قصهم الله في كتابه, أفضل ممن لم يقصص علينا نبأهم بلا شك.

"وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "
" وَمِنْ آبَائِهِمْ " أي:: آباء هؤلاء المذكورين " وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ". أي: وهدينا من آباء هؤلاء وذرياتهم وإخوانهم. " وَاجْتَبَيْنَاهُمْ " أي اخترناهم " وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ".

"ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
" ذَلِكَ " الهدى المذكور " هُدَى اللَّهِ " الذي لا هدى إلا هداه. " يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ " فاطلبوا منه الهدى فإن لم يهدكم, فلا هادي لكم غيره, وممن شاء هدايته, هؤلاء المذكورون. " وَلَوْ أَشْرَكُوا " على الفرض والتقدير " لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ". فإن الشرك محبط للعمل, موجب للخلود في النار. فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار, لو أشركوا - وحاشاهم - لحبطت أعمالهم فغيرهم أولى.

"أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ "
" أُولَئِكَ " المذكورون " الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ " أي: امش - أيها الرسول الكريم - خلف كل هؤلاء الأنبياء الأخيار, واتبع ملتهم. وقد امتثل صلى الله عليه وسلم, فاهتدى بهدي الرسل قبله, وجمع كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه, فضائل وخصائص, فاق بها جميع العالمين, وكان سيد المرسلين, وإمام المتقين, صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وبهذا الملحظ, استدل بهذا من استدل من الصحابة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أفضل الرسل كلهم. " قُلْ " للذين أعرضوا عن دعوتك: " لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ". أي: لا أطلب منكم مغرما ومالا, جزاء عن إبلاغي إياكم, ودعوتي لكم فيكون من أسباب امتناعكم, إن أجري إلا على الله. " إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ " يتذكرون به ما ينفعهم, فيفعلونه, وما يضرهم, فيذرونه. ويتذكرون به, معرفة ربهم, بأسمائه, وأوصافه. ويتذكرون به الأخلاق الحميدة, والطرق الموصلة إليها, والأخلاق الرذيلة, والطرق المفضية إليها. فإذا كان ذكرى للعالمين, كان أعظم نعمة, أنعم الله بها عليهم, فعليهم قبولها والشكر عليها.

"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ "
هذا تشنيع على من نفى الرسالة, من اليهود والمشركين, وزعم أن الله ما أنزل على بشر من شيء. فمن قال هذا, فما قدر الله حق قدره, ولا عظمه حق عظمته. إذ هذا, قدح في حكمته, وزعم أنه يترك عباده هملا, لا يأمرهم ولا ينهاهم. ونفى لأعظم منة, امتن الله بها على عباده, وهي الرسالة, التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة, والكرامة, والفلاح, إلا بها, فأي قدح في الله أعظم من هذا؟!! " قُلْ " لهم - ملزما بفساد قولهم وقررهم, بما به يقرون-: " مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى " وهو التوراة العظيمة " نُورًا " في ظلمات الجهل " وَهُدًى " من الضلالة, وهاديا إلى الصراط المستقيم علما, وعملا وهو الكتاب الذي شاع وذاع, وملأ ذكره القلوب والأسماع. حتى أنهم جعلوا يتناسخونه في القراطيس, ويتصرفون فيه بما شاءوا. فما وافق أهواءهم منه, أبدوه وأظهروه, وما خالف ذلك, أخفوه وكتموه, وذلك كثير. " وَعُلِّمْتُمْ " من العلوم, التي بسبب ذلك الكتاب الجليل " مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ " فإذا سألتهم عن من أنزل هذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات - فأجب عن هذا السؤال. " ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ " أي: اتركهم يخوضوا في الباطل, ويلعبوا بما لا فائدة فيه, حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.

"وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ "
أي " وَهَذَا " القرآن " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ " أي: وصفه البركة. وذلك لكثرة خيراته, وسعة مبراته. " مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ " أي: موافق للكتب السابقة, وشاهد لها بالصدق. " وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا " أي: وأنزلناه أيضا, لتنذر أم القرى, وهي: مكة المكرمة, ومن حولها, من ديار العرب بل, ومن سائر البلدان. فتحذر الناس عقوبة الله, وأخذه الأمم, وتحذرهم مما يوجب ذلك: " وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ " لأن الخوف إذا كان في القلب, عمرت أركانه, وانقاد لمراضى الله. " وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ " أي: يداومون عليها, ويحفظون أركانها وحدودها, شروطها وآدابها, ومكملاتها. جعلنا الله منهم.

"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ "
يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلما, ولا أصبر جرما, ممن كذب على الله. بأن نسب إلى الله قولا أو حكما وهو تعالى بريء منه. وإنما كان هذا أظلم الخلق, لأن فيه من الكذب, وتغيير الأديان أصولها, وفروعها, ونسبة ذلك إلى الله - ما هو من أكبر المفاسد. ويدخل في ذلك, ادعاء النبوة, وأن الله يوحي إليه, وهو كاذب في ذلك. فإنه - مع كذبه على الله, وجرأته على عظمته وسلطانه - يوجب على الخلق أن يتبعوه, ويجاهدهم على ذلك, ويستحل دماء من خالفه وأموالهم. ويدخل في هذه الآية, كل من ادعى النبوة, كمسيلمة الكذاب, والأسود العنسي, والمختار, وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف. " وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ " أي: ومن أظلم ممن زعم. أنه يقدر على ما يقدر الله عليه ويجاري الله في أحكامه, ويشرع من الشرائع, كما شرعه الله. ويدخل في هذا, كل من, يزعم أنه يقدر على معارضة القرآن, وأنه في إمكانه, أن يأتي بمثله وأي ظلم أعظم من دعوى الفقير العاجز بالذات, الناقص من كل وجه, مشاركة القوي الغني, الذي له الكمال المطلق, من جميع الوجوه, في ذاته, وأسمائه وصفاته؟!!. ولما ذم الظالمين, ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار, ويوم القيامة فقال: " وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ " أي: شدائده وأهواله الفظيعة, وكربه الشنيعة - رأيت أمرا هائلا, وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها. " وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ " إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب, والعذاب. يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها, وتعصيها عن الخروج من الأبدان: " أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ " أي: العذاب الشديد, الذي يهينكم ويذلكم والجزاء من جنس العمل. فإن هذا العذاب " بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ " من كذبكم عليه, وردكم للحق, الذي جاءت به الرسل. " وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ " أي: تترفعون عن الانقياد لها, والاستسلام لأحكامها

"وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ "
وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه. فإن هذا الخطاب, والعذاب الموجه إليهم إنما هو عند الاحتضار, وقبيل الموت وبعده. وفيه دليل, على أن الروح جسم, يدخل ويخرج, ويخاطب, ويساكن الجسد, ويفارقه, فهذه حالهم في البرزخ. وأما يوم القيامة, فإنهم إذا وردوها, وردوها مفلسين فرادى بلا أهل ولا مال, ولا أولاد ولا جنود, ولا أنصار, كما خلقهم الله أول مرة, عارين من كل شيء. فإن الأشياء, إنما تتمول وتحصل, بعد ذلك, بأسبابها, التي هي أسبابها. وفي ذلك اليوم تنقطع جميع الأمور, التي كانت مع العبد في الدنيا, سوى العمل الصالح والعمل السيئ, الذي هو مادة الدار الآخرة, الذي تنشأ عنه, ويكون حسنها وقبحها, وسرورها وغمومها, وعذابها ونعيمها, بحسب الأعمال. فهي التي تنفع, أو تضر, وتسوء أو تسر. وما سواها, من الأهل والولد, والمال والأنصار, فعوار خارجية, وأوصاف زائلة, وأحوال حائلة, ولهذا قال تعالى: " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ " أي: أعطيناكم, وأنعمنا به عليكم " وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ " لا يغنون عنكم شيئا: " وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ". فإن المشركين يشركون بالله, ويعبدون معه الملائكة, والأنبياء, والصالحين, وغيرهم. وهم كلهم لله, ولكنهم يجعلون لهذه المخلوقات نصيبا من أنفسهم, وشركة, في عبادتهم. وهذا زعم منهم وظلم فإن الجميع, عبيد لله, والله مالكهم, والمستحق لعبادتهم. فشركهم في العبادة وصرفها لبعض العبيد, تنزيل لهم منزلة الخالق لذلك, فيوبخون يوم القيامة ويقال لهم هذه المقالة. " وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ". أي: تقطعت الوصل والأسباب بينكم وبين شركائكم, من الشفاعة وغيرها فلم تنفع ولم تجد شيئا. " وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " من الربح, والأمن والسعادة, والنجاة, التي زينها لكم الشيطان, وحسنها في قلوبكم, فنطقت بها ألسنتكم. واغتررتم: بهذا الزعم الباطل, الذي لا حقيقة له, حين تبين لكم نقيض ما كنتم تزعمون. وظهر أنكم الخاسرون لأنفسكم, وأهليكم, وأموالكم.

"إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ "
يخبر تعالى, عن كماله, وعظمة سلطانة, وقوة اقتداره, وسعة رحمته, وعموم كرمه, وشدة عنايته. بخلقه, فقال: " إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ " شامل لكل الحبوب, التى يباشر الناس زرعها, والتي لا يباشرون بها, كالحبوب التي يبثها الله في البراري والقفار. فيفلق الحبوب عن الزروع والنباتات, على اختلاف أنواعها, وأشكالها, ومنافعها. ويفلق النوى عن الأشجار, من النخيل, والفواكه, وغير ذلك. فينتفع بها الخلق, من الأدميين والأنعام, والدواب. ويرتعون فيما خلق الله, من الحب, والنوى. ويقتاتون, وينتفعون بجميع أنواع المنافع, التي جعلها الله في ذلك. ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول, ويذهل الفحول. ويريهم من بدائع صنعته, وكمال حكمته, ما به يعرفونه ويوحدونه, ويعلمون أنه هو الحق, وأن عبادة ما سواه, باطلة. " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ " كما يخرج من المني حيوانا, ومن البيضة فرخا, ومن الحب والنوى, زرعا وشجرا. " وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ " وهو الذي لا نمو فيه, أو لا روح " مِنَ الْحَيِّ ". كما يخرج من الأشجار والزروع, النوى, والحب, ويخرج من الطائر بيضا ونحو ذلك. " ذَلِكُمْ " الذي فعل ما فعل, وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها " اللَّهُ رَبُّكُمْ " أي: الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين. وهو الذي ربى جميع العالمين بنعمه, وغذاهم بكرمه. " فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " أي: فأنى تصرفون, وتصدون عن عبادة من هذا شأنه, إلى عبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا, ولا موتا, ولا حياة, ولا نشورا؟!!

"فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ "
ولما ذكر تعالى, مادة خلق الأقوات, ذكر منته بتهيئة المساكن, وخلقه كل ما يحتاج إليه العباد, من الضياء, والظلمة, وما يترتب على ذلك, من أنواع المنافع والمصالح فقال: " فَالِقُ الْإِصْبَاحِ " أي: كما أنه فالق الحب والنوى, كذلك هو فالق ظلمة الليل الداجي, الشامل لما على وجه الأرض, بضياء الصبح الذي يفلقه شيئا فشيئا, حتى تذهب ظلمة الليل كلها, ويخلفها الضياء والنور العام, الذي يتصرف به الخلق, في مصالحهم, ومعايشهم, ومنافع دينهم ودنياهم. ولما كان الخلق محتاجين إلى السكون والاستقرار والراحة, التي لا تتم إلا بوجود النهار والنور " جَعَلَ " الله " اللَّيْلَ سَكَنًا " يسكن فيه الآدميون إلى دورهم ومنامهم, والأنعام إلى مأواها, والطيور إلى أوكارها, فتأخذ نصيبها من الراحة. ثم يزيل الله ذلك, بالضياء, وهكذا أبدا إلى يوم القيامة. وجعل تعالى الشمس " وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " بهما تعرف الأزمنة والأوقات, فتنضبط بذلك أوقات العبادات, وآجال المعاملات, ويعرف بها مدة ما مضى من الأوقات التي لولا وجود الشمس والقمر, وتناوبهما, واختلافهما - لما عرف ذلك, عامة الناس, واشتركوا في علمه. بل كان لا يعرفه, إلا أفراد من الناس, بعد الاجتهاد, وبذلك يفوت من المصالح الضرورية, ما يفوت. " ذَلِكَ " التقدير المذكور " تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ " الذي - من عزته - انقادت له هذه المخلوقات العظيمة, فجرت مذللة مسخرة بأمره, بحيث لا تتعدى ما حده الله لها, ولا تتقدم عنه ولا تتأخر. " الْعَلِيمُ " الذي أحاط علمه, بالظواهر والبواطن, والأوائل والأواخر. ومن الأدلة العقلية على إحاطة علمه, تسخير هذه المخلوفات العظيمة. على تقدير, ونظام بديع, تحيرت العقول, في حسنه, وكماله, وموافقته. للمصالح والحكم.

"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "
" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ " حين تشتبه عليكم المسالك, ويتحير في سيره السالك. فجعل الله النجوم, هداية للخلق إلى السبيل, التي يحتاجون إلى سلوكها لمصالحهم, وتجاراتهم, وأسفارهم. منها نجوم لا تزال ترى, ولا تسير عن محلها. ومنها: ما هو مستمر السير, يعرف سيره, أهل المعرفة بذلك, ويعرفون به الجهات والأوقات. ودلت هذه الآية ونحوها, على مشروعية تعلم سير الكواكب ومحالها الذي يسمى علم التسيير, فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن, إلا بذلك. " قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ " أي بيناها, ووضحناها, وميزنا كل جنس ونوع منها عن الآخر, بحيث صارت آيات الله, بادية ظاهرة " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " أي: لأهل العلم والمعرفة, فإنهم الذين يوجه إليهم الخطاب, ويطلب منهم الجواب. بخلاف أهل الجهل والجفاء, المعرضين عن آيات الله, وعن العلم الذي جاءت به الرسل, فإن البيان لا يفيدهم شيئا, والتفصيل, لا يزيل عنهم ملتبسا, والإيضاح لا يكشف لهم مشكلا.

"وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ "
" وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ " وهو: آدم عليه السلام. أنشأ الله منه هذا العنصر الآدمي الذي قد ملأ الأرض. ولم يزل في زيادة ونمو, الذي قد تفاوت في أخلاقه وخلقه, وأوصافه, تفاوتا لا يمكن ضبطه, ولا يدرك وصفه. وجعل الله لهم مستقرا, أي منتهى ينتهون إليه, وغاية يساقون إليها وهي دار القرار, التي لا مستقر وراءها, ولا نهاية فوقها. فهذة الدار, هي التي خلق الخلق لسكناها, وأوجدوا في الدنيا, ليسعوا في أسبابها, التي تنشأ عليها وتعمر بها. وأودعهم الله في أصلاب آبائهم, وأرحام أمهاتهم, ثم في دار الدنيا, ثم في البرزخ. كل ذلك, على وجه الوديعه, التي لا تستقر ولا تثبت, بل ينتقل منها, حتى يوصل إلى الدار, التي هي المستقر. وأما هذه الدار, فإنها مستودع وممر. " قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ " عن الله آياته, ويفهمون عنه حججه, وبيناته.

"وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "
وهذا من أعظم مننه العظيمة, التي يضطر إليها الخلق, من الآدميين وغيرهم. وهو أنه أنزل من السماء ماء متتابعا, وقت حاجة الناس إليه, فأنبت الله به كل شيء, مما يأكل الناس والأنعام. فرتع الخلق, بفضل الله, وانبسطوا برزقه, وفرحوا بإحسانه, وزال عنهم الجدب والقحط. ففرحت القلوب, وأسفرت الوجوه, وحصل للعباد من رحمة الرحمن الرحيم, ما به يتمتعون, وبه يرتعون, مما يوجب لهم, أن يبذلوا جهدهم, في شكر من أسدى النعيم. وعبادتها والإنابة إليه, والمحبة له. ولما ذكر عموم ما ينبت بالماء, من أنواع الأشجار, والنبات, ذكر الزرع والنخل, لكثرة نفعهما وكونهما قوتا لأكثر الناس فقال: " فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ " أي: من ذلك النبات الخضر. " حَبًّا مُتَرَاكِبًا " بعضه فوق بعض, من بر, وشعير, وذرة, وأرز, وغير ذلك, من أصناف الزروع. وفي وصفه بأنه متراكب, إشارة إلى أن حبوبه متعددة, وجميعها تستمد من مادة واحدة وهي لا تختلط, بل هي متفرقة الحبوب, مجتمعة الأصول. وإشارة أيضا, إلى كثرتها, وشمول ريعها وغلتها, ليبقى أصل البذر, ويبقى بقية كثيرة للأكل والادخار. " وَمِنَ النَّخْلِ " أخرج الله " مِنْ طَلْعِهَا " وهو الكفرى, والوعاء, قبل ظهور القنو منه, فيخرج من ذلك الوعاء " قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ " أي قريبة سهلة التناول, متدلية على من أرادها, بحيث لا يعسر التناول من النخل وإن طالت, فإنه يوجد فيها كرب ومراقي, يسهل, صعودها. وأخرج تعالى بالماء جنات " مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ". فهذه من الأشجار الكثيرة النفع, العظيمة الوقع, فلذلك خصصها الله بالذكر بعد أن عم جميع الأشجار والنباتات. وقوله " مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ " يحتمل أن يرجع إلى الرمان والزيتون, أي: مشتبها في شجره وورقه, غير متشابه في ثمره. ويحتمل أن يرجع ذلك, إلى سائر الأشجار والفواكه, وأن بعضها مشتبه, يشبه بعضه بعضا, ويتقارب في بعض أوصافه, وبعضها لا مشابهه بينه وبين غيره. والكل ينتفع به العباد, ويتفكهون, ويقتاتون, ويعتبرون, ولهذا أمر تعالى بالاعتبار به, فقال: " انْظُرُوا " نظر فكر واعتبار " إِلَى ثَمَرِهِ " أي: الأشجار كلها, خصوصا: النخل, إذا أثمر. " وَيَنْعِهِ " أي: انظروا إليه, وقت إطلاعه, ووقت نضجه وإيناعه. فإن في ذلك عبرا, وآيات, يستدل بها على قدرة الله, وسعة إحسانه وجوده. وكمال اقتداره وعنايته بعباده. ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر, وليس كل من تفكر, أدرك المعنى المقصود. ولهذا قيد تعالى الانتفاع بالآيات, بالمؤمنين فقال: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " فإن المؤمنين يحملهم ما معهم من الإيمان, على العمل بمقتضياته ولوازمه, التي منها: التفكر في آيات الله والاستنتاج منها, ما يراد منها, وما تدل عليه, عقلا, وفطرة, وشرعا.

"وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ "
يخبر تعالى: أنه مع إحسانه لعباده: وتعرفه إليهم, بآياته البينات, وحججه الواضحات - أن المشركين به, من قريش وغيرهم, جعلوا له شركاء, يدعونهم, ويعبدونهم, من الجن, والملائكة, الذين هم خلق من خلق الله, ليس فيهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء. فجعلوها شركاء, لمن له الخلق والأمر, هو المنعم بسائر أصناف النعم, الدافع لجميع النقم. وكذلك "خرق المشركون" أي: ائتفكوا, وافتروا من تلقاء أنفسهم لله, بنين وبنات, بغير علم منهم. ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم, وافترى عليه أشنع النقص, الذي يجب تنزيه الله عنه؟!!. ولهذا نزه نفسه عما افتراه عليه المشركون فقال: " سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ " فإنه تعالى, الموصوف بكل كمال, المنزه عن كل نقص, وآفة, عيب.

"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
" بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: خالقهما, ومتقن صنعتهما, على غير مثال سبق, بأحسن خلق, ونظام, وبهاء. لا تقترح عقول أولي الألباب مثله, وليس له في خلقهما مشارك. " أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ " أي: كيف يكون لله الولد, وهو الإله السيد الصمد, الذي لا صاحبة له أي: لا زوجة له, وهو الغني عن مخلوقاته, وكلها فقيرة إليه, مضطرة في جميع أحوالها إليه. والولد لا بد أن يكون من جنس والده. والله خالق كل شيء وليس شيء من المخلوقات مشابها لله بوجه من الوجوه. ولما ذكر عموم خلقه للأشياء, ذكر إحاطة علمه بها فقال: " وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " وفي ذكر العلم بعد الخلق, إشارة إلى الدليل العقلي, على ثبوت علمه, وهو هذه المخلوقات, وما اشتملت عليه, من النظام التام, والخلق الباهر. فإن في ذلك, دلالة على سعة علم الخالق, وكمال حكمته, كما قال تعالى: " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " كما قال تعالى: " وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ " ذلكم الذي, خلق ما خلق, وقدر ما قدر.

"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ "
" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ " أي المألوه المعبود, الذي يستحق نهاية الذل له, ونهاية الحب الرب, الذي ربى جميع الخلق بالنعم, وصرف عنهم صنوف النقم. " لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ " أي: إذا استقر وثبت, أنه الله الذي لا إله إلا هو, فاصرفوا له جميع أنواع العبادة, وأخلصوها لله, واقصدوا بها وجهه. فإن هذا هو المقصود من الخلق, الذي خلقوا لأجله " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ". " وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " أي: جميع الأشياء, تحت وكالة الله وتدبيره, خلقا, وتدبيرا, وتصريفا. ومن المعلوم, أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته, وتمامه, وكمال انتظامه, بحسب حال الوكيل عليه. ووكالته تعالى على الأشياء, ليست من جنس وكالة الخلق, فإن وكالتهم, وكالة نيابة, والوكيل فيها, تابع لموكله. وأما الباري, تبارك وتعالى, فوكالته من نفسه لنفسه, متضمنة لكمال العلم, وحسن التدبير والإحسان فيه, والعدل. فلا يمكن أحدا, أن يستدرك على الله, ولا يرى في خلقه خللا, ولا فطورا, ولا في تدبيره, نقصا وعيبا. ومن وكالته: أنه تعالى, توكل ببيان دينه, وحفظه عن المزيلات والمغيرات, وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم.

"لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "
" لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ " لعظمته, وجلاله وكماله. أي: لا تحيط به الأبصار, وإن كانت تراه في الآخرة, وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم. فنفي الإدراك, لا ينفي الرؤية, بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك, الذي هو أخص أوصاف الرؤية, دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية, لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك. فعلم أنه ليس في الآية, حجة لمذهب المعطلة, الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة. بل فيها ما يدل على نقيض قولهم. " وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ " أي: هو الذي أحاط علمه, بالظواهر والبواطن, وسمعه, بجميع الأصوات الظاهرة, والخفية وبصره, بجميع المبصرات, صغارها, وكبارها, ولهذا قال: " وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " الذي لطف علمه وخبرته, ودق, حتى أدرك السرائر والخفايا, والخبايا, والبواطن. ومن لطفه, أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه, ويوصلها إليه بالطرق, التي لا يشعر بها العبد, ولا يسعى فيها. ويوصله إلى السعادة الأبدية, والفلاح السرمدي, من حيث لا يحتسب. حتى أنه يقدر عليه الأمور, التي يكرهها العبد, ويتألم منها, ويدعو الله أن يزيلها, لعلمه أن دينه أصلح, وأن كماله متوقف عليها. فسبحان اللطيف لما يشاء, الرحيم بالمؤمنين.

"قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ "
" قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ " لما بين تعالى من الآيات البينات, والأدلة الواضحات, الدالة على الحق في جميع المطالب والمقاصد, نبه العباد عليها, وأخبر أن هدايتهم وضدها لأنفسهم, فقال: " قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ " أي: آيات تبين الحق وتجعله للقلب, بمنزلة الشمس للأبصار, لما اشتملت عليه, مما فصاحة اللفظ, وبيانه, ووضوحه, ومطابقته للمعاني الجليلة, والحقائق الجميلة, لأنها صادرة من الرب, الذي ربى خلقه, بصنوف نعمه الظاهرة والباطنة, التي من أفضلها وأجلها, تبيين الآيات, وتوضيح المشكلات. " فَمَنْ أَبْصَرَ " بتلك الآيات, مواقع العبرة, وعمل بمقتضاها " فَلِنَفْسِهِ " فإن الله هو الغني الحميد. " وَمَنْ عَمِيَ " بأن بصر, فلم يتبصر, وزجر, فلم ينزجر, وبين له الحق, فما انقاد له ولا تواضع, فإنما مضرة عماه عليه. " وَمَا أَنَا " أيها الرسول " عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ " أحفظ أعمالكم وأرقبها على الدوام إنما علي البلاغ المبين, وقد أديته, وبلغت ما أنزل الله إلي, فهذه وظيفتي, وما عدا ذلك, فلست موظفا فيه.

"وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "
قوله تعالى " وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ " الكاف في موضع نصب صفة للمصدر المحذوف, أي: نصرف الآيات تصريفا, مثل ما تلونا عليك. والتصريف معناه: التنويع. والمراد: أن الله تعالى, ينوع الآيات الدالة على المعاني الرائعة, الكاشفة عن الحقائق الفائقة, لا تصريفا أدنى منه, بل تصريفا بلغت في الروعة مبلغا ارتقى عن إدراك المخلوقين. قوله تعالى " وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ " جوابه محذوف, تقديره "ونحن نصرفها" أو نفعل ما نفعل من التصريف المذكور [معنى درست] تعلمت. وقرأت كتب أهل الكتاب أي: قدمت هذة الآية ومضت. كما قالوا: أساطير الأولين, تلقاها ممن مضوا من أهل الكتاب من الأمم السابقة. " وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ " علة لفعل قد حذف, تعويلا على دلالة السياق عليه. أي, وليقولوا: درست نفعل ما نفعل, من التصريف المذكور. واللام للعاقبة والصيرورة, والواو اعتراضية. أي: لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا درست وهو كقوله تعالى. " فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا " وهم لم يلتقطوه للعداوة وإنما التقطوه, ليصير لهم قرة عين, ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة. وكذلك الآيات, صرفت للتبيين, ولم تصرف ليقولوا: درست. ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين, فشبه به. وقوله تعالى " وَلِنُبَيِّنَهُ " أي: القرآن, وإن لم يجر له ذكر, لكونه معلوما, أو الآيات, لأنها في معنى القرآن. " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " الحق من الباطل. ومجمل معنى الآية: ومثل هذا التنويع البديع في عرض الدلائل الكونية, نعرض آياتنا في القرآن منوعة مفصلة, لنقيم الحجة بها على الجاحدين, فلا يجدوا الاختلاق والكذب, فيتهموك بأنك تعلمت من الناس, لا من الله, ولنبين ما أنزل إليك من الحقائق, من غير تأثر بهوى, لقوم يدركون الحق, ويذعنون له.

"اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ "
اتبع - أيها النبي - ما جاءك به الوحي من الله, مالك أمرك, ومدبر شئونك, إنه - وحده - الإله المستحق للطاعة والخضوع, فالتزم طاعته, ولا تبال بعناد المشركين, ولا تحتفل بهم, وبأقاويلهم الباطلة.

"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ "
قوله تعالى " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ " أي: إيمانهم فالمفعول به محذوف " مَا أَشْرَكُوا " بين أنهم لا يشركون على خلاف, مشيئة لله تعالى ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه ولكن علم منهم اختيار الشرك فأشركوا بمشيئته قوله تعالى " وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا " أي رقيبا مهيمنا من قبلنا مراعيا لأعمالهم مأخوذا بإجرامهم وكذلك قوله " وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ " من جهتهم ولا بمسلط تقوم بتدبير أمورهم وترعى مصالحهم. والمعنى الإجمالي للآية: ولو أراد الله أن يعبدوه وحده, لقهرهم على ذلك, بقوته وقدرته, لكنه تركهم لاختيارهم. وما جعلناك رقيبا, تحصى عليهم أعمالهم, وما أنت بمكلف, بأن تقوم عنهم, بتدبير شئونهم, وإصلاح أمرهم.

"وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
ينهى الله المؤمنين, عن أمر كان جائزا, بل مشروعا في الأصل, وهو سب آلهة المشركين, التي اتخذت أوثانا وآلهة مع الله, التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبها. ولكن لما كان هذا السبب, طريقا إلى سب المشركين لرب العالمين, الذي يجب تنزيه جنابه العظيم, عن كل عين, وآفة, وسب, وقدح - نهى الله عن سب آلهة المشركين, لأنهم يتحمسون لدينهم, ويتعصبون له. لأن كل أمة, زين الله لهم عملهم, فرأوه حسنا, وذبوا عنه, ودافعوا بكل طريق. حتى إنهم, يسبون الله, رب العالمين, الذي رسخت عظمته في قلوب الأبرار والفجار, إذا سب المسلون آلهتهم. ولكن الخلق كلهم, مرجعهم ومآلهم, إلى الله يوم القيامة, يعرضون عليه, وتعرض أعمالهم, فينبئهم بما كانوا يعملون, من خير وشر. وفي هذه الآية الكريمة, دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها, وأن وسائل المحرم, ولو كانت جائزة, تكون محرمة, إذا كانت تفضي إلى الشر.

"وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ "
أي وأقسم المشركون المكذبون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم. " بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ " أي: قسما اجتهدوا فيه, وأكدوه. " لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ " تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم " لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ". وهذا الكلام الذي صدر منهم, لم يكن قصدهم فيه, الرشاد. وإنما قصدهم, دفع الاعتراض, ورد ما جاء به الرسل قطعا. فإن الله أيد رسوله صلى الله عليه وسلم, بالآيات البينات, والأدلة الواضحات, التي - عند الالتفات إليها - لا تبقي أدنى شبهة ولا إشكال في صحة ما جاء به. فطلبهم - بعد ذلك - للآيات, من باب التعنت, الذي لا يلزم إجابته. بل قد يكون المنع من إجابتهم, أصلح لهم. فإن الله, جرت سنته في عباده, أن المقترحين للآيات على رسلهم, إذا جاءتهم, فلم يؤمنوا بها - أنه يعاجلهم بالعقوبة, ولهذا قال: " قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ " أي: هو الذي يرسلها إذا شاء, ويمنعها إذا شاء, ليس لي من الأمر شيء. فطلبكم مني الآيات, ظلم, وطلب لما لا أملك, وإنما توجهون إلى توضيح ما جئتكم به, وتصديقه, وقد حصل. ومع ذلك, فليس معلوما, أنهم إذا جاءتهم الآيات, يؤمنون ويصدقون, بل الغالب, ممن هذه حاله, أنه لا يؤمن, ولهذا قال: " وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ "

"وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ "
" وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ". أي: ونعاقبهم, إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي, وتقوم عليهم الحجة, بتقليب القلوب, والحيلولة بينهم وبين الإيمان, وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم. وهذا من عدل الله, وحكمته بعباده, فإنهم الذين جنوا على أنفسهم, وفتح لهم الباب, فلم يدخلوا, وبين لهم الطريق, فلم يسلكوا. فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق, كان مناسبا لأحوالهم.

"وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ "
وكذلك تعليقهم الإيمان بإرادتهم, ومشيئتهم وحدهم, وعدم الاعتماد على الله من أكبر الغلط. فإنهم لو جاءتهم الآيات العظيمة, من تنزيل الملائكة إليهم, يشهدون للرسول بالرسالة, وتكليم الموتى وبعثهم بعد موتهم, " وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ " حتى يكلمهم " قُبُلًا " ومشاهدة, ومباشرة, بصدق ما جاء به الرسول ما حصل لهم الإيمان, إذا لم يشأ الله إيمانهم, ولكن أكثرهم يجهلون. فلذلك رتبوا إيمانهم, على مجرد إتيان الآيات. وإنما العقل والعلم, أن يكون العبد مقصوده, اتباع الحق, ويطلبه بالطرق التي بينها الله, ويعمل بذلك, ويستعين ربه في اتباعه, ولا يتكل غلى نفسه, وحوله وقوته ولا يطلب من الآيات الاقتراحية, ما لا فائدة فيها.

"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ "
يقول تعالى - مسليا الرسول صلى الله عليه وسلم - وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك, ويحاربونك, ويحسدونك, فهذه سنتنا, أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق, أعداء, من شياطين الإنس والجن, يقومون بضد ما جاءت به الرسل. " يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا " أي: يزين بعضهم لبعض, الأمر الذي يدعون إليه, من الباطل, ويزخرفون له العبارات, حتى يجعلوه في أحسن صورة, ليغتر به السفهاء, وينقاد له الأغبياء, الذين لا يفهمون الحقائق, ولا يفقهون المعاني. بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة, والعبارات المموهة, فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا, ولهذا قال تعالى:

"وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ "
" وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ " أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف " أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ " لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة, يحملهم على ذلك. " وَلِيَرْضَوْهُ " بعد أن يصغوا إليه, فيصغون إليه أولا. فإذا مالوا إليه, ورأوا تلك العبارات المستحسنة, رضوه, وزين في قلوبهم, وصار عقيدة راسخة, وصفة لازمة. ثم ينتج من ذلك, أن يقترفوا من الأعمال والأقوال, ما هم مقترفون. أي: يأتون من الكذب بالقول والفعل, ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة. فهذه حال المفترين, شياطين الإنس والجن, المستجيبين لدعوتهم. وأما أهل الإيمان بالآخرة, وأولو العقول الوافية, والألباب الرزينة, فإنهم لا يغترون بتلك العبارات, ولا تخلبهم تلك التمويهات. بل همتهم, مصروفة إلى معرفة الحقائق, فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة. فإن كانت حقا, قبلوها, وانقادوا لها, ولو كسيت عبارات رديئة, وألفاظا غير وافية. وإن كانت باطلا, ردوها على من قالها, كائنا من كان, ولو ألبست من العبارات المستحسنة, ما هو أرق من الحرير. ومن حكمته تعالى, في جعله للأنبياء أعداء, وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه, أن يحصل لعباده, الابتلاء, والامتحان ليتميز الصادق من الكاذب, والعاقل من الجاهل, والبصير من الأعمى. ومن حكمته أن في ذلك بيانا للحق, وتوضيحا له. فإن الحق يستنير ويتضح, إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه. فإنه - حينئذ - يتبين من أدلة الحق, وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته, ومن فساد الباطل وبطلانه, ما هو من أكبر المطالب, التي يتنافس فيها المتنافسون.

"أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ "
أي: قل يا أيها الرسول " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا " أحاكم إليه, وأتقيد بأوامره ونواهيه. فإن غير الله محكوم عليه, لا حاكم. وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص, والعيب, والجور. وإنما الذي يجب أن يتخذ حاكما, هو الله وحده لا شريك له, الذي له الخلق والأمر. " وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا " أي: موضحا فيه الحلال والحرام, والأحكام الشرعية, وأصول الدين وفروعه, الذي لا بيان فوق بيانه, ولا برهان أجلى من برهانه, ولا أحسن منه حكما ولا أقوم قيلا, لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة. وأهل الكتب السابقة, من اليهود, والنصارى, يعترفون بذلك و " يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ " ولهذا, تواطأت الأخبار " فَلَا " تشكن في ذلك ولا " تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ".

"وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "
ثم وصف تفصيلها فقال: " وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا " أي: صدقا في الإخبار, وعدلا, في الأمر والنهي. فلا أصدق من أخبار الله التي أودعها هذا الكتاب العزيز, ولا أعدل من أوامره ونواهيه و " لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ " حيث حفظها وأحكمها بأعلى أنواع الصدق, وبغاية الحق. فلا يمكن تغييرها, ولا اقتراح أحسن منها. " وَهُوَ السَّمِيعُ " لسائر الأصوات, باختلاف اللغات على تفنن الحاجات. " الْعَلِيمُ " الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن, والماضي والمستقبل.

"وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ "
يقول تعالى, لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, محذرا عن طاعة أكثر الناس: " وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم, وأعمالهم, وعلومهم. فأديانهم فاسدة, وأعمالهم تبع لأهوائهم, وعلومهم ليس فيها تحقيق, ولا إيصال لسواء الطريق. بل غايتهم أنهم يتبعون الظن, الذي لا يغني من الحق شيئا ويتخرصون في القول على الله, ما لا يعلمون. ومن كان بهذه المثابة, فحرى أن يحذر الله منه عباده, ويصف لهم أحوالهم. لأن هذا - وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم - فإن أمته تبع له, في سائر الأحكام, التي ليست من خصائصه.

"إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "
والله تعالى أصدق قيلا, وأصدق حديثا, و " هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ " وأعلم بمن يهتدي. ويهدي. فيجب عليكم أيها المؤمنون - أن تتبعوا نصائحه وأوامره ونواهيه لأنه أعلم بمصالحكم, وأرحم بكم من أنفسكم. ودلت هذه الآية, على أنه لا يستدل على الحق, بكثرة أهله, ولا يدل قلة السالكين لأمر من الأمور, أن يكون غير حق. بل الواقع بخلاف ذلك, فإن أهل الحق, هم الأقلون عددا, الأعظمون - عند الله - قدرا وأجرا. بل الواجب أن يستدل على الحق والباطل, بالطرق الموصلة إليه.

"فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ "
يأمر تعالى, عباده المؤمنين, بمقتضى الإيمان, وأنهم, إن كانوا مؤمنين, فليأكلوا مما ذكر اسم الله عليه, من بهيمة الأنعام, وغيرها, من الحيوانات المحللة, ويعتقدوا حلها, ولا يفعلوا كما يفعل أهل الجاهلية, من تحريم كثير من الحلال, ابتداعا من عند أنفسهم, وإضلالا من شياطينهم. فذكر الله, أن علامة المؤمن, مخالفة أهل الجاهلية, في هذه العادة الذميمة, المتضمنة لتغيير شرع الله, وأنه, أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه, وقد فصل الله لعباده ما حرم عليهم, وبينه, ووضحه؟ فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة, توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال, خوفا من الوقوع في الحرام. ودلت الآية الكريمة, على أن الأصل في الأشياء والأطعمة, الإباحة. وأنه, إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها, فإنه باق على الإباحة. فما سكت الله عنه, فهو حلال, لان الحرام قد فصله الله, فما لم يفصله الله, فليس بحرام.

"وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ "
ومع ذلك, فالحرام الذي قد فصله الله, وأوضحه, قد أباحه عند الضرورة, والمخمصة, كما قال تعالى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ " إلى أن قال: " فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ". ثم حذر عن كثير من الناس, فقال: " وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ " أي: بمجرد ما تهوى أنفسهم " بِغَيْرِ عِلْمٍ " ولا حجة. فليحذر العبد من أمثال هؤلاء, وعلامتهم - كما وصفهم الله لعباده - أن دعوتهم, غير مبنية على برهان, ولا لهم حجة شرعية. وإنما يوجد لهم شبه, بحسب أهوائهم الفاسدة, وآرائهم القاصرة. فهؤلاء معتدون على شرع الله, وعلى عباد الله, والله لا يحب المعتدين. بخلاف الهادين المهتدين, فإنهم يدعون إلى الحق والهدى, ويؤيدون دعوتهم بالحجج العقلية والنقلية, ولا يتبعون في دعوتهم إلا رضا ربهم, والقرب منه.

"وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ "
المراد بالإثم: جميع المعاصي, التي تؤثم العبد, أي: توقعه في الإثم, والحرج, من الأشياء المتعلقة بحقوق الله, وحقوق عباده. فنهى الله عباده, عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن. أي: السر والعلانية, المتعلقة بالبدن والجوارح, والمتعلقة بالقلب. ولا يتم للعبد, ترك المعاصي الظاهرة والباطنة, إلا بعد معرفتها, والبحث عنها. فيكون البحث عنها, ومعرفة معاصي القلب, والبدن, والعلم بذلك, واجبا متعينا على المكلف. وكثير من الناس, يخفى عليه كثير من المعاصي, خصوصا, معاصي القلب, كالكبر, والعجب, والرياء, ونحو ذلك. حتى إنه يكون به كثير منها, وهو لا يحس به ولا يشعر, وهذا من الإعراض, عن العلم, وعدم البصيرة. ثم أخبر تعالى, أن الذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن, سيجزون على حسب كسبهم, وعلى قدر ذنوبهم, قلت أو كثرت. وهذا الجزاء يكون في الآخرة. وقد يكون في الدنيا, يعاقب العبد, فيخفف عنه بذلك, من سيئاته.

"وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ "
ويدخل تحت هذا المنهي عنه, ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام, وآلهة المشركين. فإن هذا, مما أهل لغير الله به, المحرم بالنص عليه خصوصا. ويدخل في ذلك, متروك التسمية, مما ذبح الله, كالضحايا, والهدايا, أو للحم والأكل, إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية, عند كثير من العلماء. ويخرج من هذا العموم, الناسي بالنصوص الأخر, الدالة على دفع الحرج عنه. ويدخل في هذه الآية, ما مات بغير ذكاة من الميتات, فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه. ونص الله عليها بخصوصها, في قوله: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ " ولعلها سبب نزول الآية, لقوله " وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ". بغير علم. فإن المشركين - حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتة, وتحليله للمذكاة, وكانوا يستحلون أكل الميتة - قالوا - معاندة لله ورسوله, ومجادلة بغير حجة ولا برهان - أتأكلون ما قتلتم, ولا تأكلون ما قتل الله؟ يعنون بذلك: الميتة. وهذا رأي فاسد, لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها, لفسدت السماوات والأرض, ومن فيهن. فتبا لمن قدم هذه العقول, على شرع الله وأحكامه, الموافقة للمصالح العامة, والمنافع الخاصة. ولا يستغرب هذا منهم, فإن هذه الآراء وأشباهها, صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين, الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم, ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير. " وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ " في شركهم, وتحليلهم الحرام, وتحريمهم الحلال " إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ " لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله, ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين, فلذلك كان طريقكم, طريقهم. ودلت هذه الآية الكريمة, على أن ما يقع في القلوب, من الإلهامات, والكشوف, التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم, لا تدل - بمجردها على أنها حق, ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله. فإن شهدا لها بالقبول, قبلت, وإن ناقضتهما, ردت, وإن لم يعلم شيء من ذلك, توقف فيها, ولم تصدق, ولم تكذب. لأن الوحي والإلهام, يكون من الشيطان, فلا بد من التمييز بينهما. والفرقان وبعدم التقريق بين الأمرين, حصل من الغلط والضلال, ما لا يحصيه إلا الله.

