المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : دور العلم في بناء الحضارة المصرية


slaf elaf
01-12-2016, 05:54 PM
http://up.graaam.com/img/0e2bb90251a69e1c7b0974689ebb6f96.jpg

لا شك أن أي حضارة لا يستقيم بناؤها عبثًا، ولا يمكن أن تكون راسخة شامخة إلا بأسس ودعائم قوية، وأن أساس أي حضارة هو ما توصلت إليه من علم في شتى مجالات الحياة المختلفة، ذلك العلم الذي بدأ بحاجة الإنسان البدائية للحياة، وتطور بإعمال عقله، ولا شك أن الحضارة المصرية القديمة أسهمت إسهامًا كبيرًا في الحضارة الإنسانية لما توصلت إليه من اكتشافات ومخترعات، كما سنرى:

اختراع الكتابة:
يُعَدُّ أعظم ما قام به المصريون الأولون من جهود حضارية هو اختراع الكتابة، وسواء أكانوا هم أول من اخترعها، أم سبقهم في ذلك السومريون أو الصينيون فهذه مسألة موضع جدل ونظر، ولكنهم على أية حال اخترعوها مستقلين عن غيرهم، وينبغي ألا ننسى أن اختراعًا كهذا - بقطع النظر عن موضع ظهوره - لا يمكن تحديد زمنه بالضبط، لأنه لا يظهر دفعة واحدة، ولا في زمن معين، وإنَّ ذلك الاختراع بدأ في مصر في عصر ما قبل التاريخ، ويمكن أن يقال: إنه وصل إلى مرتبة من الكمال قبل نهاية ذلك العصر؛ لأن أقدم كتابة وصلت إلينا ترجع إلى عصر الدولة القديمة.

ونستطيع أن نفترض أن المصريين بدأوا الكتابة باستعمال صور للتدليل على الأشياء أو الأفكار لا الكلمات، ثم أصبحت هذه الصور تدريجيًّا - وبمضي الزمن - مصطلحاتٍ مبسَّطة ومقعَّدة مرتبطة في النهاية بكلمات منطوقة، وبذلك أصبحت كل صورة لا تمثل فكرة فحسب، بل كلمة معينة من كلمات اللغة المصرية، وربما يحدث فيما بعد أن تذهب الفكرة الأصلية وتحتفظ الصورة بقيمتها الصوتية، وأن يحدث أن يستعملوها، بل استعملوها فعلاً في كتابة كلمات ذات أصول واحدة، وبخاصة في كلمات أسماء الأشخاص، أو الكلمات ذات الدلالة المعنوية التي لا يمكن تأديتها عن طريق التصوير، وبمرور الزمن تقدم المصريون خطوة أخرى، حين استعملوا بعض الرموز للدلالة على العلامات الساكنة الأولى في الصوتيات، وهكذا صار لديهم - زمن الدولة القديمة - مجموعة عِدَّتها أربع وعشرون علامة هجائية، ولم تزد عن هذا العدد فيما بعد[1].

اكتشاف ورق البردي:
بلغ اختراع الكتابة قيمته الاجتماعية عن طريق اختراع آخر، وهو إيجاد مادة صالحة للكتابة، مع سهولة الحصول على هذه المادة بثمن في متناول الأيدي، ومن الواضح أنه ما بقيت الكتابة مقصورة على النقش على الحجر (كما كان الحال على ما يبدو في بلاد اليونان لعدة قرون)؛ فإن مجالها ينحصر في كتابة الوثائق ذات الأهمية البارزة، أمّا الإنتاج الأدبي فيكون طويلاً لدرجة أنه لا يمكن نقشه على الحجر أو المعدن، ولا بُدَّ من مادة أرخص لحفظه عن طريق تدوينه بالكتابة.

وقد تغلَّب المصريون القدماء على تلك المشكلة الأساسية بطريقة رائعة، فقد اكتشفوا طريقة لاستخدام ورق البردي في الكتابة، وهو مادة صالحة جدًا للكتابة، صنعها المصريون من لُبِّ السيقان الطويلة لنبات البردي الذي كان يكثر في مستنقعات الدلتا، وكان اللُّب يُقطَّع إلى شرائح طويلة توضع متعارضة في طبقتين أو ثلاث، ثم تُبلَّل بالماء، ثم تضغط وتصقل، ولم يكن الأمر يكلفهم أكثر من جمع نبات البردي كثير الانتشار، أمّا صنعه ورقًا فكان هينًا للغاية.

غير أن كل اختراع يتطلب اختراعاتٍ أخرى مكمِّلة له، فلا يكفي أن يكون لدينا شيء في متناول اليد لنكتب عليه، بل يجب أن يكون لدينا أيضًا أدوات الكتابة نفسها، وقد استعمل المصريون في الكتابة أنواعًا مختلفة من الألوان ليكتبوا بها على ورق البردي بفرشاة دقيقة صُنِعَت من السمار الرقيق الذي وجدوه في نفس المواضع المائية مع نبات البردي.

ومن الواضح أن ورق البردي تفوق على غيره من المواد التي استعملها المصريون للكتابة في أي زمن من الأزمنة (مثل: العظام والفخار والعاج والجلد والكتان)، على أن ناحية من نواحي هذا التفوق لم تتضح لأول وهلة، مع أنها في نظرنا أهم هذه النواحي، وهي أن الأخبار المكتوبة على العظام أو الجلد أو غيرهما من المواد تظل قطعًا غير متصلة، لا يمكن الاحتفاظ بها مجموعة مدى قرون من الزمن، أما العباقرة مخترعو ورق البردي، فبعد أن صنعوا منه صفحات منفصلة لم يلبثوا أن أدركوا أنه يمكن لصق كثير من هذه الصفحات بعضها إلى بعض الواحدة ذيل الأخرى وبذلك أمكنهم عمل درج - وهو في اللاتينية فليومن volumen، ومنه اشتُقَّت كلمة فليوم volume في اللغات الأوربية الحديثة - ليحتوي على نصٍّ مهما بلغ طوله، ويحفظه حفظًا تامًا في ترتيبه الخاص، واختلف عرض الدرج من ثلاثة أقدام إلى ثمانيةَ عشرَ قدمًا، وأما الطول فيتوقف على النص الذي يحتويه، وأطول بردية معروفة هي التي تسمَّى هاريس رقم 1 (بالمتحف البريطاني رقم 9999)، ويبلغ قياسها 133 قدمًا × 16 قدمًا[2]، وبفضل اختراع الدرج وصل إلينا كثير من النصوص القديمة كاملاً[3].

الفلك:
ترجع معرفة المصريين بالنجوم إلى أبعد عصر من عصور ما قبل التاريخ، وليس في هذا ما يدعو إلى العجب؛ لأن جوَّ مصر الصافي ولطافة طقسها المنعش أثناء الليل، حدا بالناس إلى التأمل في حركات الأجرام السماوية، ولا بد أنهم لاحظوا أن النجوم موزعة توزيعًا غير متساوٍ، وأنها مجموعات (أو أبراج) ذات أشكال معينة، وتسهيلاً للرجوع إلى هذه المجموعات قسَّموا منطقة واسعة على طول خط الاستواء إلى ستة وثلاثين قسمًا يشمل كل منها أسطعَ النجوم والمجموعات (أو أجزائها)، مما يمكن رصد ظهوره كل عشرة أيام متعاقبة (وهو ما يُسَمّى: ديكان)، ولدينا جداول قديمة لهذه الأقسام، والنجوم الخاصة بكل منها[4].

ومن المعروف أن أهم حدث في الحياة المصرية هو الفيضان السنوي للنيل، إذ يتوقف عليه رخاء الفلاح أو ضنكه (في الفيضان المنخفض)، واتفق ذلك الحدث تمامًا (أو تقريبًا لأن انتظامه لم يكن دائمًا) مع شروق الشِّعرَى اليمانية، وهي أكثر النجوم تألقًا في السماء.

وقبل ذلك حاول المصريون حساب الزمن بواسطة القمر، ولكنهم سرعان ما انتقلوا عنها إلى التقويم الشمسي؛ فغدت السنة عندهم أولاً مقسمة إلى اثني عشرَ شهرًا، وكل شهر منها ثلاثة دياكين، وساوت السنة ستة وثلاثين ديكانًا، ولكنهم سرعان ما أضافوا إليها خمسة أيامٍ أعيادًا[5].