"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
يقول تعالى: " أَوَمَنْ كَانَ " من قبل هداية الله له " مَيْتًا " في ظلمات الكفر, والجهل, والمعاصي. " فَأَحْيَيْنَاهُ " بنور العلم والإيمان والطاعة, فصار يمشي بين الناس في النور, متبصرا في أموره, مهتديا لسبيله, عارفا للخير, مؤثرا له, مجتهدا في تنفيذه في نفسه. وغيره عارفا بالشر, مبغضا له, مجتهدا في تركه, وإزالته عن نفسه وعن غيرة. فيستوي هذا بمن هو في الظلمات, ظلمات الجهل والغي, والكفر والمعاصي. " لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا " قد التبست عليه الطرق, وأظلمت عليه المسالك, فحضره الهم والغم والحزن والشقاء. فنبه تعالى, العقول بما تدركه وتعرفه, أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار, والضياء والظلمة, والأحياء والأموات. فكأنه قيل: فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل, وأن يكون بهذه الحالة, وأن يبقى في الظلمات متحيرا: فأجاب بأنه " زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " فلم يزل الشيطان يحسن لهم أعمالهم, ويزينها في قلوبهم, حتى استحسنوها, ورأوها حقا. وصار ذلك عقيدة في قلوبهم, وصفة راسخة ملازمة لهم. فلذلك رضوا بما هم عليه من الشر والقبائح. وهؤلاء, الذين في الظلمات يعمهون, وفي باطلهم يترددون, غير متساوين. فمنهم: القادة, والرؤساء, والمتبوعون, ومنهم: التابعون المرءوسون. والأولون, منهم الذين فازوا بأشقى الأحوال, ولهذا قال:

"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ "
" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا " أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم, واشتد طغيانهم " لِيَمْكُرُوا فِيهَا " بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان, ومحاربة الرسل وأتباعهم, بالقول والفعل. وإنما مكرهم وكيدهم, يعود على أنفسهم, لأنهم يمكرون, ويمكر الله, والله خير الماكرين. وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم, يناضلون هؤلاء المجرمين, ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله, ويسلكون بذلك, السبل الموصلة إلى ذلك, ويعينهم الله, ويسدد رأيهم, ويثبت أقدامهم, ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم, حتى يدول الأمر في عاقبته, بنصرهم وظهورهم, والعاقبة للمتقين.

"وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ "
وإنما ثبت أكابر المجرمين على باطلهم, وقاموا برد الحق الذي جاءت به الرسل, حسدا منهم وبغيا, فقالوا: " لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ " من النبوة والرسالة. وفي هذا اعتراض منهم على الله, وعجب بأنفسهم, وتكبر على الحق الذي أنزله على أيدي رسله, وتحجر على فضل الله وإحسانه. فرد الله عليهم اعتراضهم الفاسد, وأخبر أنهم لا يصلحون للخير, ولا فيهم ما يوجب أن يكونوا من عباد الله الصالحين, فضلا أن يكونوا من النبيين والمرسلين: فقال: " اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ " فيمن علمه يصلح لها, ويقوم بأعبائها, وهو متصف بكل خلق جميل, ومتبرئ من كل خلق دنيء, أعطاه الله ما تقتضيه حكمته أصلا, وتبعا. ومن لم يكن كذلك, لم يطع أفضل مواهبه, عند من لا يستأهله, ولا يزكو عنده. وفي هذة الآية, دليل على كمال حكمة الله تعالى, لأنه, وإن كان تعالى رحيما, واسع الجود, كثير الإحسان, فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله. ثم توعد المجرمين فقال: " سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ " أي: إهانة وذل, كما تكبروا على الحق, أذلهم الله. " وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ " أي: بسبب مكرهم, لا ظلما منه تعالى.
"فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ "
يقول تعالى - مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته, وعلامة شقاوته وضلاله-: إن من انشرح صدره للإسلام, أي: اتسع وانفسح, فاستنار بنور الإيمان, وحيى بضوء اليقين, فاطمأنت بذلك نفسه, وأحب الخير, وطوعت له نفسه فعله, متلذذا له - غير مستثقل - فإن هذا, علامة, على أن الله قد هداه, ومن عليه بالتوفيق, وسلوك أقوم الطريق. وأن علامة - من يرد الله أن يضله, أن يجعل صدره ضيقا حرجا. أي:: في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين. قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات, فلا يصل إليه خير, ولا ينشرح قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته, يكاد يصعد في السماء, أي: كأنه يكلف الصعود إلى السماء, الذي لا حيلة فيه. وهذا سببه, عدم إيمانهم, فهو الذي أوجب أن يجعل الله الرجس عليهم, لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة والإحسان. وهذا ميزان لا يعول, وطريق لا يتغير. قإن من أعطى واتقى, وصدق بالحسنى, ييسره الله لليسرى. ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى, فسييسره للعسرى.

"وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ "
أي: معتدلا, موصلا إلى الله, وإلى دار كرامته, قد بينت أحكامه, وفصلت شرائعه, وميز الخير من الشر. ولكن هذا التفصيل والبيان, ليس لكل أحد, إنما هو " لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ " فإنهم الذين علموا, فانتفعوا بعلمهم, وأعد لهم الجزاء الجزيل, والأجر الجميل. فلهذا قال:

"لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "
" لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ". وسميت الجنة دار السلام, لسلامتها من كل عيب, وآفة وكدر, وهم وغم, وغير ذلك من المنغصات. ويلزم من ذلك, أن يكون نعيمها: في غاية الكمال, ونهاية التمام. بحيث لا يقدر على وصفه الواصفون, ولا يتمنى فوقه المتمنون, من نعيم الروح, والقلب, والبدن. ولهم فيها, ما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين, وهم فيها خالدون. " وَهُوَ وَلِيُّهُمْ " الذي يتولى تدبيرهم وتربيتهم, ولطف بهم في جميع أمورهم, وأعانهم على طاعته, ويسر لهم كل سبب موصل إلى محبته. وإنما تولاهم, بسبب أعمالهم الصالحة, ومقدماتهم التي قصدوا بها رضا مولاهم. بخلاف من أعرض عن مولاه, واتبع هواه. فإنه سلط عليه الشيطان فتولاه, فأفسد عليه دينه ودنياه.

"وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ "
يقول تعالى " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا " أي: جميع الثقلين, من الإنس والجن, من ضل منهم, ومن أضل غيره. فيقول موبخا للجن, الذين أضلوا الإنس, وزينوا لهم الشر, وآزوهم إلى المعاصي: " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ " أي: من إضلالهم, وصدهم عن سبيل الله. فكيف أقدمتم على محارمي, وتجرأتم على معاندة رسلي؟ وقمتم محاربين لله, ساعين في صد عباد الله عن سبيله, إلى سبيل الجحيم؟ فاليوم حقت عليكم لعنتي, ووجبت لكم نقمتي وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم, وإضلالكم لغيركم. وليس لكم عذر به تعتذرون, ولا ملجأ إليه تلجأون, ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع. فلا تسأل حينئذ, عما يحل بهم من النكال, والخزي والوبال, ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا. وأما أولياؤهم من الإنس, فأبدو عذرا غير مقبول فقالوا: " رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ " أي تمتع كل من الجني والإنسي, بصاحبه, وانتفع به. فالجني يستمتع بطاعة الإنسي له, وعبادته, وتعظيمه, واستعاذته به. والإنسي, يستمتع بنيل أغراضه, وبلوغه, بحسب خدمة الجني له, بعض شهواته. فإن الإنسي يعبد الجني, فيخدمه الجني, ويحصل له بعض الحوائج الدنيوية. أي: حصل منا, من الذنوب, ما حصل, ولا يمكن رد ذلك. " وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا " أي: وقد وصلنا المحل الذي نجازي فيه بالأعمال. فافعل بنا الآن, ما تشاء, واحكم فينا, بما تريد. قد انقطعت حجتنا, ولم يبق لنا عذر, والأمر أمرك, والحكم حكمك. وكان في هذا الكلام منهم, نوع تضرع وترقق, ولكن في غير أوانه. ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل, الذي لا جور فيه فقال: " النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ". ولما كان هذا الحكم, من مقتضى حكمته وعلمه, ختم الآية بقوله: " إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ". فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمها, فحكمته الغائية, شملت الأشياء وعمتها ووسعتها.

"وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ "
" وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ". أي: وكما ولينا الجن المردة, وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة والموافقة, بسبب كسبهم وسعيهم بذلك. كذلك من سنتنا, أن نولي كل ظالم ظالما مثل, يؤزه إلى الشر, ويحثه عليه, ويزهده في الخير, وينفره عنه, وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها, البليغ خطرها. والذنب ذنب الظالم, فهو الذي أدخل الضرر على نفسه, وعلى نفسه جنى " وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ". ومن ذلك, أن العباد, إذا كثر ظلمهم وفسادهم, ومنعهم الحقوق الواجبة, ولى عليهم ظلمة, يسومونهم سوء العذاب, ويأخذون منهم, بالظلم والجور, أضعاف ما منعوا من حقوق الله, وحقوق عباده, على وجه غير مأجورين فيه, ولا محتسبين. كما أن العباد, إذا صلحوا واستقاموا, أصلح الله رعاتهم, وجعلهم أئمة عدل وإنصاف, لا ولاة ظلم واعتساف.

"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ "
ثم وبخ الله, جميع من أعرض عن الحق ورده, من الجن والإنس, وبين خطأهم, فاعترفوا بذلك, فقال: " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي " الواضحات البينات, التي فيها تفاصيل الأمر والنهي, والخير والشر, والوعد والوعيد. " وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا " ويعلمونكم أن النجاة فيه, والفوز إنما هو بامتثال أوامر الله, واجتناب نواهيه, وأن الشقاء والخسران في تضييع ذلك. فأقروا بذلك واعترفوا, فـ"قالوا" " شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا " بزينتها, وزخرفها, ونعيمها فاطمأنوا بها, ورضوا بها, وألهتهم عن الآخرة. " وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ " فقامت عليهم حجة الله, وعلم حينئذ, كل أحد, حتى هم بأنفسهم. عدل الله فيهم. فقال لهم: حاكما عليهم بالعذاب الأليم: " ادْخُلُوا فِي " جملة " أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ " صنعوا كصنيعكم, واستمتعوا بخلاقهم, كما استمعتم, وخاضوا بالباطل كما خضتم, إنهم كانوا خاسرين. أي:: الأولون من هؤلاء والآخرون. وأي خسران أعظم, من خسران جنات النعيم, وحرمان جوار أكرم الأكرمين؟!! ولكنهم, وإن اشتركوا في الخسران, فإنهم يتفاوتون في مقداره, تفاوتا عظيما.

"وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ "
" وَلِكُلٍّ " منهم " دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا " بحسب أعمالهم, لا يجعل قليل الشر منهم, ككثيره, ولا التابع كالمتبوع, ولا المرءوس كالرئيس. كما أن أهل الثواب والجنة, وإن اشتركوا في الربح والفلاح ودخول. الجنة, فإن بينهم من الفرق, ما لا يعلمه إلا الله, مع أنهم كلهم, رضوا بما آتاهم مولاهم, وقنعوا بما حباهم. فنسأله تعالى, أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى, التي أعدها الله للمقربين من عباده, والمصطفين من خلقه, وأهل الصفوة, أهل وداده. " وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ " فيجازي كلا بحسب علمه, وبما يعلمه من مقصده. وإنما أمر الله العباد بالأعمال الصالحة, ونهاهم عن الأعمال السيئة, رحمة بهم, وقصدا لمصالحهم.

"وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ "
وإلا, فهو الغني بذاته, عن جميع مخلوقاته, فلا تنفعه طاعة الطائعين, كما لا تضره معصية العاصين. " إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ " بالإهلاك " وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ". فإذا عرفتم بأنكم, لا بد أن تنتقلوا من هذه الدار, كما انتقل غيركم, وترحلون منها, وتخلونها لمن بعدكم, كما رحل عنها من قبلكم, وخلوها لكم. فلم اتخذتموها قرارا؟ وتوطنتم بها, ونسيتم أنها دار ممر لا دار مقر. وأن أمامكم دارا, هي الدار التي جمعت كل نعيم وسلمت من كل آفة ونقص؟ وهي الدار التي يسعى إليها الأولون والآخرون, ويرتحل نحوها, السابقون واللاحقون. التي إذا وصلوها, فثم الخلود الدائم, والإقامة اللازمة, والغاية التي لا غاية وراءها, والمطلوب الذي ينتهي إليه كل مطلوب, والمرغوب الذي يضمحل دونه كل مرغوب. هنالك, والله, ما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين, ويتنافس فيه المتنافسون, من لذة الأرواح, وكثرة الأفراح, ونعيم الأبدان والقلوب, والقرب من علام الغيوب. فلله همة, تعلقت بتلك الكرامات, وإرادة سمت إلى أعلى الدرجات!! وما أبخس حظ من رضي بالدون, وأدنى همة من اختار صفقة المغبون!! ولا يستبعد المعرض الغافل, سرعة الوصول إلى هذه الدار.

"إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ "
" إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ " لله, فارين من عقابه, فإن نواصيكم تحت قبضته, وأنتم تحت تدبيره وتصرفه.

"قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ "
" قُلْ " يا أيها الرسول لقومك: إذا دعوتهم إلى الله, وبينت لهم ما لهم وما عليهم من حقوقه, فامتنعوا من الانقياد لأمره, واتبعوا أهواءهم, واستمروا على شركهم: " يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ " أي: على حالتكم التي أنتم عليها, ورضيتموها لأنفسكم. " إِنِّي عَامِلٌ " على أمر الله, ومتبع لمراضى الله. " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ " أنا أو أنتم. وهذا من الإنصاف, بموضع عظيم حيث بين الأعمال وعامليها, وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير, ضاربا فيه صفحا, عن التصريح الذي, يغني عنه التلويح. وقد علم أن العاقبة الحسنة, في الدنيا والآخرة, للمتقين. وأن المؤمنين لهم عقبى الدار, وأن كل معرض عن ما جاءت به الرسل, عاقبته سوء وشر, ولهذا قال: " إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ " فكل ظالم, وإن تمتع في الدنيا بما تمتع به, فنهايته فيه, الاضمحلال والتلف "إن الله ليملي للظالم, حتى إذا أخذه لم يفلته".

"وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ "
يخبر تعالى, عما عليه المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم, من سفاهة العقل, وخفة الأحلام, والجهل البليغ. وعدد تبارك وتعالى شيئا من خرافاتهم, لينبه بذلك, على ضلالهم, والحذر منهم, وأن معارضة أمثال هؤلاء السفهاء للحق, الذي جاء به الرسول, لا تقدح فيه أصلا فإنهم لا أهلية, لهم في مقابلة الحق. فذكر من ذلك أنهم جعلوا " لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا " ولشركائهم من ذلك نصيبا. والحال أن الله تعالى, الذي ذرأه للعباد, وأوجده رزقا, فجمعوا بين محذورين محظورين بل ثلاثة محاذير. منتهم على الله, في جعلهم له نصيبا, مع اعتقادهم أن ذلك منهم, تبرع. وإشراك الشركاء, الذين لم يرزقوهم, ولم يوجدوا لهم شيئا في ذلك. وحكمهم الجائر, في أن ما كان لله, لم يبالوا به, ولم يهتموا, ولو كان واصلا إلى الشركاء. وما كان لشركائهم اعتنوا به, واحتفظوا به, لم يصل إلى الله, منه شيء. وذلك أنهم إذا حصل لهم - من زروعهم وثمارهم وأنعامهم, التي أوجدها الله لهم - شيء جعلوه قسمين: قسما قالوا: هذا لله بقولهم وزعمهم, وإلا فالله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه, ولا يقبل عمل من أشرك به. وقسما, جعلوه حصة شركائهم من الأوثان والأنداد. قإن وصل شيء مما جعلوه لله, واختلط بما جعلوه لغيره, لم يبالوا بذلك. وقالوا: الله غني عنه, فلا يردونه. وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه لله, ردوه إلى محله. وقالوا: إنها فقيرة, لا بد من رد نصيبها. فهل أسوأ من هذا الحكم. وأظلم؟!! حيث جعلوا ما للمخلوق, يجتهد فيه وينصح, ويحفظ, أكثر مما يفعل بحق الله. ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة, ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الله تعالى أنه قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من أشرك معي شيئا تركته وشركه". وأن معنى الآية أن ما جعلوه, وتقربوا به لأوثانهم, فهو تقرب خالص لغير الله, ليس لله منه شيء. وما جعلوه لله - على زعمهم - فإنه لا يصل إليه لكونه شركا, بل يكون حظ الشركاء والأنداد, لأن الله غني عنه, لا يقبل العمل الذي أشرك به معه أحد من الخلق.

"وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ "
ومن سفه المشركين وضلالهم, أنه زين لكثير من المشركين شركاؤهم - أي: رؤساؤهم وشياطينهم - قتل أولادهم, وهو: الوأد, الذين يدفنون أولادهم وهم وأحياء خشية الافتقار, والإناث خشية العار. وكل هذا من خدع الشياطين الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك, ويلبسوا عليهم دينهم, فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح. ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم, حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة. ولو شاء الله أن يمنعهم, ويحول بينهم وبين هذه الأفعال, ويمنع أولادهم عن قتال الأبوين لهم, ما فعلوه. ولكن اقتضت حكمته, للتخلية بينهم وبين أفعالهم, استدراجا منه لهم, وإمهالا لهم, وعدم مبالاة بما هم عليه, ولهذا قال: " فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ " أي: دعهم مع كذبهم وافترائهم, ولا تحزن عليهم, فإنهم لن يضروا الله شيئا.

"وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ "
ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عموما, وجعلها رزقا ورحمة, يتمتعون بها, وينتفعون, قد اخترعوا فيها بدعا وأقوالا, من تلقاء أنفسهم. فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام والحرث أنهم يقولون فيها: " هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ " أي: محرم " لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ " أي: لا يجوز أن يطعمه أحد, إلا من أردنا أن يطعمه, أو وصفناه بوصف من عندنا. وكل هذا - بزعمهم - لا مستند لهم ولا حجة, إلا أهويتهم, وآراؤهم الفاسدة. وأنعام ليست محرمة من كل وجه, بل يحرمون ظهورها, أي: بالركوب والحمل عليها, ويحمون ظهرها, ويسمونها الحام. وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها, بل يذكرون اسم أصنامهم, وما كانوا يعبدون من دون الله عليها, وينسبون تلك الأفعال إلى الله, وهم كذبة فجار في ذلك. " سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ " على الله, من إحلال الشرك, وتحريم الحلال, من الأكل, والمنافع.

"وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ "
ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام, ويعينونها - محرما ما في بطنها, على الإناث دون الذكور, فيقولون: " مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا " أي: حلال لهم, لا يشاركهم فيها النساء. " وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا " أي: نسائنا, هذا إذا ولد حيا. وإن يكن ما في بطنها يولد ميتا, فهم فيه شركاء, أي: فهو حلال للذكور والإناث. " سَيَجْزِيهِمْ " الله " وَصْفَهُمْ " حين وصفوا ما أحله الله, بأنه حرام, ووصفوا الحرام بالحلال, فناقضوا شرع الله, وخالفوه, ونسبوا ذلك إلى الله. " إِنَّهُ حَكِيمٌ " حيث أمهل لهم, ومكنهم مما هم فيه من الضلال. " عَلِيمٌ " بهم, لا تخفى عليه خافية, وهو تعالى, يعلم بهم وبما قالوه عليه وافتروه, وهو يعافيهم, ويرزقهم, جل جلاله.

"قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ "
ثم بين خسرانهم وسفاهة عقولهم فقال: " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ " أي: خسروا دينهم وأولادهم, وعقولهم, وصار وصفهم - بعد العقول. الرزينة - السفه المردي, والضلال. " وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ " أي: ما جعله رحمة لهم, وساقه رزقا لهم. فردوا كرامة ربهم, ولم يكتفوا بذلك, بل وصفوها بأنها حرام, وهي من أحل الحلال. وكل هذا " افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ " أي: كذب يكذب به كل معاند كفار. " قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " أي: قد ضلوا ضلالا بعيدا, ولم يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم.

"وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "
لما ذكر تعالى تصرف المشركين في كثير مما أحله الله لهم, من الحروث والأنعام, ذكر تبارك وتعالى, نعمته عليهم بذلك, ووظيفتهم اللازمة عليهم, في الحروث والأنعام فقال: " وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ " أي: بساتين, فيها أنواع الأشجار المتنوعة, والنباتات المختلفة. " مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ " أي: بعض تلك الجنات, مجعول لها عرش, تنتشر عليه الأشجار, ويعاونها في النهوض عن الأرض. وبعضها خال من العروش, تنبت على ساق, أو تنفرش في الأرض. وفي هذا تنبيه على كثرة منافعها, وخيراتها, وأنه تعالى, علم العباد كيف يعرشونها, وينمونها. وأنشأ تعالى النخل " وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ " أي: كله في محل واحد, ويشرب من ماء واحد, ويفضل الله بعضه على بعض في الأكل. وخص تعالى, النخل, والزرع على اختلاف أنواعه, لكثرة منافعها, ولكونها هي القوت لأكثر الخلق. وأنشأ تعالى الزيتون " وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا " في شجره " وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ " في ثمره وطعمه. كأنه قيل: لأي شيء أنشأ الله هذه الجنات, وما عطف عليها؟ فأخبر أنه أنشأها لمنافع العباد فقال: " كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ " أي: النخل والزرع " إِذَا أَثْمَرَ ". " وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " أي: أعطوا حق الزرع, وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في الشرع. أمرهم أن يعطوها يوم حصادها, وذلك لأن حصاد الزرع, بمنزلة حولان الحول. لأنه الوقت, الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء, ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع, ويكون الأمر فيها ظاهرا, لمن أخرجها, حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج. وقوله: " وَلَا تُسْرِفُوا " يعم النهي عن الإسراف في الأكل, وهو: مجاوزة الحد والعادة, وأن يأكل صاحب الزرع أكلا يضر بالزكاة, والإسراف في إخراج حق الزرع, بحيث يخرج فوق الواجب عليه, أو يضر نفسه أو عائلته أو غرماءه. فكل هذا, من الإسراف الذي نهى الله عنه, الذي لا يحبه الله, بل يبغضه ويمقت عليه. وفي هذه الآية, دليل على وجوب الزكاة في الثمار, وأنه لا حول لها, بل حولها, حصادها في الزروع, وجذاذ النخيل. وأنه لا تتكرر فها الزكاة, لو مكثت عند العبد أحوالا كثيرة, إذا كانت لغير التجارة, لأن الله لم يأمر بالإخراج منه, إلا وقت حصاده. وأنه لو أصابها آفه قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر, أنه لا يضمنها, وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع, قبل إخراج الزكاة منه, وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة, بل يزكي المال الذي يبق بعده. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم, يبعث خارصا, يخرص للناس ثمارهم, ويأمره أن يدع لأهلها الثلث, أو الربع, بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره, من أهلها, وغيرهم.

"وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ "
أي: وخلق وأنشأ من " الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا " أي: بعضها, تحملون عليه وتركبونه, وبعضها, لا تصلح للحمل والركوب عليها, لصغرها, كالفصلان ونحوها, وهي الفرش. فهي من جهة الحمل والركوب, تنقسم إلى هذين القسمين. وأما من جهة الأكل, وأنواع الانتفاع, فإنها كلها, تؤكل, وينتفع بها. ولهذا قال: " كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ " أي: طرقه وأعماله, التي من جملتها, أن تحرموا بعض ما رزقكم الله. " إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " فلا يأمركم إلا بما فيه مضرتكم وشقاؤكم الأبدي.

"ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
وهذه الأنعام التي امتن الله بها على عباده, وجعلها كلها حلالا طيبا, فصلها بأنها: " ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ " ذكر وأنثى " وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ " كذلك. فهذه أربعة, كلها داخلة فيما أحل الله, لا فرق بين شيء منها. فقل لهؤلاء المتكلفين, الذين يحرمون منها شيئا دون شيء,