العمارة والهندسة:
الأهرام معروفة لكل إنسان، وهي لذلك غنية عن التعريف، ولكنَّ القارئ العادي لا يفكر إلا في أهرام الجيزة الثلاثة وهي أكبر الأهرام، ولكنَّها ليست كل ما هنالك منها، ولا هي أقدمها، أمّا أقدم هرم فهو ما بُنِي للملك زوسر من الأسرة الثالثة (في القرن الثلاثين قبل الميلاد)، وهو المعروف باسم الهرم المدرَّج بسقارة (قرب العاصمة القديمة منف جنوبي القاهرة)، ويبلغ ارتفاع هذا الهرم حوالي مائتي قدم، أما الهرم الأكبر، وهو أضخم الأهرام الثلاثة بالجيزة، فكان بناؤه بعد ذلك بقرن من الزمن للملك خوفو من الأسرة الرابعة، وهو أضخم بناء من العصور القديمة، ومن أضخم ما شيَّد الإنسان على الإطلاق، إذ يبلغ طول كل جانب من جوانبه حوالي 775 قدمًا، وارتفاعه عندما كان كاملاً 480 قدمًا. وهذه الأهرام التي شيدت لإيواء القبور الملكية وحفظها وصيانتها بُنِيَت من الحجر الجيري كتلة فوق كتلة، ما عدا الحجرات الجنائزية والممرَّات المتعرِّجة التي تؤدي إليها. وتثير إقامة هذه الأبنية الضخمة منذ تسعة وأربعين قرنًا مضت معضلاتٍ فنيةً متعددة لم يتضح كثيرٌ منها حتى الآن؛ فلا يزال مما يحير الفكر مثلاً: كيف تمكن المعماريون أيام خوفو من ابتكار تصميم لهذا البناء، وكيف تمكَّنت رعيته من إقامته؟ ذلك أن أدواتهم الهندسية، بالغة ما بلغت من التقدم بالقياس إلى أدوات الشعوب القديمة - كانت درجاتٍ كثيرةً دون أدواتنا - والواقع أن الأهرام بالجيزة عجيبة جدًا لدرجة أن بعض العلماء الذين حاولوا كشف أسرارها وقعوا فريسةً لنوع من الجنون، فنسبوا إلى بنائيها القدماء قدراتٍ سحريةً وميتافيزيقية.

وقد فسَّر بعض المستخِفِّين بمجهودات بناة الأهرام معجزة البناء هذه؛ بقولهم: "استخدم المصريون آلافًا كثيرة من الرجال لمدة طويلة من الزمن، فأحلُّوا القوة البشرية محلَّ القوة الآلية بأعداد لا تنتهي من العمال"، ولا ريب أنهم استخدموا آلافًا كثيرة من العمال، ولكن هذا لا يفسر المعجزات المعمارية والفنية، بل يضيف إليها معجزاتٍ بشرية تشبهها في صعوبة تفسيرها؛ ذلك أنه من السهل أن نتحدث عن حشد 30 ألف رجلٍ، للقيام معًا بعمل شاق، ولكن كيف حدث ذلك بالضبط؟ إنَّ عدد الرجال الذين يمكن حشدهم للإفادة منهم في عمل معين في مكان محدود يتطلب أن يكون عددًا محدودًا، ومع التسليم بأن من المستطاع أن نستخدم عددًا كبيرًا - عشرات الآلاف مثلاً - من العمال معًا في وقت واحد؛ فإن الإشراف على مثل هذه العدد من العمّال يحتاج إلى مهارة كبيرة وتدبير، كما أن إطعامهم من جوع، وسدَّ حاجاتهم الأخرى يستلزم خبرة إدارية، ومهارة بالغة في شئون التموين، وسواء أكانت القوة اللازمة لعملٍ من الأعمال مستوردةً من محركٍ مكني أم من كتلة بشرية، فإنَّ ترتيب هذا العمل وتنفيذه يتطلب معرفة وذكاء وتنسيقًا بين العمل والعمال[6].

الرياضيات:
تتضمن الأعمال المعمارية والهندسية في مصر قدرًا كبيرًا من المعرفة بالحساب والهندسة، وأول ذلك أنهم كانوا في حاجة ضرورية لمعرفة الطرق البسيطة لإجراء الحسابات المعقدة، وقد استطاعوا سدَّ مثل هذه الحاجة منذ القدم، فهناك صولجان ملكي بمتحف (الأشموليان) بأكسفورد يرجع تاريخه إلى عهد الملك نارمر[7] قبل الأسرة الأولى (أي عام 3400ق. م)، يسجِّل الاستيلاء على 120 ألف أسير، و400 ألف ثور، و1.422.000 من الماعز، وهذه لا شك أعداد كبيرة منقوشة بطريقة قريبة إلى حدٍّ ما من طريقة الأعداد الرومانية، لوجود رموز تحيل المليون لأرقام عشرية يمكن تكرارها عدة مرات حسب العدد المطلوب، وعلى العموم كتب المصريون أكبر الوحدات أولاً، ثم أعقبوها بالوحدات الأخرى حسب أهميتها.

أما الحاجة إلى الهندسة فواضحة حتى في بناء آثار بسيطة في مظهرها الخارجي كالأهرام، وهذه تعود بنا إلى القرن الثلاثين قبل الميلاد، ذلك أنه تحتَّم على بناة الأهرام أن يقطعوا كتل الحجر الجيري على مقاسات مضبوطة قبل وضعها على مواضعها المطلوبة، وأكبر هذه الكتل هي التي رتبت ترتيبًا معقدًا فوق المقبرة الملكية بمثابة دعامات لتحويل الضغط عن سقفها، ويوجد من هذه الدعامات 56 دعامة لسقف المقبرة الملكية في الهرم الأكبر، يبلغ متوسط وزنها 54 طنًا، وبلغت الدقة التي رُوعِيَت في بناء ذلك الهرم (خوفو- الأسرة الرابعة) درجة لا يمكن تصديقها[8].

ويدل قطع الأحجار التي تطلب تركيب بعضها إلى البعض معرفة بالهندسة وقياس الأحجار (وسنرى الآن كيف ذهب المصريون بعيدًا في هذا المضمار). ومع أنه من المستطاع أن تقول في اطمئنان بوجود أجهزة رياضية كافية نوعًا ما لدى بناة الأهرام، وأنه لم يكن في الإمكان أن ينهضوا بالجانب العلمي من عملهم بدون هذه الأجهزة، فلا توجد لدينا نصوص رياضية من الدولة القديمة ولا غيرها قبل الأسرة الثانية عشرة (2000 – 1788 ق. م) مع احتمال إرجاع أهم نصين من النصوص المتأخرة التي وصلت إلينا إلى تلك الأسرة نفسها[9].

الطب:
لا حاجة إلى التأكيد بقدم الطب المصري، ففي كل حضارة من الحضارات يتطور الطب مبكرًا، لأن الحاجة إليه عامة ملحة دائمًا، بحيث لا يمكن إغفالها في أية بقعة من بقاع الأرض، وليس هناك من شك أن المصريين مارسوا نوعًا من الطب منذ أبعد العصور ما قبل التاريخ، أي قبل الميلاد بعدة آلاف من السنين، مثال ذلك أنَّ استعمال الملاخيت كحلاً وطلاءً للعين يرجع إلى عصر البداري (4500 ق. م )، وأن استعمال الجالينا (خام الرصاص) لأغراض مشابهة جاء بعد ذلك في عصور ما قبل الأسرات أيضًا، وكان الختان طقسًا من طقوس المصريين منذ عصر سحيق، دلَّت عليه آثاره في الجثث التي استُخرِجَت من مقابر عصر ما قبل التاريخ (أي منذ عام 4000 ق. م) وفي مقبرة من الأسرة السادسة (حوالي 2625- 2475ق. م).

وأقدم طبيب معروف باسمه هو إيمحتب وزير الملك زوسر مؤسس الأسرة الثالثة في القرن الثلاثين قبل الميلاد، وكان إيمحتب رجلاً عالمًا وفلكيًّا وطبيبًا ومهندسًا معماريًّا، وصار إيمحتب في العصور التالية معبودًا عند المصريين، باعتباره بطلاً وطبيبًا منزهًا عن كل شائبة، ثم عبدوه بعد ذلك باعتباره إلهًا للطب. ونحن لا نعرف إلا نزرًا يسيرًا عن مدى معرفة إيمحتب بالطب، غير أنَّ رفعه إلى مقام الإله ينطوي على معان واضحة، تجعلنا مطمئنين إلى تقدير المصريين له بأنه أول رجل عظيم في الطب.

ولم يقتصر الأمر في عصر الأهرام على وجود كثير من الأطباء فحسب، بل تعداه إلى وجود إخصائيين بينهم في بعض فروع الطب، وتظهر مهارة أحد أطباء الأسنان الأوليين في فك سفلي وجد في مقبرة من الأسرة الرابعة (2900- 2750) أجريت فيه عملية لتصريف الإفرازات من خراج تحت الضرس الطاحن الأول، ويتضح من اللوحة الجنائزية الخاصة بالطبيب (غيري)، وهو رئيس أطباء أحد فراعنة الأسرة السادسة (2625- 2475) أنه كان أيضًا "طبيب العيون بالقصر" و"الطبيب الباطني للقصر" وأنه كان يلقب بألقاب منها "العارف بالإفرازات الباطنية" و"حارس الدير"[10].

ثم نرتفع في مصر من هذه الأعماق إلى الأطباء العظام والجراحين والإخصائيين الذين ساروا في صناعة الطب على قانون أخلاقي ظل يُتَوَارث جيلاً بعد جيل حتى وصل إلى القَسَم الذائع الصيت: قسم أبقراط الذي انتقل إليهم من الحضارة اليونانية. وكان من المصريين إخصائيون في التوليد وفي أمراض النساء؛ ومنهم من لم يكن يعالج إلا اضطرابات المعدة، ومنهم أطباء العيون. وقد بلغ من شهرة هؤلاء أن قورش استدعى واحدًا منهم إلى بلاد الفرس. أولئك هم الإخصائيون، أما غير الإخصائيين منهم فقد تُرِكَ لهم جمع الفتات بعد هؤلاء وعلاج الفقراء من الناس؛ وكان من عملهم فوق هذا أن يحضِّروا أدهان الوجه، وصبغات الشعر، وتجميل الجلد، وأعضاء الجسم، ومبيدات البراغيث.

وقد وصلت إلينا عدة برديات تبحث في الشئون الطبية. وأعظمها قيمة بردية أدون سميث، وسميت كذلك نسبة إلى مستكشفها وهي ملف طوله خمسة عشر قدمًا، ويرجع تاريخها إلى عام 1600 ق. م تقريبًا وتعتمد على مراجع أقدم منها كثيرًا. وحتى لو ضربنا صفحًا عن هذه المراجع الأولى لظلت هذه البردية نفسها أقدم وثيقة علمية معروفة في التاريخ وهي تصف ثماني وأربعين حالة من حالات الجراحة التطبيقية تختلف من كسر في الجمجمة إلى إصابة النخاع الشوكي، وكل حالة من الحالات الواردة فيها مبحوثة بحثًا دقيقًا في نظام منطقي في عناوين مرتبة من تشخيص ابتدائي مؤقت، وفحص، وبحث في الأعراض المشتركة بين أمراض مختلفة، وتشخيص العلة، والاستدلال بأعراضها على عواقبها وطريقة علاجها، ثم تعليقات على سطح المصطلحات العلمية الواردة فيها وشروح لها. ويشير المؤلف في وضوح لا نجد له مثيلاً قبل القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن المركز المسيطر على الطرفين السفليين من أطراف الجسم كائن في المخ.

وكان لدى الأطباء المصريين عدة وافية من الأقراباذينات (دساتير الأدوية) لمقاومة هذه الأمراض كلها. ففي بردية إيبرز ثَبْتٌ بأسماء سبعمائة دواء لكل الأدواء المعروفة، من عضة الأفعى إلى حُمَّى النِّفاس[11].

وتصف بردية كاهون (ويرجع عهدها إلى حوالي عام 1850 ق. م) أقماع اللبوس، ولعلها كانت تستخدم لمنع الحمل. وقد عُثِرَ في قبر إحدى ملكات الأسرة الحادية عشرة على صندوق للأدوية يحتوي على مزهريات، وملاعق، وعقاقير جافة، وجذور. وقد انتقلت بعض هذه الوسائل العلاجية من المصريين إلى اليونان، ثم انتقلت من اليونان إلى الرومان، ومن الرومان إلى العالم بعد ذلك ولا نزال إلى اليوم نتجرع في ثقة واطمئنان كثيرًا من الأدوية التي خلطها وجهَّزها لنا المصريون على شاطئ النيل في أقدم الأزمان[12].

ولقد حاول المصريون أن يحافظوا على صحة أجسامهم باتِّباع الوسائل الصحية العامة، وبختان الذكور، وبتعويد الناس أن يُكثِرُوا من استخدام الحقن الشرجية. ويقول ديودور الصقلي في هذا المعنى: "وهم يتَّقون الأمراض بالمحافظة على صحة أجسامهم وذلك باستخدام المليِّنات وبالصوم وبالمقيئات، كل يوم في بعض الأحيان وكل ثلاثة أيام أو أربعة في البعض الآخر؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الجزء الأكبر مما يخلُّ بالجسم من طعام يزيد على حاجته، وإن الأمراض إنما تنشأ من هذا القدر الزائد"[13].

ويعتقد "بلني" أن المصريين قد تعلَّموا عادةً استخدام الحقن الشرجية من الطائر المعروف "بأبي منجل" وهو طائر يقاوم الإمساك الناشئ من طبيعة ما يتناوله من الطعام بإدخال منقاره الطويل في دبره واستخدامه كالمحقن. ويروي هيرودوت أن المصريين كانوا "يطهرون أجسامهم مرة في كل شهر ثلاثة أيام متوالية، ويعملون على حفظ صحتهم بالمقيِّئات والحقن الشرجية، لأنهم يظنون أن جميع ما يصيب الناس من الأمراض إنما ينشأ مما يأكلون من الطعام"[14]. وهذا المؤرخ- وهو أول مؤرخ للحضارة- يصف المصريين بأنهم بعد اللوبيين[15] أصح شعوب العالم أجسامًا.

التحنيط:
ومن الأمور التي تميزت بها الحضارة المصرية إيمانها بفكرة الحياة بعد الموت، تلك التي دفعت أفرادها إلى التفكير بطريقة يحافظون بها على جسم الإنسان بعد موته، تمهيدًا لانتقاله إلى هذا العالم الآخر، الذي كان في معتقدهم عالم إله الموت (أوزوريس).

وكانوا يدرسون التفاصيل المادية لجسم الإنسان أثناء حياته، ويحاولوا أن يحتفظوا بها بعد موته، بما يكفل عدم تحللها، وانصب اهتمامهم الأساسي على الجسد، كيف يحفظونه، وذلك من خلال التحنيط الذي كان يقوم به الكهنة والأطباء أو الفيزيائيون في أماكن خاصة وفقًا للطقوس الدينية الجوهرية الخاصة بالدفن.

واتبعوا للتحنيط أسلوبًا علميًا دقيقًا، يتلخص في تفريغ جسم الإنسان مما فيه باستخدام بعض الأدوات في ذلك، فكانوا يفرغون الصدر، ويغسلوا الأحشاء، ويقوموا بحشوها بالبصل، ثم
يلفون الجسم بلفافات كتانية تُسرِع في تجفيف الجسم، كما يفرغون الدماغ من الأنف، ويضمدون الجسم بعناية، كل عضو على حدة، وتوضع الأصابع والأكف والأقدام والأرجل والأذرع متقاطعة على الصدر، الجسم يغطى بضمادات طويلة جدًا جدًا من الكتان المغطسة بمادة صمغية التي تحمي الجسم من الصدمات ولا تسمح للبكتريا بالدخول للجسم.

وبفضل تلك الطريقة العلمية المبتكرة والفريدة جدًّا تمكنَّا من الوصول إلى عدد من الجثث المحنطة للعديد من الأسر الفرعونية القديمة.

وهكذا كان العلم، والتفكير العلمي سبيل قدماء المصريين إلى تلك النهضة العظيمة، التي لا تزال آثارها باقية حتى يومنا هذا.

[1] جورج سارتون: تاريخ العلم 1/ 76.
[2] عُثِرَ عليها عام 1855م بالقرب من معبد الدير البحري، وقد وصلت إلى يد أحد تجار الآثار في نفس الوقت، واشتراها منه في العام نفسه المستر هاريس الإنجليزي الأصل، وأول مذكرة كُتِبت عن هذه الورقة كانت عام 1858م.
[3] جورج سارتون: تاريخ العلم 1 /81.
[4] السابق 85.
[5] سارتون: تاريخ العلم 1/88.
[6] سارتون: تاريخ العلم 1/90.
[7] موحد مصر في القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد، ومؤسس الأسرة الفرعونية الأولى.
[8] السابق 98.
[9] سارتون: تاريخ العلم 1/99.
[10] ول ديورانت: قصة الحضارة 2/130.
[11] هي حدوث ارتفاع في درجة الحرارة في خلال أربعين يوما من الولادة.
[12] ول ديورانت: قصة الحضارة 2/132 وما بعدها.
[13] السابق نفسه.
[14] انظر ول ديورانت: قصة الحضارة 2/135.
[15] أقوام بدائيون لا حضارة لهم، عاشوا في أفريقيا.

د. راغب السرجاني